الصورة في الحرب... خبر من أرض المعركة

وصفت بالأيقونات لحملها الحكومات على تغيير سياساتها

الدخان على شكل فطر المنبعث من القنبلة النووية التي ألقتها طائرات أميركية على هيروشيما (يساراً) وعلى ناغازاكي في الحرب العالمية الثانية (غيتي)
الدخان على شكل فطر المنبعث من القنبلة النووية التي ألقتها طائرات أميركية على هيروشيما (يساراً) وعلى ناغازاكي في الحرب العالمية الثانية (غيتي)
TT

الصورة في الحرب... خبر من أرض المعركة

الدخان على شكل فطر المنبعث من القنبلة النووية التي ألقتها طائرات أميركية على هيروشيما (يساراً) وعلى ناغازاكي في الحرب العالمية الثانية (غيتي)
الدخان على شكل فطر المنبعث من القنبلة النووية التي ألقتها طائرات أميركية على هيروشيما (يساراً) وعلى ناغازاكي في الحرب العالمية الثانية (غيتي)

إذا كانت الكلمة تجسّد صورة، فللصورة الواحدة ألف كلمة تخترق حواس الإنسان لتنقل له الحقيقة من أرض الواقع. منذ آلاف السنين كانت ألواح الطين والنقش على جدران قصور الملوك منذ عهد الإمبراطورية الآشورية، الوسيلة الوحيدة المتاحة لتوثيق المعارك وعرض ملاحم الحروب التي كانت تستعر بين الجيوش القديمة. ولا تزال قطع أثرية كبيرة منها شاهدا حياً، تقبع في أهم متاحف العالم.
بعد الألواح الطينية، بدأت مرحلة رسم لوحات فنية تجسّد أرض المعركة والانتصارات. فقد رسم الفنان الألماني ألبرخت التدورفر (1480 - 1538) رائد فن المناظر الطبيعية والعضو المؤسس لمدرسة دانوب للفن، لوحة زيتية تجسّد معركة الإسكندر في إسوس التي وقعت في عام 333 ق.م، وانتهت بانتصار جيش الإسكندر الأكبر وبهزيمة منكرة لداريوش الثالث حاكم بلاد فارس وآخر ملوك الفترة الأخمينية.
لم يعد العمل التصويري في يومنا هذا حكراً على المصورين الصحافيين، بل أصبح بمقدور كل من يشاء أن ينقل للعالم مباشرة، آخر الأخبار وأهمها، بصورة أو بمقطع فيديو أو حتى بقصة قصيرة، بفضل التطور التقني الذي نشهده. ولكن لكلّ جديد بدايته وتأثيره الخاص في حقبته الزمنية، فمن كان أول مصوّر صحافي للحروب وما هي قصة الصورة الأولى وتأثيرها في الشارع الشعبي وفي الإعلام تحديداً.
ظهرت عدسة الكاميرا منذ فترة زمنية قريبة، قياسا بتاريخ البشرية، فقد شهد العالم ولادة أول صورة فوتوغرافية عام 1826. حين التقط العالم الفرنسي جوزيف نسيفور نيبس، صورة لمدينته في غراس استغرق تظهيرها ثماني ساعات.
- وادي ظلّ الموت
شكّلت حرب القرم في العام 1853 التي اندلعت على أراضي شبه الجزيرة في شمال البحر الأسود، بين روسيا من جهة والدولة العثمانية بمساندة فرنسا وبريطانيا ومصر وإيطاليا من جهة أخرى، نقطة تحوّل في نقل صور الحروب من أرض المعركة إلى العالم. في خضمّ هذه الحرب ولد نوع جديد من التصوير بات يُعرف بصحافة تصوير الحروب من أرض المعركة.
يعتبر روجر فنتون المصوّر البريطاني، أول مصور حرب في العالم، اشتهر بصورة «وادي ظلّ الموت».
لم تظهر صورته هذه، وحشية الحرب كما صور الحروب اليوم، فلا جثث ملقاة على الأرض، ولا نيران مشتعلة، بل مجرد مناظر طبيعية استعان فنتون خلال تصويرها بكرات تعود لمدافع نشرها في أرض قاحلة في القرم، لتصوير مشهد مفبرك عن الحرب؛ ولكنّ قوة التصوير جعلت الصورة كفيلة بنقل مشاعر الرّعب في المكان.
تعتبر «وادي ظلّ الموت»، البداية الحقيقية لهذا النوع من التصوير، وقد أظهر عمل فنتون، قدرة الوسيط الفني الجديد على منافسة الفنون الجميلة القديمة في تصوير الحروب.
بعد انتهاء الحرب، عاد فنتون حاملاً معه 360 صورة من أرض الميدان، نشرت في صحيفة «ذا إلوستريتد لندن نيوز»The Illustrated London News. ومنذ ذلك الوقت صارت آلة التصوير جزءاً لا يتجزأ من المعلومات المدعمة بالصور التي تعتبر الدليل الحي على أحداث الحرب أينما وقعت.
- فتاة فيتنام والنابالم
تعتبر «فتاة فيتنام» صورة تاريخية تنطق بآلاف الكلمات وبمختلف لغات العالم، وتصدّرت صفحات الجرائد وعناوينها. خلقت الصورة حينها سخطاً شعبياً ودولياً كبيراً. انتفض الشارع الأميركي غاضباً ضدّ الحزب الجمهوري الحاكم آنذاك، برئاسة ريتشارد نيكسون. أوصلت الصورة وجع الفتاة إلى جميع أنحاء العالم، وأسهمت لحدٍ كبير في وقف الحرب الفيتنامية.
في 8 يونيو (حزيران) 1972. التقط المصوّر نيك أوت الذي كان يعمل في وكالة أسوشييتد برس الأميركية، الصورة في قرية ترانغ بانغ بجنوب فيتنام.
كان نيك بصدد تصوير فيلم عن استخدام قنابل النابالم في قصف القرية، حين ظهرت أمامه فتاة فيتنامية عارية، عمرها 9 سنوات، تهرع راكضة صارخة مردّدة «ماء... ماء... إنها حارقة جدًا»، بعد استهداف المعبد الذي كانت تختبئ فيه مع عائلتها ومواطنين آخرين بقنابل الـ«نابالم» التي استخدمها الطيران العسكري الأميركي في حربه ضدّ فيتنام.
- صورة سقوط الجندي
في الصورة جندي في لحظة موت. ضجّة كبيرة رافقت الصورة لدى نشرها في مجلة «فو» (vu) الفرنسية. اعتبرها البعض رمزاً لمكافحة الفاشية، فيما رأى فيها آخرون، أنّها أكثر من ذلك، فهي تصلح لأن تكون بياناً عالمياً مناهضاً للحرب. وفي كلتا الحالتين، فإنّ تأثيرات التصوير الفوتوغرافي في السياسات بدأت تحقق تقدماً سريعاً منذ ذلك التاريخ.
التقطها المصوّر الإخباري روبرت كابا إبان الحرب الأهلية الإسبانية في منطقة قرطبة. يظهر فيها جندي بعد إصابته بطلق ناري، متراجعا في حالة سقوط. هذه اللقطة كانت من بين أهم صور الحرب في القرن العشرين. أضحت أيقونة الحرب الأهلية الإسبانية. ودفعت بتغيير المواقف السياسية وأسهمت في خلق تعاطف مع الثوار ضد حكم فرنكو الفاشيستي.
وعلى الرغم من جميع التساؤلات والنقاشات التي طالتها والتشكيك في مدى مصداقيتها، فإنّها بقيت في طليعة الصور المؤثرة إنسانيا واستمرت محافظة على أهميتها وشهرتها، والناظر إليها يرى كيف أنّ الحرب تخطف النفوس بلحظة، وهي من أكثر الصور التي تجسّد لحظة انتقال الإنسان من الحياة إلى الموت.
- سحابة الفطر فوق ناغازاكي
صورة السحابة التي تظهر على شكل حبة فطر كبيرة في سماء ناغازاكي باليابان، حيث ألقت الولايات المتحدة الأميركية قنبلة ذرية وكانت قد ألقت قبلها بأيام واحدة في هيروشيما، إبان الحرب العالمية الثانية وتحديداً في 9 أغسطس (آب) 1945، أكبر برهان على قدرة الإنسان في إلحاق دمار هائل وعلى نطاق واسع بالطبيعة والعمران والأهم بالإنسان. سحابة الفطر هذه، تسببت بقتل نحو 80 ألف شخص دفعة واحدة وأنهت الحرب باستسلام اليابان، ولا تزال الصورة إلى يومنا هذا تعيش في ذاكرة كثيرين حول العالم.
- التفرقة العنصرية
يظهر في الصورة رجل أسود يشرب من صنبور مياه كتب فوقه «ملوّن»، وإلى جانبه صنبور آخر متصل بمبرد كهربائي مخصص، كتب عليه «أبيض».
تجسد هذه الصورة حال التفرقة العنصرية بين الرجل الأسود وبين الرجل الأبيض، التي كانت سائدة في الولايات المتحدة الأميركية. التقطها المصوّر الفرنسي إليوت إرويت عام 1950 في ولاية كارولينا الشمالية.
تعبر هذه الصورة عن ظلم التمييز الاجتماعي والطبقية، وقد باتت رمزاً لحاجة التغيير. عند رؤيتها مجدّدا، يظهر التغيير الذي حصل منذ تلك الفترة إلى اليوم.
- تدمير مركز التجارة العالمي
يوم الثلاثاء في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 تعرّضت الولايات المتحدة إلى هجمات انتحارية، نفّذها 19 شخصا على صلة بتنظيم «القاعدة». أول هجمة نُفّذت في الساعة 8:46 صباحا بتوقيت نيويورك، لدى اصطدام طائرة مخطوفة بالبرج الشمالي من مركز التجارة العالمي. وبعدها بدقائق، اصطدمت طائرة أخرى بالبرج الجنوبي. وبعد ما يزيد على نصف الساعة، اصطدمت طائرة ثالثة بمبنى وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون.
بعد أقل من 24 ساعة على الأحداث، أعلن حلف شمال الأطلسي أنّ أي هجوم على أي دولة عضو في الحلف، هو بمثابة هجـوم على الدول الأعضاء فيه.
لم تكن الصورة وحدها شاهدا على هذا العمل الإرهابي، فقد أسهمت شاشات التلفزة العالمية بنقل الحدث مباشرة إلى العالم؛ ولكن ما بقي في أذهان الملايين اليوم، هي صورة البرجين تأكلهما النيران بما حوياه من بشر.
هذه الصورة أسهمت إلى حد بعيد بدعم التغييرات الكبيرة في السياسة الأميركية. بدأت مع إعلانها الحرب على الإرهاب، وعقب هذه الهجمات، شنّت واشنطن حرباً على طالبان وأسقطت حكمها في أفغانستان، لتفتح بعدها حربا على العراق، مطيحة بحكم صدام حسين.
- صور سجن أبو غريب
صور لأبشع أنواع العذابات والانتهاكات الجسدية والنفسية والإساءات الجنسية والاغتصابات والقتل، خرجت إلى العالم عام 2004 لتفضح ما تعرّض له سجناء ومعتقلون عراقيون من ذل وإهانة في سجن أبو غريب، على أيدي جنود أميركيين.
بعد فضيحة سجن أبو غريب بفترة وجيزة، تعهد الرئيس جورج دبليو بوش، بتقديم مرتكبي هذه الأعمال إلى العدالة، ليتضح بعد أشهر أنّ عمليات التعذيب هذه، لم تحدث في سجن أبو غريب فقط، بل في عشرات مراكز الاحتجاز الأميركية حول العالم، وقد أدّت إلى قتل أعداد كبيرة من المدنيين الذين وقعوا ضحايا اتهامات لا علاقة لهم بها، بحجّة أنّهم على صلة بتنظيمات إرهابية.
بعد الفضيحة، كشفت صحيفة الـ«واشنطن بوست» أنّ 35 معتقلاً ماتوا في المعتقلات الأميركية في العراق وأفغانستان نتيجة التعذيب. فيما نشرت الـ«نيويورك تايمز»، قائلة، إن المحاسبة كانت غير مقنعة للمتورطين، فقد أجرت الحكومة الأميركية تحقيقاً شاملاً، اتُهم بعدها بعض أفراد الشرطة العسكرية من الرتب الصغيرة، وحتى العام 2008 فإنّ أعلى رتبة عسكرية تعرضت للمحاسبة كانت بمنصب نقيب، وقد حُكم عليه بالسجن 45 يوماً ودفع غرامة قيمتها 12000 دولار أميركي.
- الطفل السوري إيلان
صورة لجثة طفل سوري قذفتها أمواج البحر على الشاطئ قبالة سواحل بودروم التركية.
دفعت الحرب الدائرة في سوريا بالكثير من مواطنيها لأخذ قرار صعب جداً، إمّا البقاء في أرض المعركة حيث يتربصهم الموت في كل لحظة، أو المجازفة وركوب البحر، بكل ما يحويه هذا القرار من مخاطر.
ليس الطفل إيلان الوحيد الذي مات غرقاً، بل هو واحد من بين مئات الأطفال الذين ابتلعتهم المياه الدافئة في فترات الصقيع، إنّما صورته هذه، استطاعت أن تجسّد وجع السوريين ومعاناتهم من جحيم حرب شعواء تحصد في كل لحظة عشرات القتلى. لفتت صورة الطفل إيلان ممداً على رمال البحر وكأنّه نائم بهناء بألوان ثيابه المفعمة بالحياة، الأنظار إلى قضية شغلت العالم وخصوصاً دول الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من مخاوف الاتحاد من هجمة اللاجئين والمحاولات الحثيثة لإيقافهم ومنعهم من دخول أراضيها، فقد ظهرت مأساة أكثر وجعاً، عائلات تقامر بحياتها تخوض رحلة موت، في زوارق شهدت هلاك مئات بل آلاف اللاجئين.
صورة الطفل إيلان كانت رسالة مكتوبة بأحرف من دماء، وجّهت إلى زعماء وحكام العالم، لتقول لهم، جلّ ما يريده هذا الشعب نسمة حياة، بعد معاناة من التشرد والجوع والخوف من موت محتّم.
شغلت الصورة وسائل الإعلام العالمية، واحتلت صفحات جرائده الأولى، ولم تبق محطة تلفزيونية عربية أو أجنبية، إلّا ونقلت الصورة على شاشاتها. كما نُظّمت حملات على مواقع التواصل الاجتماعي متعاطفة مع موت إيلان، حاثة المنظمات الإنسانية العالمية على التحرّك لإيجاد حلول جذرية لإنقاذ المهاجرين من الموت.
صورة الطفل إيلان تنطق بآلاف الكلمات وتذرف دموعا تضاهي مياه المتوسط التي سرقت روحه.
تعليقاً على الصورة كتبت صحيفة «الإندبندنت»البريطانية متسائلة «إن لم تغير صورة الطفل إيلان الموقف الأوروبي من اللاجئين، فما الذي سيغيره؟».
لعشرات السنين استطاعت الصورة أن تكشف حقائق كثيرة عن الحروب وتوثّق أحداثها ناجحة في تحريك شوارع شّعبية في وجه حكوماتها وإجبارها على تغيير سياساتها أو استحداث قوانين جديدة لخلق مجتمع متساو في الحقوق الاجتماعية إلى حد ما، ونبذ العنصرية وسنّ قوانين تعاقب من يخالفها. ولكنّ التطور التكنولوجي السريع الذي شهده ويشهده العالم، في إبراز مقدرة الصورة على التغيير، بدا أنّه سلاح ذو حدّين، فما توفّره التقنية من إمكانية التغيير والتلاعب في حقيقة ما تظهره الصورة من خلال استخدام برنامج «فوتوشوب»، أفقدها الكثير من المصداقية التي كانت تتمتّع بها.
- الصورة تفرض وجودها
«من دون الصورة لا يستطيع النص أن يؤثّر في نفس المتلقي». هكذا بدأ المصور شربل ملّو حديثه لـ«الشرق الأوسط». وتابع المصور الذي غطى حروب اليمن وسوريا ولبنان قوله: «وحدها الصورة قادرة على نقل المشهد بتأثيراته، فمهما حاول كاتب النص أن يصف المشهد فلن يكون وقعه على المتلقي كالصورة، ويستشهد بصورة فتاة فيتنام كدليل على قدرة الصورة في نقل المشهد والتأثير بالمشاعر».
ويتابع ملّو الذي يعمل حاليا في «سكاي نيوز - عربي»، متناولا صورة الطفل السوري آيلان: «استطاعت هذه الصورة أن تترك انطباعاً مختلفاً في نفوس ملايين الناس من حول العالم، على الرغم من جميع الأخبار التي تناولت أزمة اللاجئين وكتبت بالأرقام، أعداد الضحايا التي لاقت حتفها في البحر».. ملو غطى بنفسه أخبار المهاجرين الذين ركبوا البحر للوصول من شمال أفريقيا إلى الدول الأوروبية.
وعن اختيار اللقطة المناسبة والمؤثرة قال: «بصفتي مصورا لا أستطيع البحث عن صورة مؤثرة، فأنا التقط الكثير منها، وبعد نشرها، وحدها الصورة المؤثرة تستطيع فرض وجودها، فأنا أصوّر كل ما يلمسني عاطفيا، وحسب اعتقادي جميع الصور التي أثّرت وغيّرت في بعض السياسات وباتت مشهورة أخذت كغيرها ولا أعتقد بأنّ مصوّرها كان على علم بأنها ستؤثّر إلى هذا الحد.
للتأكد من مصداقية الصورة بعد هذا التطور التقني والقدرة على التعديل والتغيير فيها، ينصح ملّو بالبحث عن مصدرها، موضحاً: «ليس من الضروري أن يصدّق العالم كل ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي ومصدر الصورة وحده يعطيها المصداقية».


مقالات ذات صلة

تركي آل الشيخ يكرم «الخليفي» لدوره المؤثر في صناعة الترفيه الرياضي

رياضة سعودية المستشار تركي آل الشيخ لدى تكريمه ناصر الخليفي بـ«جائزة صُنّاع الترفيه الماسية» (هيئة الترفيه)

تركي آل الشيخ يكرم «الخليفي» لدوره المؤثر في صناعة الترفيه الرياضي

كرّم المستشار تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه، ناصر الخليفي، وذلك بمنحه «جائزة صُنّاع الترفيه الماسية» ضمن حفل «جوي أووردز» في الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
الولايات المتحدة​ شعار «مكتب التحقيقات الفيدرالي» على منصة قبل مؤتمر صحافي بالمكتب الميداني في بورتلاند بالولايات المتحدة يوم 16 يناير 2025 (أ.ب)

تفتيش منزل صحافية أميركية في إطار تحقيق حول وثائق سرية

قالت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، إن رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي قاموا بتفتيش منزل صحافية في إطار تحقيق حول وثائق سرية يشمل متعاقداً مع الحكومة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق الزميلة آية منصور الفائزة بجائزة «كورت شورك» عن فئة المراسل المحلي (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بـ«كورت شورك» عاشر جوائزها

فازت الزميلة في منصة «إندبندنت عربية»، آية منصور، بجائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، عن فئة المراسل المحلي، تقديراً لتقاريرها الصحافية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ريمون توفيق وريما مصطفى ضيفا الحلقة المحذوفة (حساب ريمون على فيسبوك)

مصر: حذف حلقة من برنامج «Blind Date» لـ«عدم ملاءمتها للمجتمع»

أثارت إحدى حلقات برنامج «The Blind Date Show» أزمة في مصر، وذلك عقب نشر البرومو الترويجي لها على موقع «يوتيوب».

داليا ماهر (القاهرة)
شمال افريقيا الصحافي محمد بوغلاب (متداولة)

«غضب حقوقي» في تونس إثر إقرار الحكم بإدانة صحافي

أقرت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس، في جلستها المنعقدة، مساء الجمعة، الحكم الابتدائي القاضي بإدانة الصحفي محمد بوغلاب، مع تأجيل تنفيذ العقاب البدني.

«الشرق الأوسط» (تونس)

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».


ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)
TT

ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)

يبدو أن منصات التواصل الاجتماعي تمر بـ«أزمة»، إذ بدا الدور الأصيل لها -وهو التواصل، وبناء الروابط الاجتماعية- يتلاشى، ليبرز الترفيه، ومتابعة الفيديوهات الخاصة بأشخاص «غرباء» باعتبار أنه احتياج أوّلي للمُستخدمين.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلات بشأن ماذا سيحدث لاستراتيجيات عمل الناشرين حين يصبح الفيديو لغة المنصات الأولى؟ وكان معهد رويترز لدراسة الصحافة قد لفت في التقرير السنوي «لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، أخيراً، إلى أن وسائل التواصل باتت أقل «اجتماعية»، بسبب تحوّل جذري في سلوك المستخدمين إزاء منصات «السوشيال ميديا» التقليدية، مع تراجع المحتوى الآتي من دائرة الأصدقاء لصالح موجز تقوده توصيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو.

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي-فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، مستشار قناتي «العربية» و«الحدث» للتكنولوجيا ووسائل التواصل، يرى أن منصّات التواصل الاجتماعي تُغير خوارزمياتها بشكل مستمر، غير أن ما برز خلال العامين الماضيين هو انتقال اهتمام هذه المنصات من «مَن تتابع؟» إلى «ماذا يشدّ انتباهك ويبقيك وقتاً أطول على المنصة؟».

وأوضح النجداوي لـ«الشرق الأوسط» أنه «في السابق كانت منصات (السوشيال ميديا) تقوم بتحليل الرسم البياني الاجتماعي، أو Social Graph Analysis لمعرفة شبكة علاقات المستخدم، والأصدقاء، والحسابات التي يتابعها، ومن خلال هذه البيانات تبني ملف اهتمام يحدد سلوك المستخدم بدقة... غير أن الفيديو القصير هو الآن الأداة الأقوى لرفع مؤشر البقاء داخل التطبيق، لأنه سريع، ومتلاحق، ويدفع المستخدم من مقطع إلى آخر، وهو ما يترجم إلى أرباح إعلانية أعلى». وأردف: «وفي المقابل، تصبح النصوص الطويلة، والروابط الخارجية عبئاً، لأنها تخرج المستخدم من المنصة، فتتراجع فرص انتشارها».

عن انعكاس هذا التغير على استراتيجيات عمل الناشرين، يرى النجداوي أن «المؤسسات الصحافية والإعلامية أمام أزمة، لأن النموذج المعتاد للوصول للجمهور تغيّر... ذلك أننا نعيش الآن عصر (الزيرو كليك)، أي أن الروابط لم تعد مُجدية، وزيارات المواقع الصحافية انخفضت، ما يعكس ضرورة أن تغير نموذج العمل». وأوضح من ثم أن هذا التحوّل صنع ما يُسمّى بـ«النيوز إنفلونسر».

وتابع الدكتور النجداوي بقلق قائلاً إن «السرعة يمكن أن تدفع البعض للتبسيط المُخِلّ، أو للإثارة، ما يعني أن مُجاراة الخوارزميات يمكن أن تدفع الناشرين لتقديم محتوى بلا تأثير حقيقي، أو معلومة واضحة، فالمعادلة صارت صعبة؛ كيف تصنع فيديو يناسب الخوارزمية من دون أن تخسر التحقق، والدقة، والثقة؟».

من جهة ثانية، وفق بيانات وفرها «تشارتبيت» لصالح تقرير «رويترز» تراجع متوسط الإحالات إلى مواقع الأخبار من «فيسبوك» بنحو 43 في المائة خلال العامين الماضيين ونصف العام، بينما انخفضت الإحالات من «إكس» بنسبة 46 في المائة، في مؤشر على أن الانتشار عبر الروابط لم يعد يضمن حركة زيارات كما كان سابقاً.

وهنا علّق محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات المتحدة، قائلاً إن الاستثمار في منصات الفيديو مثل «يوتيوب» و«تيك توك» بات خياراً أكثر جدوى من الاعتماد المفرط على الوصول من خلال المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي، أو «غوغل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «صحيح أن (غوغل ديسكوفر) كان مصدراً ضخماً للزيارات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية، وبات من الصعب الاعتماد عليه، لا سيما أنه يخضع بالكامل لخوارزميات تتغير باستمرار، وقد ترفع أو تخفض الزيارات بشكل حاد خلال أيام». وتابع أن «سياسة (غوغل) أصبحت واضحة في استهداف إبقاء المستخدم داخل منظومتها عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل من قيمة الزيارة نفسها، ويضعف العائد التحريري والاقتصادي للناشر».

أيضاً اعتبر عاطف أن «يوتيوب» و«تيك توك» باتتا بيئة استهلاك حقيقية للجمهور اليومي، و«الاستثمار فيهما، لا يعني فقط تحقيق مشاهدات، بل بناء حضور متكرّر، وهوية بصرية، ونمط سردي يتعرف عليه الجمهور بسهولة». وحسب رأيه فإن «الاستراتيجية الأكثر واقعية في 2026 هي التحول من عقلية مصادر الزيارات إلى عقلية أماكن وجود الجمهور، لأن الفيديو القصير أصبح اللغة السائدة... بل حتى (غوغل) نفسها باتت تكافئه داخل (ديسكوفر)، لذلك الاستثمار في الفيديو لم يعد خياراً إضافياً».

واختتم موضحاً أن «إدراج الفيديو القصير ضمن منتجات المؤسسات الصحافية بات ضرورة، لضمان الوصول إلى فئات عمرية جديدة من الجمهور... لكن الفيديو القصير يعد تحدياً أمام الناشرين، لأنه يفرض منطقاً مختلفاً بالكامل في السرد الصحافي. وعلينا أن نقر بأن الجمهور بات أسرع في سلوكه التفاعلي، فهو لا يمنح أكثر من ثوانٍ قليلة قبل اتخاذ قرار المشاهدة، أو التمرير، ما يجعل نوع المحتوى وزاوية تقديمه عاملين حاسمين في النجاح».


الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.