كتاب وشعراء وفنانون ليبيون على رصيف الحياة

أحمد الفيتوري يجمعهم في «جغرافيا الصورة»

علي مصطفى المصراتي شيخ الأدباء الليبيين
علي مصطفى المصراتي شيخ الأدباء الليبيين
TT

كتاب وشعراء وفنانون ليبيون على رصيف الحياة

علي مصطفى المصراتي شيخ الأدباء الليبيين
علي مصطفى المصراتي شيخ الأدباء الليبيين

قدم الكاتب الليبي أحمد الفيتوري في هذا الكتاب، قيد الطبع، صورة شديدة الخصوصية لليبيا، الوطن والأم والحلم والثورة، تتوثق هذه الصورة من تلقاء نفسها عبر عين حكاءة، تعرف كيف تسبر ملامحها وأبعادها، ناحتة لها معولا معرفيا شيقا، ما يمكن أن أسميه «جغرافيا الصورة». نحن أمام باقة من البورتريهات السردية الشيقة لشخوص ليبية، بعضهم مهمش ومنسي، ومسكوت عنه، رغم الأدوار الكثيرة التي لعبها، وبعضهم رحل تاركا وصاياه ودماءه وتضحياته قبسا للأجيال القادمة، وبعضهم لا يزال فاعلا بقوة في عمق المشهد بكل ما يعتريه من فواصل وعقد سميكة على شتى المستويات السياسية والثقافية والاقتصادية.
كتاب وشعراء وفنانون، علماء ومناضلون سياسيون، مثقفون ومواطنون عاديون، أحبوا أن تكون الحياة حرة في وطن عادل وحر، ينحاز لهم الكاتب، ويقدر لحظات ضعفهم وهشاشتهم، وأنها ليست وليدة العجز أو المصادفة العابرة، وإنما نتاج نضال عميق في نسيج وجدان لم يهلل للطغاة، أو يمنح بشاعتهم صك العبور خلسة من وراء ظهورهم.
فمن تحت شجرة الصفصاف يلتقط وهبي البوري حَكّاءُ ليبيا، كما يسميه المؤلف، ومن خلال مصفاة سرد شيقة يرافقه في حله وترحاله، من الإسكندرية إلى إيطاليا، وطنجة وبرلين ونيويورك، وغيرها من مدن العالم، وفي زمن الحرب العالمية المدمر.
نكتشف من شريط رحلة البوري أنه في ترحاله قابل نخبة مهمة من زعماء العالم مثل: موسوليني ونهرو ونكروما وعبد الناصر وجون كنيدي، وبات مندوب البلاد في الأمم المتحدة بعد أن توزّر فيها في أكثر من وزارة. ورغم مشاق هذه الرحلة ترجم القصص عن الإيطالية، كما عمل مُحرراً بمجلة «ليبيا المصورة» في ثلاثينات القرن العشرين التي رأس تحريرها «فخري المحيشي» ونشر تحقيقات صحافية كان أولها «رمضان في بنغازي»، وكان أول عربي يكتب وينشر «الكلمات المتقاطعة»، أما القصة القصيرة فكتبها وكان من أوائل روادها في اللغة العربية، ثم عقب هجره القصة تفرغ لترجمة كتب التاريخ.
يوم الاثنين 7 يونيو (حزيران) 2010 لم يرحل إلا وقبلها بساعات معدودات في غرفة العناية المركزة طلب من الأستاذ علي الفلاح، مسؤول بـ(المجلس العام للثقافة) الذي جاء يطمئنُ عليه أن يأتيهُ بعقد كتابه الأخير ليوقعه، وكان «الفلاح» قد جاء إلى بيت البوري لهذا الغرض ولم يكن علم بمرضه، وآخر ما فعل في الرمق الأخير «وهبي البوري» أن وقع كتابَهُ الأخير.
هذه الخيوط الشيقة التي رسمها الفيتوري للوحة البوري، عاشقا ومناضلا وإنسانا، يؤمن أن انحيازه لحلمه البسيط هو انحياز للوطن، بمعناه الأوسع والأعمق على مستويي الحلم والواقع معا؛ تتناسل في ضفيرتها وبزوايا متنوعة شخوص الكتاب، صانعة هذه الجغرافيا الخاصة، التي هي في حقيقتها شهادة على أحلام اختفت تحت وطأة القهر السياسي والاجتماعي لنظام حكم فاسد، وأخرى تنهض من تحت ركام الغبار، محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من إرث وطن يملك كثيرا من المقومات الذاتية على صناعة البهجة والحياة.
هكذا يدلف إلى المشهد علي مصطفى المصراتي، شيخ الأدباء الليبيين، رفيق الحكمة والتسامح، وذلك عبر رسالة حميمة، تناقش أفكاره عن العلاقة بالآخر، وفكرة «القبول بالغير»، من منطلق أن الاعتراف بالحق في الاختلاف من سنن الحياة والتطور، كما أن التسامح لا يعني عدم الاكتراث واللامبالاة، إنما يعني البحث عن الأفضل.
وفي جدل المنسي والمهمّش، ما بين قبضتي الحضور والغياب، تطالعنا صورة المنتصر، الشاعر المقهور (محمود عبد المجيد المنتصر)، وتبدو المفارقة جلية إلى حد السخرية المرة، من تقاطع اسمه مع الواقع. فهو المنتصر بشعره لاسمه، لكن هذا الاسم ظل تحت وطأة واقع متعسف، منسيا في الماضي، مضطهدا في الحاضر، لتبقى حيرة وجوده هي البحث عن معنى للسعادة، التي كثيرا ما تغنى بها في شعره، وظل مفتقدها على أرض الواقع.
أما جاحظ العصر، عبد المُولى لَنقِي، الذي ينعته الفيتوري بـ«كِتَاب ليبيا»، فله حياة أخرى في البحث عن السعادة أيضا. فعلى كاهله حمل ما يُحب، وبلغ هذا الحب ذروته في أن يجعل الكتابَ حبه الأول والأخير، لكن لهذا الكتاب ضرة تزوجها عن حبٍ جارف هي «ليبيا»، أسطورته الأولى والأخيرة، أيضا.
تتكثف اللقطة وملامح الصورة، حين تصوِّب العدسة أشعتها الخاطفة على مشهد بيت لنقِي من الداخل، وينساب شريط السرد على عفويته: «قلت دخلت بيته فوجدت مقامه ومضيفته تعج بـ(خرائط ليبيا)، كثير منها جمعها في ترحاله، بعض الخرائط أصلية كان يُطاردها في مزادات الكتب والخرائط، وفي الأسواق القديمة وعند الباعة المتجولين حيثُ سافر في أماكن كثيرة».
ثمة أشياء هي ابنة الفطرة، وأشياء يفقدها الواقع فطريتها، تنتسب الأولى للجمال الصافي البكر، بينما تنسب الثانية لصورة مشوهة ومستنسخة عن واقع في قبضة نظام غبي لا يملك سوى شعارات مزيفة يروجها عن نمذجة هشة وهجين، تقبع دائما على السطح، بعيدا عما يجري في الأعماق.
في هذه الأعماق بكل صخبها وهدوئها المشمس الرائع، تتبدى صور شخوص، يعرفون كيف يحرثون الأرض ويغرسون البذرة في أوانها المثمر الخلاق... في صدارتهم بالكتاب: أمين مازن الكاتب المعلّق دائما بمسارب الغد، أحد الذين أسسوا «جيل57» الأدبي الطليعي، وصاحب المقولة الأثيرة «علينا أن نخترع أنفسنا»... ثم محمد المفتي الطبيب الجراح الذي انشغل بفكرة «توطين العلم»، بدافع من حبه للأدب والرسم والفن والكتابة، وباسم هذا الحب انخرط في الحياة السياسية، لكن المكافأة كانت في النهاية اعتقاله لمدة عشر سنوات في السجن.
على مقربة من هذه الصورة تنتصب صورة حسين مخلوف، الذي يتأبط نفسه، معلما ومترجما وناقدا ومعدا للبرامج الإذاعية، وكيف قضى في السجن ردحا من الزمن، متهما بعدم التبرئة من يقينه، بأن التحزب ليس خيانة.
يخرج من إطار الصورة نفسها، رضوان بوشيشة، معشوق الآيرلنديات، طريد طرابلس وحكايته المؤلمة ومحاكمته الهزلية، لأنه طارد لصوص الفساد وكشفهم على قارعة الطريق.
وبنبرة شجن، تحت هذا الرذاذ الآسن يرسم الفيتوري صورة يتلاقح فيها الوضوح والغموض، كأنهما عاشقان التقيا على مقعد مهجور بحديقة الحياة... كتب عن سالم العوكلي، سيد من سادة الحياة، شاعر الظمأ والهوس والجنون، تربى على ثقافة المشافهة، في درنة، مسقط رأسه، مستعرضا نماذج حية لسعيه الدائم لأن تكون درنة قبلة لمبدعي البلاد وكتابها... تلتقط الصورة خيوط الزهد والترفع والرفعة الكامنة في داخل العوكلي على هذا النحو من ألفة الغرابة: «لم يكتب الشعر وحسب بل نثر الشعر في حقل الحياة، وإن لم يحصد ما زرع فلأنه اكتفى بأن يكون الشاعر، ولم يرتض للشاعر وظيفة حتى منصب شاعر، لهذا لم يُداعك من أجل حيزٍ في مكان وما بحث عن صيتٍ في الزمان».
تبلغ جغرافيا هذه الصورة ذروتها المعرفية، في صور ومشاهد مماثلة، تتقاطع معها باسم الوجع والحلم الإنساني معا، ففي سقف جغرافيا الصورة الليبية، يستدعي الفيتوري، صورة الشاعرة الروسية المناضلة المغبونة آنا أخماتوفا، التي ذاقت الأمرين من الحبس والاضطهاد، واغتيال الروح والجسد في عهد الديكتاتورية الستالينية في روسيا، ويكتب عن ناجي العلي، ولوركا الليبي، بمناسبة ترجمة الناقد الليبي خليفة التليسي للديوان الكامل للشاعر الإسباني الأشهر لوركا، مع دراسة ضافية عن شعره وأثره في الشعرية العربية... وفي الصورة يلمح الفيتوري بذكاء أدبي شفيف، لا يخلو من رمزية سياسية لافتة، ما بين مسرحية عرس الدم الشهيرة للوركا، وزواج ابن طرابلس الشاعر محمد الفقيه صالح الذي رحل عن عالمنا في هذا العام 2017، وكان آخر منصب تولاه في عمله الدبلوماسي منصب سفير ليبيا بإسبانيا.
وبمحبة طفل يدخل الفيتوري محراب الشاعر المصري الرائد محمد عفيفي مطر، ويسميه المنسي في الطمي، وعبر مونولوج خاص وحميم، يتقاطع فيه الداخل والخارج، تستجلي الصورة ملامح خفية من حياة مطر، القروي على فطرته، والشاعر الإنسان، العاشق للأسئلة الكاشفة الطافرة بالدهشة والمعرفة الحرة البناءة. تومض هذه الصورة وتتنوع في زوايا حية، ما بين القاهرة وليبيا وبغداد.
يحتفي الكتاب أيضا بصورة المدن، بأساطيرها وناسها، وكتابها وأحلامها المتسربلة في خطاهم... فتطل أساطير طرابلس ودرنة وبنغازي وغيرها من المدن، ما يجعلنا أمام كتاب يقدم زادا معرفيا أصيلا، كما يبني من جغرافيا الصورة حياة شخوص، تركوا رسائل حية، ممتدة في جسد الزمان والمكان.



في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.


«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».


ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»