أكاديميون وباحثون عرب: المناهج النقدية في تراجع

الإبداع إذ يكسر قوالب المدارس

د. مصطفى الضبع - د.خولة شخاترة - د.حافظ المغربي
د. مصطفى الضبع - د.خولة شخاترة - د.حافظ المغربي
TT

أكاديميون وباحثون عرب: المناهج النقدية في تراجع

د. مصطفى الضبع - د.خولة شخاترة - د.حافظ المغربي
د. مصطفى الضبع - د.خولة شخاترة - د.حافظ المغربي

حين تقتني قطعة فنية فإن ما يهمك هو جماليتها ولا يهمك طريقة أو آلية صنعها... كذلك هي المادة التي تقرأها حول عمل إبداعي، لا يهمك بصفتك قارئاً عادياً إلى أي مدرسة نقدية تنتمي هذه الدراسة، ولا إن كان الناقد قد طبق فيها المعايير المدرسية وفق مسميات المدارس النقدية الشهيرة.. أنت بصفتك قارئاً لا تهتم بهذه التفاصيل المدرسية، لكن النقاد المتخصصين يعرفون هذه التفاصيل بحكم دراستهم أو اطلاعهم ويميزون إلى أي من المدارس تنتمي هذه الكتابة أو تلك. والسؤال الذي نطرحه في هذا التحقيق هو:
هل ما زالت المدارس النقدية الكلاسيكية كالبنيوية أو التفكيكية أو الواقعية، وغيرها من مدارس النقد، تُطبق فعلاً بمفهومها المدرسي أو الأكاديمي على الأعمال الأدبية، أم أنها أصبحت مجرد مصطلحات رصينة تتربع على صفحات المراجع للدراسة فقط وللتاريخ؟ وإن كان كذلك، فما الأسس التي يعتمدها النقاد اليوم؟
الناقد الدكتور مصطفى الضبع، ‏وكيل كلية دار العلوم بجامعة الفيوم وأستاذ الأدب العربي الحديث بالجامعة الأميركية بالقاهرة‏، لديه سلسلة كتابات نقدية على درجة من الأهمية، ويعد حالياً لمعجم نقدي عن الشعراء المعاصرين، طرحنا عليه السؤال فأجاب بأن «المناهج النقدية العربية في تراجع، والأسباب متعددة ليست تخص المناهج في حد ذاتها، وإنما تتشارك مجموعة من العوامل في تسجيل تراجعها». ويفصل الدكتور مصطفى الضبع الموضوع بشكل أدق فيقول: «هي عوامل تخص النقاد العرب الذين وقد عملوا على هذه المناهج دون محاولتهم قراءة الأعمال الإبداعية الغربية التي كانت مرجعية لهذه المناهج؛ مما جعلها مناهج مستنبتة في غير موطنها. الأكاديميون منهم طبقوا المناهج بطرائق آلية ميكانيكية جعلها تبدو جافة، وغير الأكاديميين نحّوها جانباً، وفضّل معظمهم البقاء على طرائقهم القديمة في تناول النصوص.
والأكاديمية العربية لعبت دوراً رباعي الأبعاد حين عمدت إلى تقديم هذه المناهج بطريقة آلية جافة أولاً، وهي لم تعد طلابها إعداداً جيداً لتقبل مثل هذه المناهج ثانياً. وحين تعامل باحثوها مع هذه المناهج بطريقة الموضة جاء التناول سطحياً لا عمق فيه. ورابعاً وحين انقسم نقادها إزاء هذه المناهج؛ إذ انقسم الأكاديميون إلى فريقين: فريق تقبّل هذه المناهج ويمثله جيل الأساتذة المبشرين بها، ويحسب لهم الترويج لها وتطبيقها، غير أنهم لم يعدوا أجيالاً تالية كان عليها أن تطور المناهج ضماناً لاستمرارها، وفريق رفض هذه المناهج واعتبرها رجساً من عمل الشيطان حتى أن بعضهم نسف الحداثة وكل مناهجها بمقولات أخلاقية حين وضعها تحت سيف الحرام.
والأجيال الجديدة: ويمثلون ثلاث فرق: الأول الأقل يجتهد في تطوير هذه المناهج، الثاني تعامل معها بوصفها مجرد موضة لتصدير إعلان حداثيته، الثالث اعتنق مذهب أساتذته الرافضين ونحّاها جانباً.
والصحافة الأدبية: حين تخلت عن رسالتها في تقديم مشروع نقدي من شأنه إنتاج جيل من النقاد يطور مفاهيم النقد، أي صحيفة أو دورية عربية يمكنها الآن طرح مثل هذا المشروع الذي يجب أن يقوم على النقد التطبيقي قبل النظري فالنظريات تتحقق في التطبيق والناقد الحقيقي هو من يشتبك مع النص لا مع النظرية.
الدكتورة خولة شخاترة، وهي أستاذة مشاركة في جامعة جدارا الأردنية، تعتقد أن هذا السؤال له اتساع كبير المدى، ويحتاج - حسب قولها - إلى الكثير من الاطلاع لاستقراء ما نشره النقاد، لكن مع ذلك فهي تجيب: «في حدود علمي المتواضع أن التطبيق المدرسي أو الأكاديمي كان يتم في مراحل سابقة... أكثر بكثير من الدراسات الحالية... وبخاصة من النقاد الذي ينتمون إلى مؤسسات أكاديمية، ولا سيما أنهم ينشرون هذه البحوث أو الدراسات في مجلات محكمة تراعي في الأغلب الأعم تطبيق منهج علمي أو منهج نقدي والتقديم النظري له. ولا أدري على وجه الدقة هل كانت الروح العلمية والرغبة في تطبيق المنهج النقدي بحرفيته وراء هذا التطبيق أو الالتزام؟ أو الرغبة بالتقيد بتعليمات المجلات التي ينشرون فيها؟ مع الأخذ بعين الاعتبار أن التطبيق الأكاديمي لهذه المدارس على أعمال أدبية تجاوزت هذه المدارس بمراحل، فتحولت بعض الدراسات إلى جداول ومعادلات وأقواس خاصة عند تطبيق البنيوية.
وهي ترى بأن هذه المدارس لم تتمكن من الدخول إلى العمل ودراسته الدراسة التي يستحقها، يضاف إلى ما سبق - حسب رأيها - أن هذه المناهج في بعضها لا تصلح من الأساس لدراسة العمل فتكون النتيجة تشويها للعمل الأدبي أكثر منه دراسة وتحليل.
وتضيف: «كأن الهدف هو تطبيق المنهج وليس توظيفه لخدمة النص. ومع أن هذه الممارسات ما زالت قائمة، لكن ربما بشكل أقل إلا أن المطلع قليلاً يجد أن بعض النقاد يبحث عن مفاتيح جديدة تصلح للولوج إلى عالم النص من خلال القراءة والاطلاع والمران بالدراسة التطبيقية بعيداً عن التنظير وحده. فيوظف قراءته المتعددة ومرجعياته الثقافية المختلفة في قراءة العمل الأدبي ودراستها... فبدأ الاهتمام بنظرية القراءة والتلقي، والالتفات إلى السرديات، ونظريات الحجاج وعلاقتها بالبلاغة، والدراسات النصية... وكل ما من شأنه دراسة الوجوه المتعددة للعمل الأدبي. فكل عمل أدبي حمّال أوجه ويتطلب من الباحث عناية فائقة وبحثاً جاداً وقراءة عميقة واختيار منهج له القدرة على فك مغاليق العمل الأدبي وليس مجرد كتالوج جاهز نضعه على كل نص. تطبيق مشروط باستدعاء النص».
الدكتور حافظ المغربي، ‏أستاذ النقد الأدبي السابق لدى ‏جامعة الملك سعود، وأستاذ ورئيس قسم البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن‏ لدى ‏جامعة المنيا حالياً، يفصّل الأمر ويفرق ما بين مفهوم المصطلحات النقدية، ثم يطرح رؤيته:
‏ لا يمكن أن نطلق على منهج بأنه كلاسيكي إلا إذا اعتبرته بالمقاييس الغربية قديماً مثل البنيوية التي ظهرت في عشرينات القرن الماضي، ثم إن هناك خلطاً في المصطلحات، فالتفكيكية ليست بمنهج، بل ذرائع لغوية لتفكيك اﻷنساق القارّة على مستوى الأداة والرؤية على أساس دحض فكرة الحقيقة الثابتة، فالحقيقة وفق تغير الدوال مرجأة دوما بتعدد قراء النص.
التفكيكية ضد منهج البنيوية بمفهوم أن المنهج له أطر نظرية تعد مدخلات تفضي إلى مخرجات من خلال تحليل بنى نص يقتات من ذاته، يموت مؤلفه وتموت معه أي تداعيات تاريخية أو اجتماعية أو سيرية، وفق المفهوم البنيوي، فلا شيء خارج النص كما يقول رولان بارت... وإن كذب مفهومه وقوض البنيوية؛ التحليل النصي من خلال آلية التناص التي تتواشج مع تفكيكه. ويضيف الدكتور حافظ المغربي: أما عن الواقعية، فهي ليست بمنهج ولا يجب أن نخلطها بمفهوم الكلاسيكية، فهي مذهب آخر مغاير لها تماماً، إن الواقعية واقعيات وكل واقعية لها منهجها الخاص بها كالواقعية الاشتراكية التي سادت في مصر ردحاً طويلاً من الزمن، فالمذهب إذن يضم عدداً من المناهج والنظريات.
أما عن سؤالك حول قابلية تطبيق هذه المذاهب والمناهج والنظريات على النصوص؛ فهي من حيث المبدأ قابلة للتطبيق؛ بشرط أن يستدعيها النص على مستوى الرؤية واﻷداة. فالنص - والنص وحده - هو السيد في الدراسات النقدية التطبيقية. فنحن لا نفسر المنهج على النص عنوة... بل النص هو من يستدعي منهج قراءته في مراودة لطيفة.



مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.