أوساط إسرائيلية تشكك في إمكانية نجاح المصالحة الفلسطينية

العقبات كبيرة وأخطرها ميل {حماس} لتطبيق نموذج «حزب الله» في لبنان

عباس وهنية في أول اجتماع في غزة للحكومة التي ترأسها هنية بعد الانتخابات التشريعية (أرشيف رويترز)
عباس وهنية في أول اجتماع في غزة للحكومة التي ترأسها هنية بعد الانتخابات التشريعية (أرشيف رويترز)
TT

أوساط إسرائيلية تشكك في إمكانية نجاح المصالحة الفلسطينية

عباس وهنية في أول اجتماع في غزة للحكومة التي ترأسها هنية بعد الانتخابات التشريعية (أرشيف رويترز)
عباس وهنية في أول اجتماع في غزة للحكومة التي ترأسها هنية بعد الانتخابات التشريعية (أرشيف رويترز)

شككت أوساط إسرائيلية رسمية وغير رسمية، في إمكانات نجاح الجهود المصرية لتحقيق مصالحة حقيقية بين «فتح» و«حماس». وقالت إن هذه الجهود، على الرغم من التصريحات الإيجابية والعناق بين وفود السلطة الفلسطينية ورجالات حماس في قطاع غزة، ستصطدم قريبا بشروط مختلفة يفرضها كل طرف من الطرفين وتشكل عقبة أمام ترجمتها إلى واقع على الأرض.
وقالت في تصريحات إلى وسائل الإعلام الإسرائيلية، تنشر من دون أسماء أصحابها، إن الساحة الفلسطينية شهدت في السنوات العشر الأخيرة، عددا لا يحصى من المبادرات للمصالحة، لكن، على الرغم من ذلك، فإن الوحدة الفلسطينية لا تزال مجرد عناوين في الصحف. وقدوم وفد حكومة السلطة الفلسطينية، برئاسة رامي الحمد الله، اليوم إلى غزة يرافقه مئات الموظفين، ورجال الأمن، تأهبا لـ«عودة حكومة السلطة إلى القطاع، بعد أكثر من عقد من الانقلاب الدموي، قد يبدو كأنه حدث تاريخي. لكن المفاوضات مخصصة بشكل أساسي، من أجل البروتوكولات والكاميرات، لكي يبدو، على الأقل بشكل ظاهري، أن هناك ملامح مصالحة».
ويضيف أحد الناطقين الإسرائيليين: «لا يمكن تجاهل الشعور بأننا قد شهدنا فيلما مماثلا في شهر أبريل (نيسان) من عام 2014 في (اتفاقية الشاطئ)، وفي إقامة حكومة (الوحدة الوطنية)، التي، كما نعلم جميعا، لم نر بشارة تصدر عنها. بل على العكس، فبعد تشكيل حكومة (الوفاق)، جاء الرفض العنيد من قبل رئيس السلطة أبو مازن، لتمويل رواتب موظفي حكومة حماس في غزة، وجاء خطف وقتل الفتيان الإسرائيليين الثلاثة، وتبعته فيما بعد، حملة (الجرف الصامد). ما الذي تغير إذن؟ ليس من الواضح إن كان هناك أي تغيير أصلا. إن تفاصيل التفاهمات بين الأطراف غير واضحة حتى الآن، ومن الصعب رؤية أحد الأطراف يتنازل في قضايا مصيرية، كموضوع سلاح حماس والسيطرة على الحدود، وفي بعض الأحيان، يبدو أننا على مشارف العودة، مرة أخرى، إلى تلك العادة المتكررة والمعروفة: مهرجان وحدة وطنية، تليه مصاعب في المفاوضات، وفي نهاية المطاف، تعميق الانفصال والشقاق، الشقاق الذي لا ينتهي بين الحركتين».
ومع ذلك، فإن الإسرائيليين يشيرون، أيضا، إلى بعض البوادر المفاجئة التي قد تغير الصورة على نحو إيجابي؛ ومنها «تبدل قيادة حماس خلال الأشهر الماضية، وأداؤها غير المتوقع. فمن هو موجود اليوم ليس خالد مشعل، ومجموعة قيادة الخارج. إن من يقود حركة حماس اليوم هما شخصان، من سكان القطاع، من أبناء مخيمات اللاجئين فيه: رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية، من سكان مخيم الشاطئ، ورئيس حركة حماس في القطاع، يحيى السنوار، المولود في مخيم خان يونس للاجئين. كلاهما لا يخفي رغبته بتحقيق الوحدة الفلسطينية. إنهما يتحدثان باستمرار عن هذه الوحدة، ويحاولان القيام بعدد غير قليل من الخطوات لبناء الثقة أمام حركة فتح، التي يقف أبو مازن على رأسها. كما أن الرئيس الفلسطيني تحدث في أكثر من مرة، مؤخرا، مع هنية، وتمكن الطرفان فيما بينهما من خلق قناة حوار. كما توجد هذه القناة بين مسؤولين آخرين من كلا الحركتين؛ من أولئك المسؤولين عن الأجهزة الأمنية للحركتين. كما أعلنت حركة حماس عن تفكيك «الهيئة الإدارية» التي أقامتها في قطاع غزة لكي تستبدل حكومة الحمد الله. ولا يمكن تجاهل الأمور الاستثنائية التي قالها يحيى السنوار، الذي كان العنصر الأكثر تطرفا من بين قيادات حركة حماس حتى وقت غير قليل. فقد صرح أمام أبناء الشبيبة الغزية، بأنه سيكسر رقبة كل من يقف في وجه المصالحة، حتى لو كان هذا الشخص من حركة حماس أو من أي تنظيم آخر. وقال السنوار «إن قرار إنهاء الانقسام هو قرار استراتيجي، لا عودة عنه. ينبغي علينا أن ننهي هذا الانقسام». بل إن السنوار ادعى أن قائد «كتائب القسام»، محمد الضيف، يدعم هذه الخطوة أيضا.
وقال مسؤول آخر في إسرائيل إن «قيادة حماس تعترف بفشلها المدني، وتشعر بخطر انتفاض سكان قطاع غزة ضدها. فهذه الحركة التي حاولت، بكل الطرق، عدم التخلي عن السيطرة على القطاع، بما فيه الشؤون المدنية للقطاع، في العقد الماضي، بدأت تبدي استعدادا للتنحي جانبا في الحيز المدني. هذا يعود إلى فشلها في حل أزمات الكهرباء الخانقة، والتشويش في ضخ مياه الشرب، ومعدلات البطالة التي لا تتراجع والتي تبلغ 44 في المائة، وإعادة الإعمار البطيئة في القطاع، والحصار المصري على معبر رفح. ففي هذا المنحى، هناك تغيير درامي حقيقي. إن حركة حماس التي انطلقت من رحم الإخوان المسلمين والتي كانت تمثل، ظاهريا، بأن (الإسلام هو الحل)، تعترف الآن بمحدودية قدراتها. كما حصل ربما لحركة (النهضة) التونسية، التي أدركت أنها لن تتمكن من البقاء باعتبارها الحركة السيادية الوحيدة، وأدركت أنه من المفضل لها أن تجلس في مقاعد المعارضة. يحتمل أن حماس لا ترغب في تقليد النموذج التونسي، بل ترغب حماس بالذات في تقليد النموذج اللبناني؛ بمعنى أن تتبنى بطريقة أو بأخرى الطريقة التي يعمل وفقها (حزب الله): ترك السلطة الفلسطينية تدير الشؤون الشاملة للقطاع، والتأكد في المقابل من أن الذراع العسكرية لحركة حماس، (كتائب الشهيد عز الدين القسام)، تحافظ على السلاح الذي تملكه ولا تتخلى عنه. هكذا ستواصل حماس بقاءها (رب البيت) بشكل عملي في القطاع، في الوقت الذي ستواصل فيه السلطة التعامل مع المعضلات اليومية في القطاع، وهي معضلات منهكة، عديمة الأفق».
ويعدد المسؤولون الإسرائيليون القضايا التي قد تؤدي إلى نجاح أو فشل المصالحة، على النحو التالي:
- مشكلة موظفي إدارة حماس، البالغ عددهم نحو 45 ألفا، أزمة يمكن حلها. فإن رغب الطرفان في الأمر، فبالإمكان التوصل إلى منظومة تحدد ما الذي يمكن القيام به حيال عشرات آلاف الموظفين التابعين لحركة حماس، الذين تم تجنيدهم لوظائفهم بعد انقلاب عام 2007. فقرابة 20 ألفا من هؤلاء هم أعضاء الشرطة المدنية والدفاع المدني، والجهات التي من المفترض أن تعالج الأمن الشخصي لسكان القطاع. ظاهريا، من المفترض أن تقوم السلطة بتجنيد هؤلاء ضمن المنظومة الأمنية شديدة الانتفاخ التابعة لها. إلا أن علينا هنا أن نتذكر عاملا إضافيا: رد فعل المجتمع الدولي. إن الذهاب إلى مصالحة مع حماس، والاتفاق بأن توافق السلطة على دفع رواتب ما بين 16 و20 ألفا من رجال قوات الأمن الذين كانوا حتى وقت غير بعيد موظفين لدى حركة حماس، قد يؤدي أيضا إلى مشكلات في تحويل التبرعات إلى السلطة الفلسطينية.
- نقطة أخرى يبدو أنه بالإمكان حلها، هي وجود السلطة على المعابر. فبحسب التلميحات التي أطلقها قياديو حماس، فهم سيوافقون على نقل السيطرة على المعابر الحدودية إلى السلطة؛ بل ربما ينتشر رجال السلطة على امتداد الحدود مع مصر وإسرائيل. سيؤدي الأمر إلى فتح ثابت لمعبر رفح، وإلى تحسن فوري في الحالة الاقتصادية في القطاع. إن خطوة كهذه ستقابل بمنسوب كبير من التأييد، وستتردد أصداء هذا التأييد في واشنطن، بل وربما أيضا بشكل ما في إسرائيل.
- أما العقبات الصعبة، فتكمن في الشكوك القائمة بين التنظيمات، ومعها أيضا المشاعر الصعبة في غزة وفي الضفة تجاه التنظيمات المتنافسة. بالذات لدى الرئيس المعروف بكونه لا يسارع إلى مسامحة من حاول المساس به.
- وهنالك مشكلة أصعب؛ هي أن أبو مازن لن يوافق على بقاء الذراع العسكرية لحركة حماس على قيد الحياة. إن تخلي حماس عن سلاحها بالنسبة لأبو مازن كان شرطا واضحا لأي محاولة لإنهاء الانقسام في الماضي. ربما يحتمل، على ضوء حالته السيئة في استطلاعات الرأي، في آراء الجمهور الفلسطيني في غزة، إلى جانب يأسه من إسرائيل ومن الخطوات الأميركية الساعية إلى «الدفع قدما بعملية السلام»، أن يجبر في هذه المرة على الموافقة على عدم تخلي «كتائب عز الدين القسام» عن سلاحها.
- نقطة أخرى؛ هي البرنامج السياسي. فأبو مازن يحمل أجندة سياسية واضحة تختلف عن أجندة حماس، التي تطالب بوقف أي مفاوضات مع إسرائيل. فهل ينوي الرئيس الفلسطيني ضرب إنجازاته السياسية في المحافل الدولية والدخول في صدام مع المجتمع الدولي لكي يتحالف مع حماس، التي لا يضمن إخلاصها له ولو لدقيقة؟
- وارتباطا بالبند السابق، لن يسارع أبو مازن إلى الاتفاق مع حركة حماس ما دام لا يعلم، بشكل تفصيلي، ماهيّة مبادرة السلام الأميركية.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.