العرب أطلقوا سهامهم صوب الأوسكار

بينها أفلام من مصر ولبنان وتونس

TT

العرب أطلقوا سهامهم صوب الأوسكار

في الثالث والعشرين من شهر أغسطس (آب) عقدت «لجنة جائزة الأكاديمية الإماراتية» المخوّلة بترشيح أحد الأفلام الإماراتية المنتجة لأوسكار أفضل فيلم أجنبي، آخر اجتماع لها، وهو الاجتماع الذي تم فيه اتخاذ قرار جرئ بعدم ترشيح أي فيلم إماراتي هذه السنة نظراً لعدم وجود فيلم يستحق مثل هذه الخطوة.
رأت الغالبية في اللجنة أن عدم ترشيح أي فيلم، هو أفضل من ترشيح فيلم ضعيف، علماً بأنه كان هناك فيلمان، رأى البعض انهما لا بأس بهما ولو أنهما لا يرتقيان إلى المستوى المأمول.
وجهة نظر الأقلية في اللجنة (نحو 14 عضواً) كانت تقول ان ترشيح، فيلم (ولأول مرة باسم دولة الإمارات العربية المتحدة) هو أفضل من الغياب التام. وأشار أحد الاعضاء الى ان دخول فيلم في القائمة الرسمية، قد يعني الكثير على صعيد السينما الإماراتية ذاتها. لكن الآراء الأخرى لم تجد أن هذا سبباً كافياً، بل وجدت أن الأفضل الانتظار لحين انتاج فيلم لديه فرصة للمنافسة.

ست دول
وبعد تكشف هوية المشاركات الأجنبية (أي غير الأميركية وغير الناطقة بالإنجليزية) قبيل موعد الإعلان الرسمي للافلام التي ستتنافس على دخول قائمة الترشيحات لأوسكار أفضل فيلم أجنبي في العام المقبل، بواسطة، «أكاديمية العلوم والفنون السينمائية»، نجد أن بعض الأفلام المرسلة من منطقة الشرق الأوسط لا ترتفع بدورها إلى المستوى المنشود أو المفترض. لكن الآمال تحدو بالسينمائيين العرب الذين بعثوا بأعمالهم للنفاذ بها إلى الجولة قبل الأخيرة للتجربة، للحصول على تقدير ما في تلك الجولة.
المبدأ السائد هو أن تمثيل الدول المنتجة التي تم اختيار أفلامها لهذا المحفل العالمي لا يمكن أن يحتمل أي خسارة. في أسوأ الأحوال سيتم عرض افلامهم على اللجنة المصغرة التي تشاهد الأفلام الأجنبية (نحو 75 فيلما من 75 دولة في السنوات غير الخصبة).
ومن حق اللجنة استبعاد ما لا يعجبها (أو ما لا يعجبها كفاية) عند تأليف القائمة الخماسية وعرض أفلامها على باقي الأعضاء (نحو 6 آلاف عضو).
في أفضل الأحوال سيدخل الفيلم القائمة الرسمية ومن يعلم، لربما حقق المعجزة وفاز بالأوسكار الثمين ذاته.
الأفلام العربية التي تم ترشيحها قبل إغلاق باب الترشيحات في الثاني من الشهر الحالي، تمثل لبنان ومصر والعراق والمغرب وفلسطين وتونس.
وبذلك تغيب السينما السورية والأردنية والإماراتية وربما الجزائرية هذا العام، وهي البلدان الأخرى التي تنتج أفلاماً على نحو سنوي أو سبق لبعضها إرسال أفلام لها في الأعوام الماضية.
الفيلم المصري الذي تم انتخابه هو «الشيخ جاكسون» لعمرو سلامة. الفيلم الذي يتحدث عن أزمة رجل دين (أحمد الفيشاوي) الناتجة عن حبه لأغاني مايكل جاكسون. واختياره أثار حفيظة عدد من السينمائيين في مصر على أساس أن أفلامهم أحق وأفضل. أحد الأفلام التي وجد أصحابها أنه الأجدر بالترشيح هو «مولانا» لمجدي أحمد علي الذي، للمفارقة، يتحدث عن رجل دين آخر يدفعه اعتداله لمناوأة خصوم متطرفين.
من العراق هناك فيلم حسين حسن «العاصفة السوداء» الذي سبق له أن فاز بجائزة «المهر الذهبي» لأفضل فيلم روائي طويل في الدورة الأخيرة لمهرجان دبي السينمائي. المفارقة هي أن الفيلم مقدّم باسم العراق، بينما باتت مرجعيته، بعد الاستفتاء الأخير، كردية. يسجل له أنه أول عمل روائي يتحدث عن مأساة اليزيديين، لكنه أيضاً أول فيلم أيضاً يفتقد الفرصة السانحة لتقديم جيد حول هذا الموضوع.

ثلاث مرات
الترشيحات اللبنانية في السنوات الأخيرة لم تفعل شيئاً لتغيير الراكد في مستوى استقبال المجتمع السينمائي لهذه السينما وذلك منذ أن شارك فيلم نادين لبكي بفيلم «كراميل» سنة 2007 من دون أن تبلغ مرحلة الترشيحات الرسمية. في العام الماضي تم انتخاب «فيلم كتير كبير» لمخرجه مير - جان بو شعيا، وهو فيلم مثير للاهتمام أكثر منه مثير للإعجاب، ليمثل السينما اللبنانية ولم يترك أثراً. هذا العام لدى السينما اللبنانية فيلماً أقوى حققه زياد دويري الذي يعيش ويعمل في الولايات المتحدة ولو أنه ما زال يحقق أفلامه خارجها.
الفيلم هو «الإهانة» الذي كان خرج من مهرجان فينيسيا بجائزة أفضل تمثيل رجالي (ذهبت للممثل الفلسطيني كامل الباشا) واحتار الأمن العام اللبناني في شخص مخرجه كون دويري قام قبل عامين بتصوير فيلمه السابق («الهجوم»، ويعرف أيضاً بـ«الصدمة») في الداخل الإسرائيلي. تم إلقاء القبض عليه حال عودته إلى لبنان ثم أخلي سبيله. السؤال الذي لا جواب عليه الآن هو، إذا ما كان الموقف اللبناني الرسمي معادياً للمخرج كيف قامت وزارة الثقافة إذن، وهي من صلب الحكومة، باختيار فيلمه؟
ليس أن الفيلم لا يستحق، بل على العكس تماماً لكن السؤال يشبه ذلك المتعلق بالتمثيل العراقي إلى حد.
التمثيل المغربي متوفر في شخص فيلم جديد للمخرج نبيل عيوش هو «راتزيا». مثل فيلم دويري وفيلم عمرو سلامة، شارك فيلم عيوش في مهرجان تورنتو الأخير قبل ترشيحه رسمياً للأوسكار. الفيلم مؤلف من خمس حكايات تتوازى في سردها وتدور جميعاً في الشوارع الشعبية الداكنة في مدينة الدار البيضاء. يحضرنا حالياً أن المغرب شارك في ترشيحات أوسكار أفضل فيلم أجنبي 12 مرة سابقاً ومن بين هذه المرات ثلاثة أفلام للمخرج عيوش هي «مكتوب» (1998) و«علي زاوا: أمير الشوارع» (2000) و«خيول الله» (2013). بفيلم «راتزيا» يكون نبيل عيوش شارك أربع مرات، لكن من دون اختراق الحاجز الأول ولا مرّة.
أما الاشتراك الفلسطيني فتمثله آن ماري جاسر تحت عنوان «واجب». شوهد في لوكارنو حيث استقبل بإعجاب وبترحيب نقدي واسع ويدور حول العلاقة المتوترة بين الأب وابنه. ليس الفيلم السياسي لكن ملاحظات المخرجة تمضي في هذا الاتجاه بضربات ناعمة.
من تونس يأتي فيلم علاء الدين سليم «آخر واحد فينا» ومن بين ما شوهد من هذه الأفلام هو الأفضل في بعض جوانبه والأكثر غرابة في جميعها. تقع أحداثه في أرض مجهولة تبدأ بوصول لاجئ غير شرعي إلى غابة يعيش فيها رجل مسن بمفرده وبمعزل عن العالم بأسره وعندما يموت العجوز يرث ذلك الشاب (يعرفه الفيلم بحرف N فقط) المكان والوحدة كاملين.
الفيلم بلا حوار، والصوت الوحيد الذي نسمعه من بطله (جوهر سوداني) هو صوت صرخته ألما عندما يجرح ساقه (لاحقاً ما يطببها العجوز بنجاح) وصوت لهاثه من حين لآخر. لا يتبادل مع العجوز أي حوار. لا نعرف إذا ما كانا يفهمان بعضهما البعض لو تكلّما. هذا الصمت يعزز حضور الحالة الفريدة المنشودة ويبلور طموح المخرج التونسي في تقديم أفضل ما يمكن تحقيقه ضمن الأدوات (والميزانيات) المتاحة. إنه فيلم فريد عربياً وطموح عالمياً. أمران قلما التقيا في إنتاج عربي واحد.
الثابت في هذا المجال هو أن السينما العربية تتحرك حول عطارد الأوسكار. تدور حول كوكبه كذلك نحو 70 إلى 80 دولة أخرى. لا نتوقع هنا نفاذ أي فيلم من تلك الواردة أعلاه حتى وإن استحق بعضها ذلك. لكن إذا ما وقعت المعجزة فإن فيلم دويري هو الأقرب إليها من سواه.
هذا ليس نتيجة موقف مسبق من الأفلام العربية، بل لأن المنافسة الحقيقية ليست بين بعضها البعض، بل بين كل منها وما توفره السينمات العالمية الأخرى من أعمال دائماً ما تبدو أكثر حضوراً فنياً وثقافياً من سواها. وإذ سندخل حلبة المنافسات كافة، سيكون من المهم مقارنة ما تعرضه الأفلام العربية مع تلك المحيطة بها في الجوار (أفلام هندية ويونانية وتركية وإيرانية وإسرائيلية) وما يميّز كل أفلام الدول المتسابقة هذه السنة، وذلك في الأسابيع المقبلة.


مقالات ذات صلة

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز