ضرورات المصالحة الفلسطينية... وألغامها

هل تنهي مصر عقداً من الانقسام والاتفاقات الفاشلة؟

ضرورات المصالحة الفلسطينية... وألغامها
TT

ضرورات المصالحة الفلسطينية... وألغامها

ضرورات المصالحة الفلسطينية... وألغامها

لا أحد يعرف بالضبط ما إذا كان الاتفاق المبدئي في القاهرة على إنهاء الانقسام الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية، سيترجم على الأرض. فلقد اختبر الفلسطينيون عقدا من الاتفاقات، بدا أن كل واحد منها «مهم» بسبب طبيعة الدولة التي رعته وتوقيته وظروف موقعيه، لكن أياً منها لم يرَ النور على قاعدة واحدة فقط حفظها الفلسطينيون عن ظهر قلب، تقول إن «الشيطان يكمن في التفاصيل». واليوم يتربص «الشيطان» بالموقعين في قضايا صعبة ومعقدة ومتعددة، ربما تحول حلم إنهاء الانقسام إلى كابوس انفصال، أو في أحسن الأحوال استمرار إدارة الانقسام.

ليس سرا أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) أراد أن يذهب إلى مجلس الأمن الدولي ويطلب دولته، وهو يسيطر عليها فعلا. أي بالمعنى المجازي أن يكون رئيسا لكل الشعب الفلسطيني، وليس لنصفه فقط، كما تقول إسرائيل، وهي ترد على كل شخص يطلب منها عقد سلام مع الفلسطينيين.
بالنسبة لعباس، ما الأفضل من أن ينهي مرحلة مهمة وطويلة ومعقدة في تاريخه، منهيا عقدا من الانقسام ومستعيدا الوحدة الوطنية؟
ليس سرا أن حركة حماس التي خسرت حلفاء طالما كانوا مصدر تمويل كبير لها، وعزّزوا حكمها لقطاع غزة، لم تعد تستطيع تحمل عبء القطاع الذي يعاني يوميا من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، في حين لا يجد الناس كهرباء ووقودا وماء، وسط حصار صعب وخانق ومستمر يحول حياة الناس إلى كابوس لا يطاق.
قد يبدو ظاهريا أن هذه هي الأسباب التي حركت طرفي الانقسام من أجل إنهائه؛ لكن مراقبين يرون أن ثمة ما هو أكثر.

دوافع حماس
يقول المحلل السياسي والكاتب خليل شاهين لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «كل طرف له أسبابه. حماس وصلت إلى نقطة فشل ذريع في إدارة غزة، بسب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة في القطاع، وثانيا الإجراءات التي اتخذها الرئيس. خطة الرئيس كانت تهدف مع نهاية العام للوصول إلى (إنفاق صفر)، هذا الموضوع زاد الأعباء بشكل كبير. لم تستطع حركة حماس احتمال أن تعيش هذا المأزق في ظل أنها فقدت كثيرا من الموارد المالية الخارجية».
وأضاف شاهين: «العامل الثاني، أن حماس كانت تعتقد أن وثيقتها السياسية ستشكل مفتاح بوابة دخولها إلى حلقات إقليمية ودولية وهذا لم يتحقق. والثالث أن الحركة بالغت في النتائج المتوقعة من الانفتاح على مصر، واتضح أن مصر تتعامل بحذر... تختبر حركة حماس وتقابل كل خطوة تقوم بها حماس بخطوة مقابلة. تريد مصر عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة. وأصبح من الواضح بالنسبة لحماس أنه لا يمكن أن تستكمل العملية مع مصر إلا بدخول عباس إلى غزة». وأردف: «ثم إن حماس اكتشفت أن الرهان على تيار محمد دحلان، القيادي السباق في فتح، قد فشل. كان لا يمكن أن يُحمّل دحلان كل مشكلات قطاع غزة. وإنما مبالغ متواضعة موجهة إلى مشروعات صغيرة ومصالحة مجتمعية».
ثم تابع: «أيضا هناك قيادة جديدة، وهذه القيادة الجديدة محلية، ومركز الثقل فيها، أي القرار، عاد إلى غزة، وهذا مهم. القيادة الحالية لحماس أكثر حساسية للمشكلات التي يعيشها قطاع غزة، وهذا أصبح على رأس أولوياتها». ومن وجهة نظر شاهين، فإنه «بعد كل ذلك اقتنعت حماس بأن عليها أن تتوجه إلى العنوان الأول للمصالحة، وهو الرئيس عباس الذي ما زال يمسك بالنظام السياسي على مستوى منظمة التحرير والسلطة، وهي مؤسسات تسعى حماس أن تدخل إليها».
تفسر هذه الأسباب الإعلان المفاجئ من قبل حركة حماس، في العاصمة المصرية القاهرة الأسبوع الماضي، حول حل اللجنة الإدارية التي شكلتها الحركة قبل شهور لإدارة قطاع غزة، وقبول انتخابات عامة، بل تفسر أيضا دعوة حماس لحكومة التوافق بالحضور فورا إلى غزة. ولم تكتف حماس بإعلان حل اللجنة الإدارية التي شكلتها في القطاع، بل راحت أيضاً تمارس ضغوطا لاستعجالها، معلنة أن الوزارات الحكومية في القطاع باتت في حالة فراغ حكومي. وهذا الإعلان دليل واضح على أن الحركة تريد التخلص من عبء غزة اليوم قبل الغد.

... وأسباب عباس
في المقابل، إذا كانت هذه أسباب حماس وسر استعجالها الحكومة، فإن لعباس أيضا أسبابه وتكتيكاته. وهنا يرى شاهين أنه «بالنسبة لأبو مازن، فقد اكتشف أن الرهان على نتائج سريعة لخطته لإجبار حماس على التخلي عن الحكم لم يكن بمكانه، وأيضا لقد أدرك أن إجراءاته تسببت في خسارته لبعض القاعدة الفتحاوية في غزة، وأصبح جزء منها يتوجه إلى تيار دحلان. وفتح تدرك أنه لا يمكن أن تتحدث عن انتخابات وهي تخسر قاعدتها في غزة». وأضاف أن الأهم هو أن الرئيس عباس يعرف أن هذا الحراك السياسي لن يقود إلى شيء، ولن يجلب له الحد الأدنى من المطالب. وفي الحالتين «فشلت هذه الجهود أو نجحت يحتاج الرئيس إلى أن يظهر كقائد شرعي للشعب الفلسطيني ويقود نظاما موحدا، ويسحب الذرائع الإسرائيلية بعدم وجود شريك». ويرى شاهين أن استعادة مصر لدورها صعّب على عباس وحماس رفض هذا الدور.
صحيح أن الحركتين رحبتا بالدور المصري واتفقتا على تفعيل «اتفاق 2011» في القاهرة، الذي ينص على تشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وانتخابات للمجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، إضافة إلى إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، واتفقتا على حوارات قريبة في القاهرة من أجل ترجمة الاتفاق على الأرض؛ لكن كل ذلك لم يبعث الأمل الكافي لدى الفلسطينيين.

الأسئلة الصعبة واللغم المرتقب
في هذه الأثناء، يتساءل المواطنون الفلسطينيون العاديون إذا ما كان يمكن إنهاء الانقسام فعليا، بمعنى توحيد السلطة والوزارات وأجهزة الأمن تحت راية واحدة. ويقود هذا التساؤل الكبير إلى تساؤلات فرعية أخرى أكبر: هل تتنازل حماس عن دخولها المالية في قطاع غزة؟ هل تتنازل عن قبضتها الأمنية؟ هل تسمح للسلطة بالعمل بحرية وستعطي أجهزتها الأمنية القوة اللازمة؟ هل يمكن ذلك أصلا في ظل وجود آلاف المقاتلين للحركة من كتائب القسام؟ هل ستسمح حماس بأي نقاش حول سلاح القسام؟
وفي المقابل، هل ستسمح السلطة لحماس بشراكة بالطريقة التي تفكر فيها حماس؟ هل ستسمح لها بدخول منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني؟ هل ستغامر بالسلطة كلها في انتخابات عامة؟
لقد بنت حماس في غزة دولة - إذا جاز التعبير - يقابلها في الضفة دولة من نوع آخر، وكلا «الدولتين» تحت الاحتلال. وهنا يقول المحلل السياسي أكرم عطا الله: «الأهم في ملف المصالحة وصعوبة تحققها هو أن غزة التي أضحت محل الخلاف ومدخل المصالحة، خرجت منذ زمن من عباءة السلطة. وما نشأ هنا من بنية مدنية وعسكرية وثقافية في حالة تضاد تام مع بنية السلطة، ولا أحد يعتقد أن حركة حماس مستعدة لمناقشة ما تم بناؤه، ولا أحد يعتقد أيضاً بقبول الرئيس أبو مازن بما أنشأته حركة حماس».
وفي حواره مع «الشرق الأوسط»، قال عطا الله إن «الأمور ليست سهلة، لم يناقشا أي شيء بالآونة الأخيرة»، وأضاف: «هناك مشكلة. هناك ألغام. الرئيس لن يقبل بهذا الوضع في قطاع غزة. لن يقبل الخروج عن الاتفاقيات، أشك في قبوله بهذا الوضع القائم، إذا لم يتسلم سلطة بكل الصلاحيات فإني أشك بأنه سيقبل». وتابع: «هناك عقدة وهو الواقع في غزة. أنا أتحدث هنا عن سلاح الفصائل».
وتساءل عطا الله: «هل سيقبل أبو مازن أن يحكم في منطقة لا تدار بنموذج السلطة في الضفة؟ وهل تقبل حركة حماس النقاش بهذا الموضوع؟». وأضاف: «أعتقد أن المشكلة حقيقية... إنها أزمة الأزمات، واللغم الذي قد يفجر حوارات المصالحة، إنه لغم كبير»، واضعاً عملياً يده على واحد من أعقد الملفات التي يعتقد أنها سترحل لمرحلة لاحقة.
حالياً ترفع السلطة شعار «سلطة واحدة وسلاح واحد ومؤسسات واحدة»، وحتى في الضفة الغربية فككت السلطة في السنوات السابقة كل المجموعات المسلحة، بما في ذلك المجموعات التي تتبع حركة فتح؛ لكن هل هذا

ممكن في غزة؟
لقد استبق قادة حماس الأمر وقالوا إن سلاح المقاومة ليس للنقاش. وتوجد اليوم في غزة مجموعات مسلحة تابعة لحماس وللجهاد الإسلامي وللجبهتين الشعبية والديمقراطية، وحتى لحركة فتح. كما يوجد متشددون وجماعات مسلحة أخرى. وحول هؤلاء قال عطا الله: «هذا لغم كبير. لاحظ الاتفاقات السابقة لم تتطرق له. إنهم لن يتفقوا على أي قصية سياسية أو أمنية وإنما إدارية. اتفاقات الحكومة على معابر ورواتب وأشياء إدارية أخرى».
وحدة أم انفصال أم إدارة انقسام؟
يكفي تتبع ردة فعل حماس بعد خطاب الرئيس الفلسطيني في الأمم المتحدة قبل أيام، لاكتشاف أن الأطراف الفلسطينية متفقة في القضايا الإدارية فقط، وليس حول البرنامج السياسي. إذ هاجمت حماس خطاب عباس قائلة إنه «يحمل روح الإقرار بفشل مشروع التسوية والمفاوضات مع الاحتلال، ويحمل منطق استجداء حقوق الشعب الفلسطيني المقاوم الذي يرنو للانعتاق من الاحتلال بكل الوسائل المشروعة». وأضافت الحركة: «للأسف فإن أبو مازن لم يفرّق في خطابه بين مقاومة الشعب الفلسطيني باعتبارها حقاً أصيلاً في ظل الاحتلال... وبين الإرهاب المدان من قبل كل القوانين والأعراف الدولية؛ بل إن الاحتلال أحد أبرز أشكال الإرهاب».
إلا أن حماس رحبت بما أعلنه أبو مازن عن قدوم «حكومة الوفاق» إلى غزة؛ مؤكدة أنها ستعمل على إنجاح مهمتها وستستمر في خطوات المصالحة حتى تصبح واقعا ملموساً «كي يتفرغ الجميع للنهوض بالمشروع الوطني ومواجهة الاحتلال». لكن هل يعني الاتفاق على شؤون إدارية من دون الاتفاق على مسائل سياسية، أن الطرفين ماضيان في إدارة الانقسام؟
يرى عطا الله أن الأمر هذه المرة مختلف. وفي رأيه لم يعد ممكنا الاستمرار في إدارة الانقسام... «هذا التدخل المصري القوي سيكون حاسما، إما إنهاء الانقسام أو الانفصال». وحقاً، فالانفصال هو أحد أخطر الكوابيس التي تقض مضاجع الفلسطينيين. وهذا الهاجس حمله عباس إلى الأمم المتحدة حين كان يعلن للعالم أن عودة غزة لحضن الشرعية باتت قريبة. إذ قال عباس: «لا أحد أحرص منا على شعبنا في القطاع. لا دولة فلسطينية في غزة، ولا دولة فلسطينية دون قطاع غزة». وأضاف: «واليوم أعبر عن ارتياحي للاتفاق الذي تم التوصل إليه في القاهرة بجهود مصرية مشكورة. وفي نهاية الأسبوع المقبل ستذهب حكومتنا لممارسة مهامها في غزة».
لكن في مرة سابقة ذهبت الحكومة فعلا لممارسة مهامها في قطاع غزة، فاكتشفت «حكومة ظل» تسيطر عليها حماس، واكتشفت أنها لا تسيطر على القرار والمال ولا على المعابر، أو حتى على حاجز عسكري صغير. وبسبب هذه التجربة السيئة، طلبت فتح من مصر ضمانات. وقررت مصر إرسال وفد لمراقبة تطبيق انتقال السلطة. وأكد عزام الأحمد، مسؤول ملف المصالحة في حركة فتح، أن وفداً مصرياً سيصل إلى غزة قريباً لمراقبة تطبيق انتقال السلطة من حركة حماس إلى الحكومة الرسمية. وقال إن التفاهمات التي توصل إليها وفد فتح مع الجانب المصري نصت على أن ترسل مصر وفداً رسمياً إلى غزة لمراقبة تطبيق الاتفاق. وأضاف: «سيكون المصريون معنا في كل خطوة، وفي حال تراجع أي طرف عن التفاهمات، فإن مصر ستحمله المسؤولية».
هل يكفي هذا التهديد المصري لضمان تنفيذ الاتفاق؟ تثير العقبات الكثيرة كثيرا من الأسئلة والشكوك والتمنيات.

العقبات الأبرز
ملف الأمن هو واحد من أعقد الملفات التي لم تستطع الحركتان الاتفاق حوله حتى الآن. ويمكن وصف ملف الأجهزة الأمنية وفرض الأمن في غزة بالمشكلة الأكثر تعقيدا. وخلال سنوات طويلة من الانقسام عززت كل من فتح وحماس من قبضتها الأمنية في الضفة وغزة، ووظفتا عشرات الآلاف من الرجال الجدد، وفق تعليمات وعقيدة أمنية مختلفة تماما.
وفي الوقت الذي تفهم الحركتان فيه أهمية الأمن لأي نظام... تبدو الشراكة الأمنية شبه مستحيلة في المدى القريب أو حتى المتوسط. وفي سنوات سابقة ومفاوضات متقدمة، عندما طرح هذا الملف، اشترطت حماس من أجل أي ترتيبات أمنية، التبادل والتزامن، أي العمل على ترتيب الأوضاع في غزة والضفة معا، بمعنى أن عودة قوات الرئيس الفلسطيني إلى غزة تتطلب دمج حماس في الأجهزة الأمنية في الضفة. وهذه المسألة هي في حقيقة الأمر أكثر تعقيدا وأكبر مما تتمناه حماس وفتح حتى.
عملياً لا يمكن لعناصر من حماس العمل في أجهزة أمن الضفة... ولا عناصر من فتح العمل في أجهزة الأمن التي تديرها حماس في غزة، بسبب التعقيدات السياسية والأمنية والحزبية كذلك. ثم إن السلطة لن تتحمل تفريغ آلاف جدد يضافون إلى عشرات الآلاف من عناصر الأمن الذين يعملون في الضفة الغربية، وآلاف آخرين لا يعملون في قطاع غزة ويتلقون رواتب. ومن جهتها تريد حماس فورا تفريغ نحو 9000 عنصر أمن جديد تابعين لها، وهو ما ترفضه السلطة الفلسطينية.
ثم إنه لا يمكن إحكام القبضة الأمنية بالشكل الصحيح على قطاع غزة، في ظل وجود جيش كبير من كتائب القسام. وتمثل القسام درة التاج بالنسبة لحماس. ولا يوجد عدد دقيق لعناصر القسام؛ لكن تقديرات إسرائيلية تقول إنهم يفوقون 10 آلاف مقاتل. وراهناً تتحكم القسام في الحدود مع مصر وفي الحدود مع إسرائيل، وكذلك في الأجهزة الأمنية التي تحكم قطاع غزة الآن. كذلك فالقسام هي القوة المهابة رقم 1 في قطاع غزة، وهي التي ستقرر في نهاية المطاف إلى أي حد يمكن أن تعمل السلطة في غزة.
وكانت فتح قد طرحت سابقا أن تحتفظ القسام بسلاحها لكن من دون أن يكون ظاهرا، ورفضت حماس مناقشة سلاح المقاومة من أساسه. وبعد مفاوضات صعبة ومعقدة وطويلة سابقة تدخلت مصر وطلبت بقاء الوضع الأمني كما هو عليه لمرحلة لاحقة.

ملف موظفي حماس
وتريد حماس تفريغ نحو 43 ألف موظف مدني وعسكري فورا في حكومة رامي الحمدالله، عندما تتسلم قطاع غزة، لكن حركة فتح رفضت بذريعة أنه لا يمكن للحكومة استيعابهم دفعة واحدة. وتم التوافق سابقا على تشكيل لجنة إدارية لمعالجة هذا الملف. واقترح رئيس الحكومة الحمدالله على حماس لاحقا أن تسمح لموظفي السلطة بالعودة إلى أعمالهم، ثم يتم بعد ذلك حصر الشواغر في كل الوزارات، على أن تكون الأولوية في التوظيف لموظفي الحركة، ويتم صرف مكافآت للباقين؛ لكن حماس رفضت. وهاجم موظفو حماس بنوكا دفعت الرواتب لموظفي السلطة، ثم حاصروا وزراء جاؤوا من رام الله إلى غزة من أجل معالجة أمر الموظفين. وظلت السلطة تدفع رواتب لموظفيها وحماس تدفع رواتب لموظفيها.
منظمة التحرير والمجلس الوطني
ملف آخر شائك ومعقد، هو ملف منظمة التحرير والمجلس الوطني. وجدير بالذكر أن مسألة دخول حماس إلى المنظمة، ليست جديدة؛ إذ سبق أن عرض الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، الأمر على حماس حتى قبل إقامة السلطة، ووافقت حماس؛ لكن الخلاف الرئيسي كان يتمثل في حصتها آنذاك. إذ تريد حماس إجراء انتخابات المجلس الوطني، وتقول فتح إن انتخابات المجلس تحتاج إلى ترتيبات أوسع، ومع دول عربية وإسرائيل، وإنه يمكن البدء بانتخابات تشريعية ورئاسية أولاً.
ثم هناك برنامج حكومة الوحدة، وعنه تقول فتح إن البرنامج يجب أن يرتكز إلى برنامج منظمة التحرير الفلسطينية لكي تصبح الحكومة مقبولة لدى العالم. وترفض حماس ذلك، وتقول إنه يجب أن يستند إلى المقاومة.

تاريخ من الاتفاقات التي لم تر النور
> اتفاق مكة عام 2007: وقعت الحركتان اتفاق تشكيل حكومة وحدة في ظل اقتتال داخلي، وبعد شهور سيطرت حماس على قطاع غزة، وتعمق الانقسام.
> اتفاق اليمن 2008: وضع الطرفان وثيقة مصالحة؛ لكنهما اختلفا على تفسيرها ولم ينجحا في تنفيذ أي بند.
> حوار دكار 2008: اتفقا على بدء حوار أخوي بإشراف الرئيس السنغالي؛ لكنهما لم يتابعا ذلك وظل الأمر إعلاناً فقط.
> اتفاق القاهرة 2009: بعد سلسلة لقاءات، طرحت مصر ورقة مصالحة تدعو إلى انتخابات، وبعد خلاف حول الورقة تم تجميدها.
> لقاء دمشق 2010: أعلن الفصيلان أنهما قريبان من اتفاق جديد، وجلسا مرات ولم يعلناه.
اتفاق المصالحة 2011: أعلن الفصيلان من القاهرة الاتفاق على تشكيل حكومة مستقلين، وإجراء انتخابات عامة، لكن لم يتم تشكيل الحكومة بسبب خلافات حول قضايا جوهرية متعلقة بالحكومة وعملها وبرنامجها وأجهزة الأمن... إلخ.
> إعلان الدوحة 2012: الرئيس عباس ومسؤول حماس خالد مشعل يعلنان اتفاقاً بتشكيل حكومة وانتخابات؛ لكنه لم ير النور بسبب استمرار الخلافات.
> لقاء القاهرة 2012: لبحث وضع آلية تطبيق لاتفاق الدوحة.
> اتفاق القاهرة 2013: تم فيه إعلان تطبيق اتفاق المصالحة، وبعد اختلاف في التفسيرات لم يحصل التقدم.
> اتفاق الشاطئ في غزة 2014: إعلان تشكيل حكومة مستقلين وإجراء انتخابات، وتم إثره إعلان اتفاق حكومة الوفاق التي ترأسها رامي الحمدالله، وبعد نحو شهرين بدأت الاتهامات بين الحكومة وحماس، إذ اتهمت الحكومة حماس بتشكيل حكومة ظل، واتهمت حماس الحكومة بتهميش غزة.
اتفاق القاهرة 2017 (الحالي): الاتفاق على تنفيذ اتفاق 2011، وتشكيل حكومة وحدة، والذهاب إلى انتخابات.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.