مستثمر يراهن بملايين الدولارات على «كذب الأسواق»

التقلبات لا تزال منخفضة لكن الخوف في تزايد مستمر

العلم الأميركي يغطي أعمدة بورصة نيويورك (أ.ب)
العلم الأميركي يغطي أعمدة بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

مستثمر يراهن بملايين الدولارات على «كذب الأسواق»

العلم الأميركي يغطي أعمدة بورصة نيويورك (أ.ب)
العلم الأميركي يغطي أعمدة بورصة نيويورك (أ.ب)

كان الأربعاء 13 سبتمبر (أيلول) يوماً جيداً آخرا لكسب الأموال في وول ستريت: لقد ارتفعت الأسواق، وكانت أسعار الفائدة عن أدنى معدلاتها، وكان مقياس فيكس لعدم ارتياح المستثمرين يتجه نحو الانخفاض مجددا. ولكن مع احتفال المستثمرين بذلك كانت هناك ردة فعل قوية من إحدى زلات السوق، إذ لاحظ كريستوفر كول، المتداول الذي يدير أحد صناديق التحوط هنا ويراهن على أشكال مختلفة من التقلبات المالية المريعة، شيئاً في خِضَمّ سيول البيانات والأكواد التي زينت جدار الشاشات أمام عينيه.
يقول السيد كول: «من الناحية النظرية، فإن التقلبات لا تزال منخفضة للغاية، ولكن الخوف في تزايد مستمر»، مشيراً إلى رسم بياني على إحدى نوافذ التداول الستة. ولقد أظهر الرسم البياني أنه خلال الشهور التي تلت فترة الثلاثين يوما التي يقيسها مؤشر فيكس لبورصة شيكاغو للأوراق المالية، كان المستثمرون يتوقعون بعض التحركات العنيفة في سوق الأسهم.
وكان الرهان ضد اشتعال هذه الاضطرابات إحدى أطول الصفقات أمدا وأكثرها ربحية في التاريخ المالي الحديث.
والسيد كول، الذي أنشأ شركة «ارتميس كابيتال للمستثمرين الخارجيين» في عام 2012، يأخذ الجانب المضاد، مجادلاً مع العمق العاطفي للمتداول الحقيقي أن هذا الهدوء في الأسواق لا يمكن أن يستمر بحال.
ووفقاً لذلك، كان يقارن من حيث أوجه التشابه مع انهيار سوق الأسهم في عام 1987، عندما اتجه المستثمرون للاعتقاد بأن التقلبات لن تندلع أو يكون لها مكان.
وحتى الآن، كان الرهانات إزاء حالة الفوضى في الأسواق تسيطر على كل التداولات. ومن المتداولين اليوميين الذين يلتزمون أماكنهم أمام شاشات حواسيبهم إلى المستثمرين الرئيسيين المتطورين في جميع أنحاء العالم، كسب كثير منهم الكثير من الأموال بالمراهنة على أن مؤشر فيكس سوف يواصل الهبوط.
وبعد بلوغ الذروة اقترابا من 90 في وقت الأزمة المالية، هبط مؤشر فيكس في الآونة الأخيرة إلى أدنى مستوى له منذ عقود ببلوغه أقل من 9 في المائة، على الرغم من الارتفاع الحاد الذي يسجله في بعض الأحيان صعودا (كما حدث بعد ظهيرة يوم الأربعاء إذ وصل إلى 10.5).
ولقد ساعدت كثير من العوامل على طول ذلك الطريق، كما يقول المحللون. ومن بينها عمليات الطباعة المالية الهائلة وشراء السندات بواسطة البنوك المركزية العالمية ووفرة الاستثمارات المتداولة في البورصات، والتي تسهل كثيرا على المتداولين المحترفين والهواة على حد سواء بالمراهنة على هبوط مؤشر فيكس.
والآن، وقبل شهر فقط من الذكرى الثلاثين ليوم الاثنين الأسود، عندما هبط مؤشر ستاندرد أند بورز 500 في البورصة بنسبة 20 في المائة، يراهن السيد كول على وقوع كارثة مماثلة، مدعومة بالارتفاع الحاد المسجل في مؤشر فيكس والمبيعات الهائلة في الأسهم.
ويقول السيد كول: «حقيقة أن الجميع كانوا متحفزين لأن يكون التقلب قصيرا وموجزا قد أدت إلى هذا الاستقرار الانعكاسي - أو السلام الكاذب. ولكن إذا ضربت النظام صدمة من الصدمات، فإن كل هذه العناصر ذاتية الانعكاس سوف تأخذ الاتجاه الآخر المعاكس وتصبح مزعزعة للاستقرار بدلا من مؤيدة للاستقرار».
وانتظار النهاية الأكيدة لثاني أطول ارتفاع مسجل في أسواق زيادة الأسعار في التاريخ المالي الحديث قد أصبح، ولأسباب مفهومة، من الأمور المألوفة لدى الجميع. وليس فقط على هوامش المستثمرين الذين يتوقعون دائما هبوط قيمة الأسهم والسندات. فالأحاديث السائدة بين أروقة وول ستريت تدور حول الأسواق المالية المبالغ في قيمتها للغاية، وتساءلت أصوات مؤسساتية كبيرة، مثل لويد سي بلانكفين المدير التنفيذي في «غولدمان ساكس»، حول أن «الأمور باتت في ارتفاع مطرد ولفترة طويلة جدا».
وهناك شركة استثمارية بريطانية مغمورة، تحمل اسم «روفر كابيتال»، قد تسببت في إثارة ضجة إثر توقعها بوقوع خاتمة مدمرة، وكثير من صناديق التحوط لا تزال تعتمد خيارات مؤشر فيكس الرخيصة، وسوف تدفع بسخاء إذا ما ارتفع المؤشر مرة أخرى.
أما شركة «ارتميس كابيتال» فهي على مسار مختلف بعض الشيء. فإنها، كما يقول السيد كول، صندوق تحوط لرؤوس الأموال الكبيرة. مما يعني، من واقع حمى الأسهم المرتفعة، أن الصندوق يراهن على الانعكاس، ويوفر الحماية السلبية للمستثمرين الحذرين من خلال العثور على طرق مبتكرة لشراء التعرض للفوضى المالية. وهذه التداولات تستلزم شراء مجموعة متنوعة من الأدوات المشتقة التي تعود بالمكاسب إذا ما كان هناك ارتفاع تصاعدي كبير في مؤشر فيكس، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض الأسهم بوتيرة سريعة.
وفي الآونة الأخيرة، تحول كثير من مديري صناديق التحوط إلى هذا الأسلوب بشكل ملحوظ. والسيد كول الذي بدأ شركته برأسمال يبلغ مليون دولار في عام 2012، يبلغ رأسمال الشركة حاليا 200 مليون دولار، وكان الطلب قوياً للغاية في الفترة الأخيرة لدرجة أنه يعتقد أن يصل إلى 300 مليون دولار قريباً، وعند هذه النقطة سوف يقلل من مزيد من الوصول.
والسيد كول (38 عاماً) لديه حماس بالغ للعمل ويقضي صباح كل يوم في القراءة، والترميز، والتفكير الحر حول ما سيكون عليه حال سوق الأسهم في نهاية اليوم. وعلى غرار كثير من شكوك الأسواق المصدق عليها، فلديه مراوغاته المعروفة كذلك. ولتذكير نفسه بالاستفادة القصوى من كل يوم، فإنه يرتدي ساعة تحسب له الوقت المتبقي لديه على قيد الحياة - 50 عاماً وأربعة أشهر.
وفي الوقت الحالي، يحسب السيد كول أن ما يصل إلى تريليون ونصف التريليون دولار من أموال المستثمرين في مراهنات الأسواق سوق تبقى كما هي بأكثر أو أقل منذ عام 2009: أي خالية تماما من التقلبات. وهذا المبلغ، كما يقول، يشمل 60 مليار دولار من الأموال التي تشهد تقلبات موجزة من مختلف الأشكال. وأغلب هذا المبلغ هو من الأموال التي تنشر استراتيجيات التداول حيث التقلب هو المدخل الحاسم لتخصيص التعرض لسوق الأوراق المالية. وبالتالي، فإن التقلب المنخفض يعني تحميل المزيد من هذه الأموال على الأسهم. والتراكم على تداولات التقلبات المنخفضة كان يتم بواسطة الشركات، والتي قد تشتري خلال العام الحالي ما يقرب من تريليون دولار من الأسهم، كما يتوقع المحللون.
وفي عام 1987، تسبب حافظات التأمين في تحويل هبوط السوق إلى انكسار تاريخي عندما باعت البرامج التي تديرها الحواسيب العقود الآجلة في سوق الأسهم في سوق مفعم بالمتداولين المذعورين في غياب المشترين الراغبين في ذلك. ويقول السيد كول أن مبلغ تريليون ونصف التريليون دولار في التقلبات الموجزة يمكن أن يلعب دورا مماثلا اليوم إذا ارتفع مقياس الخوف بصورة حادة.
وكل من باعة مؤشر فيكس سوف يتحولون إلى مشتريي مؤشر فيكس، مما سوف يرفع المؤشر عاليا ويسبب انخفاض حاد في الأسهم.
وكما يتنبأ بالأمر، فإن الاستراتيجيات الشكلية العقيمة التي باعت العقود الآجلة لسوق الأوراق المالية المنخفض في عام 1987 وأموال التقلبات الموجزة اليوم هي الأقرب إلى براميل النفط التي يمكن أن تتحول لنيران هائلة بسبب الاشتعال الناجم عن الزلازل.
يقول السيد كول: «في عام 1987، كنا في سوق مرتفعة للأسهم، وكان بنك الاحتياطي الفيدرالي وراء المنحنى فيما يتعلق بالتضخم وأسعار الفائدة. وما يمكن أن يسبب الأزمة حالياً هو الارتفاع المفاجئ في أسعار الفائدة، وارتفاع إعادة شراء الأسهم، ثم تحول بائعي التقلب إلى مشتريي التقلب في لحظة واحدة». وهي، من نواحٍ كثيرة، مسألة أخلاقية بالنسبة له.
يجني بائعو التقلب مكاسب رخيصة وعابرة، وهي التي يقارنها بالتسارع، والبدانة، والزواج من أجل المال. وأولئك المستعدون للمعاناة وتقبل الأوجاع الآنية للتقلبات الطويلة - قبل ظهور مكافآت الكوارث - يرى السيد كول أنهم هم الأكثر حكمة وحصافة.
والقول إن السيد كول مهووس بالتقلب - من واقع أنه بناء مالي وفلسفي على حد سواء - سيكون بمثابة بخس الرجل حقه. فمن واقع رسائل وأوراق الاستثمار خاصته، فإنه يذكر أشعار غوته، وأفلام ويليام فريدكين وجورج لوكاس، وأعمال جوزيف كامبل عن الأساطير باعتبارها من الأدوات التعليمية لتفسير نزوات التغيرات المفاجئة من حولنا.
وفي خاتمة المطاف، رغم كل شيء، فإنه يعتقد أن أولئك الذين يتعقلون بالتقلب لفترة طويلة، من أموال تكافؤ المخاطر لدى البنوك المركزية العالمية، سوف يواجهون ردود فعل قوية.
يقول السيد كول: «التقلب هو أداة من أدوات الحقيقة، وكلما أنكرنا الحقيقة، عثرت عليك الحقيقة من خلال التقلب. وإن رغبت البنوك المركزية في المحافظة في إنقاذ اليوم، فهذا أمر جيد. ولكن التقلب سوف يتحول وقتئذ عبر أشكال أخرى مثل الشعبوية، وسياسات الهوية، وتهديد نسيج الديمقراطية. وهذا هو الشيء الذي لن يتمكن صندوق التحوط من توفير الحماية ضده».
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد Saudi Minister of Finance speaks at a dialogue session at the Miami Summit (Asharq Al-Awsat)

الاقتصاد السعودي أثبت كفاءته في إدارة الأزمات

أكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن الاقتصاد السعودي أثبت كفاءة استثنائية في إدارة الأزمات وقدرة فائقة على امتصاص الصدمات بمرونة عالية، وحذر في الوقت.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتراجع وسط تقييم المستثمرين لفرص التهدئة

تراجعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت»، الخميس، بعد مكاسب حققتها في الجلسة السابقة، وسط حذر المستثمرين بشأن التطورات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث في إحدى جلسات قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

وزير المالية السعودي: اضطراب النفط قد يتجاوز أزمة «كوفيد» إذا استمرت الحرب

حذر وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (ميامي)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.