مرثية مايكل هاج لمدينة كفافيس وفورستر وداريل

ترجمة عربية لكتاب «الإسكندرية... مدينة الذكرى»

من معالم الإسكندرية
من معالم الإسكندرية
TT

مرثية مايكل هاج لمدينة كفافيس وفورستر وداريل

من معالم الإسكندرية
من معالم الإسكندرية

هل ثمة قواسم مشتركة بين حياة كفافيس وفورستر وداريل؟ وكيف شكلت الإسكندرية محوراً لإبداعهم؟ وهل هم من خلدوا الإسكندرية أم أن الإسكندرية هي التي فعلت ذلك؟ هذه التساؤلات وغيرها، يجيب عنها المؤرخ البريطاني مايكل هاج في كتابه الشيق «الإسكندرية... مدينة الذكرى»، الذي صدرت ترجمته العربية أخيراً عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، وقامت بنقله للعربية فضيلة محجوب، وراجعه طاهر البربري.
يقع الكتاب في 600 صفحة، وهو ليس من كتب التاريخ، وإنما هو يروي التاريخ متضافراً مع سيرة أهم المبدعين الذين عاشوا في الإسكندرية، سارداً المناخ الأدبي والاجتماعي والسياسي والثقافي لهذه المدينة خلال النصف الأول من القرن العشرين، استناداً إلى اليوميات والرسائل والبرقيات ومقابلات مع أجيال من الجاليات الأجنبية التي عاشت في تلك الحقبة الذهبية، محاولاً الإجابة عن سؤال طرحة لورانس داريل في «رباعية الإسكندرية» قبل 60 عاماً: ماذا في مدينتنا هذه بالأساس؟ ماذا نستعيد عندما ننطق كلمة الإسكندرية؟
ويروي هاج عبر سيرة حياة داريل وفورستر وكفافيس، وعلاقاتهم بالمجتمع السكندري، والشخصيات التي أثرت في حيواتهم، التاريخ الخفي للإسكندرية أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية، مسلطاً الضوء على الجاليات الأجنبية، كاليونانيين والإيطاليين وغيرهم ممن شاركوا في صنع «تلك الإسكندرية» التي باتت تاريخاً وماضياً يتم محو ما بقي منه كل يوم.
ويستهل الكتاب برحلة عودة لورانس داريل إلى الإسكندرية عام 1977، ومنها يروي بداية وصوله للإسكندرية في ربيع عام 1941، ثم ينقلنا عبر شوارع الإسكندرية إلى لقاء كفافيس وفورستر، وكيف كان ذلك اللقاء الذي دفع فورستر لجمع كل قصائد كفافيس التي صنعت مجد الإسكندرية الأدبي. ويشير فيه إلى ولع داريل بكفافيس، خصوصاً قصيدة «المدينة» التي ترجمها ووضعها في ختام روايته «جوستين»، ثم يشير إلى كتابه داريل للطبعة الأولى من كتاب فورستر «الإسكندرية... تاريخ ودليل».
ويتعمق هاج كاشفاً حياة داريل بكل تفاصليها، ومما يذكره المؤلف أن زواج الروائي والشاعر البريطاني «لورانس داريل» شهد حالة من التوتر الشديد، إذ تم إجلاء زوجته نانسي وابنتها إلى فلسطين في يوليو (تموز) 1942، بعد قيام روميل بتهديد مصر وتوقفه عند منطقة العلمين، ولم تعد نانسي في العام التالي، فالتقى «داريل» بـ«إيف كوهين» في الإسكندرية، وأصبحت زوجته الثانية التي وصفها بقوله: «امرأة غريبة وفاتنة، بعينين سوداوين، صائبة في كل استجابتها»، وقد أهداها الجزء الذي عنونه بـ«جوستين»، ضمن الأجزاء الأربعة في عمله الشهير «رباعية الإسكندرية».
ويضيف المؤلف أن «داريل» كتب إلى صديقه هنري ميللر عن هذا العمل الأدبي، قائلاً: «إنه قصيدة نثر من نوع ما، إلى واحدة من أحب عواصم القلب، عاصمة الذكريات، ويحمل صوراً لاذعة لنساء الإسكندرية، هن بالتأكيد أحب الناس إلى نفسي، وأكثرهن كرباً وحزناً في العالم».
جمع مايكل هاج ببراعة ودقة الباحث الدءوب كل ما ذكره شعراء ورحالة يونانيون ومستشرقون ومؤرخون ورحالة ومعاصرون عن المدينة بأجوائها الكوزموبوليتانية. ويشير هاج إلى أن الإسكندرية كانت لما يقرب من ألف عام، بعد أن أسسها الإسكندر الأكبر سنة 331 ق.م.، أحد أهم المراكز الثقافية والحضارية في العالم «مدينة عالمية وكوزموبوليتانية»، وظل «موسيون» الإسكندرية، ومكتبتها الشهيرة التي كانت جزءاً منه، وفنارها، رموزاً للتنوير حتى يومنا هذا، ويسرد الكتاب حكاية تأسيس الإسكندرية، حينما راودت الإسكندر المقدوني رؤية عن جزيرة تدعى «فاروس»، لها ميناء عظيم في مصر.
ويستعيد وصف المؤرخ والجغرافي اليوناني «سترابو» للإسكندرية في القرن الأول للميلاد، إذ يقدم وصفاً دقيقاً للحي الملكي و«الموسيون»، والميناء الشرقي العتيق، وغيرها من المعالم التاريخية للعالم القديم.
ويتحدث «هاج» عن انبهاره بالمدينة وقصورها وتخطيطها، حيث تحوي 4 آلاف قصر، و4 آلاف طريق، و400 مسرح، و1200 محل للخضار، كما أن أعمدتها الضخمة لا مثيل لها في أي مكان آخر.
ويلفت النظر إلى أن الرحّالة الإنجليزي «ريتشارد بوكوك»، الذي زار الإسكندرية عام 1737م، تحدث عن الأسوار الشاهقة للمدينة ونخيلها السامق، وعن الحي الملكي وصهاريجها التي تختفي تحت كل شبر في أرجائها، وقبر الإسكندر الذهبي الذي لم يُعثر عليه إلى الآن، كما يتحدث عن الإسكندرية الكوزموبوليتانية، حيث شوارعها العتيقة يوم كانت لغات العالم تُسمع في المقاهي والشوارع وبين الباعة الجائلين، مورداً ما كتبه المؤرخ الإيطالي «بريتشا» في وصف المدينة عام 1922، بأنها مدينة التسامح والمحبة، حيث اشتهرت بتنوع الأعراق والجنسيات والأديان واللغات. ولـ«هاج» كتاب يضم كل ما كتب عن الإسكندرية بعنوان «أنطولوجيا الإسكندرية»، عن دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة، كنا قد عرضنا مراجعة له في ملحق «فضاءات».
ويأتي الفصل الأول بعنوان «ترام»، ليخصصه مؤلف الكتاب عن فورستر الذي جاء لمصر بعد الهند، وكانت له عدة تجارب روائية، ونظراً لحالة الحرب التي كانت تعيشها بريطانيا وأوروبا عام 1914، مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، قرر أن يتطوع في الصليب الأحمر بالإسكندرية كباحث عن المفقودين، ثم استقر في المدينة لمدة 3 سنوات. ويتتبع هاج مسارات فورستر والأمكنة التي زارها وأقام فيها، وخطاباته إلى والدته وأصدقائه، ويطلعنا على جوانب لم نعرفها عن فورستر الذي كتب أروع وأهم دليل يؤرخ لمدينة الإسكندرية حتى الآن.
في الفصل الثاني «الإسكندرية من الداخل»، يطلعنا على سمات وجوانب شخصية شاعر الإسكندرية كفافيس، والشخصيات التي التقاها، والأمكنة التي شهدت على ولعه بالمدينة. ومنهم الأديب زنانيري، الذي التقى كفافيس عام 1926. ويروي زنانيري، الذي غادر الإسكندرية بعد ذلك إلى باريس، أن كفافيس كان يعشق وقت بزوغ الفجر، الذي كان يستقبل فيه زائريه، وأنه كان يفضل دوماً الجلوس في الجانب المظلم من الحجرة. ويقول زنانيزي: «كان الشعر هو الشيء الوحيد الذي كنا نتبادل فيه الحديث مع كفافيس! كانت علاقتي بكفافيس تنحصر في الشعر والروح البيزنطية، ولم يجل بخاطري قط أن أرى كفافيس أي شيء آخر سوى شاعر».
«آه لو أن الحب أبدي» هو عنوان الفصل الثالث الذي يسرد قصص الحب التي ارتبطت بالمدينة، سواء بين أنطونيو وكليوباترا، أو بين فورستر وصديقه المثلي محمد العدل، مستعرضاً الخطابات التي كتبها فورستر له، وكيف تداخلت الحياة السياسية المصرية وثورة سعد زغلول ضد الاحتلال الإنجليزي مع حياة فورستر. وفي الفصل الرابع «مجتمع الرفاهية: تاريخ ودليل»، يكشف المؤلف تفاصيل مثيرة عن حياة الأميركي جاسبر برينتون، الذي ترأس جمعية آثار الإسكندرية، وعلاقته بفورستر، وولعهما بقصة قبر الإسكندر الأكبر الذي رجح فورستر أنه يقبع أسفل مسجد النبي دانيال بالإسكندرية. وتستمر الإثارة والتشويق في الفصل الخامس «ثنائيات مختلطة كالعادة»، والفصل السادس «صورة شخصية» الذي يحفل بقصص عائلات سكندرية كبرى يهودية ويونانية أثرت في الحياة الثقافية والاجتماعية للمدينة، وفي الفصلين السابع والثامن، يعود هاج لمزيد من التفاصيل عن حياة داريل وزوجاته وخروجه من الإسكندرية إلى قبرص، وعودته إليها في سبعينات القرن الماضي. ويحفل الفصلان بصور نادرة لداريل وزوجاته وابنته، وفي الفصل التاسع «مدينة لا تتلاشى»، بعض الوثائق والخطابات التي كتبها داريل أثناء حياته بالإسكندرية ترثي ما بقي منها آنذاك، وتروي بدقة أوضاعها أثناء الحرب العالمية الثانية.
فصول الكتاب مفعمة بروح المدينة الكوزموبوليتانية التي تستدعي «نوستالجيا» من نوع خاص لمدينة كان يطلق عليها «مدينة العالم»، بكل ما كان فيها من متناقضات وجنسيات تزيد على 50 جنسية تتعايش معاً، وحضارات متنوعة، ذلك الخليط الذي صنع حالة إبداعية لا تزال بقاياها حاضرة في أجيال من المبدعين المصريين يعيشون على أطلال ذكرياتها.


مقالات ذات صلة

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

يوميات الشرق السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

احتفت متاحف مصرية بالمرأة خلال شهر مارس (آذار) الجاري الذي وافق اليوم العالمي للمرأة في الثامن من الشهر، كما يوافق عيد الأم 21 من الشهر نفسه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من المعرض (المتحف المصري)

«المتحف المصري» يحتفي بكنوز الأجداد في معرض «ترميم البردي»

استضاف «المتحف المصري» معرضاً فوتوغرافياً حول معمل ترميم البردي بالمتحف، مبرزاً العديد من الجهود التي بُذلت والتي قدمها متخصصون في الترميم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق أوستراكا أثرية عليها نقوش قديمة في سوهاج (وزارة السياحة والآثار)

مصر: اكتشاف 13 ألف أوستراكا أثرية بسوهاج

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الأربعاء، الكشف عن 13 ألف أوستراكا بموقع «أتريبس» الأثري بمحافظة سوهاج (صعيد مصر).

فتحية الدخاخني (القاهرة )
ثقافة وفنون ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)

«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

تحت عنوان «الخلود المسروق» جاء الفيلم الوثائقي المصري الذي شارك فيه عدد من خبراء الآثار والمسؤولين السابقين، ليرصد تاريخ تهريب الآثار المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
TT

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)

لم تكن هناك مفاجآت كبيرة ليلة الأحد عندما أُعلن عن الفائزين بجوائز «الأوسكار» في الحفل الـ98، فمعظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت بالفعل، وحصد «معركة بعد أخرى» 6 جوائز، أهمها جائزتا أفضل فيلم وأفضل مخرج لبول توماس أندرسن.

ودخلت السياسة بقوة على الخط نظراً لتزامن الحفل مع أصوات المعارك الضارية في المنطقة العربية.

وقال يواكيم تراير، مخرج «قيمة عاطفية» الذي فاز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي، وهو يتسلم جائزته: «لدي ولدان، وعندما أشاهد ما يحدث لأطفال غزة وأوكرانيا والسودان أبكي أنا وزوجتي».

وقبله وقف الممثل الإسباني خافيير باردِم (الذي قدّم الجائزة لتراير) ليقول: «لا للحرب، وفلسطين حرّة». (تفاصيل ص 22)


«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)

بعد الإعلان عن جوائز «الأوسكار»، الأحد، وفوز الفيلم النرويجي الاجتماعي الكوميدي «قيمة عاطفية» بجائزة أفضل فيلم أجنبي، وخسارة الفيلم التونسي «صوت هند رجب» المنافسة، بوصفه الفيلم العربي الوحيد الذي خاض تصفيات أشهر مسابقة عالمياً، ظهرت تساؤلات عن سبب خسارة الفيلم الذي يتناول واقعة حقيقية خلال «حرب غزة» تمثل مأساة إنسانية، ما بين من اعتبروا الجائزة قد تحمل أبعاداً سياسية، خصوصاً مع رفض مخرجة الفيلم تسلم جائزة سابقاً في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي، وبين من رأوا الجائزة تحتكم للمعايير الفنية.

ودعم هذه التساؤلات تعليقات «سوشيالية» حول عدم فوز الفيلم التونسي، خصوصاً مع إعلان كوثر بن هنية في لقاء متلفز خلال حفل «الأوسكار» أن بطل فيلمها الفلسطيني لم يتمكن من الحضور بسبب قرار الرئيس ترمب منع منح تأشيرات للفلسطينيين.

وتناول فيلم «صوت هند رجب» محاولة إنقاذ الطفلة الفلسطينية هند رجب التي تبلغ من العمر 6 سنوات، وظلت لفترة عالقة داخل سيارة بها جثث أهلها الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية، وقضت الطفلة خلال أحداث الحرب على غزة عام 2024. والفيلم يمزج بين الوثائقي والدرامي عبر التسجيلات الحقيقية لصوت هند رجب وهي تتحدث إلى مسؤولي الإسعاف الفلسطينيين الذين يحاولون إنقاذها. وشارك في بطولة الفيلم سجى كيلاني، ومعتز ملحيس، وعامر حليحل، وكلارا خوري. وشارك الفيلم في العديد من المهرجانات الدولية، وحاز العديد من الجوائز والإشادات النقدية، بل رفضت مخرجته كوثر بن هنية جائزة «السينما من أجل السلام» في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي سابق صوّر الحرب على غزة باعتبارها دفاعاً عن النفس.

جانب من حفل جوائز «الأوسكار» (أ.ب)

واستبعد الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن يكون عدم فوز «صوت هند رجب» بـ«الأوسكار» لأسباب سياسية، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «حفل (الأوسكار) نفسه شهد العديد من مظاهر التضامن مع القضية الفلسطينية، فهناك أكثر من فنان عبروا عن ذلك بشكل معلن، ولكن المعيار هنا فني بالدرجة الأولى».

وتابع الشناوي: «أرى أن (قيمة عاطفية) فيلم جدير بالجائزة، وهذا لا يعني الطعن أو التقليل من فيلم (صوت هند رجب)؛ فقد حصل هذا الفيلم على (الأسد الفضي) في (فينيسيا) في يوليو (تموز) الماضي، وقوبل بحفاوة كبيرة، وحصد جوائز عديدة من المهرجانات، ووصل إلى قائمة الأفلام الخمسة المرشحة لـ(أوسكار)، وكان من بين هذه الأفلام أيضاً الفيلم الإيراني (حادث بسيط)، ولو كان هناك تدخل للسياسة في الجائزة لكان من (الأبدى) حصول الفيلم الإيراني على الجائزة».

ووصف الشناوي الفيلم النرويجي «قيمة عاطفية» بأنه «يستحق الجائزة فنياً»، مستبعداً ربط القيمة الفنية بمفردات اللحظة الراهنة، وقال: «إذا اعتبرنا فيلم (صوت هند رجب)، أو أي فيلم آخر، خسر لأسباب سياسية، فهذا يضعنا في ورطة، وهي أنه يمكن الادعاء بفوز أي فيلم آخر لنا يكون لأسباب سياسية أيضاً، وهذا أمر أستبعده وأرفضه من حسابات صناعة السينما»، مؤكداً جدارة الفيلم النرويجي دون التقليل أبداً من قيمة الفيلم التونسي الذي حظي بحفاوة كبيرة يستحقها.

وكانت منافسات «الأوسكار» هذا العام في الدورة 98 شهدت حضور 4 أفلام عربية في القائمة الأولية هي أفلام: «اللي باقي منك» للمخرجة الأميركية - الأردنية من أصل فلسطيني شيرين دعيبس، و«فلسطين 36» للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، و«كعكة الرئيس» للمخرج العراقي حسن هادي،

وفيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، وهو الوحيد الذي نجح في التأهل للقائمة النهائية في المنافسات.

وهي المرة الثالثة التي يشارك فيها عمل من إخراج كوثر بن هنية في منافسات الفيلم الأجنبي على «الأوسكار» بعد فيلمَي «الرجل الذي باع ظهره» و«بنات ألفة».


نزيه يوسف: أُغرمت بنص كارين رزق الله منذ اللحظة الأولى

في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
TT

نزيه يوسف: أُغرمت بنص كارين رزق الله منذ اللحظة الأولى

في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)

تشكل إطلالة الممثل نزيه يوسف بشخصية «عمر» في مسلسل «المحافظة 15» عودة لافتة إلى الساحة الفنية بعد فترة غياب. وقد أتاح له العمل مساحة درامية أوسع مما حظي به في أعماله السابقة. ومن خلال شخصية متعددة الاتجاهات، كما يصفها لـ«الشرق الأوسط»، نجح في إقناع المشاهد وأثبت قدرته على أداء الأدوار الجادة والملتزمة. ورغم اشتهاره بتقديم الأدوار الكوميدية ومشاركته في أعمال درامية ومسرحية عدة، فإن تلك التجارب لم تمنحه الفرص التي تبرز كامل قدراته.

يقدّم يوسف دوره بمرونة وعفوية، مستفيداً من حرفيته لإقناع المشاهد بوفائه المتفاني لمديرته النائبة «منية» (كارين رزق الله). وقد أثار هذا الارتباط تساؤلات كثيرة لدى الجمهور في طبيعة علاقته بها، خصوصاً مع تطور الأحداث واقتراب العمل من حلقاته الأخيرة، حيث يُتوقع أن تنكشف حقيقة الشخصية ويسقط القناع عن وجهها البريء.

عن مشاركته في «المحافظة 15»، يؤكد أنه وافق سريعاً على الدور فور تلقيه اتصالاً من المخرج مكرم الريس. ويقول: «عندما تواصل معي مكتب المنتج مروان حداد وشرحوا لي تفاصيل العمل، لم أتردد لحظة. أعتقد أن هذا الاتفاق كان الأسرع في مسيرتي التمثيلية. فمجرد أن عرفت أن النص من كتابة كارين رزق الله والإخراج لسمير حبشي، أدركت أن العرض لا يمكن تفويته».

في كواليس تصوير «المحافظة 15» (نزيه يوسف)

ويشير إلى أنه عادةً ما يتأنى في دراسة العروض التي تُقدم له، فيدقق في تفاصيل الدور والأجر وطبيعة العمل قبل اتخاذ قراره. إلا أن الأمر كان مختلفاً هذه المرة، إذ لم يشغل نفسه بكل تلك التفاصيل، ويقول إن قراءته للنص جعلته يتعلق به سريعاً، مؤكداً أن حدسه في الموافقة السريعة كان في مكانه.

وعن عودة الثنائية بين بطلي العمل يورغو شلهوب وكارين رزق الله، يعلّق قائلاً: «قبل الحديث عن هذه الثنائية الناجحة، لا بد من الإشادة بأجواء العمل ككل. فقد كان الفريق متجانساً ويسعى إلى إنجاح المسلسل بكل ما يملك. كنا أشبه بعائلة صغيرة تجمعها غاية واحدة، وهو ما انعكس إيجاباً على العمل».

ويضيف: «أما ثنائية يورغو وكارين فهي حكاية بحد ذاتها. كان الجمهور ينتظر عودتهما بفارغ الصبر. يورغو يتمتع بسحر خاص في الأداء يجعل المشاهد أسيراً لجاذبيته، فيما تقدم كارين أداءً صادقاً ومحترفاً، ما يصنع بينهما تناغماً واضحاً يحفّز المشاهد على متابعتهما دون ملل».

وقد أتاحت شخصية «عمر» لنزيه يوسف إبراز جانب مهم من موهبته التمثيلية، إذ لا يزال يحتفظ بطاقة فنية وشغف واضحين، ويأمل أن تفتح له هذه المشاركة أبواباً جديدة لإظهار قدراته على نطاق أوسع.

نزيه يوسف خريج معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وشارك في أعمال تلفزيونية بارزة لا تزال حاضرة في ذاكرة المشاهد اللبناني، من بينها «مرتي وأنا»، و«عيلة ع فرد ميلة»، إضافة إلى «أماليا»، و«جوليا»، و«الكاتب». كما يمتلك تجربة سينمائية مهمة بعد مشاركته في عدد من الأفلام اللبنانية مثل «رصاصة طايشة»، و«مدام بامبينو»، و«حبّة لولو»، و«عطلة نهاية الأسبوع». أما على المسرح فقد شارك في أعمال يعتز بها، منها «آخر أيام سقراط»، و«أبو الطيب المتنبي» مع الرحابنة.

ويصف يوسف قصة العمل بأنها جديدة، عولجت بأسلوب ذكي رغم صعوبتها، إذ تتخللها محاذير حساسة.

وعن اعتباره الدور فرصة طال انتظارها، يقول: «لا شك أن مساحة الدور وطبيعته تختلفان عما قدمته سابقاً. فالشخصية تحتمل تأويلات متعددة وتفتح المجال أمام مفترقات درامية عدة، لأنها غنية بطبقاتها. والأهم أنها شخصية محورية في بناء العمل وحبكته».

مع كارين رزق الله وتربطه بها علاقة مهنية طويلة (نزيه يوسف)

ويضيف: «المسلسل يطرح أبعاداً اجتماعية ووطنية، ويسعى إلى إبراز العلاقة بين الشعبين السوري واللبناني بالصورة التي طالما تمنيناها. كانت تجربة مميزة وتستحق الجهد الذي بذلناه كفريق عمل».

ولا يرى يوسف أن ما كتبته كارين رزق الله مجرد قصة جريئة، بل يراها معالجة دقيقة لموضوع حساس، ويوضح: «استوحت كارين الحكاية من حادثة حقيقية في عائلتها، إذ اختفى ابن خالتها قبل 28 عاماً أثناء رحلة غطس في البحر. ومن هذه الحادثة بنت المسلسل وأضافت إليها أبعاداً درامية أخرى».

ويتابع: «حرصت المؤلفة أيضاً على إدخال تفاصيل إنسانية صغيرة لكنها مؤثرة، تلامس مشاعر المشاهد. كما تطرقت إلى قضايا عدة، منها الأزمة الاقتصادية في لبنان، والحرب، وإسقاط النظام السوري، إضافة إلى موضوعات اجتماعية مثل الوحدة وأحلام الشباب وتأثير أخطاء الأهل في الأبناء، ما جعل الحبكة متماسكة وغنية».

وقد لاقت شخصية «عمر» ترحيباً لدى الجمهور، الذي تأثر بوفائه وصدقه تجاه شخصية «منية». وعن تحضيره للدور يقول: «شعرت في البداية بالخوف من حجم المسؤولية، فالشخصية تتولى منصباً سياسياً حساساً يتطلب دقة في الأداء. وبما أن الكوميديا طبعت جزءاً كبيراً من مسيرتي، كنت حريصاً على ألا ينعكس ذلك على الشخصية. حتى إن المخرج كان متخوفاً من هذا الأمر».

ويضيف: «لذلك حضّرت للدور بجدية كبيرة، وكنت ألتزم بالنصيحة التي كررها المخرج لي دائماً: تذكّر أنك تؤدي شخصية جدية. وكنت أكرر لنفسي دائماً: أنا عمر».

ويتوقع كثير من المشاهدين أن يحمل المسلسل نهاية تراجيدية، وفق مسار الأحداث وتطوراتها.

ويختم نزيه يوسف قائلاً: «لا أستطيع الكشف عما ستؤول إليه النهاية. لكن أحياناً تحمل الأحداث التراجيدية جوانب إيجابية. لذلك أدعو الجمهور إلى متابعة العمل حتى النهاية لاكتشاف المفاجأة المنتظرة».

Your Premium trial has ended