عندما شاهد جليل المقاتل المسلح الذي لم يزل في سن المراهقة قائده يحمل رأس أحد جيرانه أدرك أن الوقت قد حان للهرب من مدينة مراوي. تعرضت الكنائس والبيوت للنهب وأطلق الرصاص على البعض أو كان الأسر مصيرَه، والآن تدك قوات الحكومة الفلبينية وطائراتها الحربية والهليكوبتر المقاتلين الموالين لتنظيم داعش الذين استولوا على مناطق واسعة من المدينة في 23 مايو (أيار). روى جليل ابن السابعة عشرة أنه صادف جماعة من أقرانه المقاتلين بقيادة زعيم المتمردين عبد الله ماوتي بعد مرور ستة أيام على احتلال المدينة، وكان بينهم طفل بدا في العاشرة من عمره.
وكانوا يهللون لقطع رأس مسيحي من الحي الذي يعيش فيه جليل متهم بأنه جاسوس. قال جليل لـ«رويترز» (مشترطاً عدم الكشف عن بقية اسمه لحمايته من أي محاولة للانتقام منه): «كان عبد الله ماوتي يمسك برأس الرجل وكان يهتف: (الله أكبر)». وأضاف: «كانوا يرددون الهتاف وراءه. وعند ذلك أدركت أن عليَّ أن ألوذ بالفرار. لم أرد أن أشارك في ذلك».
ولم يتسنَّ التحقق من صحة رواية جليل من مصدر مستقل. وقامت السلطات بوضعه تحت الحماية وقالت إنه ساعد في الكشف عن هويات المسلحين الذين يقاتلون في مراوي. وجليل واحد من مئات الشبان المسلمين الذين استمالهم أتباع تنظيم داعش في جزيرة مينداناو التي ينتشر فيها الفقر في جنوب الفلبين، وتخشى حكومات في جنوب شرقي آسيا أن تصبح معقلاً إقليمياً للتنظيم المتطرف، بعدما فقد مناطق نفوذه في سوريا والعراق.
ويقول روميل بانلاوي المدير التنفيذي لمعهد الفلبين لبحوث السلام والعنف والإرهاب إن الأجانب الذين يعملون لتجنيد أنصار ينشطون في مينداناو منذ سنوات غير أن الدعاية الفعالة من جانب تنظيم داعش، وصعود نجم أسرة ماوتي المتشددة أدى إلى زيادة كبيرة في أتباع التنظيم.
وقال بانلاوي الذي يتابع عملية التعبئة في مينداناو من خلال مرشدين وتقارير استجواب الشرطة للمسلحين: «عملية التجنيد تحدث الآن بسرعة كبيرة جدا. أصبحوا متمرسين. وهم منظمون خطيرون للجماهير ومتعهدون خطيرون لتوريد المجندين». واعتبرت مدارس عادية ومدارس أصولية بل ومراكز رعاية اليوم الواحد ذات الميول المتطرفة مراكز للتجنيد.
ويقول الكولونيل روميو براونر المتحدث باسم الجيش: «السلطات تعمل مع المعلمين الدينيين لإبعاد الآراء المتطرفة عن المساجد والمناهج الدراسية. غير أن بعض القادة الإقليميين وضباط الجيش يقولون إن الجهود ضعيفة لأسباب منها أن المتطرفين لديهم أموال كثيرة يستميلون بها الشباب إلى صفوفهم».
العودة للخدمة
قال جليل إن انخراطه في صفوف المتشددين بدأ عندما كان في الحادية عشرة في مسجد ببلدة بياجابو الريفية الواقعة على مسافة 20 كيلومتراً من مراوي حيث أقنعه إمام المسجد بالانضمام إلى الصغار في معسكر للتدريب مقابل وجبات ومبلغ 15 ألف بيزو (294 دولاراً) في الشهر. وشارك في تدريبات يومية على السلاح والقتال وحضر دروساً دينية. وأضاف أنه «طرد من هذا البرنامج بعد ثلاثة أشهر فحسب عندما كشف عن تفاصيل شبكته خلال استجواب وهمي».
وعلى مدى ست سنوات لم يسمع جليل شيئاً عن مجنديه غير أنه في اليوم السابق على حصار مراوي سمع طرقاً على الباب. وفي الخارج وقف شاب في سن المراهقة وخلفه شاحنة «بيك أب» تقل عشرة آخرين من الصغار.
وقال: «عرفتهم. كانوا زملائي في التدريب. وقالوا لي (عدت) الآن للخدمة». وتمثل القرى المنتشرة التي توجد فيها مساجد متداعية وبيوت خشبية وطرق ترابية ممتدة عبر غابات مينداناو وجبالها أرضاً خصبة لتجنيد الصغار الذين لم يتلقوا تعليما وتحويلهم إلى متطرفين في معسكرات بعيدة عن أعين السلطات، واكتشف الجيش واحدا من معسكرات التدريب تلك في بياجابو بعد معركة استمرت ثلاثة أيام سقط فيها 36 قتيلا من جماعة ماوتي بعضهم أجانب وأحدهم إمام مسجد.
وكان ذلك قبل شهر واحد من حصار مراوي. تحدثت «رويترز» مع اثنين في سن المراهقة من ذلك المعسكر قالا إنه تم إغراؤهما بالمال وبالزواج ووعود بدخول الجنة بعد الموت.
واشترط الاثنان عدم الكشف عن هويتهما لأن السلطات ليست على علم بنشاطهما وقال الاثنان إنه توقف بموت الإمام. ولم يتسن التحقق من صحة روايتهما.
قال أحدهما وهو في سن الثامنة عشرة: «تدربنا على كيفية تفادي الحواجز الأمنية. وتدربنا على نصب الكمائن والتحرك دون صوت». ووصف كيف تعلم هو وآخرون تفكيك البنادق وصنع القنابل والقتال المتلاحم. أما الآخر الذي كان في التاسعة عشرة واسمه فيصل فقال إن الإمام كان ينظم دروساً لتحفيظ القرآن في أكواخ صغيرة في الغابة بينما كان يوجد أجانب لم تكن جنسياتهم معروفة له يدربونهم على محاربة «الكفار».
وأضاف: «قال الإمام لنا إننا سنُكافَأ بالزواج من أي بنت جميلة نرغب في الزواج منها».
وتقول الحكومة إن الشبان الفقراء غير المتعلمين فريسة سهلة في إقليم مينداناو المسلم المتمتع بالحكم الذاتي الذي يضم خمس مقاطعات من 27 مقاطعة في مينداناو. وفي 2015 - 2016 شهد إقليم مينداناو المسلم أدنى معدل للقيد في المدارس الثانوية وأعلى معدل تسرب من التعليم وفقاً لبيانات وزارة التعليم. وأوضحت البيانات أن 32.4 في المائة فقط من شباب الإقليم مسجلون في المدارس بالمقارنة مع المتوسط العام البالغ 68 في المائة على مستوى البلاد.
ويعيش نحو نصف الأسر في الإقليم في فقر إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن دخلها يقل عن الحد الأدنى الحكومي للدخل الشهري البالغ 9064 بيزو (177 دولاراً) وذلك بالمقارنة مع المتوسط العام البالغ 16.5 في المائة.
وفي لاناو دل سور حيث تقع مدينة مراوي يعيش 66.3 في المائة من الأسر في فقر. لكن ليس كل المستهدفين من الفقراء وغير المتعلمين من أبناء الريف. فشباب المدن والطلبة من بين أهداف القائمين على التجنيد الذين تغلغلوا في المدارس والجامعات وأتقنوا التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي سواء لنشر دعاياتهم أو لرصد المرشحين لاعتناق الأفكار المتشددة في مينداناو المعروفين باسم شعب مورو... وقال بانلاوي إن أبرز المستهدفين من ينشرون تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي عن التهميش الاقتصادي والاجتماعي أو الظلم التاريخي.
ومن الموضوعات الساخنة اتفاق السلام الذي أبرمته جبهة مورو الإسلامية للتحرير الانفصالية مع الحكومة التي وعدت بجعل إقليم مينداناو المسلم منطقة حكم ذاتي يطلق عليها اسم بانجسامورو (شعب مورو)، إلا أن تلك الخطة تعثرت بسبب تأجيلات وانعدام الثقة.
وقال مهاجر إقبال كبير مفاوضي الجبهة إن «المتطرفين يستغلون خيبة أمل الناس في خطة بانجسامورو ويروجون للعنف وذلك بالتركيز على بعض آيات القرآن». وقال لـ«رويترز»: «نراقبهم لكن لأن السرية تكتنف التجنيد ليس بوسعنا أن نفعل كل شيء». وقال بانلاوي إن المتطرفين مطلعون على التكنولوجيا التي يستخدمها تنظيم داعش، في الشرق الأوسط لتتبع غرف الدردشة على مواقع مثل «فيسبوك» و«تلغرام» واكتشاف المرشحين المناسبين، والتحري عن شبكاتهم من الأصدقاء. ومن بين القائمين على عملية التجنيد إندونيسيون وماليزيون «شديدو الإلحاح».
وتركز الحكومة على استمالة قلوب شعب مورو وعقوله بقدر ما تركز على المعركة العسكرية الدائرة في مراوي وتكاد تكمل شهرها الرابع. ويحاول المتشددون التأثير في الرأي العام بمقاطع فيديو غير مباشرة تحتفي بانتصارهم على «الصليبيين» الذين يقولون إنهم يدمرون بيوت المسلمين وأعمالهم في مراوي بالمدفعية والضربات الجوية.
ويقول الجيش إنه اكتشف أن بعض الأطفال النازحين من مراوي يبدون إعجابا شديدا بالمتشددين. وأرسل الجيش بعض مجنداته لإرشاد الأطفال في مخيمات الإخلاء والتعرف على من اعتنقوا آراء متطرفة. وقال جليل إن حافزه في البداية كان الخطب الحماسية التي ألقاها عبد الله ماوتي وشقيقه عمر الخيام. لكن الدماء التي سالت بعد ذلك روعته. وقال: «لا أستطيع نسيان ما شاهدته. فعلى ناصية كل شارع كانت الجثث ملقاة؛ لمسيحيين ومسلمين».
وفي الليلة التي شهد فيها جليل عملية الإعدام هجر موقعه، حيث كان يقوم بحراسة جسر... وركَب دراجة نارية مسافة 50 كيلومتراً لتفادي حواجز الجيش الأمنية. وسلم نفسه للشرطة بعد ذلك بأسبوعين.
وقال ضابط سابق في المخابرات العسكرية تتبع أسرة ماوتي إن الجيش استهان بها واعتبرها جماعة ضعيفة. غير أن الأسرة أظهرت قدرتها على إعادة تجميع صفوفها وستقوى شوكتها على الأرجح بفضل توفر المال بحوزتها والاحترام الذي تحظى به بين الشبان المحليين بعد استعادة مراوي وذلك بشغل الأماكن التي خلت بمقتل مئات المقاتلين.
وقال الضابط إن أسوأ السيناريوهات أن ينجو الشقيقان ماوتي. وأضاف: «نشاط التجنيد سيكون هائلاً. يوجد كثيرون من الطلبة المعجبين بهما إعجاباً شديداً».
