الحرب السورية عنواناً لأفلام الأوسكار المختلفة

«الشرق الأوسط» في موسم الجوائز (‪(1‬

TT

الحرب السورية عنواناً لأفلام الأوسكار المختلفة

بعد أن أسدل مهرجان تورنتو الستار على دورته الأخيرة في الثامن عشر من الشهر الماضي، فتح السينمائيون والمعنيون من الإعلاميين والنقاد ملفاتهم الخاصة لترتيب أوراق موسم ساخن آخر كان انطلق في ذلك الشهر، ما بين نهاية مهرجان فينيسيا وجوائزه، وبين بداية مهرجان تورنتو ووصولاً إلى نهايته أيضاً.
هي ملفات موزعة بحسب الأسماء الأبرز المتوقع لها أن تدخل سباق الجوائز فتخطف من موسمه ما تستطيع أو تجد نفسها في المحفل الكبير تنشط كسواها، لكنها تخرج في نهاية الأمر من دون أي جائزة تذكر.
هناك المخرجون والممثلون والكتاب والمنتجون والمصوّرون وباقي أصحاب المهن السينمائية، وهناك بالطبع الأفلام. والحكمة هنا تقضي بأن لا يرقص الناقد التانغو مع من يحبذه، بل يتابع ما ينصرف إليه الواقع والخبرة معاً ليأتي تقييمه مبنياً على المعلومات وعلى التجربة وحسن التقدير.

فضيحة
بداية، هناك سينمائي واحد لا يبدو أنه سيشهد هذا العام أي معاملة خاصة، ولا هو متوقع التقاط الجوائز كما عادته (تقريباً) في كل سنة، وذلك بسبب سيل من الفضائح التي خرجت بها صحيفة «نيويورك تايمز» حول تحرشاته المكثّفة في السنوات الأخيرة.
إنه المنتج هارفي وينستين الذي فتحت الصحيفة ملفه الشخصي المخبوء لتجده مليئاً بالتحرش بموظفاته وببعض الممثلات اللواتي حلمن بأدوار سينمائية في بعض إنتاجاته التي عرفت بنجاحاتها النقدية سابقاً. ما أوردته الصحيفة لم يكن مقالاً تخمينياً بل تحقيقاً مطولاً جرى توثيقه بمقابلات مع الكثيرات من النساء الذين وصفوا طريقته المثلى لإغوائهن. معظمهن هرب من الباب الذي جاءت منه والبعض منهن كتبن للصحيفة ما حدث فوثّقته في تحقيقها المنشور قبل نحو أسبوع بحيث لم يبق أمام المنتج المعروف سوى التهديد برفع دعوى وتقديم اعتذار منشور يقول فيه إنه أخطأ وإن كان عدد المرات التي أقدم فيها على هذه الجنح ليس بالكم الذي ذكرته الصحيفة.
هارفي وشقيقه بوب كانا رئيسي شركة ميراماكس التي لمعت في العقدين الأخير من القرن الأول والعقد الأول من القرن الحالي مثل «البريء» مع أنطوني هوبكنز وإيزابيلا روسيلليني و«إبك الوطن الحبيب» مع رتشارد هاريس وجيمس إيرل جونز و«إيما» مع غوينيث بولترو وهذا الأخير خرج بأوسكار أفضل موسيقى سنة 1997 وهو واحد من جوائز عدة، تبلغ نحو 30 جائزة، نالتها أفلامه من محافل دولية.
بالأمس أصدر مجلس إدارة شركة «واينستين كومباني» التي أنشأها هارفي وشقيقه بوب بعدما باعا معظم أسهم «ميراماكس» لشركة ديزني قبل نحو خمس سنوات، بياناً يؤيد فيه قرار هارفي، وهو رئيس مجلس الإدارة، بـ«التغيب لمدة غير منظورة» أو ما يعرف عملياً بالتنحي عن ممارسة أعماله في شركته أو على أي مستوى آخر. أحد الموقعين على البيان المنتج طارق بن عمّار، وهو عضو في ذلك المجلس.

تسعة أفلام عربية
وبعد أقل من 24 ساعة على قيام «الشرق الأوسط» بنشر تحقيقها حول الأفلام العربية المنتدبة لدخول سباق أوسكار أفضل فيلم أجنبي، صدرت اللائحة الرسمية وفيها كل فيلم من الأفلام الستة التي تناولها التحقيق (نشر يوم الجمعة في صفحة السينما).
هذه الأفلام هي «الشيخ جاكسون» لعمرو سلامة (مصر) و«العاصفة السوداء» لحسين حسن (العراق) و«الإهانة» لزياد دويري (لبنان) و«راتزيا» لنبيل عيوش (المغرب) و«واجب» لأن ماري جاسر (فلسطين) و«آخر وحد فينا» لعلاء الدين سليم (تونس). لكن بالإضافة إلى هذه الأفلام نجد في القائمة الرسمية فيلمين عربيين آخرين، واحد مقدم باسم سوريا والآخر باسم الجزائر.
الفيلم السوري هو «غاندي الصغير» للمخرج سام قاضي الأميركي الجنسية الذي يوفر لمشاهديه هنا عملاً تسجيلياً طويلاً حول الناشط السوري غياث مطر الذي، وعلى حد وصف المخرج، تأثر بغاندي ومارتن لوثر كينغ في دعوته لإحلال السلام إلى أن دفع حياته ثمناً لذلك. وهذا أول فيلم للمخرج قاضي منذ أن قام، سنة 2012، بتحقيق فيلم عنوانه «المواطن» قام ببطولته خالد النبوي حول شاب لبناني حط في نيويورك ليجد نفسه متهماً بما لم يرتكب.
الفيلم الجزائري هو فرنسي التمويل أساساً (الاشتراك الفرنسي المعلن هو لفيلم عاطفي عنوانه «ضربات قلب بالدقيقة» لروبن كامبيللو) بعنوان «الطريق إلى إسطنبول» لرشيد بوشارب. دراما حول فتاة فرنسية تعتنق الإسلام وتلتحق بالمتشددين في سوريا. والدتها التي راعها ما أقدمت عليه تريد الوصول إليها في تركيا قبل أن تجتاز ابنتها الحدود إلى سوريا.
بإضافة هذين الفيلمين لما سبق فإن نصيب السينما العربية من الأفلام المقدّمة لمسابقة أوسكار أفضل فيلم (92 فيلم من 92 دولة) يرتفع العدد إلى تسعة أفلام. أما نصيب نجاح أحدها دخول الترشيحات الرسمية فهو من الشؤون التي لا ينفع التكهن بها الآن لكن الوضع آيل للتبلور حال انتهاء هذا الناقد من مشاهدة الكم الأكبر من الأفلام المتوفرة.
فيلم «الإهانة» لزياد الدويري كان الأول بين أفلام هذه المسابقة الذي عرض للجنة الأكاديمية المصغرة التي ستخرج بعد أشهر بترشيحاتها. وبالطبع لا يفصح أحد من أعضاء اللجنة برأيه مطلقاً فهذا ممنوع عليه. ما يستطيع فعله هو شطب كل فيلم يراه من القائمة ليؤم الفيلم التالي.

من كوريا الشمالية
إذا كانت لجنة الأفلام الأجنبية لديها المهمّة الشاقة لمشاهدة 92 فيلماً من مختلف الثقافات والإنجازات والهموم أيضاً، فإن لجنة الأفلام التسجيلية تجد نفسها أمام أعلى عدد من هذه الأفلام الطويلة التي بانتظارها. في العام الماضي تم كسر الرقم الأسبق إذ بلغ عدد الأفلام التي تقدمت طالبة قبول اللجنة 151 فيلماً (تم قبول 145 منها). هذا العام يبلغ العدد 159 فيلماً.
بطبيعة الحال ينحو الفيلم التسجيلي إلى نبش وطرح القضايا والمسائل السياسية العالقة في أجواء حياتنا. وهذا العام لا يختلف في هذا الوضع. بين هذه الأفلام المبرمجة للمشاهدة ثلاثة أفلام (على الأقل) حول الحرب في سوريا وهي «صرخات من سوريا» وهو من إنتاج محطة HBO و«مدينة أشباح» الذي توفره «أمازون ستديوز» و«آخر رجال في حلب» الذي كان شوهد في مهرجان «صندانس» مطلع هذا العام ونال جائزة لجنة التحكيم الكبرى.
كلها بالطبع تروي البانوراما الشاملة حول الحرب في سوريا وبذلك تنضم إلى «غاندي الصغير» و«الطريق إلى إسطنبول». لكن هذه المأساة المستمرة ليست وحدها التي تجتمع لها أفلام تتنافس لدخول الترشيحات النهائية. هناك مثلاً الموضوع العنصري في الولايات المتحدة بينها فيلمان عن اضطرابات سنة 1992 أحدها بعنوان «دعها تقع» (Let it Fall) والثاني بعنوان LA 92.
والكثير من الأفلام حول البيئة بما فيها فيلم المخرج الصيني آي وايواي «فيض بشري» (Human Flow) الذي أخذ على عاتقه تصوير الوضع المأساوي للمهاجرين واللاجئين حول العالم بمن فيهم اللاجئون السوريون إلى تركيا ولبنان.
اللبناني جورج شمشوم هو أحد المتابعين عن كثب كل ما سبق وروده هنا بحكم أنه رئيس مهرجان «آسيا وورلد فيلم»، وذلك لسبب جوهري يلخصه لـ«الشرق الأوسط» في مكالمة هاتفية على النحو التالي:
«اهتمامي بترشيحات الأوسكار والغولدن غلوبس طبيعي جداً لأن عشرات الأفلام المقدمة إلى هذين المحفلين هي آسيوية يتمنى المهرجان عرضها موفراً لأعضاء الأوسكار والغولدن غلوبس مشاهدتها على الشاشة الكبيرة».
من دون تحبيذ لطرف أو لأي بلد، يواصل المهرجان في دورته الثالثة التي ستبدأ في الخامس والعشرين من هذا الشهر وتمتد حتى الثاني من الشهر المقبل، منهجه في تقديم عشرات الأفلام الجديدة الآتية من القارة الآسيوية وحدها.
فيلم الافتتاح سيكون تركياً بعنوان «أيلا: ابنة الحرب» عن ضابط تركي يجد، في رحى الحرب الكورية سنة 1950، فتاة صغيرة تائهة فينقلها إلى موقعه ويبدأ محاولاته المجهدة في سبيل معرفة من تكون وكيف يمكن إعادتها إلى ذويها. الفيلم هو ترشيح تركيا لأوسكار أفضل فيلم أجنبي أيضاً.
في دورة العام الماضي عرض في مسابقته التي شملت ستة عشر فيلماً «3 آلاف ليلة» للمخرجة مي مصري كاشتراك أردني، و«الكلاسيكو» لحلقوت مصطفى (العراق) و«فيلم كتير كبير» لمير - جان بو شعيا (لبنان) كما «يا طير الطاير» لهاني أبو أسعد (فلسطين). أما باقي أفلام المسابقة (وهناك أقسام أخرى خارج المسابقة) فجاءت من ماليزيا وباكستان وروسيا وكرغستان من بين أخرى. يضيف: «من المبكر قليلاً البوح بكل أفلام الدورة الجديدة. لكن حتى الآن أستطيع التأكيد على أفلام من أذربيجان والصين وباكستان والعراق («العاصفة السوداء») ولبنان («اسمعي» لفيليب عرقتنجي) ونيبال وسريلانكا وإندونيسيا».
المفاجأة التي أطلقها المخرج اللبناني الذي استقر به المقام في لوس أنجليس منذ أكثر من 25 سنة هي استقباله فيلماً من كوريا الشمالية في أوج حرب الأعصاب بين الولايات المتحدة وذلك البلد. الفيلم هو «ملح» لسانغ أوك شِن ويدور حول القتال الذي خاضه الكوريون ضد المحتلين اليابانيين في ثلاثينات القرن الماضي.


مقالات ذات صلة

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

يوميات الشرق صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» تولدت خلال جنازة والده.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

ممثلون كبار ندموا على أدوار قدّموها وتجاورت على رفوف منازلهم جوائز الأوسكار مع جوائز الراتزي عن أسوأ أداء... مَن هم هؤلاء النجوم؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

قالت المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم» لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

قال المخرج البنغالي رضوان شهريار سوميت، إن فيلمه «ماستر» جاء نتيجة مراقبة طويلة للتحولات الاقتصادية التي تشهدها بلاده.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق محمد القس في دور «صقر القفوف» العقل المدبر لكل مصائب الحي (شاهد)

خيوط الشك تمزّق «حي الجرادية»... وتثير جدل الجمهور

تشهد الدراما السعودية في موسم رمضان هذا العام تنوعاً متزايداً في الموضوعات والبيئات الاجتماعية، ويأتي مسلسل «حي الجرادية» ضمن هذه الأعمال.

إيمان الخطاف (الدمام)

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.


محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
TT

محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)

قال الفنان محمد عبد الرحمن إن مشاركته في مسلسل «المتر سمير» تُمثل بالنسبة له محطة مختلفة في مشواره، لكونها تعتمد على بناء علاقة إنسانية واضحة تكون هي العمود الفقري للأحداث، مشيراً إلى أن اللحظة التي عُرضت عليه فيها الفكرة حملت عنصر جذب أساسياً تَمثّل في طبيعة الشخصية وصلتها المباشرة ببطل العمل، الذي يجسده كريم محمود عبد العزيز، إذ يؤدي دور خاله، وهي علاقة درامية تمنح مساحة واسعة للتفاصيل والمواقف المركبة.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الفكرة أعجبته قبل أن يقرأ السيناريو؛ لأن وجود الخال شريكاً أساسياً في مسار الحكاية منحته إحساساً بأن الدور له حضوره وتأثيره في مسار الأحداث، فالعلاقة بين الخال وابن أخته بطبيعتها تحمل مزيجاً من الحنان والندية، والقرب والاختلاف، وهو ما يفتح الباب أمام لحظات إنسانية صادقة يمكن أن تتحول في لحظة إلى مواقف كوميدية خفيفة، وفي لحظة أخرى إلى لحظات مواجهة أو مراجعة.

ويجسد محمد عبد الرحمن في «المتر سمير» شخصية «أنور عدلان»، وهو خريج كلية حقوق، جاء من مدينة بنها إلى العاصمة حاملاً معه تصورات بسيطة ومباشرة عن الحياة، فيما يُشارك ببطولة العمل كل من ناهد السباعي وسلوى خطاب.

عبد الرحمن في مشهد من مسلسل «المتر سمير» (الشركة المنتجة)

دور «أنور»، كما يصفه، ليس شخصية تقليدية للقادم من الإقليم، بل إنسان طبيعي يعيش في زمنه، يتحدث بطلاقة، ويدرك تفاصيل الواقع، لكنه يحتفظ بقدر كبير من الصفاء الداخلي الذي يجعله يصطدم أحياناً ببعض قسوة المدينة وتعقيداتها، مؤكداً أن التحدي الحقيقي في تقديم هذه الشخصية كان الابتعاد تماماً عن أي مبالغة في الأداء، سواء على مستوى اللهجة أو الحركة أو حتى ردود الفعل.

وأشار إلى أن الفكرة لم تكن تقديم نموذج نمطي، بل رسم شخصية قريبة من الناس، يمكن أن تراها في حياتك اليومية دون الشعور بأنها مصطنعة من أجل الكوميديا، لذلك اعتمد في تحضيراته على قراءة متأنية للنص، ومحاولة فهم الخلفية النفسية للشخصية قبل الاهتمام بالشكل الخارجي.

وعن التحضير للشخصية، قال محمد عبد الرحمن إنه يبدأ دائماً بمحاولة تصور شكل الشخصية في الحياة اليومية، كيف تمشي وتجلس، وتنفعل، وتصمت، فهذه التفاصيل الصغيرة هي ما يصنع الفارق، لكونها تمنح الشخصية صدقاً بعيداً عن المبالغة، مشيراً إلى أن أقرب ما يجمعه بـ«أنور» هو حالة الدهشة التي قد تُصيب الإنسان أحياناً حين يواجه مواقف غير متوقعة، وهو شعور يعتبره إنسانياً بالدرجة الأولى.

وأكد أن «أنور» يتمتع بطيبة فطرية تجعله يميل إلى تصديق الآخرين وإعطائهم فرصة، لكنه في الوقت نفسه لا يخلو من لحظات ضعف أو غضب حين يشعر بأنه يتعرض للاستغلال، وهذه المساحة بين الطيبة والرغبة في الدفاع عن النفس هي ما يعدّه جوهر الشخصية، لكونها تخلق حالة من التوازن تجعل المشاهد يتعاطف معه، حتى في لحظات خطئه أو اندفاعه.

وعن علاقته داخل الأحداث بشخصية «المتر سمير» التي يقدمها كريم محمود عبد العزيز، أشار إلى أن الرابط العائلي يضع الطرفين في حالة دائمة من التداخل، فلا يمكن لأي منهما أن يكون محايداً تجاه الآخر، فهناك مشاعر حماية متبادلة، واختلاف في الرؤى، وطريقة التعامل مع الحياة، وهو ما ينتج عنه احتكاك دائم يغذي الدراما، مؤكداً أن «هذه الثنائية هي أحد أهم أعمدة العمل، لأنها قائمة على صراع لطيف بين جيلين، أو بين تجربتين مختلفتين في مواجهة الواقع».

الفنان المصري محمد عبد الرحمن - حسابه على فيسبوك.

وتحدّث عبد الرحمن عن كواليس التعاون مع كريم محمود عبد العزيز، مشيراً إلى أن بينهما حالة انسجام واضحة ساعدت كثيراً في خروج المشاهد بصورة طبيعية، لافتاً إلى أن العمل المشترك يتطلب قدراً من التفاهم والثقة، خصوصاً حين تكون هناك مساحة كبيرة من المشاهد الثنائية، وهو ما تحقق بالفعل من خلال جلسات التحضير والمناقشات المستمرة حول تفاصيل الأداء.

كما عبّر عن سعادته بالعمل تحت إدارة المخرج خالد مرعي، مؤكداً أن «مرعي يتميز بدقة شديدة في ضبط الإيقاع العام للمشاهد، ولا يترك مساحة كبيرة للارتجال غير المحسوب، وهذه المدرسة تناسبني إلى حد كبير، لأنني أفضل الالتزام بالنص المكتوب والعمل على تطويره من الداخل بدلاً من الاعتماد على المفاجأة اللحظية».

وأكد عبد الرحمن أن «المسلسل يراهن على تقديم كوميديا نابعة من الموقف، بحيث يشعر المشاهد بأن الضحك يأتي طبيعياً من تطور الأحداث وتفاعل الشخصيات»، معرباً عن أمله في «أن يصل العمل إلى الجمهور بروحه الحقيقية، وأن يشعر المشاهد بأن الشخصيات تشبهه أو تشبه مَن يعرفهم».


اكتشاف علمي لافت: ملكات النحل الطنّان قادرات على البقاء تحت الماء أسبوعاً كاملاً

 (رويترز)
(رويترز)
TT

اكتشاف علمي لافت: ملكات النحل الطنّان قادرات على البقاء تحت الماء أسبوعاً كاملاً

 (رويترز)
(رويترز)

في اكتشاف علمي وصفه باحثون بـ«الاستثنائي»، تبيّن أن ملكات النحل الطنّان قادرات على البقاء مغمورات تحت الماء لمدة قد تصل إلى أسبوع كامل، في ظاهرة قد تساعد العلماء على فهم قدرة هذه الملقّحات الحيوية على الصمود في مواجهة التغيرات المناخية والفيضانات المتزايدة، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وكشفت دراسة حديثة أن ملكات هذا النوع من النحل تستطيع النجاة في بيئات مغمورة بالمياه لمدة تصل إلى سبعة أيام، وهو أمر كان يُعدّ غير مألوف بالنسبة لحشرة تعيش أساساً على اليابسة.

جاء هذا الاكتشاف بالصدفة؛ فقد لاحظت عالمة البيئة سابرينا روندو أن مياه التكاثف المتسربة من ثلاجة المختبر تجمعت في أوعية كانت تحتوي على أربع ملكات من النحل الطنّان. غير أن المفاجأة كانت عندما اكتشفت أن الملكات ما زلن على قيد الحياة، رغم بقائهن مغمورات بالماء.

وكانت تلك الملكات في حالة تُعرف بالسبات الشتوي (Diapause)، وهي مرحلة ينخفض خلالها النشاط الحيوي للكائن إلى حد كبير خلال أشهر الشتاء. وفي الطبيعة، غالباً ما تختبئ ملكات النحل الطنّان في التربة خلال هذه الفترة، ما يجعلها عرضة للغمر بالمياه نتيجة ذوبان الثلوج أو هطول الأمطار الغزيرة.

وللتحقق من هذه الملاحظة، أعاد الباحثون في المختبر محاكاة ظروف الشتاء الطبيعية. فوُضعت الملكات في حالة سبات لمدة تراوحت بين أربعة وخمسة أشهر، قبل أن تُغمر بالماء لمدة ثمانية أيام، فيما راقب العلماء التغيرات الفسيولوجية ومعدل الأيض خلال التجربة.

وأظهرت النتائج أن الملكات استطعن الاستمرار في تبادل الغازات والتنفس، رغم أن معدل الأيض لديهن ظل منخفضاً للغاية.

ويقول البروفسور شارل أنطوان دارفو من جامعة أوتاوا إن هذا الانخفاض الكبير في النشاط الأيضي يلعب دوراً أساسياً في بقاء النحل على قيد الحياة، إذ يقلل حاجته إلى الطاقة والأكسجين خلال فترة السبات.

وأشار الباحثون إلى أن النحل لا يعتمد على آلية واحدة للبقاء، بل يستخدم مجموعة من الاستراتيجيات، من بينها تبادل الغازات تحت الماء والاعتماد جزئياً على الأيض اللاهوائي، ما يمنحه قدرة أكبر على التكيّف مع الظروف القاسية.

كما رجّح العلماء أن طبقة رقيقة من الهواء تلتصق بجسم النحل تساعده على التنفس تحت الماء. وتُعرف هذه الآلية باسم «الخيشوم الفيزيائي»، وهي ظاهرة تستخدمها بعض الحشرات لتبادل الأكسجين وثاني أكسيد الكربون مع الماء المحيط بها.

ويؤكد الباحثون أن فهم هذه الظاهرة لا يقتصر على الجانب العلمي فحسب، بل يحمل أهمية بيئية أيضاً. فمع تزايد الفيضانات الربيعية نتيجة التغير المناخي، قد تساعد هذه النتائج على تفسير كيفية بقاء تجمعات النحل الطنّان واستمرارها في أداء دورها الحيوي في تلقيح النباتات والمحاصيل.

ويخلص العلماء إلى أن هذا الاكتشاف يسلّط الضوء على قدرة مدهشة لدى هذه الكائنات الصغيرة، التي رغم هشاشتها الظاهرة، تملك آليات طبيعية تمنحها قدرة لافتة على الصمود في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.