كيف يموت الشعراء؟

من العربي أبي الطيب المتنبي إلى الإنجليزي توماس تشاترتون

لوحة «موت تشاترتون» 1856  للرسام هنري واليس
لوحة «موت تشاترتون» 1856 للرسام هنري واليس
TT

كيف يموت الشعراء؟

لوحة «موت تشاترتون» 1856  للرسام هنري واليس
لوحة «موت تشاترتون» 1856 للرسام هنري واليس

في أدبنا العربي القديم كتاب عن «مصارع العشاق». ولكن ماذا عن مصارع الشعراء؟ ليس هناك على قدر علمي كتاب عربي يتناول هذا الموضوع تناولاً وافياً، وإن انتشرت عبر القرون قصص متفرقة عن الطريقة التي مات بها أرباب الوزن والقافية: مصرع المتنبي على أيدي من ترصدوا له قرب دير العاقول، مصرع وضاح اليمن في صندوق خبأته فيه عشيقته قبل أن يدخل زوجها الغرفة، مصرع ابن المعتز بعد ليلة واحدة قضاها على عرش الخلافة، مصرع أبو القاسم الشابي وبدر شاكر السياب وأمل دنقل وحلمي سالم على فراش المرض (تعددت الأمراض ما بين مرض القلب والسرطان... إلخ، والموت واحد)، مصرع خليل حاوي منتحراً بطلقة رصاص، مصرع صلاح عبد الصبور بعد كلمات جارحة أصابته في مقتل إذ طعنت في وطنيته ونزاهته، مصرع صالح الشرنوبي تحت عجلات قطار في بلدته بلطيم، مصرع ملك عبد العزيز بعد أن سقطت عليها شجرة، مصرع يحيى الطاهر عبد الله (وأنا أدرجه في زمرة الشعراء لأنه كان شاعر القصة القصيرة بامتياز) في حادث سيارة. والأمثلة كثيرة لا يتسع لها هذا المقام.
واليوم ينضم إلى المكتبة الإنجليزية كتاب عنوانه «مصارع الشعراء» من تأليف الشاعرين والأستاذين الجامعيين البريطانيين بول فرلي ومايكل سايمونز روبرتس (الناشر: جوناثن كيب، لندن 2017، 414 صفحة).
Paul Farley and Michael Symons Roberts، Deaths of the Poets، Jonathan Cape، London 2017.
يقول المؤلفان في مقدمة كتابهما إن «الشعراء قد ظلوا دائماً يغامرون أو يقامرون من أجل الشعر. منهم من ضحى بصحته أو أسرته أو مستقبله أو بأمنه أو حتى بحياته. من هنا ارتسمت صورة خاصة للشعراء في الأذهان. من المسموح للروائي أن يكون عاقلاً خبيراً بأمور الدنيا ومتحكماً في تصرفاته. أما الشاعر فينتظر منه أن يكون مكتئباً محكوماً عليه بالهلاك ومدمراً لنفسه قبل أن يدمره الآخرون».
ترى متى بدأت هذه الصورة الرومانتيكية تتكون؟ إن الصلة بين الشعراء والفناء وثيقة، ونحن قد ظللنا دائما نهتم بآخر كلمات الشعراء على فراش الموت وكأنها تلخص تجربة حياتهم (قال جوته وهو يحتضر: «النور... مزيداً من النور»). لقد أخرج الناقد والمعجمي والشاعر الإنجليزي الدكتور صمويل جونسون في 1783 كتابه «سير أبرز الشعراء الإنجليز مع ملاحظات نقدية عن أعمالهم». تناول في هذا الكتاب اثنين وخمسين شاعراً بدءاً بإدموند والر وانتهاء بتوماس غراي. والأمر اللافت في هذه السير هو غلبة الحزن والكآبة عليها. فأغلب هؤلاء الشعراء الذين يتحدث عنهم جونسون قد ماتوا قبل تحقيق آمالهم أو أن هذه الآمال أحبطت. إنهم (لم يدرج جونسون أي شاعرة أنثى) يعانون من الفقر المادي أو استغلال الناشرين أو عدم التقدير من النقاد أو انصراف القراء أو كل أنواع الأمراض: النقرس، السل، انتفاخ الساقين، البرد، التهاب الرئتين.
وفي منتصف القرن الثامن عشر وجدنا المصور الإنجليزي وليم هو غارث يرسم لوحته المسماة «الشاعر المكروب» وفيها نجد شاعراً يجلس في انتظار الوحي في علية فقيرة. إحدى يديه تمسك بريشة الكتابة واليد الأخرى تهرش رأسه الفارغ وكأنها تبحث فيه عن فكرة أو عبارة. إنه يحلم بالشهرة أو بأن يصيب شيئاً من المال، وثمة بائعة لبن غاضبة تقف ببابه مطالبة بما يدين به لها. إن الشاعر في هذه اللوحة يبدو كأنه سجين شد وثاقه إلى مكتبه. وقد تسللت هذه الصورة وتناسخت في آداب أخرى: من هنا نشأت صورة «الشاعر الملعون» أو «الرجيم» في فرنسا القرن التاسع عشر: بودلير ورنبو وفرلين.
وكتاب فارلي وروبرتس قائم على سلسلة «رحلات حج» (على حد تعبيرهما) إلى الأماكن التي مات فيها الشعراء. وعلى هذا فهو أيضاً كتاب عن المكان وعن الرابطة بين الإنسان والبقعة التي تحركت فيها حياته.
يتناول المؤلفان عدداً من الشعراء البريطانيين والأميركيين منذ القرن الثامن عشر حتى أواخر القرن العشرين. من هؤلاء الشعراء البريطانيين (إنجليز وويلزيين وآيرلنديين واسكوتلنديين): توماس تشاترتون، وديلان توماس، وبايرون، وفيليب لاركن، وستفي سمث، ولوي ماكينس، وكيث دوغلاس، وديفيد جونز، ويلفريد أوين، ر. س. توماس، وجون كلير. ومن الشعراء الأميركيين: وجون بريمان، وسيلفيا بلاث، وإليزابيث بيشوب، وفرانك أوهارا، ويليام كارلوس وليمز، وإميلي دكنسن، وروبرت لويل، وآن سكستون، ولاس ستفنز، وميريان مور، وروبرت فروست. وهناك شعراء تنقلوا بين الجنسيتين مثل و. ه. أودن وتوم عن.
سأقتصر هنا على وقفة قصيرة مع اثنين من هؤلاء الشعراء. ولتكن وقفتنا الأولى مع أقدم هؤلاء الشعراء زمناً وأصغرهم سناً، وهو الشاعر الإنجليزي توماس تشاترتون (1752 - 1770) الذي لقي مصرعه قبل أن يتم الثامنة عشرة من عمره وغدا منذ ذلك الحين أيقونة الحركة الرومانتيكية في إنجلترا وفرنسا على السواء.
ترك تشاترتون المدرسة في سن الرابعة عشرة وعمل متدرباً في مكتب محامٍ. تجلت موهبته في التأليف ومحاكاة كتاب الماضي في سن مبكرة مما أغراه بأن يرتكب عملية تزوير أدبي هي أن يؤلف قصائد من نظمه بأساليب شعراء العصور الوسطى ويدعي نسبتها إليهم (قارن قضية الانتحال في الشعر العربي التي أثارها المستشرق الإنجليزي مرجوليوث ومن بعده طه حسين). ادعى تشاترتون أنه اكتشف في برج كنيسة سانت ماري رادكليف في مدينة بريستول صندوقاً يحوي مخطوط قصائد من نظم راهب من القرن الخامس عشر يدعى توماس راولي (لا وجود لمثل هذا الراهب وإنما هو من تلفيق شاعرنا). انطلت هذه اللعبة في البداية على معاصري تشاترتون ومن يكبرونه سناً ومنهم الأديب هوراس والبول. وسافر الشاعر إلى لندن وملؤه آمال كبار في النجاح الأدبي والمادي بعد الثناء الذي أغدقه النقاد والأدباء والقراء على هذه القصائد. لكن عدداً من الدارسين مثل إدموند مالون كشفوا النقاب عن زيف هذه القصائد، وهنا قلب الجميع له ظهر المجن ووجد نفسه يتضور جوعاً في العلية التي يقيم فيها في ضاحية هولبورن في لندن، فتناول جرعة زائدة من الزرنيخ (لا نعرف أكان ذلك قصداً أم على سبيل الخطأ). هنا انبعثت موجة من العطف عليه (وحداثة سنه تغفر له ما فعل أو على الأقل تخفف من ذنبه) وأعلن المعجبون به أنه شهيد الأدب، وأنه ضحية مجتمع قاسٍ لا يرحم.
أشاد بذكره الشعراء الرومانتيكيون وردزورث وكولردج وشللي وكيتس. وألف عنه الشاعر الرومانتيكي الفرنسي ألفرد دي فيني مأساة «تشاترتون» في 1835. وأبدع المصور الإنجليزي هنري واليس لوحة عنوانها «موت تشاترتون» (1856) كانت موضع إعجاب الناقد الفني جون رسكين. وتصور اللوحة الفتى الشاعر طريحاً على فراشه بعد أن تناول السم. بشرته مرمرية ويده اليمنى تتدلى بلا حياة نحو الأرض حيث ثمة قصاصات ممزقة من قصيدة كان ينظمها. وقارورة السم على الأرض قرب فراشه بينما بصيص من نور الفجر يطل من النافذة المفتوحة.
شاعرة أخرى نتوقف عندها هنا هي الأميركية آن سكستون (1928 - 1974) التي انتحرت بعد حياة متقلبة عرفت الفرار من البيت والانخراط في علاقات جسدية والانهيار العصبي والطلاق ونوبات الاكتئاب والإقامة في مصحات نفسية وعقلية (من دواوينها ديوان يحمل عنوان «إلى مستشفى الأمراض العقلية والعودة جزء من الطريق» 1960). كانت قد حضرت مع صديقتها ومنافستها الشاعرة سيلفيا بلاث (وهي الأخرى ماتت منتحرة) في مدينة بوسطن فصولاً دراسية للشاعر روبرت لويل صاحب ديوان «دراسات من الحياة»، ورائد الاتجاه الاعترافي في الشعر الأميركي، وهو اتجاه يفصح عن تجارب صاحبه وأخطائه ومخاوفه ورغباته وذكرياته بكل صراحة كاشفاً النقاب عن أخفى دوافع الإنسان.
إن كتاب فارلي وربرتس يبتعث صوراً مؤلمة ومروعة للموت: جون كيتس الذي يعاني من داء الصدر في زهرة شبابه ينبثق الدم من شريانه ومعه تخرج أنفاس الحياة. ديلان توماس يسرف في شرب الويسكي حتى يفقد الوعي ويدخل في غيبوبة لا يفيق منها. هارت كرين يقذف بنفسه من على سطح سفينة في البحر الكاريبي حتى تبتلعه الأمواج. جون بريمان يرمي بنفسه من جسر إلى مياه نهر المسيسبي المتجمدة. سيلفيا بلاث وحيدة في شقتها بلندن بعد أن هجرها زوجها الشاعر تدهيوز من أجل امرأة أخرى تفتح موقد الغاز حتى تختنق. لكن المؤلفين قد حرصا (كما يقولان في خاتمة الكتاب)، على ألا يحيلاه إلى «مدينة للموتى»، مثل جبانة طيبة في مصر القديمة. هذه قصص موت حقّاً ولكنها أيضاً قصص عبقريات تغلبت على الموت حين بقيت ذكراها، و«الذكر للإنسان عمر ثانٍ» كما يقول أمير شعراء العربية في أوائل القرن العشرين أحمد شوقي.
قال الشاعر اللاتيني هوراس في القرن الأول قبل الميلاد إنه بنى بشعره صرحاً أبقى على الزمن من الرخام. ومنذ ذلك الحين والشعراء يحاولون أن يجعلوا شعرهم محصناً ضد الزمن. إنهم يسعون إلى «استعمار» الأجيال المقبلة، وذلك إذ يتحدثون (عبر ما سماه الشاعر فيليب لاركن «طول الزمن وعرضه») إلى مَن لم يُولدوا بعد. الشعر (إذا غيرنا الاستعارة) نسيج حي من المخ واللسان، وهو سلاحنا ضد الفناء.



«زينة رمضان»... طقس تاريخي يلازم الشوارع والحارات المصرية

الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
TT

«زينة رمضان»... طقس تاريخي يلازم الشوارع والحارات المصرية

الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)

اعتاد المصريون أن يستقبلوا شهر رمضان كل عام بالزينة مختلفة الألوان والأشكال، حتى أصبح هذا الطقس ملازماً للشوارع والحواري خصوصاً في المناطق الشعبية، وباستخدام خامات بسيطة يتم توفيرها من تبرعات تضامنية بين الأهالي.

ورغم ارتفاع أسعار الزينة التي وصلت لما يزيد على 40 جنيهاً (الدولار يصل إلى نحو 47 جنيها) لحبل الورق الملون الذي لا يتجاوز طوله عشرة أمتار، في حين تتراوح قيمة متر حبل الإضاءة «الليد» ما بين 15 و20 جنيهاً، أما الفانوس المعلق فسعره بين 350 و1000 جنيه. إلا أن هذا لم يمنع المصريين من الاحتفال بقدوم شهر رمضان، وكان الطريق إلى ذلك من خلال جمع الأموال والإسهامات البسيطة من كل بيت، لكي لا يحرم أي مكان من الاحتفال، ولم تخل حارة أو شارع من الأعلام والأشرطة الملونة والفوانيس، فضلاً عن المصابيح مختلفة الألوان.

ولتجاوز عقبات الغلاء في مواد الزينة لجأ بعض الشباب إلى صنعها بأنفسهم، واشتروا -حسب سعد عبد الهادي «عشريني» في منطقة الطالبية بحي الهرم- الأفرخ الملونة من المكتبات، وراحوا يكوّنون فريقاً، منهم من حوّلها إلى قصاصات، ومنهم من لصقها بالصمغ في أحبال الخيط، وقال عبد الهادي لـ«الشرق الأوسط» كانت هذه حيلتنا لتجاوز ارتفاع سعر رابطة الزينة، المكونة من الأشرطة المصنوعة من «السلوفان»، لم نشتر شيئاً سوى الفانوس، لأننا لا نمتلك حرفية صناعته.

الزينة الرمضانية يعلقها الأهالي في الشوارع والحارات (الشرق الأوسط)

وبالقرب من شارع العروبة بالهرم لجأ عدد من أبناء السكان إلى حيلة متفردة، لخصها محمود حسين «ثلاثيني» ويعمل في صناعة الحلوى، في تأجير الزينة خلال الشهر، وردها بعد انقضائه، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «حين عرفنا أن ما نقوم به كل عام سوف يكلفنا الكثير فكرنا في الاكتتاب وتأجير أحبال المصابيح من محل قريب لمستلزمات الأفراح، بدلاً من شرائها، كما اتفقنا مع صاحب المحل على المشاركة معنا في تزيين الشارع احتفالاً بحلول الشهر الكريم». ولفت إلى أن البعض يعلق فانوساً كبيراً وسط الزينة، لكن «لأن سعره يبدأ من 400 جنيه اكتفينا بالزينة المضيئة وأحبال المصابيح (الليد) المؤجرة»، على حد تعبيره.

ولأن تجارة الزينة والأشرطة الملونة تلقى رواجاً كبيراً خلال شهر رمضان، راحت معظم محلات وأصحاب المتاجر يبيعونها بحثاً عن الأرباح، بدءاً من محلات الكهرباء، حتى أصحاب الدكاكين الصغيرة، والمكتبات، ومن بينهم سعيدة مرزوق التي تمتلك مكتبة في منطقة ترسا بحي الهرم، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إنها تنتهز فرصة حلول شهر رمضان وتذهب إلى منطقة تحت الربع بالقرب من العتبة لتشتري من التجار هناك أنواعاً مختلفة من الزينة، لتبيعها لجيرانها. وأضافت أن «الإقبال كبير على شرائها، فلم يبق منها إلا كمية قليلة، وضعتها في مقدمة المكتبة التي تتخصص في بيع الأقلام والملخصات والأدوات الكتابية، لتعلن قرب نفاد بضاعتها».

زينة رمضان تأخذ أشكالاً متعددة (الشرق الأوسط)

اهتمام المصريين واحتفالاتهم بقدوم شهر رمضان -وفق قول الدكتور مسعود شومان، الباحث في الفنون الشعبية والتراث- مرتبطان بسعيهم الدائم للمزج بين المناسبات الدينية والسعادة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هم يرون المناسبات الدينية تقترن بالفرح والسرور، وفي كثير من البلدان حتى الآن يستقبلون رمضان بزفة يشارك فيها كل الطوائف وأصحاب المهن والحرفيين». وأشار شومان إلى أمثلة شعبية تصف رمضان وتعبر عن الفرحة به مثل «أوله مرق، ووسطه حلق، وآخره خلق» يقصدون اللحم، وصناعة الكعك، ثم الاحتفال بالعيد وارتداء الملابس الجديدة. كل أشكال الفرح هذه لا ينفصل عنها في رأي شومان تزيين الشوارع، موضحاً أن «المصريين يرون الشهر الكريم ضيفاً يجب استقباله بالأعلام والزينات، كأنه قريب طال غيابه، هنا تبدو (أنسنة رمضان) واضحة، يتعاملون معه على أنه مولود يتجلى في الهلال، وهنا تأتي الاحتفالات الطقسية بتزيين الشوارع، والأغنيات الشعبية لاستقباله، والموائد العامرة، يستمر هذا حتى يكبر الهلال ويختفي، ليبدأ دورة جديدة في رحلة عودة أبدية مرة أخرى».

ومع الزينات تظهر أغاني «يا أبو رمضان يا أبو صحن نحاس يا داير في بلاد الناس، سقت عليك أبو العباس لتبات عندنا الليلة»، و«يا رمضان يا عود كبريت يا مخوف كل العفاريت سقت عليك أهل البيت لتبات عندنا الليلة»، ويوضح هذا -حسب شومان- أنهم «يعدّونه ضيفاً، وكل منهم يسعى لاستضافته ليلة، ويجب هنا أن تكون الاستضافة بالزينات في الشوارع والأضواء في كل مكان، وهو عمل جماعي أساسه المشاركة والتعاون، وكل يُسهم بقدر استطاعته، القضية هنا لا دخل لها بالفقر وضيق ذات اليد، لكنها بالغنى الروحي الذي يتمتع به الناس في كل مكان»، على حد تعبيره.


«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

التقديرات الأولية لعدد المشاهدين الذين أمّوا مهرجان برلين السينمائي من بدايته وحتى 20 من الشهر الحالي، أي قبل يومين من نهاية الدورة الحالية، تجاوزت 250 ألف مُشاهد في نحو 20 صالة توزَّعت في أرجاء العاصمة الألمانية، لكن المُتوقَّع أن يتساوى عدد المشاهدين هذا العام مع عددهم في العام الماضي (نحو 330 ألف مُشاهد). وإن لم يحدث ذلك، فالسبب يعود إلى المطر والبرد اللذين لم تشهد المدينة مثلهما منذ سنوات.

الأفلام التي حشدها المهرجان حتى الآن شديدة التنوّع، ليس فقط بالنسبة إلى المستوى العام، بل أيضاً بالنسبة إلى الاهتمامات التي انطوت عليها. هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية. والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي. وبالنسبة إلى المصادر، توزَّعت كما كان منتظراً بين سينمات عربية وآسيوية وأفريقية وأوروبية وأميركية. ليس أنّ هذا الوضع غير موجود في المهرجانات الأخرى، وإنما الأضواء المُسلطة على هذه العناصر تبرزها بوضوح وتمنح المشاهدين أسباباً متنوّعة لحضور كل الأفلام (فيلم محمد حمّاد «لجوء آمن» عُرض 6 مرات في 6 صالات بيعت تذاكرها كاملة).

«سومسوم: ليلة النجوم»... عزلة على حافة الغفران (مهرجان برلين)

هذه الدورة، بإجماع عدد غير قليل من الحاضرين، هي أفضل دورات برلين في السنوات الخمس الماضية. وهناك ما يدعم هذا الرأي رغم وجود أفلام تجنح ضدّه.

بعد فيلم الافتتاح، «لا رجال صالحون»، المموَّل من سويسرا والمعروض على أنه أول اشتراك من أفغانستان، والذي هو تجربة شخصية حُوِّلت إلى دراما ساخنة الموضوع باهتة التأثير، لوحظ أنّ معظم ما عُرض حتى الآن من أفلام دار حول تجارب أشخاص في أتون الحياة الاجتماعية لكلّ منهم. والخيط الجامع لها هو أنها دراما فردية أو اجتماعية تعبّر عن تجارب خاصة. هذا ما ساعد المهرجان على تحاشي اللجوء إلى أفلام تتعامل مع موضوعات وشخصيات سياسية، كما كانت الحال في السنوات القليلة الماضية.

ميثولوجيا أفريقية

«سومسوم: ليلة النجوم» للمخرج التشادي محمد صالح هارون عُرض داخل المسابقة الرسمية، وقد عُرِّف عنه على أنه إضافة إلى اشتراك أفريقي ملحوظ عدداً في هذه الدورة (فيلمان آخران في عداد ما عُرض هنا، واحد من السنغال والثاني من الكونغو). «سومسوم» هو أيضاً أحد الأفلام المعنية بسرد حكاية تقودها شخصية واحدة. بطلته فتاة شابة اسمها «كالو» (ميمونة ميواما) تعيش في قرية صغيرة في بعض النواحي الصحراوية. ماتت والدتها حين وضعتها، وحملت في وجدانها الشعور بأنها هي السبب في الوفاة. لكن امرأة أكبر سناً منها اسمها «آية» تخبرها عكس ذلك. ومن ناحية ثانية، هي على علاقة حبّ مع شاب يبادلها الشعور، لكنّ والده يعارض هذا الارتباط على أساس أنّ عائلة «كالو» مهاجرة من قرية أخرى. كذلك تعارض القرية دفن «آية» في مقابرها لأنها بدورها لاجئة ولم تكن محبوبة.

تضع «كالو»، بسبب صداقتها لـ«آية»، جثمانها فوق عربة، وتتوجّه بها بعيداً صوب صخور ترابية. تدخل مغارة لتسير بين جدرانها، ثم تعود إلى الجثمان فتحفر لها وتدفنها. فجأة تنهض «آية» من تحت التراب لتؤكد لـ«كالو» مجدداً أنها باتت حرّة. الغرابة لا تدعم الفيلم، بل تتركه هائماً، والمزج بين ما هو متخيَّل وبين ما هو حقيقي يمرّ بلا تأثير فعلي.

شخصيات الفيلم التي تعيش في تلك القرية (وتتحدَّث الفرنسية من دون مبرّر) تتصرَّف كلّها وفق إدارة المخرج، وليس تبعاً لجهد نابع منها. هذا ينطبق على بطلة الفيلم التي تمر بمواقف كثيرة، لكنها تبقى بعيدة عن أن تترك تأثيراً لدى الجمهور. هذه أيضاً حال الفيلم الذي ينشط في اتجاهات شتّى ليقول القليل.

وحدة عاشق البلوز

يتحدَّث «سومسوم: ليلة النجوم» في بعض جوانبه عن وحدة بطلته وسط بيئتها الرافضة لها، لكن «الرجل الأكثر وحدة في المدينة» هو الفيلم الذي يقبض على روح تلك الوحدة وبلا جهد يُذكر. فيلم ألماني من إخراج تيزا كوفي وراينر فريمل عن رجل تجاوز عامه الخمسين بلا أهل ولا عائلة ولا معارف. «أصدقائي الوحيدون هم مغنّو دلتا البلوز»، يقول في أحد المَشاهد. والفيلم يبدأ به يستمع إلى أساطير هذا اللون الغنائي، مثل صن هاوس، وروبرت جونسون، وبيسي سميث، وبلايند، وويلي جونسون، في منزله.

«ألويس كوخ» ليس شخصية خيالية. هو في الواقع رجل نمساوي أحبَّ البلوز منذ صباه، وأخذ يعرفه ويغنّيه في بعض الملاهي. الآن لا يزال متيّماً بهذا النوع من الأغنيات (بلوز دلتا المسيسيبي يختلف عن أنواع بلوز أخرى تكاثرت في شيكاغو ولويزيانا، ثم في الغرب الأميركي وصولاً إلى سان فرانسيسكو وجوارها). لم يتعلّم «كوخ» اللغة الإنجليزية إلا من أغنيات ألفيس بريسلي (الذي كان بدوره «ملك الروك» متأثّراً بالبلوز). لكن الفيلم ليس تسجيلياً، بل يمنح المخرجان «كوخ» حكاية يؤدّي بطولتها وتتحدَّث عنه.

خلال ساعة ونصف الساعة، نراه وحيداً في حياته باستثناء ما يختار سماعه وترداده. الحكاية المختارة بسيطة: «كوخ» يعيش في عمارة هجرها باقي سكانها وبقي فيها وحده. المالكون يريدون هدمها. يمانع في مغادرة منزله لارتباطه بمحتوياته (ألبومات قديمة، أجهزة استماع موسيقية، بيانو... إلخ)، لكنه يذعن في النهاية. ببراعة، نراه مرّتين يتوقّف عند بناية قريبة يراقب هدمها. بذلك ربط الفيلم بين حالته وحالة ماضٍ كبير يُهدَم أيضاً. يشتري «كوخ» تذكرة إلى أميركا ليزور «أصدقاءه» (هؤلاء كلّهم رحلوا عن الدنيا، لكونهم انطلقوا في عشرينات القرن الماضي وثلاثيناته) وليعيش في الدلتا. اللقطة الأخيرة توجز الفيلم بأسره. يستمع إلى بيرثا «تشِبي» هيل تغنّي، ثم يقفل جهاز الأسطوانات وتسود الشاشة السوداء. الفيلم، إذ يحكي قصة محورها قديم، يعمد إلى أسلوب محافظ وكلاسيكي، لا تلعب الكاميرا فيه دور البطولة ولا تركض لاهثة وراء شخصياته. إنها بدورها جزء من عالم انتهى أو يكاد.


مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
TT

مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)

قال الممثل المصري، مصطفى غريب، إن مشاركته في الدراما الرمضانية بمسلسل «هي كيميا» جاءت في اللحظات الأخيرة، وبعدما كاد أن يغيب عن هذا العام، لعدم وجود فكرة أو تجربة مناسبة للدراما.

وأضاف غريب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل جاء بالمصادفة بعد لقاء مع المؤلف مهند طارق، الذي أخبره بأن لديه مشروع مسلسل مكتوب منه ما يقرب من نصف عدد الحلقات، وطلب منه الاطلاع عليه، وبعد قراءة الحلقات اتصل بالمنتج، وناقشوا الأمر معاً، وتحمسوا لتقديم المشروع لطرافة فكرته، وانطلقت التحضيرات بالتزامن مع كتابة الحلقات.

ويصف مصطفى غريب قرار الموافقة على المسلسل بأنه كان من أسرع القرارات في مسيرته، «لكنه لم يكن قراراً متسرعاً، فالبحث عن نص مكتوب بشكل شبه مكتمل كان بالنسبة لي عاملاً حاسماً، خصوصاً في ظل طبيعة الإنتاج التلفزيوني، التي قد تنطوي أحياناً على مخاطرة عندما يُبنى المشروع على حلقة أو حلقتين فقط».

وعن أسباب حماسه لـ«هي كيميا»، يوضح مصطفى أنه لا يتعامل مع العمل بمنطق المنافسة أو الرهانات، ولا يشغله تصنيف نفسه أو غيره داخل قوالب جاهزة، فبالنسبة له، المسألة الأساسية هي أن يخرج العمل في صورة جيدة، وأن يكون صادقاً مع نفسه ومع الجمهور، مؤكداً أنه لا يدخل أي تجربة وهو يفكر في السباق الرمضاني، أو في مقارنة نفسه بأعمال أخرى، بقدر ما يركز على سؤال واحد، هل المسلسل سيقدم شيئاً حقيقياً للناس أم لا؟

وفي ما يتعلق بتحضيره للشخصية، يوضح غريب: «طريقتي لا تختلف كثيراً من عمل إلى آخر، فأنا أبدأ دائماً بقراءة السيناريو بهدوء، محاولاً فهم ملامح الشخصية، كما كُتبت على الورق، ثم البحث عما يمكن إضافته إليها من تفاصيل، سواء على مستوى السلوك أو الشكل أو الإيقاع، وذلك بالتعاون مع المخرج والمؤلف»، مؤكداً أن بناء الشخصية لا يعتمد فقط على ما هو مكتوب، بل أيضاً على ما يمكن استنباطه «بين السطور».

الملصق الترويجي للمسلسل (حسابه على فيسبوك)

وحول الكوميديا والارتجال، يوضح مصطفى غريب أن العمل الكوميدي بطبيعته يفتح المجال للاجتهاد والتجريب، لكن ذلك لا يحدث بشكل عشوائي، فهناك دائماً أساس مكتوب يُبنى عليه، ثم تأتي اللمسات الإضافية خلال القراءة أو في أثناء التصوير، أو حتى في الأيام التي لا يكون فيها تصوير، حين يعود الممثل إلى الورق ليقترح أفكاراً أو بدائل، مؤكداً أن بعض اللحظات تولد في لحظتها أمام الكاميرا، بينما تحتاج لحظات أخرى إلى تفكير مسبق، وكل ذلك يمر في النهاية عبر رؤية المخرج.

ويثني الممثل المصري على التعاون مع المخرج إسلام خيري، الذي وصفه بأنه «يتمتع بنظرة شاملة للعمل من الخارج، ما يسمح له برؤية المشهد من زاوية أوسع، فلا يتردد في تعديل المشهد، أو حذف أفكار اتُفق عليها مسبقاً إذا شعر بأن هناك خياراً أفضل، وهو ما حدث بالفعل في بعض المشاهد، حتى في المشهد الأول من المسلسل، الذي شهد تغييرات جذرية قبل تصويره، في محاولة للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة».

ويشدد مصطفى غريب على أن النجاح الحقيقي بالنسبة له لا يُقاس بـ«التريند» أو بالأرقام المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بردود الفعل المباشرة من الناس، فاللحظات التي يشعر فيها بقيمة ما قدمه هي تلك التي يلتقي فيها بجمهور حقيقي في الشارع، أو يتلقى رسالة صادقة من شخص يقول له إنه أعجبه العمل، لافتاً إلى أنه لم يسعَ يوماً لصناعة نجاح مصطنع، ولم يدفع مقابل دعاية زائفة، لقناعته أن هذه الأمور لا تصنع قيمة حقيقية.

وعن النجاح الذي حققه في السابق، يعترف مصطفى غريب بأنه أمر يحمل قدراً من القلق، ليس فقط في مجال التمثيل، بل في أي مجال؛ فالنجاح، في رأيه، يفرض مسؤولية أكبر، ويجعل سقف التوقعات أعلى، وهو ما قد يكون أكثر صعوبة من الفشل نفسه، لكنه في الوقت نفسه يرى أن أي شخص يتقاضى أجراً مقابل عمله عليه مسؤولية أن يؤديه بأقصى قدر من الإخلاص.

ويختتم مصطفى غريب حديثه بالتأكيد على أن طموحه الأساسي يظل ثابتاً في أن يشارك في أعمال صادقة، وأن ينجح في إدخال البهجة على قلوب الناس، معتبراً أن «القدرة على إضحاك الجمهور، خصوصاً في ظل الضغوط اليومية التي يعيشها، هي واحدة من أصعب وأهم المهام التي يمكن أن ينجح فيها أي فنان»، على حد تعبيره.