تراجع عدد الروهينغا الفارين من ميانمار

رئيسة وزراء بنغلاديش تطالب بعودتهم إلى ديارهم تحت إشراف الأمم المتحدة

خيام نصبت أخيراً للروهينغا في بنغلاديش (أ.ب)
خيام نصبت أخيراً للروهينغا في بنغلاديش (أ.ب)
TT

تراجع عدد الروهينغا الفارين من ميانمار

خيام نصبت أخيراً للروهينغا في بنغلاديش (أ.ب)
خيام نصبت أخيراً للروهينغا في بنغلاديش (أ.ب)

ذكرت منظمة الهجرة الدولية، أمس الجمعة، في جنيف، أن أعداد لاجئي مسلمي الروهينغا الوافدين إلى بنغلاديش تراجعت لتصل إلى ألفي شخص في اليوم. وفي وقت سابق من الأسبوع الجاري، ذكرت المنظمة التابعة للأمم المتحدة أن المتوسط اليومي لوصول اللاجئين الجدد يبلغ 20 ألف لاجئ، يفرون من أعمال العنف في ولاية راخين بميانمار.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن هناك حاجة لنحو 200 مليون دولار خلال الشهور الستة المقبلة، لمساعدة الروهينغا الذين هربوا إلى بنغلاديش من ميانمار «بأعداد هائلة» خوفا على حياتهم. وتواجه بنغلاديش ومنظمات إنسانية صعوبات جمة لتقديم يد العون إلى 422 ألفا منهم وصلوا منذ 25 أغسطس (آب)، بسبب الحملة العسكرية الدموية التي تعرضوا لها من قبل جيش ميانمار والسكان البوذيين، ووصفتها الأمم المتحدة بأنها تطهير عرقي.
وقال روبرت واتكينز، منسق الأمم المتحدة في بنغلاديش، في مقابلة مع «رويترز» في مكتبه بالعاصمة دكا، أمس الجمعة: «في الوقت الراهن نسعى لجمع 200 مليون دولار». وأضاف أن المبلغ سيغطي فترة ستة شهور. ومضى قائلا: «نطلق هذه المناشدات بناء على الحاجات الفورية، وفي الوقت الحالي نعرف أنها ستستمر لمدة ستة أشهر».
وترفض ميانمار اتهامات التطهير العرقي، وتقول إن قوات الأمن تقاتل مقاتلي جماعة جيش إنقاذ الروهينغا في أراكان، التي أعلنت مسؤوليتها عن هجمات على مراكز للشرطة ومعسكر للجيش. وقالت الأمم المتحدة إن ردة فعل الجيش على هجمات المقاتلين هو تطهير عرقي يهدف إلى طرد الروهينغا خارج البلاد ذات الأغلبية البوذية.
وقال واتكينز إن تدفق اللاجئين منذ 25 أغسطس كان أكبر كثيرا من موجات النزوح الناجمة عن التطهير العرقي في يوغوسلافيا السابقة خلال التسعينات. وأردف: «إن الأمر مختلف هنا؛ لأن الأعداد أكبر بكثير. أعداد هائلة في هذه الفترة القصيرة».
وتابع: «بالتأكيد لا نريد التخطيط لعملية مدتها عشر سنوات؛ لأننا نريد أن نبقي على الأمل في أن تكون هناك طريقة ما للتفاوض على عودة السكان. لا يمكن أن نخطط للمستقبل البعيد لأنها قد تتحول إلى نبوءة تتحقق ذاتيا. من الناحية السياسية يبعث ذلك بإشارة قوية لا نريد إرسالها، وهي أن الناس سيبقون هنا لفترة طويلة».
وطالبت رئيسة وزراء بنغلاديش الشيخة حسينة واجد، في خطابها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بالسماح للاجئين «الجوعى واليائسين» الذين فروا إلى بنغلاديش بالعودة إلى وطنهم ميانمار. وأضافت: «يجب أن يكون هؤلاء الأشخاص قادرين على العودة إلى وطنهم في سلام وأمن وكرامة». وشكرت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي وصف معاملة ميانمار للروهينغا بأنها «تطهير عرقي»، لجهوده في تسليط الضوء على محنتهم. كما دعت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى إيجاد حل دائم للأزمة. وقالت حسينة: «إن ميانمار يجب أن توقف بشكل غير مشروط العنف وممارسة التطهير العرقي في ولاية راخين فورا وللأبد». وأضافت: «أطالب بإرسال بعثة من الأمم المتحدة إلى ميانمار» وبإقامة «مناطق آمنة» في هذا البلد «تشرف عليها الأمم المتحدة»، منددة «بزرع ألغام أرضية على طول الحدود» بين ميانمار وبنغلاديش، لمنع عودة الروهينغا الذين فروا من غرب ميانمار إلى بنغلاديش المجاورة.
ودعا قائد الجيش في ميانمار، يوم الخميس، النازحين في ولاية راخين للعودة إلى منازلهم وإعادة بناء قراهم، من دون أن يتطرق إلى 422 ألفا من الذين فروا إلى بنغلاديش هربا من العمليات العسكرية التي شنها جيشه. وقال الجنرال مين أونغ هلينغ في خطاب مهم بشأن خططه لولاية راخين، في أول زيارة له إلى المنطقة منذ اندلاع الصراع، إن الجيش تعامل مع الوضع بأفضل ما يمكن. وتعتبر ميانمار الروهينغا مهاجرين غير شرعيين، ومعظمهم لا يحمل الجنسية.
ولم يتطرق قائد الجيش إلى التطهير العرقي، في خطابه أمام تجار ومسؤولين وعدد من النازحين في مدينة سيتوي عاصمة ولاية راخين. وقال: «فيما يتعلق بإعادة تأهيل قرى المجموعات العرقية المحلية، يتعين أولا على أفراد هذه المجموعات العودة إلى منازلهم».
والمجموعات العرقية المحلية هي تعبير يستخدمه المسؤولون المحليون في ميانمار للإشارة إلى أفراد الجماعات العرقية الأصلية المعترف بها رسميا، الذين يمثلون جزءا من التنوع في البلاد. ولا تعترف ميانمار بالروهينغا مجموعة عرقية محلية؛ بل تعتبرهم مهاجرين غير شرعيين لا يستحقون جنسيتها.
وقالت زعيمة ميانمار أونغ سان سو تشي، في أول خطاب لها للشعب بشأن الأزمة، يوم الثلاثاء، إن ميانمار مستعدة لبدء عملية التثبت من هويات اللاجئين تمهيدا لإعادتهم، بموجب اتفاقية عام 1993 مع بنغلاديش. وقالت: «اللاجئون من هذه الدولة سيتم قبولهم من دون أي مشكلة». ومن جهته لم يأت مين أونغ هلينغ على ذكر عودة اللاجئين من بنغلاديش.
وفي دكا، قالت منظمة الهجرة الدولية، إن وكالات المساعدات تلقت 100 طن من مواد الإغاثة التي أرسلتها السعودية للاجئي الروهينغا. وأرسل مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية إمدادات تحتوي على غذاء وخيام، للذين يعيشون في كوكس بازار.
وقال محمد عبدكير، مدير العمليات والطوارئ بالمنظمة: «هذه الحمولة الجوية، التي نأمل في أن تكون الأولى بين كثيرات، ستوفر لنحو 850 عائلة الخيام والسجاد والأسرّة لحمايتهم من الأمطار اليومية والحر الشديد». وأضاف أن كثيرا من هذه العائلات ما زالوا يعيشون في العراء من دون مأوى ملائم أو غذاء أو مياه نظيفة. يشار إلى أن عدة دول إسلامية آسيوية وشخصيات دولية وجهت انتقادات حادة لميانمار ورئيسة حكومتها أونغ سان سو تشي، على خلفية أعمال العنف التي تتعرض لها أقلية الروهينغا، وذلك بالتزامن مع دعوات لتجريدها من جائزة «نوبل».
وقالت سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، نيكي هيلي، أول من أمس، إن واشنطن تشعر بالقلق بسبب «الفواجع» في ميانمار التي يتأثر بها مسلمو الروهينغا، وإن السلطات الأميركية تدعو زعيمة الحكومة سو تشي وقادة الجيش لوقف الحملة. وأضافت للصحافيين: «لم نكتف بدعوتها فحسب، وإنما دعونا الجيش أيضا». وقالت إن رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال جوزيف دنفورد، اتصل بقائد جيش ميانمار ليقول له إن «هذا لا يمكن أن يستمر».



أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.