الصورة في الحرب... خبر من أرض المعركة

وصفت بالأيقونات لحملها الحكومات على تغيير سياساتها

الدخان على شكل فطر المنبعث من القنبلة النووية التي ألقتها طائرات أميركية على هيروشيما (يساراً) وعلى ناغازاكي في الحرب العالمية الثانية (غيتي)
الدخان على شكل فطر المنبعث من القنبلة النووية التي ألقتها طائرات أميركية على هيروشيما (يساراً) وعلى ناغازاكي في الحرب العالمية الثانية (غيتي)
TT

الصورة في الحرب... خبر من أرض المعركة

الدخان على شكل فطر المنبعث من القنبلة النووية التي ألقتها طائرات أميركية على هيروشيما (يساراً) وعلى ناغازاكي في الحرب العالمية الثانية (غيتي)
الدخان على شكل فطر المنبعث من القنبلة النووية التي ألقتها طائرات أميركية على هيروشيما (يساراً) وعلى ناغازاكي في الحرب العالمية الثانية (غيتي)

إذا كانت الكلمة تجسّد صورة، فللصورة الواحدة ألف كلمة تخترق حواس الإنسان لتنقل له الحقيقة من أرض الواقع. منذ آلاف السنين كانت ألواح الطين والنقش على جدران قصور الملوك منذ عهد الإمبراطورية الآشورية، الوسيلة الوحيدة المتاحة لتوثيق المعارك وعرض ملاحم الحروب التي كانت تستعر بين الجيوش القديمة. ولا تزال قطع أثرية كبيرة منها شاهدا حياً، تقبع في أهم متاحف العالم.
بعد الألواح الطينية، بدأت مرحلة رسم لوحات فنية تجسّد أرض المعركة والانتصارات. فقد رسم الفنان الألماني ألبرخت التدورفر (1480 - 1538) رائد فن المناظر الطبيعية والعضو المؤسس لمدرسة دانوب للفن، لوحة زيتية تجسّد معركة الإسكندر في إسوس التي وقعت في عام 333 ق.م، وانتهت بانتصار جيش الإسكندر الأكبر وبهزيمة منكرة لداريوش الثالث حاكم بلاد فارس وآخر ملوك الفترة الأخمينية.
لم يعد العمل التصويري في يومنا هذا حكراً على المصورين الصحافيين، بل أصبح بمقدور كل من يشاء أن ينقل للعالم مباشرة، آخر الأخبار وأهمها، بصورة أو بمقطع فيديو أو حتى بقصة قصيرة، بفضل التطور التقني الذي نشهده. ولكن لكلّ جديد بدايته وتأثيره الخاص في حقبته الزمنية، فمن كان أول مصوّر صحافي للحروب وما هي قصة الصورة الأولى وتأثيرها في الشارع الشعبي وفي الإعلام تحديداً.
ظهرت عدسة الكاميرا منذ فترة زمنية قريبة، قياسا بتاريخ البشرية، فقد شهد العالم ولادة أول صورة فوتوغرافية عام 1826. حين التقط العالم الفرنسي جوزيف نسيفور نيبس، صورة لمدينته في غراس استغرق تظهيرها ثماني ساعات.
- وادي ظلّ الموت
شكّلت حرب القرم في العام 1853 التي اندلعت على أراضي شبه الجزيرة في شمال البحر الأسود، بين روسيا من جهة والدولة العثمانية بمساندة فرنسا وبريطانيا ومصر وإيطاليا من جهة أخرى، نقطة تحوّل في نقل صور الحروب من أرض المعركة إلى العالم. في خضمّ هذه الحرب ولد نوع جديد من التصوير بات يُعرف بصحافة تصوير الحروب من أرض المعركة.
يعتبر روجر فنتون المصوّر البريطاني، أول مصور حرب في العالم، اشتهر بصورة «وادي ظلّ الموت».
لم تظهر صورته هذه، وحشية الحرب كما صور الحروب اليوم، فلا جثث ملقاة على الأرض، ولا نيران مشتعلة، بل مجرد مناظر طبيعية استعان فنتون خلال تصويرها بكرات تعود لمدافع نشرها في أرض قاحلة في القرم، لتصوير مشهد مفبرك عن الحرب؛ ولكنّ قوة التصوير جعلت الصورة كفيلة بنقل مشاعر الرّعب في المكان.
تعتبر «وادي ظلّ الموت»، البداية الحقيقية لهذا النوع من التصوير، وقد أظهر عمل فنتون، قدرة الوسيط الفني الجديد على منافسة الفنون الجميلة القديمة في تصوير الحروب.
بعد انتهاء الحرب، عاد فنتون حاملاً معه 360 صورة من أرض الميدان، نشرت في صحيفة «ذا إلوستريتد لندن نيوز»The Illustrated London News. ومنذ ذلك الوقت صارت آلة التصوير جزءاً لا يتجزأ من المعلومات المدعمة بالصور التي تعتبر الدليل الحي على أحداث الحرب أينما وقعت.
- فتاة فيتنام والنابالم
تعتبر «فتاة فيتنام» صورة تاريخية تنطق بآلاف الكلمات وبمختلف لغات العالم، وتصدّرت صفحات الجرائد وعناوينها. خلقت الصورة حينها سخطاً شعبياً ودولياً كبيراً. انتفض الشارع الأميركي غاضباً ضدّ الحزب الجمهوري الحاكم آنذاك، برئاسة ريتشارد نيكسون. أوصلت الصورة وجع الفتاة إلى جميع أنحاء العالم، وأسهمت لحدٍ كبير في وقف الحرب الفيتنامية.
في 8 يونيو (حزيران) 1972. التقط المصوّر نيك أوت الذي كان يعمل في وكالة أسوشييتد برس الأميركية، الصورة في قرية ترانغ بانغ بجنوب فيتنام.
كان نيك بصدد تصوير فيلم عن استخدام قنابل النابالم في قصف القرية، حين ظهرت أمامه فتاة فيتنامية عارية، عمرها 9 سنوات، تهرع راكضة صارخة مردّدة «ماء... ماء... إنها حارقة جدًا»، بعد استهداف المعبد الذي كانت تختبئ فيه مع عائلتها ومواطنين آخرين بقنابل الـ«نابالم» التي استخدمها الطيران العسكري الأميركي في حربه ضدّ فيتنام.
- صورة سقوط الجندي
في الصورة جندي في لحظة موت. ضجّة كبيرة رافقت الصورة لدى نشرها في مجلة «فو» (vu) الفرنسية. اعتبرها البعض رمزاً لمكافحة الفاشية، فيما رأى فيها آخرون، أنّها أكثر من ذلك، فهي تصلح لأن تكون بياناً عالمياً مناهضاً للحرب. وفي كلتا الحالتين، فإنّ تأثيرات التصوير الفوتوغرافي في السياسات بدأت تحقق تقدماً سريعاً منذ ذلك التاريخ.
التقطها المصوّر الإخباري روبرت كابا إبان الحرب الأهلية الإسبانية في منطقة قرطبة. يظهر فيها جندي بعد إصابته بطلق ناري، متراجعا في حالة سقوط. هذه اللقطة كانت من بين أهم صور الحرب في القرن العشرين. أضحت أيقونة الحرب الأهلية الإسبانية. ودفعت بتغيير المواقف السياسية وأسهمت في خلق تعاطف مع الثوار ضد حكم فرنكو الفاشيستي.
وعلى الرغم من جميع التساؤلات والنقاشات التي طالتها والتشكيك في مدى مصداقيتها، فإنّها بقيت في طليعة الصور المؤثرة إنسانيا واستمرت محافظة على أهميتها وشهرتها، والناظر إليها يرى كيف أنّ الحرب تخطف النفوس بلحظة، وهي من أكثر الصور التي تجسّد لحظة انتقال الإنسان من الحياة إلى الموت.
- سحابة الفطر فوق ناغازاكي
صورة السحابة التي تظهر على شكل حبة فطر كبيرة في سماء ناغازاكي باليابان، حيث ألقت الولايات المتحدة الأميركية قنبلة ذرية وكانت قد ألقت قبلها بأيام واحدة في هيروشيما، إبان الحرب العالمية الثانية وتحديداً في 9 أغسطس (آب) 1945، أكبر برهان على قدرة الإنسان في إلحاق دمار هائل وعلى نطاق واسع بالطبيعة والعمران والأهم بالإنسان. سحابة الفطر هذه، تسببت بقتل نحو 80 ألف شخص دفعة واحدة وأنهت الحرب باستسلام اليابان، ولا تزال الصورة إلى يومنا هذا تعيش في ذاكرة كثيرين حول العالم.
- التفرقة العنصرية
يظهر في الصورة رجل أسود يشرب من صنبور مياه كتب فوقه «ملوّن»، وإلى جانبه صنبور آخر متصل بمبرد كهربائي مخصص، كتب عليه «أبيض».
تجسد هذه الصورة حال التفرقة العنصرية بين الرجل الأسود وبين الرجل الأبيض، التي كانت سائدة في الولايات المتحدة الأميركية. التقطها المصوّر الفرنسي إليوت إرويت عام 1950 في ولاية كارولينا الشمالية.
تعبر هذه الصورة عن ظلم التمييز الاجتماعي والطبقية، وقد باتت رمزاً لحاجة التغيير. عند رؤيتها مجدّدا، يظهر التغيير الذي حصل منذ تلك الفترة إلى اليوم.
- تدمير مركز التجارة العالمي
يوم الثلاثاء في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 تعرّضت الولايات المتحدة إلى هجمات انتحارية، نفّذها 19 شخصا على صلة بتنظيم «القاعدة». أول هجمة نُفّذت في الساعة 8:46 صباحا بتوقيت نيويورك، لدى اصطدام طائرة مخطوفة بالبرج الشمالي من مركز التجارة العالمي. وبعدها بدقائق، اصطدمت طائرة أخرى بالبرج الجنوبي. وبعد ما يزيد على نصف الساعة، اصطدمت طائرة ثالثة بمبنى وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون.
بعد أقل من 24 ساعة على الأحداث، أعلن حلف شمال الأطلسي أنّ أي هجوم على أي دولة عضو في الحلف، هو بمثابة هجـوم على الدول الأعضاء فيه.
لم تكن الصورة وحدها شاهدا على هذا العمل الإرهابي، فقد أسهمت شاشات التلفزة العالمية بنقل الحدث مباشرة إلى العالم؛ ولكن ما بقي في أذهان الملايين اليوم، هي صورة البرجين تأكلهما النيران بما حوياه من بشر.
هذه الصورة أسهمت إلى حد بعيد بدعم التغييرات الكبيرة في السياسة الأميركية. بدأت مع إعلانها الحرب على الإرهاب، وعقب هذه الهجمات، شنّت واشنطن حرباً على طالبان وأسقطت حكمها في أفغانستان، لتفتح بعدها حربا على العراق، مطيحة بحكم صدام حسين.
- صور سجن أبو غريب
صور لأبشع أنواع العذابات والانتهاكات الجسدية والنفسية والإساءات الجنسية والاغتصابات والقتل، خرجت إلى العالم عام 2004 لتفضح ما تعرّض له سجناء ومعتقلون عراقيون من ذل وإهانة في سجن أبو غريب، على أيدي جنود أميركيين.
بعد فضيحة سجن أبو غريب بفترة وجيزة، تعهد الرئيس جورج دبليو بوش، بتقديم مرتكبي هذه الأعمال إلى العدالة، ليتضح بعد أشهر أنّ عمليات التعذيب هذه، لم تحدث في سجن أبو غريب فقط، بل في عشرات مراكز الاحتجاز الأميركية حول العالم، وقد أدّت إلى قتل أعداد كبيرة من المدنيين الذين وقعوا ضحايا اتهامات لا علاقة لهم بها، بحجّة أنّهم على صلة بتنظيمات إرهابية.
بعد الفضيحة، كشفت صحيفة الـ«واشنطن بوست» أنّ 35 معتقلاً ماتوا في المعتقلات الأميركية في العراق وأفغانستان نتيجة التعذيب. فيما نشرت الـ«نيويورك تايمز»، قائلة، إن المحاسبة كانت غير مقنعة للمتورطين، فقد أجرت الحكومة الأميركية تحقيقاً شاملاً، اتُهم بعدها بعض أفراد الشرطة العسكرية من الرتب الصغيرة، وحتى العام 2008 فإنّ أعلى رتبة عسكرية تعرضت للمحاسبة كانت بمنصب نقيب، وقد حُكم عليه بالسجن 45 يوماً ودفع غرامة قيمتها 12000 دولار أميركي.
- الطفل السوري إيلان
صورة لجثة طفل سوري قذفتها أمواج البحر على الشاطئ قبالة سواحل بودروم التركية.
دفعت الحرب الدائرة في سوريا بالكثير من مواطنيها لأخذ قرار صعب جداً، إمّا البقاء في أرض المعركة حيث يتربصهم الموت في كل لحظة، أو المجازفة وركوب البحر، بكل ما يحويه هذا القرار من مخاطر.
ليس الطفل إيلان الوحيد الذي مات غرقاً، بل هو واحد من بين مئات الأطفال الذين ابتلعتهم المياه الدافئة في فترات الصقيع، إنّما صورته هذه، استطاعت أن تجسّد وجع السوريين ومعاناتهم من جحيم حرب شعواء تحصد في كل لحظة عشرات القتلى. لفتت صورة الطفل إيلان ممداً على رمال البحر وكأنّه نائم بهناء بألوان ثيابه المفعمة بالحياة، الأنظار إلى قضية شغلت العالم وخصوصاً دول الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من مخاوف الاتحاد من هجمة اللاجئين والمحاولات الحثيثة لإيقافهم ومنعهم من دخول أراضيها، فقد ظهرت مأساة أكثر وجعاً، عائلات تقامر بحياتها تخوض رحلة موت، في زوارق شهدت هلاك مئات بل آلاف اللاجئين.
صورة الطفل إيلان كانت رسالة مكتوبة بأحرف من دماء، وجّهت إلى زعماء وحكام العالم، لتقول لهم، جلّ ما يريده هذا الشعب نسمة حياة، بعد معاناة من التشرد والجوع والخوف من موت محتّم.
شغلت الصورة وسائل الإعلام العالمية، واحتلت صفحات جرائده الأولى، ولم تبق محطة تلفزيونية عربية أو أجنبية، إلّا ونقلت الصورة على شاشاتها. كما نُظّمت حملات على مواقع التواصل الاجتماعي متعاطفة مع موت إيلان، حاثة المنظمات الإنسانية العالمية على التحرّك لإيجاد حلول جذرية لإنقاذ المهاجرين من الموت.
صورة الطفل إيلان تنطق بآلاف الكلمات وتذرف دموعا تضاهي مياه المتوسط التي سرقت روحه.
تعليقاً على الصورة كتبت صحيفة «الإندبندنت»البريطانية متسائلة «إن لم تغير صورة الطفل إيلان الموقف الأوروبي من اللاجئين، فما الذي سيغيره؟».
لعشرات السنين استطاعت الصورة أن تكشف حقائق كثيرة عن الحروب وتوثّق أحداثها ناجحة في تحريك شوارع شّعبية في وجه حكوماتها وإجبارها على تغيير سياساتها أو استحداث قوانين جديدة لخلق مجتمع متساو في الحقوق الاجتماعية إلى حد ما، ونبذ العنصرية وسنّ قوانين تعاقب من يخالفها. ولكنّ التطور التكنولوجي السريع الذي شهده ويشهده العالم، في إبراز مقدرة الصورة على التغيير، بدا أنّه سلاح ذو حدّين، فما توفّره التقنية من إمكانية التغيير والتلاعب في حقيقة ما تظهره الصورة من خلال استخدام برنامج «فوتوشوب»، أفقدها الكثير من المصداقية التي كانت تتمتّع بها.
- الصورة تفرض وجودها
«من دون الصورة لا يستطيع النص أن يؤثّر في نفس المتلقي». هكذا بدأ المصور شربل ملّو حديثه لـ«الشرق الأوسط». وتابع المصور الذي غطى حروب اليمن وسوريا ولبنان قوله: «وحدها الصورة قادرة على نقل المشهد بتأثيراته، فمهما حاول كاتب النص أن يصف المشهد فلن يكون وقعه على المتلقي كالصورة، ويستشهد بصورة فتاة فيتنام كدليل على قدرة الصورة في نقل المشهد والتأثير بالمشاعر».
ويتابع ملّو الذي يعمل حاليا في «سكاي نيوز - عربي»، متناولا صورة الطفل السوري آيلان: «استطاعت هذه الصورة أن تترك انطباعاً مختلفاً في نفوس ملايين الناس من حول العالم، على الرغم من جميع الأخبار التي تناولت أزمة اللاجئين وكتبت بالأرقام، أعداد الضحايا التي لاقت حتفها في البحر».. ملو غطى بنفسه أخبار المهاجرين الذين ركبوا البحر للوصول من شمال أفريقيا إلى الدول الأوروبية.
وعن اختيار اللقطة المناسبة والمؤثرة قال: «بصفتي مصورا لا أستطيع البحث عن صورة مؤثرة، فأنا التقط الكثير منها، وبعد نشرها، وحدها الصورة المؤثرة تستطيع فرض وجودها، فأنا أصوّر كل ما يلمسني عاطفيا، وحسب اعتقادي جميع الصور التي أثّرت وغيّرت في بعض السياسات وباتت مشهورة أخذت كغيرها ولا أعتقد بأنّ مصوّرها كان على علم بأنها ستؤثّر إلى هذا الحد.
للتأكد من مصداقية الصورة بعد هذا التطور التقني والقدرة على التعديل والتغيير فيها، ينصح ملّو بالبحث عن مصدرها، موضحاً: «ليس من الضروري أن يصدّق العالم كل ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي ومصدر الصورة وحده يعطيها المصداقية».


مقالات ذات صلة

تلفزيون ألماني يحذف مقطعاً يتهم إيلون ماسك بتأجيج الاحتجاجات في بلفاست

أوروبا رجل الأعمال والملياردير الأميركي إيلون ماسك (أ.ف.ب)

تلفزيون ألماني يحذف مقطعاً يتهم إيلون ماسك بتأجيج الاحتجاجات في بلفاست

أقام إيلون ماسك دعوى على قناة ألمانية بسبب تقرير عنه، ما دفعها لحذف فقرة مثيرة للجدل بعد اعتراضه القانوني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه على فيسبوك)

انتقاد مذيع مصري خاض في «خصوصيات» عبد العزيز مخيون

تعرض إعلامي مصري للهجوم الحاد من فنانين ومتابعين لتعرضه للحياة الشخصية للفنان الراحل عبد العزيز مخيون.

داليا ماهر (القاهرة)
الخليج «هيئة تنظيم الإعلام» أكدت استمرارها في رصد كل محتوى مخالف للأنظمة والضوابط (واس)

«هيئة الإعلام» السعودية: إحالة مسيء لدولة شقيقة إلى النيابة العامة

استدعت «هيئة تنظيم الإعلام» السعودية مواطناً أساء لدولة شقيقة بتعرضه لرموزها وقياداتها في مساحة صوتية بمنصة تواصل اجتماعي، وجرت إحالته للنيابة العامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا نشطاء ومعارضون سياسيون يشاركون في مظاهرة بالعاصمة تونس (رويترز)

القضاء التونسي يحكم بسجن صحافية 4 سنوات غيابياً

كشفت الصحافية التونسية ‌خولة بوكريم، وهي منتقدة شديدة للرئيس قيس سعيد، أن محكمة في تونس قضت بسجنها 4 سنوات غيابياً.

«الشرق الأوسط» (تونس)
أوروبا نانديتو باديا وجورج ستانا رجلان رومانيان متهمان بطعن الصحافي الإيراني الدولي بوريا زراتي قرب منزله في ويمبلدون في مارس 2024 يمثلان أمام محكمة «وولويتش كراون» في لندن ببريطانيا 18 مايو 2026 في رسم تخطيطي للمحكمة (رويترز)

محكمة بريطانية: رومانيون طعنوا صحافياً في لندن بتحريض من إيران

قال ممثلو ادعاء أمام محكمة بريطانية، اليوم الاثنين، إن مجموعة من الرجال الرومانيين، يعملون وكلاء للحكومة الإيرانية، نفّذوا هجوماً بالسكين على صحافي في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
TT

الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)

ثمة ظاهرة لافتة في تاريخ وسائل الإعلام، فمنذ أن أطلّ التلفزيون برأسه منتصف القرن الماضي، راح الناس يتنبّأون بنهاية الإذاعة. ثم جاء «الإنترنت» فجدّدوا النبوءة. واليوم، مع انتشار «البودكاست» وهيمنة منصات البثّ الرقمي، تعود الأسئلة ذاتها بصياغات جديدة: هل بلغ هذا «الوسيط» المولود في مطلع القرن العشرين نهايته الطبيعية؟ أم أن ما نشهده ليس سوى تحوّل جذري في شكل وسيط أثبت، على مدى عقود، قدرةً استثنائية على البقاء والتكيّف؟

«البودكاست» منافس يغيّر قواعد اللعبة

في الواقع، لا تستقيم قراءة المشهد الإعلامي الراهن من دون الاعتراف بأن «البودكاست» غيّر شيئاً جوهرياً في طبيعة العلاقة بين المستمع والمحتوى الصوتي.

الإذاعة التقليدية تفرض على مستمعها إيقاعها الخاص: توقيتاً محدداً، وترتيباً لا يملك تغييره، وبرنامجاً لم يشارك في اختياره. أما «البودكاست» فيقلب هذه المعادلة رأساً على عقب؛ إذ لا يمنح المستمع محتوىً جديداً فحسب، بل يمنحه أيضاً سلطةً لم يعرفها من قبل، هي سلطة أن يقرّر ماذا يسمع، ومتى يسمع، وأين يتوقّف وأين يستأنف.

إنه تحوّل في طبيعة العلاقة ذاتها بين الصوت ومن يستقبله. ولقد كشفت الأرقام عن حجم هذا التحوّل بوضوح. إذ بلغت نسبة الفرنسيين الذين يستمعون إلى «البودكاست» 42 في المائة في عام 2024، مقارنةً بـ22 في المائة فحسب في عام 2019؛ وهو ما يعني أن جيلاً كاملاً أعاد تشكيل علاقته بالصوت خارج الأثير التقليدي. وفي هذا الاتجاه، تُفسّر بيانات مؤسسة «ميديامتري» الفرنسية هذا الانزياح بجلاء: إذ تراجعت نسبة الاستماع التراكمية للإذاعة إلى 67 في المائة في خريف عام 2024، مقارنةً بما يزيد على 70 في المائة قبل عقد من الزمن.

في كندا أيضاً، يكشف المشهد الكندي عن الصورة ذاتها؛ إذ يُخصّص المستمع الكندي اليوم ما معدّله 11 ساعة أسبوعياً للإذاعة التقليدية، مقابل معدل 17 قبل عشر سنوات. ويُعزى هذا التراجع جزئياً، وفق المصادر والمتابعين، إلى انتشار ظاهرة «العمل عن بُعد» الأمر الذي قلّص ساعات التنقّل بالسيارة، ذلك المكان الذي ظلّ تاريخياً «الحاضنة» الأكبر للاستماع الإذاعي.

الإذاعة لم تمُت ... لكنها تتحوّل

في الواقع، إن فحص الأرقام الإجمالية بعيداً عن ضجيج التوقعات يكشف عن صورة أقلّ دراميةً مما تُصوّره مراثي «الرقمنة». وبمناسبة «اليوم العالمي للإذاعة»، أصدر «التحالف العالمي للإذاعات» بيانات تؤكد أن هذا «الوسيط» الإعلامي لا يزال يصل إلى ما يقارب الـ90 في المائة من السكان في الأسواق الكبرى، محتلاً بذا المرتبة الأولى بين وسائل الإعلام الصوتية من حيث الثقة الجماهيرية.

وعلى الصعيد الفرنسي، لا يزال ما بين 37 و38 مليون مستمع يومي يعتمدون على الإذاعة بأشكالها المختلفة، في حين تُبيّن بيانات هيئة «أركوم» الحكومية لعام 2025 أن أكثر من نصف الفرنسيين ممن تجاوزوا الخامسة والثلاثين لا يزالون أوفياء للإذاعة المباشرة بصفة يومية. أما دولياً، فقد سجّلت مجموعات البثّ الإذاعي الكبرى في بريطانيا أرقاماً قياسية بنهاية عام 2024، فلقد تجاوز خلالها معدل المستمعين الأسبوعيين 29 مليون مستمع في المرة السادسة على التوالي.

من جانب آخر، رصدت مؤسسة «إس بي إم» الفرنسية للدراسات الرقمية أكثر من ثلاثة مليارات استماع للإذاعات الرقمية عام 2025، وهذا رقم لا يعكس حالة انهيار بل حالة انتقال؛ ذلك أن الناس لم يُقلعوا عن متابعة الإذاعة، بل باتوا يستمعون إليها عبر «الهاتف الذكي» والسماعة اللاسلكية والمكبّر المنزلي.

وفي السياق عينه، لعلّ نموذج إذاعة «نوفا» الفرنسية يُلخّص هذا التحوّل أبلغ تلخيص. فهذه المحطة التي ظلّت طويلاً إذاعةً تتابعها «أقلية» ثقافية، ضاعفت نسبة جمهورها أربع مرات في غضون سنتين فقط، لتبلغ مطلع عام 2026 مليوناً و595 ألف مستمع يومي.

والسرّ هنا لا يكمن في الإنفاق الإعلاني، بل في أشياء أبسط وأعمق هي: الهوية التحريرية الواضحة، والصوت المميّز، والوفاء لجمهور يشعر أن المحطة تخاطبه تحديداً لا سواه.

ما لا يستطيع «البودكاست» تعويضه

وبالفعل، تمتلك الإذاعة وظائف هيكلية تعجز المنصّات الرقمية عن تقليدها بالكامل:

أولاها المباشرة الآنية؛ فحين تندلع أزمة أو تقع أي فاجعة، تبقى الإذاعة الوسيلة الأسرع والأكثر مصداقيةً في إيصال الخبر دون تأخير الإنتاج أو تصفية الخوارزميات.

وثانيتها اللحظة الجمعية؛ إذ تصنع الإذاعة وقتاً مشتركاً بين ملايين المستمعين في اللحظة ذاتها، وهي تجربة نادرة في بيئة رقمية تميل بطبيعتها إلى التفتيت والتخصيص المتطرّف.

وثالثتها الثقة؛ إذ تحتلّ الإذاعة المرتبة الأولى في ثقة المواطنين الأوروبيين بفارق معدله 18 نقطة مئوية عن أقرب منافسيها؛ إذ يثق بها قرابة 56 في المائة من الأوروبيين، وهذه نسبة لا تبلغها أي منصة رقمية.

في هذا السياق، يرى إيف ديل فرات، الرئيس التنفيذي لمعهد «سي إس آ» الفرنسي، أن «الصوت الذي ينبعث من المحطة يمتلك قدرةً فريدة على التوحيد في حين تتآكل وسائل الإعلام التقليدية، وتُفتّت المنصّات الرقمية انتباه الجماهير في تسلسلات فردية... فالإذاعة وسيط مرافقة بامتياز، يُتيح للمستمع أن يكون في مكانين دفعة واحدة».

أفق المستقبل

على صعيد موازٍ، تكشف الدراسات المتخصصة لعام 2025 عن أن الإذاعات و«البودكاست» والبثّ الرقمي لا يخوضون حرباً، بل يسيرون في مسارات متقاطعة تُفضي إلى ما بات يُعرف بـ«العلامة الصوتية». ومعها لم تعد المحطة مجرد جهاز بثّ، بل أصبحت كياناً صوتياً متكاملاً يبثّ مباشرةً وينتج «بودكاست» ويُنشئ أرشيفاً يُعاد استهلاكه.

ذلك أن الإذاعات الرقمية تُسجّل مليارات الاستماعات سنوياً، و«البودكاست» يُسجّل مئات الملايين من التنزيلات، والاثنان ينموان معاً من دون أن ينفي أحدهما الآخر.

بل إن الإذاعة التي ستبقى هي تلك التي تفهم أن قيمتها ليست في التقنية التي تبثّ بها، بل في الصوت البشري الحيّ الذي تُقدّمه، وفي الثقة التي بنيت وتراكمت عبر أجيال. وهكذا، يمكن القول إنه ليس من الخطأ الإقرار بأن الإذاعة لم تمُت، بل هي تتعلّم، ببطء وحذر، كيف تكون وسيطاً لعصر لم تولد فيه.

90 % من سكان الأرض لا يزالون يستمعون إلى الإذاعات


هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
TT

هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)

أثار تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 تساؤلات بشأن إمكانية تغيير طريقة عمل المؤسسات الإعلامية استجابةً لتغير نمط استهلاك الجمهور للأخبار. وفي حين رأى خبراء أن «الفترة المقبلة ستشهد نمواً في الاعتماد على الفيديو في تقديم الأخبار»، فإنهم شددوا على أن «ذلك لا يعني التخلي عن الإعلام المكتوب».

حسب التقرير الذي أصدره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، الأسبوع الماضي، فإنه «للمرة الأولى على مدار 15 سنة من إعداد التقرير، يظهر اعتماد غالبية الجمهور على مشاهدة مقاطع الفيديو الإخبارية عبر الإنترنت في جميع الدول التي رصدها التقرير وعددها 48 دولة».

وأوضح أن «77 في المائة من الجمهور عالمياً يستهلكون الفيديوهات الإخبارية على الإنترنت أسبوعياً، ليتجاوز عدد من يشاهدون نشرات الأخبار التلفزيونية في نحو 45 دولة»، في حين تظل «ألمانيا والدنمارك وهولندا هي الدول الثلاث الوحيدة التي تتقدم فيها الأخبار التلفزيونية أو تتساوى مع مقاطع الفيديو على الإنترنت».

محمود غزيل، الصحافي اللبناني، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، صرح لـ«الشرق الأوسط» بأن «تبنّي إنتاج الفيديوهات أثَّر بشكل عميق ومتسارع في طريقة عمل الإعلام»، مشيراً في هذا الصدد إلى «صعود المنصات الإخبارية الجديدة في العالم العربي، حيث باتت الفيديوهات تشكِّل العصب الأساس للعمل الإعلامي، بينما النصوص المكتوبة لا يعوَّل على انتشارها بشكل واسع بين المستخدمين على منصات التواصل».

وأردف غزيل أن «نسبة الـ77 في المائة في تقرير معهد رويترز ليست مجرد إحصائية عابرة، بل دلالة على استهلاك الفيديوهات والمقاطع المصورة، تبين أن التحقيقات المطولة المكتوبة لم تعد تحظى بنفس التأثير على المستخدمين»، قبل ان يضيف: «ولمن ما زالت التحقيقات مهمة، إلا أن تأثيرها أقل بكثير من الفيديوهات».

غزيل تابع أيضاً أن «التأثير الأكبر لمثل هذا التغير في نمط الاستهلاك سيكون في عملية اكتشاف المواد وتوزيعها، بحيث أن الدخول إلى المواقع الإلكترونية المباشرة للمؤسسات لن يكون بنفس أهمية طريقة عرض وتقديم الفيديوهات على منصات التواصل، سواء كان ذلك عبر (تيك توك) أو الريلز أو (يوتيوب)». وفي رأيه «يتوجب على المؤسسات الإعلامية أن تتأقلم مع متطلبات المنصات والتحديثات المستمرة في خوارزمية الانتشار، مما يعني التركيز على إنتاج المحتوى الأصلي حسب كل منصة، وليس مجرد إعادة نشر نفس المادة المصورة لكل المنصات... وأن هذا يعني على سبيل المثال، التركيز على المادة الجاذبة والترجمة والنص على الشاشة للفيديوهات القصيرة، في حين يتم التركيز على المحتوى الطويل والمسهب بالشرح لمنصة (يوتيوب)».

وأكد الخبير اللبناني أنه «ينبغي على وسائل الإعلام الحديثة أن تتقرب من المقابلات الشخصية الأكثر دفئاً والتركيز على محتوى وراء الكواليس أو محتوى البث المباشر».

في المقابل، قال غزيل إن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني بالضرورة التخلي عن الطرق التقليدية في معالجة المحتوى؛ بل تطويرها وتأقلمها وتكاملها مع المتطلبات الحديثة... وبالتالي، فالنصوص والمواد المكتوبة تبقى أساسية، للعمق أو التوثيق وأرشفة المواد أو التحقيقات المعقدة؛ ولكنها لن تكون الطريقة الرئيسية للوصول إلى القراء والمتابعين». ولفت في هذا الصدد إلى «تجارب لمؤسسات عربية تكتب تقارير طويلة غنية بالمعلومات، ولكن تدعمها بفيديوهات قصيرة ممتعة تُنشر على المنصات». واختتم كلامه بتأكيد أنه «حال أصرت الوسيلة على الطريقة التقليدية فقط، من نص طويل أو تقرير إخباري مثل التلفزيون، ستواجه الوسيلة الإعلامية تآكلاً مستمراً في شريحة الجمهور المستهدف، أما من يستثمر في فيديو مع الحفاظ على الجودة الصحافية، فسيجد فرصاً جديدة للوصول والتأثير، خصوصاً بين الشباب».

من جهة ثانية، أشار تقرير «معهد رويترز» إلى أن «المؤسسات الإخبارية التقليدية تشهد تراجعاً في مشاهدة الفيديو على مواقعها وتطبيقاتها». وفي رأي الصحافي المصري معتز نادي، المتخصص في الإعلام الرقمي، فإن «تصاعد استهلاك الأخبار عبر الفيديو سيؤثر في طريقة عمل الإعلام تأثيراً عميقاً، لأن الفيديو أصبح بوابة رئيسة يصل منها الجمهور إلى الخبر، خصوصاً عبر المنصات الاجتماعية التي أصبحت المصدر الأكثر استخداماً للأخبار عالمياً بنسبة 54 في المائة».

وقال نادي لـ«الشرق الأوسط» إن «غرف الأخبار ستتوجه بكل جدية إلى التفكير بالصورة والصوت والإيقاع منذ بداية التغطية التي تقدمها لمتابعيها... وأن نشر خبر مكتوب فقط لم يعد كافياً، فالفيديو سيصبح هو بطل الحكاية لغرف الأخبار، والتحدي في طريقة تقديمه لجمهور المتابعين بشكل واضح وسريع يناسب إيقاع الخوارزميات وعالم الريلز».

أيضاً ذكر نادي أن الفترة المقبلة «ستشهد زيادة في أهمية الفيديو التفسيري القصير، والمراسل القادر على الشرح أمام الكاميرا، والبث المباشر، والرسوم البصرية التي تبسّط الملفات المعقدة، وأن ثمة تجارب لمنصات حديثة تدخل المشهد حالياً يُترك تقييمها للزمن والجمهور لقياس مدى نجاحها».

في الوقت نفسه أكد الصحافي المصري أن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني التخلي عن الأشكال التقليدية». وأضاف: «المقال والتحقيق والتقرير التلفزيوني الطويل وغيرها ستظل ضرورية لتقديم السياق، والكشف عن التفاصيل، وتوثيق المعلومات... وبينما سيصبح الفيديو مدخل القصة، تبقى المادة الأصلية مرجعاً للفهم الأعمق، فالتوثيق المكتوب لا غنى عنه وسط فوران المحتوى الرقمي في (زحام) المنصات بما لها أو عليها». واختتم مشدداً على ضرورة «ألا تعمد المؤسسة الإعلامية إلى مطاردة الفيديو من أجل المشاهدات فقط، دون اهتمام بجودة المحتوى... إذ لا بد من تقديم محتوى مهني دون التذرع بحجة الجمهور ونوعياته الجديدة من (زد) و(ألفا). فالنجاح المهني هو تقديم فيديو سريع وجذاب، من دون اختزال الوقائع أو خلط الخبر بالرأي أو التضحية بالدقة من أجل الانتشار ودغدغة مشاعر المتابعين».


مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
TT

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)

منذ بداياته، اختار الإعلامي اللبناني مالك مكتبي خطاً مهنياً مختلفاً، فغاص في القضايا الاجتماعية والإنسانية حتى العمق. وحاور الكبار، والصغار، وكشف من خلال لقاءاته قصصاً تختلط فيها الأفراح بالآلام.

مالك اشتهر ببرنامجه التلفزيوني «أحمر بالخط العريض» على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBCI)، حيث خاض رحلات إنسانية بحثاً عن الحقيقة. وسعى إلى سبر أغوار ضيوفه، وفهم خبايا تجاربهم، كما لعب في محطات كثيرة دوراً في لمّ شمل عائلات فرّقتها الظروف، مقدّماً نموذجاً للإعلام الهادف والرصين الذي يضع الإنسان في مقدمة اهتماماته.

منذ سنوات عدة، وجد مالك مكتبي نفسه، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، عند مفترق طرق. فالإعلام المرئي بات يواجه تحدّيات كبيرة في ظل انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وشعر بأن عليه مواكبة عصر مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفه قبل عقدين.

من هنا انطلق في رحلة جديدة عبر منصّته الرقمية، فأطلق بودكاست «إحكي مالك»، والذي تحوّل إلى سلسلة حوارات يستضيف فيها شخصيّات عربية تروي قصص نجاحها، وتجاربها الحياتية. ثم تفرّعت منه عناوين أخرى، من بينها «احكي قصتي»، لتوسّع دائرة المحتوى الذي يقدّمه.

وأخيراً حقق نجاحاً لافتاً انعكس في عدد متابعيه الذين تجاوزوا 25 مليون شخصٍ عبر حساباته الإلكترونية المختلفة. فمنذ مطلع عام 2026 يقدّم سلسلة «إحكي طب» التي يستضيف فيها نخبة من الأطباء اللبنانيين، والعرب، متناولاً أحدث المقاربات الطبية، وأساليب العلاج، والوقاية. ومن خلال منشوراته على «إنستغرام» و«فيسبوك» -وغيرهما من المنصات- يبدو واضحاً مدى تأثره بالمحتوى الذي يقدّمه في هذه الحلقات. حتى إن متابعيه أطلقوا عليه لقب «دكتور مالك»، نظراً إلى إلمامه الواسع بالمواضيع الصحية، وقدرته على تبسيطها، ونقلها إلى الجمهور بأسلوب سلس، ومفهوم.

البودكاست ظاهرة إيجابية

يعدّ مالك مكتبي البودكاست ظاهرة إيجابية «لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد، بدلاً من الانغماس في أمور قد تقوده إلى مسارات غير بناءة».

ويضيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «بعد سنوات طويلة من العمل وجدت نفسي أقف عند مفترق طرق. كنت أبحث عمّا أستكمل به مسيرتي بالشكل الذي يليق بها، فرأيت في البودكاست فرصة تعيد نبض الشغف المهني إلى حياتي. أنا اعتبرته وسيلة فعالة لإيصال محتوى مفيد إلى الناس. وكان لا بد من إيجاد فكرة بسيطة وعملية يستوعبها الجمهور بسهولة، لأن التحدّي الأكبر بالنسبة إليّ يكمن في قدرة المستمع أو المشاهد على استيعاب ما أقدّمه له».

يشير مالك مكتبي إلى أن فكرة التوجّه نحو المحتوى الطبي والعلمي راودته منذ سنوات. ويشرح: «كنت أتابع برامج تتناول هذه المواضيع، لكنها لم تقنعني يوماً، لأنها لم تترك أثراً حقيقياً لديّ، وغالباً ما كان محتواها سطحياً. لذا ترددت في خوض هذا المجال. لكنني بعد اطلاعي على عدد كبير من الدراسات العلمية اكتشفت أن الكثير من المعلومات المهمة لا تصل إلى الجمهور العربي. وعندها سألت نفسي: لماذا لا تصل إلينا نتائج الأبحاث الصادرة عن جامعات عالمية مرموقة، مثل هارفارد وغيرها؟ عندها أدخلت خبرتي الإعلامية على الخط، وقرّرت أن أتحمّل مسؤولية نقل هذه المعرفة، وأكون بمثابة جسر تواصل بين هذه الدراسات وعالمنا العربي».

يتابع مكتبي اليوم نحو 25 مليون شخص عبر منصاته الرقمية (مالك مكتبي)

قصص الحياة هي هدفي

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مكتبي عما إذا كان الإعلام هو الذي قاده إلى هذا المكان أم أنه يسعى إلى أخذ الإعلام نحو وجهة جديدة؟»، أجاب: «طوال سنوات عملي كان هدفي الاستماع إلى قصص الناس، والمساهمة في إلهامهم، وإضاءة جوانب من حياتهم، ثم أنقل هذه القصص بأسلوبي الإعلامي لتترك أثراً في الآخرين. ففي النهاية نحن في الوطن العربي نتشابه أكثر مما نختلف. ولا يوجد ما هو أثمن من الصحة وجودة الحياة كهدف نسعى إليه جميعاً. من هنا جاء المحتوى الطبي ليجمع الناس تحت سقف واحد».

النجاح الإعلامي لا يأتي من الفراغ

افتتح مالك مكتبي حلقات «إحكي طب» مع الدكتور حسين درويش، الطبيب المتخصص بجراحة الأعصاب، وتطرّق في الحوار إلى مواضيع دقيقة تتعلق بصحة الدماغ. وهنا يعلّق مكتبي شارحاً: «بالفعل هذه الحلقة الافتتاحية حققت نجاحاً لافتاً، ما منحني دافعاً قوياً للاستمرار في مشروعي. لكن النجاح لا يأتي من فراغ، بل يتطلّب جهداً كبيراً، وعمل فريق متكامل. فإعداد حلقة واحدة يستغرق مني نحو ست ساعات. وأيضاً يدرك الأطباء اليوم أن الكثير مما كانوا يحاولون إيصاله لم يكن يصل بالشكل الصحيح، بسبب غياب الإعداد المناسب لطرح هذه المواضيع».

ويتابع أنه بعد حلقة الدكتور درويش توالت الحلقات مع أطباء متخصّصين في مجالات متعددة، بينهم أطباء قلب، وسموم إكلينيكية، وطب الأسرة، وخبراء في الطب التكاملي، والوظيفي. وحسب قوله: «تمكّن البرنامج من كسر العديد من المحرّمات الطبية، وكشف ما وصفه باللغة السرّية لأجسادنا، بما يساهم في تقليل المعاناة مع الأمراض، والحدّ من مخاطرها. كما تناول مواضيع مثل القلق، وإمكانية النوم خلال دقائق معدودة، ليحقق ما نسمّيه (ضربة المعلم) في تبسيط العلوم الطبية، وتقديمها بأسلوب جذاب، وسهل».

المثابرة مفتاح النجاح

من ناحية ثانية يذكر مكتبي أنه انسحب تدريجياً من الشاشة التقليدية، بحثاً عن محتوىً عربي يصل إلى جمهور أوسع في المنطقة، وبعيداً عن القيود المحلية. ويستطرد: «كنت أريد أن يصل صوتي إلى الجميع من دون استثناء»، قبل أن يعترف بأنه مرّ بفترات من الإحباط، والانكسار، وصلت حدّ فقدان الأمل.

ومن ثم يقول: «طرحت على نفسي علامات استفهام كثيرة، لكن الشغف لم يتوقّف. مهنتي علمتني رفض الاستسلام، فانطلقت في حوارات خارج لبنان، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج. صحيح أنني اقتربت من الاستسلام، لكنني انتفضت عليه بفضل الشغف، لأن المثابرة هي مفتاح النجاح».

هذا، وخلال حواراته مع الأطباء اكتشف مكتبي تفاصيل حياتية صغيرة قد تضرّ بالإنسان، أو تحسّن صحته بشكل كبير. إذ ينبّه: «هناك خمس مناطق تعرف بـ(الزرقاء) في العالم يتمتع سكانها بنمط حياة صحي مميّز. وبعد البحث في أسباب ذلك تبيّن أن الرابط الأساسي بينهم هو علاقتهم الوثيقة مع الطبيعة. لهذا أفكر جدّياً بالانتقال إلى إحدى هذه المناطق لأخوض تجربة العيش فيها. وربما تكون جزيرة إيكاريا في اليونان الأقرب جغرافياً إليّ، حيث يُلاحظ ارتفاع نسبة المعمّرين هناك».

نمط الحياة الصحي هذا يُعزى إلى النظام الغذائي المتوسطي الغني بالخضار، والأعشاب البرّية، والأسماك الطازجة، وزيت الزيتون، إضافة إلى النشاط البدني المستمر، والهدوء النفسي. ومن ثم يؤكد مكتبي على أهمية الرياضة، مشيراً إلى أن بناء العضلات لا يقل أهمية عن صحة أي عضو آخر في الجسم. ويلفت إلى أن الوحدة قد توازي ضرر تدخين 15 سيجارة، وحتى الجينات تتأثر بنمط الحياة، والغذاء. ولذا يشدّد على أهمية التنفس السليم في التخلص من التوتر، وضرورة الابتعاد عن السكر، لما له من تأثير سلبي على جودة الحياة، والصحة.

وعمّا إذا كان برنامجه «إحكي طب» ينبع من خوفه من التقدم في العمر، جاء رده: «لا أخاف التقدم في السن، لكن أمراض الشيخوخة تثير قلقي. لذلك أبحث عن نمط حياة يحميني من أمراض مثل ألزهايمر. لست مثالياً في أسلوب حياتي، لكنني أحاول تغيير الكثير من العادات، خصوصاً السلبية منها».

عش أفضل وفكّر أكبر

وبالفعل يتّخذ مكتبي شعاراً ثابتاً في حياته ينطلق منه في مشاريعه الإعلامية، والإنسانية: «عش أفضل وفكّر أكبر». ويضيف: «سأواصل طريقي بهذا الشعار حتى إشعار آخر، لأن ما أحارب من أجله يستحق هذا النوع من التفكير. أخطط لمشاريع إنسانية جديدة ترتكز على قصص حياة غير مألوفة، وأعتقد أن القصة المقبلة ستكون من أجمل ما التقيته في مسيرتي».

مكتبي: البودكاست ظاهرة إيجابية لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد

عاجل مونديال 2026: فرنسا إلى دور الـ32 بثنائية جديدة لمبابي في مرمى العراق