عقوبة الإعدام بين العدالة والانتقام

أول من طبقها حمورابي

عقوبة الإعدام بين العدالة والانتقام
TT

عقوبة الإعدام بين العدالة والانتقام

عقوبة الإعدام بين العدالة والانتقام

صدر عن مطبعة «MBG» العالمية بلندن، كتاب «عقوبة الإعدام بين العدالة والانتقام» للدكتور طارق علي الصالح. يقع الكتاب في 294 صفحة من القطع الكبير، ويتألف من مقدمة وستة فصول، إضافة إلى ثمانية ملاحق.
يتمحور هذا الكتاب على بضعة أسئلة جوهرية، مفادها: ما الهدف من عقوبة الإعدام؟ هل هو الانتقام أم الردع أم تحقيق العدالة الجنائية؟ وهل يتحمّل الفاعل وحده المسؤولية الجنائية، أم أنها تقع على عاتق الدولة والمجتمع أيضاً؟ ولماذا ارتفع في العقود الأخيرة سقف المطالبة بإلغاء هذه العقوبة واستبدالها بالسجن المؤبّد؟ ولماذا تُوصف بالوحشية، والمهينة، واللاإنسانية، مع أنّ القاتل قد أزهق نفساً بشرية تمتلك حقّ الحياة ولا بد لهذا القاتل أن ينال جزاءً موازياً لما ارتكبه من فعل أثيم؟
لنعترف سلفاً أنّ الدكتور طارق علي الصالح قد وضع قارئه أمام قضية إشكالية مثيرة للجدل، يطلبُ فيها أن تتخلى المحاكم عن تنفيذ عقوبة الإعدام بمرتكبي الجرائم؛ لأنهم يعانون من أمراض عقلية أو نفسية أو وراثية سنأتي عليها لاحقاً.
ينتقي الدكتور طارق الصالح أحدث تعريف لعقوبة الإعدام، بأنها «إزهاق روح إنسان بقرار قضائي، كعقوبة عن ارتكابه لجريمة خطيرة (جناية) كجريمة القتل مع سبق الإصرار» (ص 15).
يتتبع الباحث في الفصل الأول تاريخ عقوبة الإعدام، ويُرجعها إلى ظهور المجتمعات البدائية، ثم ينتقل إلى العصر البابلي الذي ظهرت فيه شريعة حمورابي، وهي أول القوانين القديمة، التي تضمنت 282 مادة قانونية، حيث وضع فيها حمورابي أسس نظرية الاستحقاق «Retributive» للعقوبة التقليدية المبنية على الانتقام «Lex Talionis» المستخلص من مبدأ «العين بالعين، والسِّنُّ بالسِّن»، أو «ما يزرعهُ المرء يحصدهُ». وقد كانت مجموعة من قوانين هذه الشريعة متطرفة في نزعتها الانتقامية؛ لأنها تتجاوز «شخصية العقوبة» إلى أبناء وأقارب الفاعل، فإذا تسبب شخص في إجهاض امرأة وموتها، فإن ابنته تُعاقَب بالإعدام! وقد تضمنت المسلّة 25 عقوبة إعدام لجرائم مختلفة، بعضها لا يستحق هذه العقوبة الانتقامية، مثل السرقة، والخطف، وإيواء عبد هارب. ثم يتوقف الباحث عند ثلاثة قوانين أخرى، هي القانون الحِثّي واليوناني والروماني. والملاحَظ أن القانون اليوناني هو الأكثر قسوة، ويتميز بوحشية لا نظير لها، مثل دفن المحكوم حيّاً، أو تقطيع أوصاله، أو سلخ جلده، أو إغراقه بالماء.
خفّت العقوبات وتشذّبت بظهور الديانات السماوية الثلاث تباعاً، ففي ظل الديانتين اليهودية والمسيحية لم يُعاقَب الأبناء بجريرة آبائهم، كما تحولت عقوبة السرقة من الإعدام إلى التعويض، ومع ذلك فقد ظل بعض العقوبات قاسياً، مثل رمي المحكوم من أماكن عالية، أو رشقهِ بالحجر، أو تثبيته بالمسامير على الصليب. وعند مجيء الإسلام اقتصرت عقوبة الإعدام على الجرائم المعروفة بالحدود، وهي القتل والزنا والحرابة، وتعززت المساواة بين الناس، فلا فرق بين سيد وعبد، وأكد الإسلام على مبدأ القِصاص الذي يعني وجوب المساواة بين الجريمة والعقاب.
بدأ التململ من العقوبات الوحشية في العصور الوسطى، حينما أسست الكنيسة الكاثوليكية محاكم التفتيش «Inquisition» لمعاقبة الهراطقة، فأُعدم، تمثيلاً لا حصراً، المُصلح التشيكي المعروف جان هوس، لمجرد اتهامه بعض القساوسة بالانحراف عن مبادئ الدين، كما قُطع لسان الفيلسوف الإيطالي جيوردينو برينو وتمّ إحراقه، ووُضِع غاليليو تحت الإقامة الجبرية في ضواحي فلورنسا بسبب نظريته القائلة بدوران الأرض حول الشمس. ثم تفاقم غضب الفلاسفة والمفكرين ورجال القانون حينما ارتكب الكاثوليك مجازر فظيعة بحق البروتستانت الذين اضطروا إلى ترك ديارهم والهجرة إلى السويد وألمانيا وهولندا وإنجلترا في حكم الملك لويس الرابع عشر.
يُشكِّل عصر النهضة علامة فارقة في مقارعة تسلّط الكنيسة واستبدادها، حيث وقف كثير من الفلاسفة أمثال فولتير وجيرمي بنثام وسيزار بيكاريا ضد عقوبة الإعدام الهمجية، وحري بنا الإشارة إلى الأثر الكبير الذي خلّفه كتاب «حول الجرائم والعقوبات» لبيكاريا في تحجيم عقوبة الإعدام وإلغائها في عدد كبير من دول العالم.
يتمحور الفصل الثاني على نظريتين أساسيتين، وهما «نظرية الاستنباط» المتحجرة و«نظرية الاستقراء» العلمية المتفتحة التي تقدِّر العقل البشري وتمجِّدهُ، حيث يرى أصحاب نظرية الاستنباط أن قواعد العدل لا تحتاج إلى دليل أو برهان على صحتها؛ لأنها مُستنبطة من صدى الوصايا الإلهية التي يمثلها عقل القدّيس الراجح، باعتباره «ظل الله على الأرض»! أما «نظرية الاستقراء» فهي تعتمد على الواقع بوصفه مصدراً للمعرفة وتشريعاً للقوانين العقابية، وأن «الإنسان هو مصدر العقل إذا ما أحسن وأتقن مهارة الإقناع» (ص 71).
وليس من الغريب أن تنسجم فلسفة أفلاطون وأرسطو الميتافيزيقية المنفصلة عن واقع الحياة، مع الأنظمة الدينية والسياسية التي استمر نفوذها حتى العصر الوسيط، وساهم في دعم الكاثوليكية وهيمنتها على السلطة التي عززت مواقع الشخصيات الكهنوتية. فلا غرابة أن تلجأ أوروبا إلى الفصل بين السلطات، بغية تحقيق العدل القائم على النظرية الاستقرائية.
على الرغم من أهمية هذا الكتاب فإنه لا يخلو من تكرار بعض الآراء والنظريات التي تتعلق بعقوبة الإعدام. وسنحاول قدر الإمكان أن نتجاوز المعلومات المُكررة في الفصول اللاحقة.
يتناول الباحث ثلاث نظريات تبرر عقوبة الإعدام، وهي نظرية العقوبة «كاستحقاق» و«كمنفعة» و«كحلّ وسط»، حيث تتكئ النظرية الأولى على شريعة حمورابي، ومبرراتها الانتقام المُستخلَص من مبدأ «العين بالعين...» التي أيّدها الفيلسوف الألماني إيمانؤيل كانت «Kant» واتبعهُ هيغل في ضرورة أن تكون العقوبة متجانسة مع الفعل المُرتكَب. أما نظرية العقوبة كمنفعة فيرى روّادها بيكاريا، وميل، وبنثام، أن هذه العقوبة يجب أن تحقق منفعة للمجتمع، وتردع الآخرين عن ارتكاب الجرائم، وتعطي وزناً للإصلاح الاجتماعي. بينما تذهب نظرية الحل الوسط إلى التوازن بين المنفعة والاستحقاق، ومن أبرز روّادها الفيلسوف البريطاني هربرت هارت.
يمكن اختصار الفصل الرابع بالاضطرابات السلوكية الأربعة، وهي: التخلّف العقلي، والأمراض النفسية، والأمراض العقلية، واعتلال الشخصية. وأن أي شخص يرتكب جريمة خطيرة كالقتل العمد مع سبق الإصرار هو شخص غير سوي، ولا بد من أنه يعاني بعض الاضطرابات السلوكية التي تؤثر على حرية إدراكه وإرادته، وأن هناك علاقة قوية بين المتخلف عقلياً والسلوك الإجرامي، وأن إعدام هؤلاء الأشخاص يشكّل جريمة بربرية بحد ذاتها، كما ترى المحامية ألين شارب، المتخصصة في قضايا القتل على مدى أربعين عاماً.
يناقش الفصل الخامس الجدل المتواصل بشأن عقوبة الإعدام، ومفارقات بعض الدول الديمقراطية مثل الولايات المتحدة الأميركية التي تُصدر تقريراً سنوياً عن انتهاكات حقوق الإنسان في العالم، مُنتقدة بقوة الدول التي تنتهك هذه الحقوق؛ لكنها «تمارس أبشع أنواع التعذيب بحق السجناء المصابين بأمراض عقلية أو نفسية» (ص 164).
كانت دول أوروبا الغربية سبّاقة إلى إلغاء عقوبة الإعدام بعد الحرب العالمية الثانية، وما أسفر عنها من إعلانات وبروتوكولات واتفاقيات ومحاكم جنائية متعددة، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948، وما تلاه من اتفاقيات دولية ألغت فيها عقوبة الإعدام كلياً، وفي جميع الظروف، بما فيها حالة الحرب.
وقد ذكر تقرير منظمة العفو الدولية لسنة 2012، أن مجموع الدول التي توقفت عن عقوبة الإعدام هو 140 دولة، ما عدا الدول التي تخضع لأنظمة شمولية أو دينية أو مذهبية سياسية أو قومية، تلجأ إلى عقوبة الإعدام لتصفية خصومها السياسيين.


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).