الصورة في الحرب... خبر من أرض المعركة

وصفت بالأيقونات لحملها الحكومات على تغيير سياساتها

الدخان على شكل فطر المنبعث من القنبلة النووية التي ألقتها طائرات أميركية على هيروشيما (يساراً) وعلى ناغازاكي في الحرب العالمية الثانية (غيتي)
الدخان على شكل فطر المنبعث من القنبلة النووية التي ألقتها طائرات أميركية على هيروشيما (يساراً) وعلى ناغازاكي في الحرب العالمية الثانية (غيتي)
TT

الصورة في الحرب... خبر من أرض المعركة

الدخان على شكل فطر المنبعث من القنبلة النووية التي ألقتها طائرات أميركية على هيروشيما (يساراً) وعلى ناغازاكي في الحرب العالمية الثانية (غيتي)
الدخان على شكل فطر المنبعث من القنبلة النووية التي ألقتها طائرات أميركية على هيروشيما (يساراً) وعلى ناغازاكي في الحرب العالمية الثانية (غيتي)

إذا كانت الكلمة تجسّد صورة، فللصورة الواحدة ألف كلمة تخترق حواس الإنسان لتنقل له الحقيقة من أرض الواقع. منذ آلاف السنين كانت ألواح الطين والنقش على جدران قصور الملوك منذ عهد الإمبراطورية الآشورية، الوسيلة الوحيدة المتاحة لتوثيق المعارك وعرض ملاحم الحروب التي كانت تستعر بين الجيوش القديمة. ولا تزال قطع أثرية كبيرة منها شاهدا حياً، تقبع في أهم متاحف العالم.
بعد الألواح الطينية، بدأت مرحلة رسم لوحات فنية تجسّد أرض المعركة والانتصارات. فقد رسم الفنان الألماني ألبرخت التدورفر (1480 - 1538) رائد فن المناظر الطبيعية والعضو المؤسس لمدرسة دانوب للفن، لوحة زيتية تجسّد معركة الإسكندر في إسوس التي وقعت في عام 333 ق.م، وانتهت بانتصار جيش الإسكندر الأكبر وبهزيمة منكرة لداريوش الثالث حاكم بلاد فارس وآخر ملوك الفترة الأخمينية.
لم يعد العمل التصويري في يومنا هذا حكراً على المصورين الصحافيين، بل أصبح بمقدور كل من يشاء أن ينقل للعالم مباشرة، آخر الأخبار وأهمها، بصورة أو بمقطع فيديو أو حتى بقصة قصيرة، بفضل التطور التقني الذي نشهده. ولكن لكلّ جديد بدايته وتأثيره الخاص في حقبته الزمنية، فمن كان أول مصوّر صحافي للحروب وما هي قصة الصورة الأولى وتأثيرها في الشارع الشعبي وفي الإعلام تحديداً.
ظهرت عدسة الكاميرا منذ فترة زمنية قريبة، قياسا بتاريخ البشرية، فقد شهد العالم ولادة أول صورة فوتوغرافية عام 1826. حين التقط العالم الفرنسي جوزيف نسيفور نيبس، صورة لمدينته في غراس استغرق تظهيرها ثماني ساعات.
- وادي ظلّ الموت
شكّلت حرب القرم في العام 1853 التي اندلعت على أراضي شبه الجزيرة في شمال البحر الأسود، بين روسيا من جهة والدولة العثمانية بمساندة فرنسا وبريطانيا ومصر وإيطاليا من جهة أخرى، نقطة تحوّل في نقل صور الحروب من أرض المعركة إلى العالم. في خضمّ هذه الحرب ولد نوع جديد من التصوير بات يُعرف بصحافة تصوير الحروب من أرض المعركة.
يعتبر روجر فنتون المصوّر البريطاني، أول مصور حرب في العالم، اشتهر بصورة «وادي ظلّ الموت».
لم تظهر صورته هذه، وحشية الحرب كما صور الحروب اليوم، فلا جثث ملقاة على الأرض، ولا نيران مشتعلة، بل مجرد مناظر طبيعية استعان فنتون خلال تصويرها بكرات تعود لمدافع نشرها في أرض قاحلة في القرم، لتصوير مشهد مفبرك عن الحرب؛ ولكنّ قوة التصوير جعلت الصورة كفيلة بنقل مشاعر الرّعب في المكان.
تعتبر «وادي ظلّ الموت»، البداية الحقيقية لهذا النوع من التصوير، وقد أظهر عمل فنتون، قدرة الوسيط الفني الجديد على منافسة الفنون الجميلة القديمة في تصوير الحروب.
بعد انتهاء الحرب، عاد فنتون حاملاً معه 360 صورة من أرض الميدان، نشرت في صحيفة «ذا إلوستريتد لندن نيوز»The Illustrated London News. ومنذ ذلك الوقت صارت آلة التصوير جزءاً لا يتجزأ من المعلومات المدعمة بالصور التي تعتبر الدليل الحي على أحداث الحرب أينما وقعت.
- فتاة فيتنام والنابالم
تعتبر «فتاة فيتنام» صورة تاريخية تنطق بآلاف الكلمات وبمختلف لغات العالم، وتصدّرت صفحات الجرائد وعناوينها. خلقت الصورة حينها سخطاً شعبياً ودولياً كبيراً. انتفض الشارع الأميركي غاضباً ضدّ الحزب الجمهوري الحاكم آنذاك، برئاسة ريتشارد نيكسون. أوصلت الصورة وجع الفتاة إلى جميع أنحاء العالم، وأسهمت لحدٍ كبير في وقف الحرب الفيتنامية.
في 8 يونيو (حزيران) 1972. التقط المصوّر نيك أوت الذي كان يعمل في وكالة أسوشييتد برس الأميركية، الصورة في قرية ترانغ بانغ بجنوب فيتنام.
كان نيك بصدد تصوير فيلم عن استخدام قنابل النابالم في قصف القرية، حين ظهرت أمامه فتاة فيتنامية عارية، عمرها 9 سنوات، تهرع راكضة صارخة مردّدة «ماء... ماء... إنها حارقة جدًا»، بعد استهداف المعبد الذي كانت تختبئ فيه مع عائلتها ومواطنين آخرين بقنابل الـ«نابالم» التي استخدمها الطيران العسكري الأميركي في حربه ضدّ فيتنام.
- صورة سقوط الجندي
في الصورة جندي في لحظة موت. ضجّة كبيرة رافقت الصورة لدى نشرها في مجلة «فو» (vu) الفرنسية. اعتبرها البعض رمزاً لمكافحة الفاشية، فيما رأى فيها آخرون، أنّها أكثر من ذلك، فهي تصلح لأن تكون بياناً عالمياً مناهضاً للحرب. وفي كلتا الحالتين، فإنّ تأثيرات التصوير الفوتوغرافي في السياسات بدأت تحقق تقدماً سريعاً منذ ذلك التاريخ.
التقطها المصوّر الإخباري روبرت كابا إبان الحرب الأهلية الإسبانية في منطقة قرطبة. يظهر فيها جندي بعد إصابته بطلق ناري، متراجعا في حالة سقوط. هذه اللقطة كانت من بين أهم صور الحرب في القرن العشرين. أضحت أيقونة الحرب الأهلية الإسبانية. ودفعت بتغيير المواقف السياسية وأسهمت في خلق تعاطف مع الثوار ضد حكم فرنكو الفاشيستي.
وعلى الرغم من جميع التساؤلات والنقاشات التي طالتها والتشكيك في مدى مصداقيتها، فإنّها بقيت في طليعة الصور المؤثرة إنسانيا واستمرت محافظة على أهميتها وشهرتها، والناظر إليها يرى كيف أنّ الحرب تخطف النفوس بلحظة، وهي من أكثر الصور التي تجسّد لحظة انتقال الإنسان من الحياة إلى الموت.
- سحابة الفطر فوق ناغازاكي
صورة السحابة التي تظهر على شكل حبة فطر كبيرة في سماء ناغازاكي باليابان، حيث ألقت الولايات المتحدة الأميركية قنبلة ذرية وكانت قد ألقت قبلها بأيام واحدة في هيروشيما، إبان الحرب العالمية الثانية وتحديداً في 9 أغسطس (آب) 1945، أكبر برهان على قدرة الإنسان في إلحاق دمار هائل وعلى نطاق واسع بالطبيعة والعمران والأهم بالإنسان. سحابة الفطر هذه، تسببت بقتل نحو 80 ألف شخص دفعة واحدة وأنهت الحرب باستسلام اليابان، ولا تزال الصورة إلى يومنا هذا تعيش في ذاكرة كثيرين حول العالم.
- التفرقة العنصرية
يظهر في الصورة رجل أسود يشرب من صنبور مياه كتب فوقه «ملوّن»، وإلى جانبه صنبور آخر متصل بمبرد كهربائي مخصص، كتب عليه «أبيض».
تجسد هذه الصورة حال التفرقة العنصرية بين الرجل الأسود وبين الرجل الأبيض، التي كانت سائدة في الولايات المتحدة الأميركية. التقطها المصوّر الفرنسي إليوت إرويت عام 1950 في ولاية كارولينا الشمالية.
تعبر هذه الصورة عن ظلم التمييز الاجتماعي والطبقية، وقد باتت رمزاً لحاجة التغيير. عند رؤيتها مجدّدا، يظهر التغيير الذي حصل منذ تلك الفترة إلى اليوم.
- تدمير مركز التجارة العالمي
يوم الثلاثاء في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 تعرّضت الولايات المتحدة إلى هجمات انتحارية، نفّذها 19 شخصا على صلة بتنظيم «القاعدة». أول هجمة نُفّذت في الساعة 8:46 صباحا بتوقيت نيويورك، لدى اصطدام طائرة مخطوفة بالبرج الشمالي من مركز التجارة العالمي. وبعدها بدقائق، اصطدمت طائرة أخرى بالبرج الجنوبي. وبعد ما يزيد على نصف الساعة، اصطدمت طائرة ثالثة بمبنى وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون.
بعد أقل من 24 ساعة على الأحداث، أعلن حلف شمال الأطلسي أنّ أي هجوم على أي دولة عضو في الحلف، هو بمثابة هجـوم على الدول الأعضاء فيه.
لم تكن الصورة وحدها شاهدا على هذا العمل الإرهابي، فقد أسهمت شاشات التلفزة العالمية بنقل الحدث مباشرة إلى العالم؛ ولكن ما بقي في أذهان الملايين اليوم، هي صورة البرجين تأكلهما النيران بما حوياه من بشر.
هذه الصورة أسهمت إلى حد بعيد بدعم التغييرات الكبيرة في السياسة الأميركية. بدأت مع إعلانها الحرب على الإرهاب، وعقب هذه الهجمات، شنّت واشنطن حرباً على طالبان وأسقطت حكمها في أفغانستان، لتفتح بعدها حربا على العراق، مطيحة بحكم صدام حسين.
- صور سجن أبو غريب
صور لأبشع أنواع العذابات والانتهاكات الجسدية والنفسية والإساءات الجنسية والاغتصابات والقتل، خرجت إلى العالم عام 2004 لتفضح ما تعرّض له سجناء ومعتقلون عراقيون من ذل وإهانة في سجن أبو غريب، على أيدي جنود أميركيين.
بعد فضيحة سجن أبو غريب بفترة وجيزة، تعهد الرئيس جورج دبليو بوش، بتقديم مرتكبي هذه الأعمال إلى العدالة، ليتضح بعد أشهر أنّ عمليات التعذيب هذه، لم تحدث في سجن أبو غريب فقط، بل في عشرات مراكز الاحتجاز الأميركية حول العالم، وقد أدّت إلى قتل أعداد كبيرة من المدنيين الذين وقعوا ضحايا اتهامات لا علاقة لهم بها، بحجّة أنّهم على صلة بتنظيمات إرهابية.
بعد الفضيحة، كشفت صحيفة الـ«واشنطن بوست» أنّ 35 معتقلاً ماتوا في المعتقلات الأميركية في العراق وأفغانستان نتيجة التعذيب. فيما نشرت الـ«نيويورك تايمز»، قائلة، إن المحاسبة كانت غير مقنعة للمتورطين، فقد أجرت الحكومة الأميركية تحقيقاً شاملاً، اتُهم بعدها بعض أفراد الشرطة العسكرية من الرتب الصغيرة، وحتى العام 2008 فإنّ أعلى رتبة عسكرية تعرضت للمحاسبة كانت بمنصب نقيب، وقد حُكم عليه بالسجن 45 يوماً ودفع غرامة قيمتها 12000 دولار أميركي.
- الطفل السوري إيلان
صورة لجثة طفل سوري قذفتها أمواج البحر على الشاطئ قبالة سواحل بودروم التركية.
دفعت الحرب الدائرة في سوريا بالكثير من مواطنيها لأخذ قرار صعب جداً، إمّا البقاء في أرض المعركة حيث يتربصهم الموت في كل لحظة، أو المجازفة وركوب البحر، بكل ما يحويه هذا القرار من مخاطر.
ليس الطفل إيلان الوحيد الذي مات غرقاً، بل هو واحد من بين مئات الأطفال الذين ابتلعتهم المياه الدافئة في فترات الصقيع، إنّما صورته هذه، استطاعت أن تجسّد وجع السوريين ومعاناتهم من جحيم حرب شعواء تحصد في كل لحظة عشرات القتلى. لفتت صورة الطفل إيلان ممداً على رمال البحر وكأنّه نائم بهناء بألوان ثيابه المفعمة بالحياة، الأنظار إلى قضية شغلت العالم وخصوصاً دول الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من مخاوف الاتحاد من هجمة اللاجئين والمحاولات الحثيثة لإيقافهم ومنعهم من دخول أراضيها، فقد ظهرت مأساة أكثر وجعاً، عائلات تقامر بحياتها تخوض رحلة موت، في زوارق شهدت هلاك مئات بل آلاف اللاجئين.
صورة الطفل إيلان كانت رسالة مكتوبة بأحرف من دماء، وجّهت إلى زعماء وحكام العالم، لتقول لهم، جلّ ما يريده هذا الشعب نسمة حياة، بعد معاناة من التشرد والجوع والخوف من موت محتّم.
شغلت الصورة وسائل الإعلام العالمية، واحتلت صفحات جرائده الأولى، ولم تبق محطة تلفزيونية عربية أو أجنبية، إلّا ونقلت الصورة على شاشاتها. كما نُظّمت حملات على مواقع التواصل الاجتماعي متعاطفة مع موت إيلان، حاثة المنظمات الإنسانية العالمية على التحرّك لإيجاد حلول جذرية لإنقاذ المهاجرين من الموت.
صورة الطفل إيلان تنطق بآلاف الكلمات وتذرف دموعا تضاهي مياه المتوسط التي سرقت روحه.
تعليقاً على الصورة كتبت صحيفة «الإندبندنت»البريطانية متسائلة «إن لم تغير صورة الطفل إيلان الموقف الأوروبي من اللاجئين، فما الذي سيغيره؟».
لعشرات السنين استطاعت الصورة أن تكشف حقائق كثيرة عن الحروب وتوثّق أحداثها ناجحة في تحريك شوارع شّعبية في وجه حكوماتها وإجبارها على تغيير سياساتها أو استحداث قوانين جديدة لخلق مجتمع متساو في الحقوق الاجتماعية إلى حد ما، ونبذ العنصرية وسنّ قوانين تعاقب من يخالفها. ولكنّ التطور التكنولوجي السريع الذي شهده ويشهده العالم، في إبراز مقدرة الصورة على التغيير، بدا أنّه سلاح ذو حدّين، فما توفّره التقنية من إمكانية التغيير والتلاعب في حقيقة ما تظهره الصورة من خلال استخدام برنامج «فوتوشوب»، أفقدها الكثير من المصداقية التي كانت تتمتّع بها.
- الصورة تفرض وجودها
«من دون الصورة لا يستطيع النص أن يؤثّر في نفس المتلقي». هكذا بدأ المصور شربل ملّو حديثه لـ«الشرق الأوسط». وتابع المصور الذي غطى حروب اليمن وسوريا ولبنان قوله: «وحدها الصورة قادرة على نقل المشهد بتأثيراته، فمهما حاول كاتب النص أن يصف المشهد فلن يكون وقعه على المتلقي كالصورة، ويستشهد بصورة فتاة فيتنام كدليل على قدرة الصورة في نقل المشهد والتأثير بالمشاعر».
ويتابع ملّو الذي يعمل حاليا في «سكاي نيوز - عربي»، متناولا صورة الطفل السوري آيلان: «استطاعت هذه الصورة أن تترك انطباعاً مختلفاً في نفوس ملايين الناس من حول العالم، على الرغم من جميع الأخبار التي تناولت أزمة اللاجئين وكتبت بالأرقام، أعداد الضحايا التي لاقت حتفها في البحر».. ملو غطى بنفسه أخبار المهاجرين الذين ركبوا البحر للوصول من شمال أفريقيا إلى الدول الأوروبية.
وعن اختيار اللقطة المناسبة والمؤثرة قال: «بصفتي مصورا لا أستطيع البحث عن صورة مؤثرة، فأنا التقط الكثير منها، وبعد نشرها، وحدها الصورة المؤثرة تستطيع فرض وجودها، فأنا أصوّر كل ما يلمسني عاطفيا، وحسب اعتقادي جميع الصور التي أثّرت وغيّرت في بعض السياسات وباتت مشهورة أخذت كغيرها ولا أعتقد بأنّ مصوّرها كان على علم بأنها ستؤثّر إلى هذا الحد.
للتأكد من مصداقية الصورة بعد هذا التطور التقني والقدرة على التعديل والتغيير فيها، ينصح ملّو بالبحث عن مصدرها، موضحاً: «ليس من الضروري أن يصدّق العالم كل ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي ومصدر الصورة وحده يعطيها المصداقية».


مقالات ذات صلة

الصحافيون وتهم التجسس... بين المساومات السياسية والعمل الاستخباري

العالم الصحافي الأميركي إيفان غيرشكوفيتش الذي اتهمته روسيا بالتجسس خلال مثوله أمام محكمة بموسكو في أبريل 2024 (رويترز) p-circle

الصحافيون وتهم التجسس... بين المساومات السياسية والعمل الاستخباري

تسلّط قضايا توقيف صحافيين بتهم التجسس الضوء على المساومات السياسية وصفقات تبادل السجناء، وتستدعي سوابق لاتهامات مفبركة وحالات تعاون فعلي مع أجهزة الاستخبارات.

شادي عبد الساتر (بيروت)
شمال افريقيا من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)

تضييق يتزايد وسجون تترصد حرية الصحافة في تونس

بعد 15 عاماً على الثورة التونسية، التي أطاحت بنظام بن علي عام 2011، تجد حرية الصحافة، إحدى أبرز مكاسب الثورة التونسية نفسها أمام اختبار صعب.

«الشرق الأوسط» (تونس)
العالم استخدمت إحدى الحملتين سبع هويات صحافية وهمية لنشر نحو 100 مقال في منصات إعلامية حول العالم وفق شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

«أوبن إيه آي» تحبط حملتَيْ تأثير مرتبطتَيْن بروسيا وإيران

حظرت «أوبن إيه آي» حسابات استخدمتها حملتان مرتبطتان بروسيا وإيران لإنشاء هويات صحافية وهمية ومركز أبحاث للترويج سراً لرسائل سياسية ضد أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج يشمل قانون تنظيم الإعلام الكويتي الإعلام الرقمي ومنصات التواصل والمعلنين ووكالات الأنباء والمراسلين وشركات الإنتاج والسينما والحفلات والإعلانات (كونا)

قانون جديد لتنظيم الإعلام الكويتي يمدُّ سلطته على منصات التواصل وصناعة المحتوى

يمثل قانون تنظيم الإعلام الكويتي الجديد إعادة صياغة شاملة للمنظومة الإعلامية؛ حيث يوحِّد في تشريع واحد تنظيم الصحافة والمطبوعات والإعلام المرئي والمسموع.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
تحليل إخباري زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

تحليل إخباري التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

في زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي.

أنطوان الحاج

هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات. وعدّ باحثون الأمر مؤشراً على «استمرار خسارة التلفزيون لهيمنته»، لكنهم أكدوا أن «الفرصة لا تزال قائمة لاستعادة الدور من خلال استغلال ميزة البث المجاني».

وأعلنت جوائز «إيمي» أخيراً نقل بث حفلها السنوي إلى منصة «برايم فيديو» بدءاً من العام المقبل (2027)، وذلك بموجب اتفاقية مدتها ست سنوات أبرمتها «أمازون»، و«أكاديمية التلفزيون». وينعى هذا الإعلان «مسيرة استمرت سبعة عقود من قيام شبكات البث التلفزيوني ببث الحفل الذي يكرّم أفضل الأعمال التلفزيونية سنوياً».

وقال رئيس «أكاديمية التلفزيون» كريس أبريجو إن «الاستمرارية جزء كبير مما نبحث عنه. ومع شريك واحد على مدى ست سنوات، يمكننا حقاً التعلم معاً، والبناء من عام إلى آخر معاً»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس».

ونقلت «أسوشييتد برس» عن رئيس «برايم فيديو» واستوديوهات «أمازون إم جي إم» مايك هوبكنز، قوله: «نحن في سباق مع الزمن، وعلينا البدء في العمل».

ومنذ عام 1955 يتم بث حفل جوائز «إيمي» سنوياً بالتناوب بين أربع محطات تلفزيونية رئيسة. وكانت «إن بي سي» أول من بثه على المستوى الوطني، وآخر من استضافه الشهر الماضي. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كان الحفل يتم تدوير بثه سنوياً بين «إيه بي سي»، و«سي بي إس»، و«فوكس»، و«إن بي سي»، فيما كان يعرف بـ«صفقة العجلة».

وترى أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي بليبيا، الباحثة في الإعلام الرقمي مي عبد الغني، أن «انتقال بث جوائز (إيمي) إلى (برايم فيديو) يمثل تحولاً بنيوياً ذا دلالة رمزية يعيد بها تعريف ماهية الوسيط التلفزيوني عبر نقل الاحتفاء بالصناعة إلى بيئتها الرقمية الحاضنة». وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الانتقال يحقق عولمة مباشرة للحدث بالوصول المجاني المتزامن إلى أكثر من 240 دولة ومنطقة، وهو ما يعالج التآكل الديموغرافي لجمهور البث الخطي عبر استقطاب الأجيال الرقمية الشابة، في خطوة تفكك مفهوم (الحدث الإعلامي) الكلاسيكي، والطقس الجمعي الموحد لحساب استهلاك فردي مجزأ، وتكرس، في الوقت ذاته، هيمنة عمالقة التكنولوجيا على الفعاليات الحية الكبرى واقتصادات إعلانات التلفزيون المتصل».

استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب)

وتؤكد الباحثة مي عبد الغني أن «التلفزيون التقليدي خسر هيمنته التاريخية على صناعة الدراما الفاخرة، والترفيه عالي التكلفة لصالح المنصات الرقمية التي استقطبت الميزانيات الضخمة، والجوائز الكبرى، مما حوّل الشاشات الكلاسيكية إلى مساحات لإعادة العرض والبرامج منخفضة التكلفة»، وتلفت إلى أن ذلك «تزامن مع تآكل ديموغرافي حاد، وتراجع الاشتراكات، وظاهرة (قطع الكابل) نتيجة تحوّل الأجيال الشابة شبه الكامل نحو البث الرقمي، الأمر الذي أفقد التلفزيون الحصة الكبرى من زمن الشاشة اليومي، ومكانته كحاضن أوحد للثقافة الجماهيرية».

في المقابل، ترى مي عبد الغني أن «بقاء التلفزيون يرتكز على تفوقه البنيوي في نقل الفعاليات الرياضية الحية، والتغطيات الإخبارية اللحظية دون مخاطر الاختناق التقني لشبكات الإنترنت، فضلاً عن تجذره في تقديم الخدمة العامة والمحلية التي تعجز عنها المنصات العالمية».

كما تشير إلى أن «التلفزيون يشهد انبعاثاً وظيفياً عبر نموذج القنوات المجانية المدعومة بالإعلانات لحل معضلة (إرهاق الاختيار) بالتوازي مع أزمة المنصات الرقمية الناتجة عن (إرهاق الاشتراكات)، وتشبّع السوق». وتقول إن «المنصات ذاتها لجأت لاستعارة آليات التلفزيون التاريخية، كالإعلانات، والجدولة الدورية، ما يؤكد استمرار التلفزيون كوسيط تكميلي متكيّف في بيئة إعلامية مختلطة».

وفي ظل المنافسة المحتدمة بين المنصات والتلفزيون، تقترح الباحثة في الإعلام الرقمي أن يعيد التلفزيون صياغة نموذج عمله عبر عدّة ركائز هي: «الاحتكار الهندسي والتشغيلي للبث المتزامن الفوري للفعاليات الرياضية، والأخبار العاجلة دون اختناق تقني، واستنساخ التجربة الخطية رقمياً عبر قنوات البث التدفقي المجاني المدعومة بالإعلانات، والتحول إلى مُجمِّع رقمي يقدم باقات موحدة تدمج المنصات المتنافسة والإنترنت لحل أزمة تشتت الفواتير، وإرهاق الاشتراكات».

وتضيف أنه على التلفزيون أيضاً «ترسيخ قربه العضوي من المجتمعات المحلية عبر تغطيات الخدمة العامة والطوارئ التي تعجز الخوارزميات المعولمة عن تعويضها، وأخيراً تبني نماذج هجينة تجمع بين منصات البث والجدولة الذكية القائمة على النشر الأسبوعي، للحفاظ على الزخم الجماهيري، واستدامة العوائد الإعلانية».

وتأتي خطوة جوائز «إيمي» بعد شهور من إعلان «جوائز الأوسكار» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي نقل حفلها عبر «يوتيوب» بدءاً من عام 2029.

فريق مسلسل The Studio الفائز الأكبر في حفل جوائز «إيمي» الشهر الماضي (أ.ب)

ويقول عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين خالد القضاة إن التطورات الأخيرة «تشكل خطراً حقيقياً على المؤسسات الإعلامية الكبرى، وخاصة التلفزيونات الكبرى، لأنها لم تعد وحدها من يحتكر البث». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «فضاء الإنترنت أتاح للمؤسسات ذاتها أن تنشئ منصات، وتمولها، وتخاطب مباشرة الجمهور بما تريده، دون وساطة، أو رقابة، أو شروط رئاسة التحرير، أو سياسات تلك المؤسسات في البث».

ويشدد على ضرورة أن «تتخلى المؤسسات الإعلامية عن التاج الذي وضعته على رأسها، وتنزل إلى هموم الناس، وتبث مواد وأفكاراً قادرة على تحقيق التواصل مع الجمهور، والإجابة عن أسئلتهم».

كما يقول إن «المؤسسات الإعلامية الكبرى، والتلفزيونات العالمية، ما زالت لديها الفرصة، شريطة أن تعيد إنتاج نفسها بما يحقق رغبات الجمهور، وأن تستغل الميزات التي وضعتها المنصات الإلكترونية».

ويضيف: «تبقى التلفزيونات هي ملاذ الملايين، لأن الإنترنت يُمكن أن يكون متاحاً في دول، ومكلفاً في أخرى، وساعات البث الطويلة هي استنزاف لحزم الإنترنت، ما يشكل عبئاً على المواطنين». ويشير إلى أن «فكرة البث المجاني تُعد فرصة للتلفزيونات»، وإن «ظلت التحديات حقيقية في ظل اشتداد المنافسة مع المنصات»، على حد تعبيره.

وشهدت جميع عروض الجوائز تقريباً انخفاضات حادة في نسبة المشاهدة، وظلت جوائز «إيمي» تتخلف باستمرار عن «الأوسكار» و«غرامي» و«غولدن غلوب» حتى مع نمو الإشادة بالعروض التي تكرمها، حيث استقطب حفل الجوائز في ذروته أكثر من 20 مليون مشاهد، بينما يستقر الآن حول 7 ملايين مشاهد، وفق مراقبين.

ويشير الباحث المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي محمد فتحي إلى أن قرار انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة رقمية بعد عقود طويلة من البث التلفزيوني «يفتح نقاشاً مهماً حول مستقبل الإعلام، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية التلفزيون، بقدر ما يعكس تغيراً في طريقة وصول الجمهور إلى المحتوى، وفي طبيعة المنافسة على حقوق البث، والإعلانات، والمشاهدين».

ويقول فتحي لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا التحول ليس مجرد تغيير للقناة الناقلة، إنما مؤشر على أن المنصات الرقمية أصبحت قادرة على استضافة أحداث كانت مرتبطة تاريخياً بالتلفزيون التقليدي». ويشدد على «ضرورة التمييز بين انتقال حفل واحد أو حتى مجموعة من الأحداث إلى منصة رقمية، وبين اختفاء التلفزيون بوصفه وسيلة إعلامية»، مؤكداً أن «لكل منهما نموذجاً مختلفاً للوصول إلى الجمهور، وتحقيق الإيرادات».

ويرى أن «المسألة لا تتعلق باختفاء التلفزيون، وإنما بفقدانه احتكار الوصول إلى الجمهور، والأحداث الكبرى؛ فلا يزال التلفزيون يمتلك عناصر قوة، منها الانتشار الواسع، والأخبار المحلية، والتغطية الميدانية، والقدرة على الوصول إلى جمهور لا يعتمد بالضرورة على الإنترنت، أو الاشتراكات الرقمية». ويقول: «قد يخسر التلفزيون بعض جمهوره وإيراداته؛ لكن هذا لا يعني أن خسارته حتمية، أو أن المنصات ستستحوذ على كل أشكال المشاهدة».

كما يوضح فتحي أن «الحل لا يكمن في محاولة هزيمة المنصات بأدوات التلفزيون القديمة، بل في إعادة تعريف دور التلفزيون، وتطوير نموذج عمله؛ عبر الاستثمار في المحتوى الذي يصعب استبداله، مثل الأخبار الموثوقة، والتحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الميدانية، والبرامج التي تقدم تحليلاً»، إضافة إلى «التحوّل إلى مؤسسة إعلامية متعددة المنصات، وفهم الجمهور، وتنويع مصادر الإيرادات بعيداً عن الشكل التقليدي للإعلانات التلفزيونية».

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات


تصاعُد المخاوف بسبب خاصية تقييد روابط النشر على «فيسبوك»

شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
TT

تصاعُد المخاوف بسبب خاصية تقييد روابط النشر على «فيسبوك»

شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)

في خطوة نحو مزيد من «التقييد»، تختبر شركة «ميتا» فرض قيود جديدة على عدد الروابط الخارجية التي يُمكن لصفحات «فيسبوك» نشرها مجاناً كل شهر.

ورغم أن الناشرين الإخباريين مستثنون من التجربة حتى الآن، غير أن خبراء أعربوا عن قلقهم من هذه الخاصية، وحذروا من أن «الاستثناء قد يكون مؤقتاً»، وأنه على الناشرين الاستعداد من الآن لمرحلة جديدة من «تضييق الخناق على الوصول للجمهور».

كانت شركة «ميتا» المالكة لـ«فيسبوك» قد أعلنت في سبتمبر (أيلول) الماضي عن توفر خدمة «ميتا ون» للاشتراك، التي تتضمن مزايا مثل شارات التوثيق وتحليلات أوسع للجمهور وأدوات أكثر لجدولة المحتوى.

لكن أبرز ما في هذه الخاصية هو استخدامها عملياً لفرض مقابل مالي على حق نشر الروابط الخارجية، إذ تختبر «ميتا» حداً شهرياً لعدد الروابط على صفحات «فيسبوك» و«إنستغرام» التجارية. ومن دون اشتراك، قد تصطدم الصفحة بسقف يبلغ رابطين فقط شهرياً على «فيسبوك».

وحسبما نشرت صحيفة «بريس غازيت» البريطانية، أخيراً، يُطبق القيد حتى الآن على صفحات مختارة فقط، تشمل حسابات الأنشطة التجارية وبعض صُناع المحتوى ممن فعّلوا «الوضع الاحترافي»، بينما يواصل آخرون النشر بلا قيود.

ووفق الصحيفة، فإن «الناشرين الإخباريين مستثنون من القيود، دون أن توضح (ميتا) كيف تعرّفهم»، مشيرةً إلى أن ناشرين صغاراً «أُبلغوا ببلوغ الحد المجاني». واللافت أن القيود لا تقتصر على الروابط في المنشور، بل تمتد إلى حيلة «الرابط في التعليقات» أيضاً. وأفاد مستخدمون في التجربة بأن «روابطهم تظهر كنص عادي غير قابل للنقر بعد بلوغ الحد».

ويرى مدير جامعة أبو ظبي - فرع دبي، أستاذ الأعمال الرقمية المشارك أنس النجداوي، أن «قرار (ميتا) الجديد بمنزلة تحوّل جوهري في النموذج الاقتصادي لمنصات التواصل الاجتماعي، وليس مجرد فرض رسوم على نشر الروابط الخارجية». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك» الذي استفاد لسنوات من المحتوى الإخباري لجذب المستخدمين، أصبح يسعى إلى تعظيم عوائده من خلال التحكم في حركة الجمهور وإبقائه داخل المنصة لأطول فترة ممكنة. وهذا يعكس تحوّل العلاقة مع المؤسسات الإعلامية من شراكة في توزيع الأخبار إلى علاقة تجارية تتحكم فيها المنصة بشروط الوصول إلى الجمهور».

وفي تقدير النجداوي، «قد يستمر استثناء المؤسسات الإخبارية مرحلياً لتجنب الضغوط الإعلامية والتنظيمية، لكنه ليس ضمانة دائمة، خصوصاً إذا أثبت نموذج الاشتراكات جدواه الاقتصادية». ويشير إلى أن «الأهم أن المؤسسات الإخبارية قد تتأثر حتى مع استمرار استثنائها، نتيجة تراجع قدرة المستخدمين والصفحات الأخرى على مشاركة روابط أخبارها».

وعن الآثار المتوقعة لهذا القرار على الناشرين، يقول النجداوي إن «الخطر الحقيقي لا يقتصر على تراجع زيارات المواقع الإخبارية وخسارة العوائد الإعلانية، بل يمتد إلى جودة المعلومات ومصداقيتها، إذ قد يكتفي المستخدم بالعناوين والمقتطفات المتداولة دون الرجوع إلى المصدر الأصلي والتحقق من التفاصيل والسياق».

تختبر «ميتا» فرض قيود جديدة على عدد الروابط الخارجية التي يُمكن لصفحات «فيسبوك» نشرها مجاناً كل شهر


كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
TT

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها.

كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقدّمه على الشاشة، ولم تتطلّع يوماً إلى بريق الأضواء من باب الشهرة. فالكاميرا بالنسبة إليها وسيلة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، أما أهدافها فبسيطة وواضحة، تصبّ في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحياناً من هنا وهناك.

برنامج «تحقيق»

البرنامج التوثيقي «تحقيق»، الذي تعدّه أبو ناضر هندي على شاشة تلفزيون «إم تي في»، هو الأحدث في مسيرة إعلامية تنقّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات البرنامج عام 1987، كانت تُدرك أن مهمتها لن تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام 2001 بقرار صادر عن مجلس الوزراء يومها، توقّف البرنامج، ثم ما لبثت أن أعادت إطلاقه عام 2009، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة.

ومن ملفات تزوير الدواء والاتجار بالأعضاء والمخدِّرات، وصولاً إلى قضايا التلوّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تترك بصمة إعلامية خاصة في لبنان والعالم العربي.

وعلى مدى نحو 50 دقيقة، كانت حلقات برنامجها توثّق من خلال عمل استقصائي حثيث، المشكلات بالصوت والصورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، مُستبعِدة الأسلوب الإعلامي الذي يدور في أروقة الاستوديوهات.

برنامج من هذا النوع يشكّل نموذجاً في الإعلام المرئي الاحترافي المنبثق من العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّاقة في اعتماده، أسوةً بما كانت تقدّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مادة أساسية في عدد من القنوات الفضائية العربية.

كلود أبو ناضر هندي... هدفها فتح ملفات حياتية (كلود أبو ناضر هندي)

يناسب مختلف الشرائح

تعلّق أبو ناضر في لقاء مع «الشرق الأوسط» على برنامجها فتقول: «كنت الوحيدة في الشرق الأوسط عندما أطلقت فكرة البرنامج الوثائقي. وقمت بلبننته ليناسب بمضمونه مختلف الشرائح الاجتماعية. ولوّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة».

والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، بل خصّصته لمعاناة الناس وأفراحهم وهمومهم في آن، وأرادته مرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك.

كان نضالها الأبرز - كما توضح - مُنصبّاً على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصوّر وتصميم... و«لذا؛ فتحتُ ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءاً من تلوث نهر الليطاني، مروراً بمشكلة الكسّارات والمرامل، ووصولاً إلى أزمة النفايات».

وعمّا إذا كانت قد استطاعت تسجيل أهداف في شِباك أعداء الطبيعة، تردّ: «تسجيل الهدف تلو الآخر كان الإيقاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تقف وراءها، حتى لو سمّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ أكثر من 40 سنة، ولا يهمّها سوى جمع مبالغ طائلة لتعبئة جيوبها، ولو على حساب الناس».

ومن ثم، تواصل كلامها فتقول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّفتها في برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّع دائماً إلى تطوير نفسي من خلال متابعتي لبرامج وثائقية أجنبية. وحتى أثناء مشاهدتي فيلماً سينمائياً، أستعير منه أفكاراً موسيقية وبصرية لأخزّنها في ذاكرتي. إن شغفي بمهنتي كبير، وهو ما حضّني على رفض الاستسلام أو الشعور بالإحباط طوال سنوات العمل».

بحثاً عن الحقيقة

وسألناها: «هل فوجئتِ بواقع لبنان عندما غصتِ في زواريبه بحثاً عن الحقيقة؟»، فأجابت: «ما فاجأني بالفعل اللبنانيون أنفسهم. فعندما زرت إحدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهاليها، سألتهم لماذا لا يزالون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خدمات اجتماعية ولوجستية؟ فكان جوابهم صريحاً بشكل صادم؛ إذ قالوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غائبة عن أجندة لبنان الرسمية، تصبح الخيارات مفتوحة على عناصر تسهم في تخلّف الشعب وزيادة نسبة الفقر».

بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يوماً توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لبنان... «جلّهم جزء من منظومة عميقة تتدخّل في كل شاردة وواردة، ويمارسون فيها الفساد كي يبقوا شعبهم خاضعاً. فلماذا أتوقّع منهم المختلف؟».

وعمّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحداث تغيير على أرض الواقع، ردّت: «ربما استطعت أن أغيّر في عقلية الناس وطريقة تفكيرهم، بعدما عرّفتهم إلى الحقائق الصادمة. وكلمة الشكر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل».

ثم قالت إنها، رغم الصدمات التي واجهتها على أرض الواقع، ترفض الاستسلام. وإنها تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل.

داخل الاستوديو (كلود أبو ناضر هندي)

العلاقة بلبنان الوطن

لذا؛ عندما تتكلّم عن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّما تعرّفت إليه عن قرب، ازداد تعلّقي به. لقد جُلت في جميع المناطق من دون استثناء، وتعرّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجميعهم شعب طيب ومضياف. أعتبر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب التبجّح والتعالي، بل لأنه خُلق بمناخات وطبيعة تزخر بالتنوّع لا نجدها في أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مرات وأحزن مرات أخرى، لكنه يبقى وطني وشغفي الأكبر وملهمي. فجميع حواسي ومشاعري تتأجّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّي له».

لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة

بالتوازي، لا تفكّر أبو ناضر هندي في دخول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصاً كثيرة عُرضت عليها. وتعلّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّل خطراً على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنذارات، خصوصاً في مواضيع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة».

وسألناها عمّا إذا كان برنامجها قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُنشر عبرها ليست موثّقة وموضّبة ومشرّحة كما أقدّمها أنا. فالعمل الوثائقي لا يضاهيه أهمية أيّ عمل إعلامي آخر. فهو يشبه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامتلاكها... ومواضيعي تأتي ضمن حلقات متكاملة، بمحتوى غني بالصوت والصورة».

وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي على أكثر من جائزة أكاديمية وثقافية، واختيرت واحدة من أفضل الشخصيات الإعلامية لعام 2014 من قِبل «إم سي إنترناشونال» MC International. كما نالت لقب «شخصية العام 2011»؛ تقديراً لإنجازاتها المتميزة، من «المنظمة العربية للتنمية الإدارية» التابعة لجامعة الدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة.

وختاماً، رداً على سؤالنا عن الملف الذي ترغب في فتحه من جديد، قالت: «قد أعيد فتح ملفات عدة بمقاربة جديدة، وفي مقدّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي موضوع يتّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواحٍ مختلفة».

خصّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم