اتهم مساعد وزير الخارجية الإيرانية لشؤون المنطقة العربية وأفريقيا أمير عبد اللهيان، إسرائيل بتفجير السفارة الإيرانية في بيروت، مؤكدا في زيارة طارئة له إلى لبنان أمس، التقى خلالها المسؤولين اللبنانيين واطلع منهم على آخر المعطيات بشأن التحقيقات، أن «أمن لبنان من أمن إيران».
وقال عبد اللهيان، بعد استقباله التعازي بضحايا التفجير إلى جانب السفير الإيراني لدى لبنان غضنفر ركن أبادي في مقر السفارة أمس: «ننتظر التحقيقات، والأجهزة الأمنية ستضع يدها على كل التفاصيل». وشدد على «دعم محور المقاومة والممانعة»، محذرا «القوى التي تدعم الأطراف الإرهابية والتي تسهل مرور السلاح إلى سوريا من مغبة هذه الأعمال».
وشكر عبد اللهيان الرئيس اللبناني ميشال سليمان خلال لقاء ثنائي، على «تعليماته الحازمة إلى الأجهزة المعنية القاضية بمعرفة الجهات التي كانت وراء تنفيذ الجريمة وجلاء كل المعلومات والتفاصيل المتعلقة بها».
وأكدت مصادر الرئاسة اللبنانية لـ«الشرق الأوسط» أمس أن الدبلوماسي الإيراني أعرب عن ارتياحه للإجراءات الأمنية والقضائية التي تتخذها الدولة اللبنانية، مبديا في الوقت عينه «استعدادهم للتعاون في كل ما قد يطلب منهم».
والتقى عبد اللهيان على هامش زيارته إلى بيروت، أمس، إضافة إلى سليمان كلا من رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، إضافة إلى رئيس الحكومة المكلف تمام سلام. وبعد لقائه بري، قال عبد اللهيان: «لن نسمح للأيادي الإرهابية التكفيرية المتطرفة المسيرة من الكيان الصهيوني أن تعبث مرة أخرى بأمن ومقدرات الدول الصديقة والشقيقة وفي طليعتها الجمهورية اللبنانية»، مشيرا إلى أن «أمن لبنان من أمن الجمهورية الإسلامية».
من جهته، حذر بري من «المخطط الإجرامي الهادف إلى عرقنة لبنان»، واصفا استهداف السفارة الإيرانية بـ«العمل الإجرامي ورسالة خطيرة تستهدف أمن واستقرار لبنان واللبنانيين».
ونقل النواب عنه بعد لقاء الأربعاء النيابي تحذيره من «المخطط الإجرامي الهادف إلى عرقنة لبنان»، داعيا جميع الأفرقاء اللبنانيين إلى «التحلي بالمسؤولية العالية». وجدد الإشارة إلى أن «الحوار هو السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية».
من ناحيته، لفت رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي إلى أن «كلمات الإدانة والشجب لم تعد تكفي للتعبير عن فداحة ما حصل وهول الجريمة بعد تفجيري بئر حسن». وقال ميقاتي في كلمة ألقاها أمام زواره: «صحيح أن الناس سئمت سماع عبارات الاستهجان، إلا أن من الضروري تكرار الكلام في مثل هذه اللحظات العصيبة، لعل ذلك يكون حافزا إضافيا لوقفة ضمير من جميع القيادات اللبنانية لوقف التساجل وتخفيف الانقسامات التي تشكل قاعدة خصبة لكل من يتربص شرا بهذا الوطن، والسعي لتحقيق توافق على الحد الأدنى من سبل إدارة شأن الوطن في هذه المرحلة الخطيرة».
وكان للسفير الروسي لدى لبنان ألكسندر زاسبكين، موقف إزاء التفجير خلال تأديته واجب العزاء في السفارة الإيرانية، فاعتبر ان «الإرهاب خطر كبير على المنطقة ولذلك نحن ندعو منذ فترة الجميع بغض النظر عن مواقفهم السياسية إلى أن يقفوا ضد الإرهاب في المنطقة. وقال زاسبيكين: «نبذل الجهود لإحلال السلام في المنطقة وسنسعى للوصول إلى تسوية سياسية بشأن الأزمة السورية»، داعيا «اللبنانيين إلى أن يكونوا في موقف واحد ضد الإرهاب والتطرف والعمل على أن يكون لبنان في وضع مستقر».
وأكد أن «روسيا تواصل الاتصال مع جميع الأطراف الخارجية للحفاظ على الاستقرار في لبنان»، لافتا إلى أن «امتدادات الوضع في سوريا خطر على لبنان وهو ليس بجديد ونحن منذ فترة نحذر منها عندما ندعو إلى تسوية سياسية في سوريا نقصد أنها ستنعكس إيجابا على المنطقة ومنها لبنان».
ورأى أن تفجير السفارة، موجه ضد أي شيء إيجابي في المنطقة وهذه المحاولات الإرهابية لن تؤثر في مسيرتنا.
بدوره، رأى نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم أن استهداف السفارة الإيرانية هو تفجير موصوف لتلك الأيدي اللئيمة والمجرمة التي تعبر عن المنهج التفكيري الإسرائيلي.
وقال، في حديث إذاعي أمس، إن «الهدف الذي تواجهه المنطقة منذ سنوات عدة هو وجود جماعة ومحور يتماهى بين إسرائيل والتكفيريين، وتدعمه أميركا بشكل مباشر، ويعتمد الإرهاب من أجل أن يحقق هدفا مركزيا هو ضرب الاستقرار وتعميم الفوضى»، داعيا إلى «التماسك والوقوف صفا واحدا في وجه هذا الإرهاب مهما تكن خلافاتنا السياسية، ولنناقش هذه الخلافات بموضوعية في مجالها ولا نرد الأمور إلى أسباب واهية».
وأضاف: «الكل يعلم أن الأزمة في المنطقة محورها المركزي إسرائيل، وأن ما يجري في سوريا ليس قضايا مطلبية، وإنما محاولة أميركية إسرائيلية لضرب المقاومة من الخاصرة السورية». وتابع: «أننا ما زلنا قادرين على معالجة الأمور والتلاقي قبل أن تتفاقم أكثر، وحل هذه المواجهة يبدأ سياسيا، ومن ثم سياسيا وعسكريا ومحاولة تهدئة الساحة وإراحتها من بث السموم المذهبية والطائفية».
ورفض الكلام حول تحميل حزب الله مسؤولية ما جرى نتيجة دوره في سوريا، معتبرا هذا الأمر «سخافة موصوفة لأن حزب الله هو دائما في موقع الدفاع ولم يكن يوما في موقع الهجوم أمام المشروع الإسرائيلي وتداعياته في المنطقة. ونحن في مشروعنا ندافع عن المقاومة ومحور المقاومة، ولا نحاول أن ندخل ساحات الآخرين ولا نتدخل فيها».
وإذ اعتبر قاسم أن الاستهداف المباشر للسفارة الإيرانية يكتسب عنوانا خاصا بأن إيران من ضمن المحور الذي يحملونه مسؤولية إعادة الأمور إلى نصابها ومحاولة استعادة المنطقة لاستقلالها وشرفها ومقاومتها، رأى أن «الاستهداف شامل لكل أقسام هذا المحور».
وعلى صعيد اخر طلبت السلطات اللبنانية من السفارة الإيرانية في بيروت أمس تزويدها بتسجيلات الفيديو الخاصة بكاميرات المراقبة، في إطار التحقيقات التي تجريها على خلفية تعرض مقر السفارة في محلة بئر حسن، في الضاحية الجنوبية لبيروت، لتفجيرين انتحاريين أول من أمس، أسفرا عن مقتل إيرانيين، بينهم المستشار الثقافي في السفارة الشيخ إبراهيم الأنصاري، وأربعة من حراسها الأمنيين يحملون الجنسية اللبنانية، إضافة إلى نحو عشرين شخصا آخرين.
ووجه مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر كتابا أمس إلى السفارة الإيرانية، طلب فيه تزويد المحققين بأفلام كاميرات المراقبة التابعة للسفارة، في موازاة إشارة مصادر أمنية إلى أن السيارة المستخدمة في التفجير الثاني لم يتبقَّ منها أي آثار للمحرك أو لمبدل السرعة، بينما عثر على لوحة تسجيل السيارة ويجري التحقق منها.
وكان انتحاري أقدم صباح أول من أمس على تفجير نفسه، قبل أن يقدم انتحاري ثانٍ على الخطوة ذاتها بعد أقل من ثلاث دقائق أمام مدخل السفارة الإيرانية ببيروت. وتبنت مجموعة «كتائب عبد الله عزام» المرتبطة بتنظيم «القاعدة» التفجيرين الانتحاريين مهددة باستمرار عملياتها حتى انسحاب عناصر حزب الله من سوريا وتحرير عدد من عناصرها المعتقلين في لبنان.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر دبلوماسي إيراني تأكيده أمس نجاة السفير الإيراني في بيروت غضنفر ركن أبادي من التفجيرين بينما كان على وشك الخروج من السفارة. وقال المصدر، رافضا الكشف عن هويته، إن أبادي كان «على موعد مع وزير الثقافة في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية غابي ليون، بمعية المستشار الثقافي في السفارة إبراهيم الأنصاري، الذي كان ينتظره في سيارة قرب مدخل السفارة، أثناء تفجير الانتحاري الأول نفسه». وأشار إلى أن أبادي «الذي كان على وشك الخروج عاد أدراجه، ثم وقع الانفجار الثاني».
وأصيب الأنصاري (54 عاما) بجروح بالغة في الانفجار، وما لبث أن توفي بعد نقله إلى المستشفى، علما بأنه كان قد عين في منصبه خلال الشهر الماضي، وسبق أن شغل المنصب في السودان ما بين عامي 2004 و2009. وكان شغل منصب مدير عام الإدارة العامة للثقافة والإرشاد الإسلامي بمحافظتي هرمزكان وجيلان لمدة 13 عاما حتى عام 2003، وهو كان مدير عام الشؤون الأفريقية العربية في رابطة العلاقات الثقافية الإيرانية منذ 2009 حتى تكليفه بمهامه في لبنان.
وفي حين نقل جثمان الأنصاري من المستشفى إلى مقر السفارة قبل أن ينقل إلى إيران، حيث سيوارى الثرى، شيع حزب الله أمس ثمانية قتلى قضوا خلال التفجيرين في الضاحية الجنوبية لبيروت، بينهم مسؤول الأمن في السفارة رضوان فارس وثلاثة من حراسها، وهم محمد هاشم وبلال وأحمد زراقط».
وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية أمس «ارتفاع حصيلة ضحايا التفجيرين الإرهابيين إلى 23 قتيلا معروفة هوياتهم، إضافة إلى قتيلين لم يتم التعرف إلى هوية أصحابهما بعد»، وذلك بعد وفاة مصابين أمس متأثرين بجراح أصيبا بها. وأفادت وزارة الصحة بأن «عدد الجرحى بلغ 147، لا يزال 60 منهم قيد المعالجة في المستشفيات»، داعية «جميع من لديهم مفقودون للتوجه إلى مستشفى رفيق الحريري الحكومي لإجراء فحوص الحمض النووي»، في موازاة إشارتها إلى «وجود أشلاء في بعض المستشفيات يجري العمل على التعرف على هويات أصحابها».
وفي السياق ذاته، دعت قيادة الجيش اللبناني أمس «أهالي المفقودين من جراء الانفجارين إلى التقدم من مستشفى رفيق الحريري الجامعي الكائن في محلة بئر حسن، لإجراء فحوصات الحمض النووي بغية التعرف إلى ذويهم من المفقودين».
وفي إطار مواكبة التحقيقات ومتابعة الوضع الأمني، اطلع الرئيس اللبناني ميشال سليمان أمس من المدعي العام التمييزي بالوكالة القاضي سمير حمود ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر، على المعلومات المتوفرة عن حادثي التفجير. وشدد على «تكثيف الجهود والتحريات والتحقيقات لكشف الفاعلين والمحرضين وتوقيفهم وإحالتهم إلى القضاء».
وترأس سليمان بعد ظهر أمس اجتماعا للمجلس الأعلى للدفاع الذي أدان «العمل الإرهابي الذي طال لبنان بأسره، مستهدفا مقر البعثة الدبلوماسية الإيرانية في بيروت». وشدد على «الموقف الوطني الثابت بالعمل الدؤوب على مكافحة الإرهاب بكل أشكاله»، لافتا إلى أن «لبنان كان سباقا في التصدي لكل محاولات الإرهابيين لزعزعة السلم الأهلي وزرع الفتنة بين اللبنانيين».
ونوه المجلس الأعلى للدفاع بـ«الموقف اللبناني الجامع برفض الإرهاب والإرهابيين والحرص على الوحدة والتفاهم»، واطلع من قادة الأجهزة العسكرية على «المعلومات المتوفرة والتدابير الميدانية والإجراءات الأمنية والاستعلامية التي تقوم بها لكشف المخططين والمنفذين لهذه الجريمة وسوقهم أمام القضاء المختص والحفاظ على السلم الأهلي وأمن مقرات البعثات الدبلوماسية ومكاتبها ودور العبادة والمراكز التجارية، للحؤول دون تنفيذ المجرمين لمخططاتهم لضرب الاستقرار العام في البلاد».
وواصلت فرق الأدلة الجنائية اللبنانية أمس عملها في مسح موقع الانفجارين، بينما أبقت القوى الأمنية أمس على تطويقها للمكان، بموازاة انهماك الأهالي في تفقد منازلهم ومصالحهم المتضررة في المنطقة.
وكانت قيادة الجيش اللبناني أعلنت مساء أول من أمس أنه «بنتيجة متابعة التحقيقات والكشف على موقعي الانفجارات، تبين أن الانفجار الأول ناجم عن عبوة ناسفة زنة خمسة كيلوغرامات، والانفجار الثاني ناجم عن عبوة ناسفة زنة 50 كيلوغراما من المواد المتفجرة، كما أن السيارة التي فخخت هي من نوع جيب (بليزر) جردوني اللون». وأشارت إلى «استمرار التحقيقات لتحديد هوية الانتحاريين، ومصدر الدراجة والسيارة المستخدمتين في العمليتين الإرهابيتين».
وبثت قناة «الميادين» أمس لقطات فيديو حصرية، تظهر مكانا قريبا من محيط السفارة الإيرانية، يسجل لحظات ما قبل وخلال وبعد وقوع الانفجارين. وأظهرت اللقطات المستقاة من كاميرا مثبتة قرب السفارة الإيرانية المدنيين يهرعون إلى محيط السفارة بعد التفجير الأول، ليفاجئهم التفجير الثاني، وهو الأقوى بعد أقل من ثلاث دقائق.
وغص مقر السفارة الإيرانية في بئر حسن بشخصيات لبنانية ودبلوماسية قدمت تعازيها للسفير الإيراني ولمساعد وزير الخارجية الإيرانية حسين أمير عبد اللهيان، الذي أعلن بختام التعازي أمس عن «استشهاد أربعة من عناصر الحماية في السفارة إضافة إلى المستشار الثقافي (الأنصاري) وضحية بريئة مدنية إيرانية أخرى»، من دون أن يسميها. وقال: «نشد على أيادي الجرحى المظلومين كافة، سائلا الله أن يكتب لهم الشفاء العاجل».
ومن أبرز المعزين في السفارة الإيرانية السفير البريطاني لدى لبنان، توم فليتشر، على رأس وفد من السفارة، في خطوة لافتة وغير مسبوقة لها دلالاتها السياسية، وذلك بعد ساعات على تبرعه (فليتشر) بدمه أول من أمس للجرحى الذين أصيبوا خلال التفجيرين.










