ضرورات المصالحة الفلسطينية... وألغامها

هل تنهي مصر عقداً من الانقسام والاتفاقات الفاشلة؟

ضرورات المصالحة الفلسطينية... وألغامها
TT

ضرورات المصالحة الفلسطينية... وألغامها

ضرورات المصالحة الفلسطينية... وألغامها

لا أحد يعرف بالضبط ما إذا كان الاتفاق المبدئي في القاهرة على إنهاء الانقسام الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية، سيترجم على الأرض. فلقد اختبر الفلسطينيون عقدا من الاتفاقات، بدا أن كل واحد منها «مهم» بسبب طبيعة الدولة التي رعته وتوقيته وظروف موقعيه، لكن أياً منها لم يرَ النور على قاعدة واحدة فقط حفظها الفلسطينيون عن ظهر قلب، تقول إن «الشيطان يكمن في التفاصيل». واليوم يتربص «الشيطان» بالموقعين في قضايا صعبة ومعقدة ومتعددة، ربما تحول حلم إنهاء الانقسام إلى كابوس انفصال، أو في أحسن الأحوال استمرار إدارة الانقسام.

ليس سرا أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) أراد أن يذهب إلى مجلس الأمن الدولي ويطلب دولته، وهو يسيطر عليها فعلا. أي بالمعنى المجازي أن يكون رئيسا لكل الشعب الفلسطيني، وليس لنصفه فقط، كما تقول إسرائيل، وهي ترد على كل شخص يطلب منها عقد سلام مع الفلسطينيين.
بالنسبة لعباس، ما الأفضل من أن ينهي مرحلة مهمة وطويلة ومعقدة في تاريخه، منهيا عقدا من الانقسام ومستعيدا الوحدة الوطنية؟
ليس سرا أن حركة حماس التي خسرت حلفاء طالما كانوا مصدر تمويل كبير لها، وعزّزوا حكمها لقطاع غزة، لم تعد تستطيع تحمل عبء القطاع الذي يعاني يوميا من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، في حين لا يجد الناس كهرباء ووقودا وماء، وسط حصار صعب وخانق ومستمر يحول حياة الناس إلى كابوس لا يطاق.
قد يبدو ظاهريا أن هذه هي الأسباب التي حركت طرفي الانقسام من أجل إنهائه؛ لكن مراقبين يرون أن ثمة ما هو أكثر.

دوافع حماس
يقول المحلل السياسي والكاتب خليل شاهين لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «كل طرف له أسبابه. حماس وصلت إلى نقطة فشل ذريع في إدارة غزة، بسب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة في القطاع، وثانيا الإجراءات التي اتخذها الرئيس. خطة الرئيس كانت تهدف مع نهاية العام للوصول إلى (إنفاق صفر)، هذا الموضوع زاد الأعباء بشكل كبير. لم تستطع حركة حماس احتمال أن تعيش هذا المأزق في ظل أنها فقدت كثيرا من الموارد المالية الخارجية».
وأضاف شاهين: «العامل الثاني، أن حماس كانت تعتقد أن وثيقتها السياسية ستشكل مفتاح بوابة دخولها إلى حلقات إقليمية ودولية وهذا لم يتحقق. والثالث أن الحركة بالغت في النتائج المتوقعة من الانفتاح على مصر، واتضح أن مصر تتعامل بحذر... تختبر حركة حماس وتقابل كل خطوة تقوم بها حماس بخطوة مقابلة. تريد مصر عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة. وأصبح من الواضح بالنسبة لحماس أنه لا يمكن أن تستكمل العملية مع مصر إلا بدخول عباس إلى غزة». وأردف: «ثم إن حماس اكتشفت أن الرهان على تيار محمد دحلان، القيادي السباق في فتح، قد فشل. كان لا يمكن أن يُحمّل دحلان كل مشكلات قطاع غزة. وإنما مبالغ متواضعة موجهة إلى مشروعات صغيرة ومصالحة مجتمعية».
ثم تابع: «أيضا هناك قيادة جديدة، وهذه القيادة الجديدة محلية، ومركز الثقل فيها، أي القرار، عاد إلى غزة، وهذا مهم. القيادة الحالية لحماس أكثر حساسية للمشكلات التي يعيشها قطاع غزة، وهذا أصبح على رأس أولوياتها». ومن وجهة نظر شاهين، فإنه «بعد كل ذلك اقتنعت حماس بأن عليها أن تتوجه إلى العنوان الأول للمصالحة، وهو الرئيس عباس الذي ما زال يمسك بالنظام السياسي على مستوى منظمة التحرير والسلطة، وهي مؤسسات تسعى حماس أن تدخل إليها».
تفسر هذه الأسباب الإعلان المفاجئ من قبل حركة حماس، في العاصمة المصرية القاهرة الأسبوع الماضي، حول حل اللجنة الإدارية التي شكلتها الحركة قبل شهور لإدارة قطاع غزة، وقبول انتخابات عامة، بل تفسر أيضا دعوة حماس لحكومة التوافق بالحضور فورا إلى غزة. ولم تكتف حماس بإعلان حل اللجنة الإدارية التي شكلتها في القطاع، بل راحت أيضاً تمارس ضغوطا لاستعجالها، معلنة أن الوزارات الحكومية في القطاع باتت في حالة فراغ حكومي. وهذا الإعلان دليل واضح على أن الحركة تريد التخلص من عبء غزة اليوم قبل الغد.

... وأسباب عباس
في المقابل، إذا كانت هذه أسباب حماس وسر استعجالها الحكومة، فإن لعباس أيضا أسبابه وتكتيكاته. وهنا يرى شاهين أنه «بالنسبة لأبو مازن، فقد اكتشف أن الرهان على نتائج سريعة لخطته لإجبار حماس على التخلي عن الحكم لم يكن بمكانه، وأيضا لقد أدرك أن إجراءاته تسببت في خسارته لبعض القاعدة الفتحاوية في غزة، وأصبح جزء منها يتوجه إلى تيار دحلان. وفتح تدرك أنه لا يمكن أن تتحدث عن انتخابات وهي تخسر قاعدتها في غزة». وأضاف أن الأهم هو أن الرئيس عباس يعرف أن هذا الحراك السياسي لن يقود إلى شيء، ولن يجلب له الحد الأدنى من المطالب. وفي الحالتين «فشلت هذه الجهود أو نجحت يحتاج الرئيس إلى أن يظهر كقائد شرعي للشعب الفلسطيني ويقود نظاما موحدا، ويسحب الذرائع الإسرائيلية بعدم وجود شريك». ويرى شاهين أن استعادة مصر لدورها صعّب على عباس وحماس رفض هذا الدور.
صحيح أن الحركتين رحبتا بالدور المصري واتفقتا على تفعيل «اتفاق 2011» في القاهرة، الذي ينص على تشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وانتخابات للمجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، إضافة إلى إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، واتفقتا على حوارات قريبة في القاهرة من أجل ترجمة الاتفاق على الأرض؛ لكن كل ذلك لم يبعث الأمل الكافي لدى الفلسطينيين.

الأسئلة الصعبة واللغم المرتقب
في هذه الأثناء، يتساءل المواطنون الفلسطينيون العاديون إذا ما كان يمكن إنهاء الانقسام فعليا، بمعنى توحيد السلطة والوزارات وأجهزة الأمن تحت راية واحدة. ويقود هذا التساؤل الكبير إلى تساؤلات فرعية أخرى أكبر: هل تتنازل حماس عن دخولها المالية في قطاع غزة؟ هل تتنازل عن قبضتها الأمنية؟ هل تسمح للسلطة بالعمل بحرية وستعطي أجهزتها الأمنية القوة اللازمة؟ هل يمكن ذلك أصلا في ظل وجود آلاف المقاتلين للحركة من كتائب القسام؟ هل ستسمح حماس بأي نقاش حول سلاح القسام؟
وفي المقابل، هل ستسمح السلطة لحماس بشراكة بالطريقة التي تفكر فيها حماس؟ هل ستسمح لها بدخول منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني؟ هل ستغامر بالسلطة كلها في انتخابات عامة؟
لقد بنت حماس في غزة دولة - إذا جاز التعبير - يقابلها في الضفة دولة من نوع آخر، وكلا «الدولتين» تحت الاحتلال. وهنا يقول المحلل السياسي أكرم عطا الله: «الأهم في ملف المصالحة وصعوبة تحققها هو أن غزة التي أضحت محل الخلاف ومدخل المصالحة، خرجت منذ زمن من عباءة السلطة. وما نشأ هنا من بنية مدنية وعسكرية وثقافية في حالة تضاد تام مع بنية السلطة، ولا أحد يعتقد أن حركة حماس مستعدة لمناقشة ما تم بناؤه، ولا أحد يعتقد أيضاً بقبول الرئيس أبو مازن بما أنشأته حركة حماس».
وفي حواره مع «الشرق الأوسط»، قال عطا الله إن «الأمور ليست سهلة، لم يناقشا أي شيء بالآونة الأخيرة»، وأضاف: «هناك مشكلة. هناك ألغام. الرئيس لن يقبل بهذا الوضع في قطاع غزة. لن يقبل الخروج عن الاتفاقيات، أشك في قبوله بهذا الوضع القائم، إذا لم يتسلم سلطة بكل الصلاحيات فإني أشك بأنه سيقبل». وتابع: «هناك عقدة وهو الواقع في غزة. أنا أتحدث هنا عن سلاح الفصائل».
وتساءل عطا الله: «هل سيقبل أبو مازن أن يحكم في منطقة لا تدار بنموذج السلطة في الضفة؟ وهل تقبل حركة حماس النقاش بهذا الموضوع؟». وأضاف: «أعتقد أن المشكلة حقيقية... إنها أزمة الأزمات، واللغم الذي قد يفجر حوارات المصالحة، إنه لغم كبير»، واضعاً عملياً يده على واحد من أعقد الملفات التي يعتقد أنها سترحل لمرحلة لاحقة.
حالياً ترفع السلطة شعار «سلطة واحدة وسلاح واحد ومؤسسات واحدة»، وحتى في الضفة الغربية فككت السلطة في السنوات السابقة كل المجموعات المسلحة، بما في ذلك المجموعات التي تتبع حركة فتح؛ لكن هل هذا

ممكن في غزة؟
لقد استبق قادة حماس الأمر وقالوا إن سلاح المقاومة ليس للنقاش. وتوجد اليوم في غزة مجموعات مسلحة تابعة لحماس وللجهاد الإسلامي وللجبهتين الشعبية والديمقراطية، وحتى لحركة فتح. كما يوجد متشددون وجماعات مسلحة أخرى. وحول هؤلاء قال عطا الله: «هذا لغم كبير. لاحظ الاتفاقات السابقة لم تتطرق له. إنهم لن يتفقوا على أي قصية سياسية أو أمنية وإنما إدارية. اتفاقات الحكومة على معابر ورواتب وأشياء إدارية أخرى».
وحدة أم انفصال أم إدارة انقسام؟
يكفي تتبع ردة فعل حماس بعد خطاب الرئيس الفلسطيني في الأمم المتحدة قبل أيام، لاكتشاف أن الأطراف الفلسطينية متفقة في القضايا الإدارية فقط، وليس حول البرنامج السياسي. إذ هاجمت حماس خطاب عباس قائلة إنه «يحمل روح الإقرار بفشل مشروع التسوية والمفاوضات مع الاحتلال، ويحمل منطق استجداء حقوق الشعب الفلسطيني المقاوم الذي يرنو للانعتاق من الاحتلال بكل الوسائل المشروعة». وأضافت الحركة: «للأسف فإن أبو مازن لم يفرّق في خطابه بين مقاومة الشعب الفلسطيني باعتبارها حقاً أصيلاً في ظل الاحتلال... وبين الإرهاب المدان من قبل كل القوانين والأعراف الدولية؛ بل إن الاحتلال أحد أبرز أشكال الإرهاب».
إلا أن حماس رحبت بما أعلنه أبو مازن عن قدوم «حكومة الوفاق» إلى غزة؛ مؤكدة أنها ستعمل على إنجاح مهمتها وستستمر في خطوات المصالحة حتى تصبح واقعا ملموساً «كي يتفرغ الجميع للنهوض بالمشروع الوطني ومواجهة الاحتلال». لكن هل يعني الاتفاق على شؤون إدارية من دون الاتفاق على مسائل سياسية، أن الطرفين ماضيان في إدارة الانقسام؟
يرى عطا الله أن الأمر هذه المرة مختلف. وفي رأيه لم يعد ممكنا الاستمرار في إدارة الانقسام... «هذا التدخل المصري القوي سيكون حاسما، إما إنهاء الانقسام أو الانفصال». وحقاً، فالانفصال هو أحد أخطر الكوابيس التي تقض مضاجع الفلسطينيين. وهذا الهاجس حمله عباس إلى الأمم المتحدة حين كان يعلن للعالم أن عودة غزة لحضن الشرعية باتت قريبة. إذ قال عباس: «لا أحد أحرص منا على شعبنا في القطاع. لا دولة فلسطينية في غزة، ولا دولة فلسطينية دون قطاع غزة». وأضاف: «واليوم أعبر عن ارتياحي للاتفاق الذي تم التوصل إليه في القاهرة بجهود مصرية مشكورة. وفي نهاية الأسبوع المقبل ستذهب حكومتنا لممارسة مهامها في غزة».
لكن في مرة سابقة ذهبت الحكومة فعلا لممارسة مهامها في قطاع غزة، فاكتشفت «حكومة ظل» تسيطر عليها حماس، واكتشفت أنها لا تسيطر على القرار والمال ولا على المعابر، أو حتى على حاجز عسكري صغير. وبسبب هذه التجربة السيئة، طلبت فتح من مصر ضمانات. وقررت مصر إرسال وفد لمراقبة تطبيق انتقال السلطة. وأكد عزام الأحمد، مسؤول ملف المصالحة في حركة فتح، أن وفداً مصرياً سيصل إلى غزة قريباً لمراقبة تطبيق انتقال السلطة من حركة حماس إلى الحكومة الرسمية. وقال إن التفاهمات التي توصل إليها وفد فتح مع الجانب المصري نصت على أن ترسل مصر وفداً رسمياً إلى غزة لمراقبة تطبيق الاتفاق. وأضاف: «سيكون المصريون معنا في كل خطوة، وفي حال تراجع أي طرف عن التفاهمات، فإن مصر ستحمله المسؤولية».
هل يكفي هذا التهديد المصري لضمان تنفيذ الاتفاق؟ تثير العقبات الكثيرة كثيرا من الأسئلة والشكوك والتمنيات.

العقبات الأبرز
ملف الأمن هو واحد من أعقد الملفات التي لم تستطع الحركتان الاتفاق حوله حتى الآن. ويمكن وصف ملف الأجهزة الأمنية وفرض الأمن في غزة بالمشكلة الأكثر تعقيدا. وخلال سنوات طويلة من الانقسام عززت كل من فتح وحماس من قبضتها الأمنية في الضفة وغزة، ووظفتا عشرات الآلاف من الرجال الجدد، وفق تعليمات وعقيدة أمنية مختلفة تماما.
وفي الوقت الذي تفهم الحركتان فيه أهمية الأمن لأي نظام... تبدو الشراكة الأمنية شبه مستحيلة في المدى القريب أو حتى المتوسط. وفي سنوات سابقة ومفاوضات متقدمة، عندما طرح هذا الملف، اشترطت حماس من أجل أي ترتيبات أمنية، التبادل والتزامن، أي العمل على ترتيب الأوضاع في غزة والضفة معا، بمعنى أن عودة قوات الرئيس الفلسطيني إلى غزة تتطلب دمج حماس في الأجهزة الأمنية في الضفة. وهذه المسألة هي في حقيقة الأمر أكثر تعقيدا وأكبر مما تتمناه حماس وفتح حتى.
عملياً لا يمكن لعناصر من حماس العمل في أجهزة أمن الضفة... ولا عناصر من فتح العمل في أجهزة الأمن التي تديرها حماس في غزة، بسبب التعقيدات السياسية والأمنية والحزبية كذلك. ثم إن السلطة لن تتحمل تفريغ آلاف جدد يضافون إلى عشرات الآلاف من عناصر الأمن الذين يعملون في الضفة الغربية، وآلاف آخرين لا يعملون في قطاع غزة ويتلقون رواتب. ومن جهتها تريد حماس فورا تفريغ نحو 9000 عنصر أمن جديد تابعين لها، وهو ما ترفضه السلطة الفلسطينية.
ثم إنه لا يمكن إحكام القبضة الأمنية بالشكل الصحيح على قطاع غزة، في ظل وجود جيش كبير من كتائب القسام. وتمثل القسام درة التاج بالنسبة لحماس. ولا يوجد عدد دقيق لعناصر القسام؛ لكن تقديرات إسرائيلية تقول إنهم يفوقون 10 آلاف مقاتل. وراهناً تتحكم القسام في الحدود مع مصر وفي الحدود مع إسرائيل، وكذلك في الأجهزة الأمنية التي تحكم قطاع غزة الآن. كذلك فالقسام هي القوة المهابة رقم 1 في قطاع غزة، وهي التي ستقرر في نهاية المطاف إلى أي حد يمكن أن تعمل السلطة في غزة.
وكانت فتح قد طرحت سابقا أن تحتفظ القسام بسلاحها لكن من دون أن يكون ظاهرا، ورفضت حماس مناقشة سلاح المقاومة من أساسه. وبعد مفاوضات صعبة ومعقدة وطويلة سابقة تدخلت مصر وطلبت بقاء الوضع الأمني كما هو عليه لمرحلة لاحقة.

ملف موظفي حماس
وتريد حماس تفريغ نحو 43 ألف موظف مدني وعسكري فورا في حكومة رامي الحمدالله، عندما تتسلم قطاع غزة، لكن حركة فتح رفضت بذريعة أنه لا يمكن للحكومة استيعابهم دفعة واحدة. وتم التوافق سابقا على تشكيل لجنة إدارية لمعالجة هذا الملف. واقترح رئيس الحكومة الحمدالله على حماس لاحقا أن تسمح لموظفي السلطة بالعودة إلى أعمالهم، ثم يتم بعد ذلك حصر الشواغر في كل الوزارات، على أن تكون الأولوية في التوظيف لموظفي الحركة، ويتم صرف مكافآت للباقين؛ لكن حماس رفضت. وهاجم موظفو حماس بنوكا دفعت الرواتب لموظفي السلطة، ثم حاصروا وزراء جاؤوا من رام الله إلى غزة من أجل معالجة أمر الموظفين. وظلت السلطة تدفع رواتب لموظفيها وحماس تدفع رواتب لموظفيها.
منظمة التحرير والمجلس الوطني
ملف آخر شائك ومعقد، هو ملف منظمة التحرير والمجلس الوطني. وجدير بالذكر أن مسألة دخول حماس إلى المنظمة، ليست جديدة؛ إذ سبق أن عرض الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، الأمر على حماس حتى قبل إقامة السلطة، ووافقت حماس؛ لكن الخلاف الرئيسي كان يتمثل في حصتها آنذاك. إذ تريد حماس إجراء انتخابات المجلس الوطني، وتقول فتح إن انتخابات المجلس تحتاج إلى ترتيبات أوسع، ومع دول عربية وإسرائيل، وإنه يمكن البدء بانتخابات تشريعية ورئاسية أولاً.
ثم هناك برنامج حكومة الوحدة، وعنه تقول فتح إن البرنامج يجب أن يرتكز إلى برنامج منظمة التحرير الفلسطينية لكي تصبح الحكومة مقبولة لدى العالم. وترفض حماس ذلك، وتقول إنه يجب أن يستند إلى المقاومة.

تاريخ من الاتفاقات التي لم تر النور
> اتفاق مكة عام 2007: وقعت الحركتان اتفاق تشكيل حكومة وحدة في ظل اقتتال داخلي، وبعد شهور سيطرت حماس على قطاع غزة، وتعمق الانقسام.
> اتفاق اليمن 2008: وضع الطرفان وثيقة مصالحة؛ لكنهما اختلفا على تفسيرها ولم ينجحا في تنفيذ أي بند.
> حوار دكار 2008: اتفقا على بدء حوار أخوي بإشراف الرئيس السنغالي؛ لكنهما لم يتابعا ذلك وظل الأمر إعلاناً فقط.
> اتفاق القاهرة 2009: بعد سلسلة لقاءات، طرحت مصر ورقة مصالحة تدعو إلى انتخابات، وبعد خلاف حول الورقة تم تجميدها.
> لقاء دمشق 2010: أعلن الفصيلان أنهما قريبان من اتفاق جديد، وجلسا مرات ولم يعلناه.
اتفاق المصالحة 2011: أعلن الفصيلان من القاهرة الاتفاق على تشكيل حكومة مستقلين، وإجراء انتخابات عامة، لكن لم يتم تشكيل الحكومة بسبب خلافات حول قضايا جوهرية متعلقة بالحكومة وعملها وبرنامجها وأجهزة الأمن... إلخ.
> إعلان الدوحة 2012: الرئيس عباس ومسؤول حماس خالد مشعل يعلنان اتفاقاً بتشكيل حكومة وانتخابات؛ لكنه لم ير النور بسبب استمرار الخلافات.
> لقاء القاهرة 2012: لبحث وضع آلية تطبيق لاتفاق الدوحة.
> اتفاق القاهرة 2013: تم فيه إعلان تطبيق اتفاق المصالحة، وبعد اختلاف في التفسيرات لم يحصل التقدم.
> اتفاق الشاطئ في غزة 2014: إعلان تشكيل حكومة مستقلين وإجراء انتخابات، وتم إثره إعلان اتفاق حكومة الوفاق التي ترأسها رامي الحمدالله، وبعد نحو شهرين بدأت الاتهامات بين الحكومة وحماس، إذ اتهمت الحكومة حماس بتشكيل حكومة ظل، واتهمت حماس الحكومة بتهميش غزة.
اتفاق القاهرة 2017 (الحالي): الاتفاق على تنفيذ اتفاق 2011، وتشكيل حكومة وحدة، والذهاب إلى انتخابات.



هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
TT

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)

المسؤول الإسرائيلي الذي يزور الولايات المتحدة هذه الأيام، يتعب. الأسئلة التي تُطرح عليه صعبة، بعضها لم يُطرح على الإسرائيليين حتى في دول معادية. على سبيل المثال: «إذا شئتم أن تعيشوا كل حياتكم على الحراب فهذا شأنكم، ولكن لماذا تريدون للولايات أيضاً أن تعيش مثلكم؟ تريدون منا مساعدات، مفهوم. لكن لماذا تريدون أن ندير نحن حروبكم، التي لا تنتهي؟ هل أنتم تريدون حقاً وقف المساعدات الأميركية، أم أن هذه مجرد تصريحات تضليلية يطرحها رئيس حكومتكم ويخدعنا بها؟ أنتم قوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، ولكن كيف ومتى سترون أن هناك قوى عظمى أخرى في هذه المنطقة، لا تقل عنكم أهمية، بل في قضايا عديدة هي أهم منكم؟ لدينا قائمة طويلة بمطالبكم منا ومن حلفائنا ومن المؤسسات والأطر التي يوجد لنا تأثير فيها. فماذا تعطون بالمقابل؟ إلى متى تريدوننا أن نقف معكم في مواجهة العالم؟ متى سنرى مبادرات إسرائيلية للسلام، تمكننا من الاستمرار في الدفاع عنكم أيضاً في المستقبل؟».

الأسئلة أعلاء مأخوذة عن شهادات إسرائيلية منشورة، تثير قلق كثيرين، خصوصاً وأنها صادرة عن «حلفاء إسرائيل المقربين»، كما يقول الجنرال في الاحتياط عاموس يدلين، الذي عاد أخيراً من زيارة طويلة من الولايات المتحدة. ومما قاله: «ثمة أزمة متفاقمة في الموقف الشعبي الأميركي تجاه إسرائيل. إنك تلمس فوراً أن هناك جبهة معادية لإسرائيل تجمع بين اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي والمعسكر الانعزالي في الحزب الجمهوري. وكلّما اتجهنا نحو الفئات العمرية الأصغر، اتسع نطاق هذه الظاهرة لتشمل بعض المعتدلين في الحزبين. وتزداد هذه الظاهرة حدةً في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق بين البلدين في الحرب ضد إيران، والمساهمة الإسرائيلية الكبيرة والمؤثرة في العمليات القتالية المشتركة».

يدلين يُعدّ من كبار المهتمين بالشؤون الاستراتيجية لإسرائيل. إذ شغل لسنين طويلة منصب رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي»، بعد خدمة طويلة في الجيش طالت لأكثر من 30 سنة، وتولى آخر منصب فيها رئيساً لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). والزيارة الأميركية المذكورة لم تكن زيارة عابرة، بل جاءت في إطار دراسة للعلاقات الأميركية - الإسرائيلية تعدّها منظمة «مايند يسرائيل»، التي يقودها، وكان معه مؤسس «المنظمة» الدكتور أفنر غولوب.

الرجلان يريان، كما ورد في مقال نُشر في موقع معهد الأبحاث المذكور، أنه «مقابل التقدير البالغ للجيش الإسرائيلي على شراكته الحرب مع الجيش الأميركي ضد إيران، وخارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس دونالد ترمب، تتشكّل جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين، تُصوّر إسرائيل على أنها (جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية)». بل حتى الذين يصفون هذا الادعاء بأنه لا أساس له من الصحة، يُقرّون بأن هذه حملة فعّالة للغاية، خاصة بين الشباب من كلا الحزبين. ولهذا السبب تحديداً؛ يجب على إسرائيل أن تُقدّم للولايات المتحدة رواية جديدة. ولا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين.

أيضاً، وفق المقال، «تحتاج تل أبيب إلى تعزيز نموذج جديد للعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يقتصر على تلقّي المساعدات، بل يشمل الشراكة؛ ولا يقتصر على الأمن فحسب، بل يشمل التكنولوجيا أيضاً؛ ولا يقتصر على الدبّابات والطائرات، بل يشمل أيضاً الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والمواد الحيوية، والتقارب الحيوي (مزيج من الهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي مع علم الأحياء)».

العلاقات الثنائية اليوم

معروف أن الدعم الأميركي لإسرائيل حالة نادرة في العلاقات الدولية. ففي المجال العسكري قدّمت واشنطن لإسرائيل غالبية الأسلحة التي تستخدمها في الحروب. وقد بلغ 69 في المائة حتى سنة 2023 وارتفع إلى 78 في المائة خلال الحرب على غزة ولبنان وإيران. وتمّول واشنطن هذا الدعم بمساعدات مالية، بلغ مجموعها 220 مليار دولار منذ عام 1948. وكذلك تجاوزت المساعدات الأميركية لإسرائيل 21.7 مليار دولار منذ بدء الحرب في غزة، لتضاف إلى المساعدات السنوية الاعتيادية البالغة 3.8 مليار دولار. بيد أن الأهم من الحسابات المالية في هذا الدعم هو «المبدأ» الذي تسير عليه، وهو «ضمان تفوق الجيش الإسرائيلي على جميع الجيوش العربية والجيوش المعادية في الشرق الأوسط».

في الولايات المتحدة يعتبر هذا دعماً للدفاع عن إسرائيل في مواجهة أعدائها. ولكن الحقيقة أن ثمة سبباً آخر، لا يقل أهمية، ألا وهو خدمة مصالح واشنطن في المنطقة. بالمناسبة، إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم، التي لا تعارض خوض حرب يُقتل فيها أبناؤها، لخدمة دولة أخرى. ولقد سبق أن فعلتها عام 1956 عندما شاركت في «العدوان الثلاثي» على مصر لخدمة مصالح فرنسا وبريطانيا، الغاضبتين من تأميم قناة السويس. وفعلتها بعشرات العمليات المغامرة، وراء الحدود، بواسطة عملاء «الموساد». ولقد عبّر المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، عن ذلك في يونيو (حزيران) 2025، خلال تصريح على هامش مشاركته بقمة «مجموعة السبع» في كندا، عندما أشاد بالضربات الواسعة التي تشنها إسرائيل على إيران وقال: «هذه مهمة قذرة تؤديها إسرائيل نيابةً عنّا جميعاً».

لكن المسؤولين الإسرائيليين لا يجرؤون على الاعتراف الصريح بذلك، مع أنهم يزعمون أن «إسرائيل تحارب الإرهاب الإيراني لمصلحة الغرب كله». ويفضلون وصف الدعم الأميركي لإسرائيل بأنه «استثمار مُجدٍ».

دبلوماسي إسرائيلي سابق أفاد بأن «كل دولار تصرفه الولايات المتحدة على إسرائيل تسترده بخمسة اضعاف على الأقل». وعدَّد فوائد إسرائيل للولايات المتحدة، من خلال دراسة أعدها ونشرها على موقع الجمعية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قائلاً: «إسرائيل تجرّب عشرات أنواع الأسلحة الأميركية في الحروب والعمليات العسكرية. ومنذ عام 1967، وهي تعمل كقاعدة عسكرية تعمل في خدمة العَلم الأميركي كأفضل قاعدة وأطول ذراع في الشرق الأوسط لخدمة مصالحها في وجه الأعداء والإرهاب وحتى لردع الصين وروسيا في المنطقة. ويكفي أن نعرف أن هناك اليوم 128 قاعدة أميركية في 51 دولة في العالم تكلفها مبلغ 70 - 80 مليار دولار في السنة، لكن لا توجد قاعدة كهذه في إسرائيل. لأنها كلها تعتبر قاعدة أميركية. وهي لا تكلف الجيش الأميركي سنتاً واحداً ولا يعمل فيها أي جندي أميركي». من هنا، فإن الدعم الأميركي بقيمة 3.8 مليار دولار «مبلغ متواضع جداً أمام الفوائد التي تجنيها من إسرائيل».


أُطلِقت أخيراً مبادرة تُوازن بين مكانة إسرائيل كما تعرّفها السلطات الأميركية وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي المنتقد لإسرائيل حالياً

المبادرة الجديدة

اعتماداً على هذا المنطق، يدرس الإسرائيليون مبادرة أُطلقت تُوازن بين مكانة إسرائيل، كما يعرّفها قادة البيت الأبيض والبنتاغون، وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي الذي يعادي إسرائيل اليوم.

المبادرة أُطلقت في الأسبوع الماضي بالتعاون بين «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل ابيب (INSS) ومعهد «مايند يسرائيل» وبين معهد أبحاث SCSP، الذي أسسه هنري كيسنجر والرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل» إريك شميدت، ويشارك فيها نحو 50 شخصية أميركية وإسرائيلية من السياسيين والعسكريين والباحثين والخبراء، الذين يدعون إلى بناء عملية ذات شقين: خفض تدريجي للمساعدات المباشرة لإسرائيل، بالتزامن مع بناء شراكة تكنولوجية واسعة النطاق.

يدلين وغولوب يشرحان هذه المبادرة، موضحين: «على الصعيد الأمني، يعني ذلك استثماراً مشتركاً في تقنيات الدفاع المستقبلية، ودمج إسرائيل في برنامج (القبة الذهبية) الدفاعي الأميركي. ويمثل هذا تحوّلاً من نموذج الرعاية - دولة راعية للأمن تتلقى مساعدات - إلى نموذج شراكة تكنولوجية عميقة من شأنها تعزيز وتعميق وتحصين العلاقة من خلال المساهمات الإسرائيلية للولايات المتحدة في صراعها ضد الصين».

ويصف الرجلان الرؤية الإسرائيلية للفكرة قائلَين: «أظهرت الحرب ضد إيران بوضوح أهمية إسرائيل كحليف أمني لواشنطن: إذ قدّمت إسرائيل قدرات استخباراتية وعملياتية وتكنولوجية جعلتها شريكاً استراتيجياً يقاتل، مُظهراً أداءً مذهلاً، إلى جانب أقوى قوة في العالم لتحقيق أهداف الحرب. وتساوت مشاركة القوات الإسرائيلية والأميركية في الهجوم والدفاع، وكانت مساهمة إسرائيل في إنقاذ الجنود الأميركيين مساوية لمساهمة الولايات المتحدة في حماية سكان إسرائيل. لم نلتقِ بمسؤول واحد إلا وأبدى تقديره للمساهمة الإسرائيلية في الحرب، وردّد تعريف البنتاغون لإسرائيل (حليف يُحتذى به). لكن، وبما أنه خارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس ترمب، تتشكّل راهناً جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين الكبيرين، تُصوّر إسرائيل على أنها جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية، علينا ان نحدث شيئاً يغيّر الصورة. على إسرائيل أن تُقدّم لواشنطن رواية جديدة. لا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين».

المعروف أن مفعول مذكرة التفاهم الحالية بشأن المساعدات الأميركية لإسرائيل ينتهي عام 2028. ولقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقاً - وكرّر ذلك هذا الأسبوع - أن على إسرائيل أن تُقلل اعتمادها على المساعدات الأمنية، وقد يكون هذا هو الهدف الصحيح على المدى البعيد.

لكن قلائل جداً في إسرائيل يصدّقون فعلاً بأنه جاد في التخلي عنها، وبخاصة الآن، في خضم أو حتى بعد الحرب ضد إيران. وحسب يدلين: «بالتأكيد إذا اختارت الولايات المتحدة في المستقبل تقليص وجودها في الشرق الأوسط أو التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران، فمن المنطقي الإبقاء على المساعدات العسكرية لعقد آخر، ليس فقط لمساهمتها في ميزانية الجيش الإسرائيلي، بل لأنها أصبحت رمزاً لالتزام أميركا بأمننا. ويمكن تفسير أي توقف مفاجئ لها في المنطقة على أنه تقويض لهذا الالتزام».

ويضيف يدلين وغولوب: «لقد رأت المؤسسة الأمنية الأميركية وإدارة ترمب مساهمة مباشرة في المصلحة الأمنية العليا لواشنطن عندما خاضت طائرات (إف -35) و(إف -15)، التي اشتريت بأموال المساعدات، معارك جوية مثيرة للإعجاب، ينفذها الطيارون الإسرائيليون جنباً إلى جنب مع القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية الأميركية. ولكن بعيداً عن الاستراتيجية الأمنية، ووفقاً لتقديراتنا في (مايند إسرائيل)، فإن المساهمة المباشرة للمساعدات الأمنية في الاقتصاد الأميركي تفوق قيمة المساعدات نفسها بأربعة أضعاف على الأقل. بل في النموذج الحالي، لا يتعلق الأمر كثيراً بـ(«مساعدة إسرائيل) بقدر ما يتعلق بالاستثمار الأميركي في منظومة أمنية تكنولوجية مشتركة؛ ولهذا السبب أطلقنا في واشنطن هذه المبادرة».

للعلم، كان معهد الأبحاث الإسرائيلي قد خصّص فصلاً من المبادرة للعمل على الصعيد المدني، لا العسكري فحسب. ويتضمّن الفصل تخصيص موارد متساوية لصندوق مشترك، بقيمة مليار دولار سنوياً لمدة عشر سنوات، يركز على تطوير أهم التقنيات الاستراتيجية للمستقبل.

وتشمل المشاريع الرئيسة التي برزت خلال المناقشات بين الفريقين الإسرائيلي والأميركي: إنشاء مصنع للرقائق الإلكترونية المتقدمة، الموجود حالياً في تايوان فقط؛ وتطوير قدرات البلدين في مجال الأمن السيبراني عبر الذكاء الاصطناعي، وجهود مشتركة لإنتاج ومعالجة المواد الحيوية التي يستخدمها قطاع التكنولوجيا وتسيطر عليها الصين بشكل رئيس، وتطوير الريادة في الحوسبة الكمومية وتطوير تقنيات الاندماج النووي لإنتاج الطاقة... وهي قدرات تضمن الاستقلال الاستراتيجي للبلدين ونفوذاً كبيراً على الساحة العالمية.

يهود أميركا يتغيّرون

على صعيد آخر، في إسرائيل قلق شديد من مكانتها عند يهود الولايات المتحدة، الذين يضاهي عددهم عدد اليهود في إسرائيل.

الباحثان الإسرائيليان تيد ساسون وإلزا زيلبرمان، ذكرا في دراسة جديدة لـ«معهد الأمن القومي» في تل أبيب أن «المجتمع اليهودي الأميركي يسهم إسهاماً كبيراً في الأمن القومي الإسرائيلي وتعزيز صمود المجتمع. فهو يدير شبكة قوية من المنظمات التي تُساعد في حشد الدعم لإسرائيل في المجالين الدبلوماسي والأمني. ويتبرع بمبالغ طائلة للنهوض بالفنون والعلوم والطب والتعليم والرعاية الاجتماعية في إسرائيل، ويُعدّ جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي الذي يُشكّل المجتمع الإسرائيلي. لهذه الأسباب وغيرها؛ يُشكّل وجود مجتمع يهودي أميركي قوي ومؤيد لإسرائيل رصيداً استراتيجياً حيوياً لدولة إسرائيل.

مع ذلك، تُشير مؤشرات عدة إلى ضعف هذا المجتمع وتراجع دعمه لإسرائيل»، مع: تزايد التباعد عن المجتمع اليهودي المنظم، وانخفاض عدد الأعضاء في المعابد اليهودية، وتراجع الإقبال على برامج التعليم اليهودي المكملة، وتناقص عدد المتبرعين لحملات الاتحادات اليهودية.

الباحثان رصدا انخفاضاً في عدد الشباب اليهود من الشتات الذين زاروا إسرائيل في السنوات الخمس الماضية بعشرات الآلاف مقارنة بالتوقعات. ويتزايد الجدل حول إسرائيل على خلفية الانتقادات الواسعة لإدارة الحرب في غزة، ولا سيما ارتفاع عدد الضحايا المدنيين، ونقص المساعدات الإنسانية، والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. وبشكل عام، وصل التعاطف مع إسرائيل إلى أدنى مستوياته منذ عقود، وخاصة بين جيل الشباب. وان الاستقطاب تتسع بين الفصائل اليمينية والليبرالية في مجال المناصرة والضغط المؤيد لإسرائيل، مع تصاعد التطرف لدى كلا الجانبين.


عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
TT

عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود

في أواخر مارس (آذار) الماضي، بدأت باكستان تموضع نفسها وسيطاً غير اعتيادي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين الطرفين، وراحت تنقل رسائل لوقف النار، انتهت بإعلان هدنة في 8 أبريل (نيسان)، وذلك بعد قرابة 5 أسابيع من القتال، ما زالت مستمرة حتى اليوم. وهي الآن تكمل لعب دور الوسيط الرئيس بين واشنطن وطهران بهدف التوصُّل إلى اتفاق نهائي يثبِّت الهدنة، ويهدف إلى تحقيق اتفاق حول برنامج إيران النووي. لقد فاجأت الوساطة الباكستانية هذه كثرة من المراقبين، لا سيما أن العلاقة بين إسلام آباد وواشنطن لم تكن يوماً علاقة ثقة كاملة بين حليفين يتشكِّك كلاهما من الآخر. وفي الماضي القريب، حتى انطلاق الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وبدء إيران باستهداف دول الخليج رداً على العملية التي أطلقتها واشنطن وتل أبيب ضدها، كانت دول في المنطقة مثل قطر وتركيا ومصر، تلعب دور الوسيط مع إيران. أيضاً، كان الاتحاد الأوروبي وسيطاً لسنوات بين واشنطن وطهران، وقاد المفاوضات التي تُوجِّت باتفاق نووي عام 2015 انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فترته الرئاسية الأولى عام 2018، ثم عاد الرئيس السابق جو بايدن ليطلق مفاوضات جديدة فاشلة، بوساطة بروكسل، لإعادة إحيائه. ولكن مع تحوُّل دول المنطقة إلى أهداف لإيران خلال الأشهر الماضية، ووصول حدة التوترات بين واشنطن والدول الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة، برزت إسلام آباد وسيطاً مقبولاً لدى طرفي النزاع. في قلب هذا التحوُّل، كان هناك رجل عزا إليه كثيرون تغيير الموقف الأميركي: المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني. وبمجهود شخصي، نجح منير في كسب ودِّ الرئيس الأميركي الذي يعوّل في كثير من الأحيان في علاقاته مع الدول، على بناء روابط شخصية مع قادتها، وفي حالة باكستان - التي لطالما لعب الجيش فيها دوراً محورياً في السلطة - مع مشيرها.

يطلق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على عاصم منير لقب «مشيري المُفضَّل». وخلال الأشهر الأخيرة الماضية، امتدحه أكثر من مرة بعبارات تراوحت بين «جنرال رائع وقوي»، و«رجل استثنائي»، و«مقاتل رائع». ولا يمر ذكر باكستان أو رئيس وزرائها على لسان الرئيس الأميركي من دون ذكر عاصم منير.

هذا الإعجاب الذي أبداه ترمب مراراً بالجنرال الباكستاني بدأ قبل سنة تقريباً عند اندلاع «حرب الأيام الأربعة» بين «الجارتين» اللدودتين النوويتين، باكستان والهند، على خلفية تفجير في كشمير الهندية.

يومذاك، أنحت نيودلهي باللائمة في التفجير على إسلام آباد، وردَّت بقصف مواقع عديدة لجيشها، ليبدأ تصعيد خطير بين الطرفين، انتهى سريعاً بجهود دبلوماسية أميركية. ومع أن نيودلهي رفضت الإقرار بـ«فضل» ترمب في إنهاء التوتر مع باكستان، وإعلانها أنَّ القتال إنما توقَّف بعد «حوار ثنائي»، فإنَّ إسلام أباد لم تترد بامتداح الرئيس الأميركي علناً، بل وترشيحه أيضاً لـ«جائزة نوبل للسلام».

وهنا يقول محللون إن باكستان استغلت فتور الرد الهندي على الوساطة الأميركية كي تتموضع في مكان أقرب لقلب ترمب ومزاجه. ولكن من هو عاصم منير؟

البداية والنشأة

وُلد عاصم منير في راولبندي عام 1968 لعائلة محافظة ذات جذور في جالاندهار، بشرق إقليم البنجاب، كانت قد هاجرت إلى باكستان بعد الانفصال عن الهند عام 1947.

ونشأ في بيئة دينية انعكست لاحقاً على شخصيته العامة وخطابه السياسي. فهو لا يتحدر من عائلة عسكرية، إذ كان أبوه معلماً في إحدى مدارس مدينة راولبندي وإماماً لمسجد. وخلال نشأته في راولبندي، العاصمة السابقة لباكستان، زاول منير رياضة الكريكت، وحظي بدراسة دينية مبكّرة في مدرسة إسلامية تقليدية. وبعدها، تحوَّل إلى منشد ديني، ويُقال إنه حفظ القرآن بشكل كامل إبان تدريبه العسكري.

وبالفعل، تلقَّى منير تعليمه العسكري في مانغلا، وتخرّج بتفوق، وهو ما وضعه مبكراً ضمن الضباط الذين يُنظر إليهم باعتبارهم «مشاريع قادة» داخل المؤسسة العسكرية.

ثم إنَّه تخرَّج في «مدرسة تدريب الضباط»، ومن ثم التحق بالجيش الباكستاني بعد تخرجه عام 1986، وبدأ الخدمة في وحدات ميدانية، ثم انتقل تدريجياً إلى مواقع أكثر حساسية، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والأمن. ومن ثم، ترقّى بسرعة ليصبح مديراً للاستخبارات العسكرية عام 2016، ثم أصبح المدير العام للاستخبارات الباكستانية عام 2018. وخلال هذه الفترة دخل في صراع مع رئيس الوزراء (آنذاك) عمران خان الذي أقاله من منصبه عام 2019... مُطلقاً صراعاً مفتوحاً بين الطرفين.

انضباط ميداني... وبروز في مجال الاستخبارات

هذا المسار المُبكِّر مهَّد لصورته كضابط يجمع بين الانضباط الميداني والخبرة الاستخباراتية. وكما سبقت الإشارة، منذ عام 2016 تولّى منير مناصب بارزة في الاستخبارات، وصولاً إلى قمة الهرم، وهو ما منحه وزناً سياسياً كبيراً داخل الدولة الباكستانية.

هذه المرحلة كانت مفصلية، لأنها صنعت له شبكة علاقات داخلية وخارجية، وعرّفته على ملفات أفغانستان والهند والإرهاب والتوازنات الإقليمية. إلا أن عمران خان أقاله عام 2019 من المنصب من دون إعلان الأسباب.

توليه قيادة الجيش

يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 أصبح عاصم منير رئيس الأركان الـ11 للجيش الباكستاني، وهو المنصب العسكري الأقوى في البلاد. ومنذ تلك اللحظة بدأ حضوره يتجاوز الإطار العسكري البحت، ليصبح لاعباً محورياً في السياستين الداخلية والخارجية لباكستان.

وبين عاميَ 2023 و2024، برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي، مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود. وعمل على توسيع قنوات باكستان مع الخليج والصين وتركيا، وإبقاء التواصل مع واشنطن مفتوحاً في إطار «تنويع التحالفات» بدل الارتهان الكامل لأي طرف.

أيضاً، منذ عام 2024 ارتبط اسم عاصم منير بمحاولات تهدئة الاقتصاد الباكستاني عبر دعم آليات لجذب الاستثمار ومكافحة المضاربة في سوق الصرف، بالتوازي مع اتساع دور الجيش في إدارة ملفات الدولة. وفي الداخل، أثار ذلك جدلاً بين مَن يرى فيه رجل دولة قوياً، ومَن يعدّه متوسعاً في مساحة التأثير السياسي.

بعدها، في مايو (أيار) 2025 رُقّي منير إلى رتبة مشير (فيلد مارشال)، وهي أعلى رتبة عسكرية في باكستان، في خطوة أكّدت حجم حضوره بعد اشتباكات باكستان والهند وتعاظم مكانته داخل النظام. وجعلت هذه الترقية من منير واحداً من أكثر القادة نفوذاً في تاريخ الجيش الباكستاني الحديث.

أكثر من هذا، في نوفمبر 2025 وافق البرلمان الباكستاني على تعديل دستوري يوسِّع دور رئيس أركان الجيش، ويضع القوات البحرية والجوية تحت سلطته، ووافق أيضاً على منح مَن يرقّون إلى رتبة 5 نجوم (فريق) حصانة قانونية مدى الحياة. وهكذا بات المشير يتمتع بحصانة تحميه من الملاحقات القانونية حتى بعد مغادرة منصبه.

العلاقة مع واشنطن

منذ عام 2025 تحوَّلت علاقة عاصم منير بواشنطن إلى عنصر سياسي مهم، مع تقارير عن لقاءات ومشاورات عزَّزت قنوات التواصل مع إدارة ترمب. وفي الوقت نفسه، برز اسمه في ملفات الوساطة الأميركية - الإيرانية، حيث نُظر إليه كقناة غير تقليدية قادرة على تخفيف التوتر الإقليمي عبر موقع باكستان إزاء الطرفين.

والواقع أنَّ العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد كانت قد بدأت تترمّم قبل أشهر، عندما سلّمت السلطات الباكستانية مطلوباً أفغانياً لواشنطن متهماً بالمسؤولية عن تفجير مطار كابل الدولي في عام 2021 في أثناء الانسحاب الأميركي ما أدى إلى مقتل 13 عسكرياً أميركيا آنذاك. وكان الفضل في تسليم المتهم وغيره من المطلوبين لدى الولايات المتحدة، يعود بشكل أساسي إلى منير نفسه. وبالفعل، حرص الرئيس ترمب على تقديم الشكر إلى باكستان، إبان الإعلان عن اعتقال المتهم، في خطوة كانت لافتة، خصوصاً بعدما وجَّه الرئيس الأميركي انتقادات لاذعة لها في ولايته الأولى، متهماً إياها بـ«الكذب والخداع» في التعاون بمسائل تتعلق بمكافحة الإرهاب.

زيارة البيت الأبيض

بالنتيجة، هذا الإعجاب المُتجدِّد من طرف الرئيس الأميركي، تُوِّج في يونيو (حزيران) العام الماضي باستضافة ترمب لرئيس الأركان الباكستاني في البيت الأبيض، للجنرال الذي كان قد رقّي بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند، إلى رتبة مشير، في زيارة غير مسبوقة. إذ ليس من المعتاد أن يستقبل البيت الأبيض قائداً عسكرياً من دون القيادة المدنية، ولكن هذا الحدث كان مؤشراً إلى أنَّ منير كان المُحرِّك الأساسي خلف إعادة إطلاق العلاقات الثنائية. ومع أنَّ الرجل شخصية عسكرية بشكل أساسي، فإنَّه لعب دور الدبلوماسي خلف الأبواب، معتمداً على التكتم، والعمل ما وراء الكواليس.

دور حساس وحيوي

بل لقد كان واضحاً، بعد لقائه ترمب، أنه نقطة التواصل الرئيسة لواشنطن مع إسلام آباد في مواضيع تتجاوز الترتيبات العسكرية والاستخباراتية. فبعد لقاء الرجلين في البيت الأبيض، أصدر الجيش الباكستاني بياناً كشف فيه عن أنَّ اللقاء استمرَّ ساعتين، وناقش مسائل تتعلق بالتجارة والعلاقات الاقتصادية والعملات المشفّرة، إضافة إلى التوترات بين إسرائيل وإيران. ولم تكن، حينذاك، قد اندلعت الحرب بين الطرفين، لكن ترمب أراد - كما يقول البعض - ربما الاستفادة من العلاقة المقربة للمشير بـ«الحرس الثوري الإيراني». وهو قال حقاً بعد لقائه به في البيت الأبيض: «الباكستانيون يفهمون إيران جيداً، بشكل أفضل منا، وهم لاعبون أساسيون في السلام بالمنطقة».

وبحسب ترمب أيضاً، فإنَّ السبب الرئيس لدعوة منير إلى البيت الأبيض كان لشكره على تخفيف التصعيد مع الهند. وكان لافتاً أن زيارة رئيس الأركان الباكستاني جاءت بعد أيام على زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وهو ما أشار إليه ترمب، مضيفاً: «نحن نعمل على اتفاقية تبادل تجاري مع الهند وباكستان». وما كان لافتاً في هذا الإطار أن ترمب اختار دعوة منير، وليس رئيس الحكومة الباكستاني، إلى واشنطن بعد رئيس الحكومة الهندي، والتشاور معه في أمور تتجاوز المسائل العسكرية.

وللعلم، عاد منير إلى البيت الأبيض بعد 3 أشهر، ولكن هذه المرة مع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف ليلتقيا معاً الرئيس الأميركي. وبدا واضحاً أن ترمب بات يرى في باكستان شريكاً موثوقاً، وليس ناقص الأهلية، كما كانت الحال في عهده الأول.


دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)
TT

دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)

يرى المراقبون، بكثير من الثقة، أن اللقاءات والعلاقة المتجددة لواشنطن مع باكستان، وبفضل رئيس أركان جيشها عاصم منير، عامل أساسي مهَّد الطريق أمام الوساطة التي لعبتها إسلام آباد عندما بدأت الحرب مع إيران. فهنا أيضاً قاد الوساطة المشير منير، الذي نجح في جمع الطرفين على طاولة المفاوضات يومي 11 و12 أبريل (نيسان) في إسلام آباد.

ولقد تحوّل اللقاء الذي شارك فيه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس رئيساً للوفد الأميركي، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباق رئيساً لوفد بلاده، إلى لقاء تاريخي مع أنه لم يتيسر تحقيق أي خرق أو اتفاق فيه؛ إذ كان المرة الأولى التي يلتقي فيها مسؤولون أميركيون وإيرانيون رفيعون بهذا المستوى منذ الثورة الإيرانية.

هنا كان المشير الباكستاني «نقطة الوصل» الرئيسة بين الطرفين والحاضر الثالث على طاولة المفاوضات. وهكذا حلّت إسلام آباد محل كل من فيينا وجنيف اللتين استضافتا جولات كثيرة بين المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. واستعيض عن الوسيط الأوروبي الذي كان الشريك الأقرب للأميركيين، بوسيط باكستاني.

أيضاً، على الرغم من تعذّر التوصل إلى اتفاق آنذاك، ظل منير متأهباً ويواصل اتصالات لا تتوقف وزيارات مكّوكية لإقناع الطرفين بتوقيع اتفاق. وكان آخرها زيارته إلى طهران الأسبوع الماضي حين التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للتفاوض على النقاط الأخيرة في الاتفاق. ومع أن الزيارة الأخيرة لم تثمر اتفاقاً... فإن جهود المشير الباكستاني مستمرة بلا توقف.

والحقيقة، أن الجهود الدبلوماسية التي قادها منير أوسع من مجرّد إعادة «ترميم» العلاقات مع واشنطن. فهو كان محرّك «اتفاقية الدفاع المشترك» مع المملكة العربية السعودية من الجانب الباكستاني، وهي وصفت بأنها اتفاقية تاريخية تنص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يشكّل اعتداءً على الآخر.

هذه النجاحات الدبلوماسية نادراً ما يحققها قائد عسكري. وهنا يذكر محللون بأن منير كان سبب ملاحقة خان واعتقاله عام 2024 بتهم فساد. وعاد رئيس الحكومة شهباز شريف ليعيّن منير رئيساً لأركان الجيش الباكستاني، ثم تصدر ترقيته العام الماضي إلى رتبة مشير بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند. إذ سُجّل له الفضل بالوقوف في وجه نيودلهي وإلحاق إضرار كبيرة بجيشها خلال المواجهة الوجيزة.

تلك الحرب، فتحت في الواقع الباب أمام عاصم منير لتصحيح العلاقات مع واشنطن وحوّلته «نقطة تواصل» موثوق بها ووسيطاً دبلوماسياً رئيساً مع إيران. وفعلاً، أنهى منير بجهود متراكمة، سنوات من تشكيك الإدارات الأميركية المتعاقبة بشراكة باكستان. وللعلم، ما زال في الأذهان قرار إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، تنفيذ عملية اغتيال أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية من دون التنسيق معها. وظل التشكيك بإسلام آباد والتساؤل حول ما إذا كانت فعلاً تجهل وجوده على أراضيها، يلاحقها حتى اليوم.

أخيراً، ما إذا كان سينجح المشير الباكستاني في دوره الجديد ويتوّج جهوده الدبلوماسية باتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، تساؤل غير واضح الإجابة بعد. ولكنه من دون شك، نجح في تغيير صورة باكستان لدى الإدارة الأميركية، وتحويلها من شريك ناقص مشكوك فيه، إلى شريك كامل محل ثقة، حتى في أكثر الملفات تعقيداً.