«أوبك» في عيدها الـ57: من فكرة بالقاهرة إلى عملاق في فيينا

المنظمة أثبتت قدرتها على مواجهة كل التحديات من «الأخوات السبع»... إلى النفط الصخري

مقر أوبك الرئيسي في فيينا (رويترز)
مقر أوبك الرئيسي في فيينا (رويترز)
TT

«أوبك» في عيدها الـ57: من فكرة بالقاهرة إلى عملاق في فيينا

مقر أوبك الرئيسي في فيينا (رويترز)
مقر أوبك الرئيسي في فيينا (رويترز)

احتفلت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) يوم السبت 14 سبتمبر (أيلول) بعيد ميلادها السابع والخمسين. وأصدرت المنظمة بياناً بهذه المناسبة قال فيه الأمين العام الحالي النيجيري محمد سنوسي باركيندو إن هذا اليوم يذكرنا بجهود كل أولئك الذين عملوا بجهد من أجل المنظمة.
ولا يقف الأمر عند تذكر الأشخاص بل كذلك الأحداث. فلقد واجهت أوبك خلال الأعوام السبعة والخمسين التي شهدتها الكثير من التحديات، بدءاً بسلطة «الأخوات السبع» على سوق النفط، وانتهاء بالمواجهة بين دولها وشركات النفط الصخري في الولايات المتحدة.
ومنذ اليوم الأول للمنظمة، كان الدفاع عن أسعار النفط هو أساس التعاون بين كل دولها. ومنذ ولادتها وأوبك تواجه المنتجين الآخرين في السوق، الذين ساهموا بشكل أو بأخر في عدم استقراره أو عدم استقرار الأسعار عند مستويات عادلة.

كيف نشأت أوبك؟
رغم أن التاريخ الرسمي لإنشاء المنظمة هو 14 سبتمبر 1960، فإن فكرة إنشائها تعود إلى أبعد من ذلك، وتحديداً إلى منتصف الأربعينات الميلادية عندما بدأت منطقة الشرق الأوسط في التوسع في إنتاج النفط عقب الحرب العالمية الثانية. فقبل الحرب العالمية الثانية كانت فنزويلا ثالث أكبر منتج للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ومع بدء تدفق نفط السعودية والعراق وإيران والكويت وغيرها في المنطقة إلى الولايات المتحدة، تقلصت واردات أميركا من النفط الفنزويلي وأصبحت المنافسة على الأسعار بينهما عالية.
ويقول بيير ترزيان في كتابه «أوبك: القصة الداخلية» إن وزير النفط الفنزويلي خوان بابلو بيريز ألفونزو فكر في عام 1946 أو 1947 في عقد اتفاق مع منتجي الشرق الأوسط بحيث يضمن استقرار أسعار النفط لدولته. وأرسلت فنزويلا في نهاية الأربعينات وفداً من ثلاثة أشخاص إلى المنطقة للتباحث على إمكانية إيجاد طريقة لدعم المداخيل النفطية للدول من دون اللجوء إلى تخفيض الإنتاج.. وعرضت فنزويلا على الدول فكرة زيادة الضريبة على الشركات الأجنبية المنتجة للنفط.
وفي الخمسينات والستينات، زادت سطوة الشركات الدولية على سوق النفط وأصبح تسعيره في قبضة سبع شركات عرفت باسم «الأخوات السبع» وهي إكسون وموبيل وغلف وتكساكو وشيفرون وبي بي ورويال دتش شل. وكان من الصعب بيع النفط وتكريره خارج منظومة تكرير هذه الشركات. ونظراً لظروف السوق والاقتصاد العالمي فلقد قامت الشركات بتخفيض أسعار النفط من دون الرجوع إلى الدول التي تعمل فيها.. وعندما فكرت الشركات في تخفيض أسعار النفط مرة أخرى ثارت هذه الدول، وبدأت التحركات الفعلية في البحث عن طريقة لمواجهتها.
ولحسن الحظ كان وزير النفط السعودي في تلك الفترة عبد الله الطريقي يفكر بنفس الطريقة التي يفكر بها وزير النفط الفنزويلي بيريز ألفونزو. واقتنصت فنزويلا فرصة تجمع وزراء النفط العرب في القاهرة في أبريل (نيسان) عام 1959 لتبعث وزيرها الذي التقى بالطريقي هناك عن طريق الصحافية الأميركية واندا يابلونسكي، التي عرفتهما على بعضهما البعض كما ذكر الطريقي ذلك لاحقاً.وفي اجتماع سري في المعادي، التقى رؤساء وفود السعودية وفنزويلا والكويت وإيران والجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا)، مع موفد الجامعة العربية محمد سلمان، وخرجوا باتفاق سموه «معاهدة المعادي» وكانت تلك المعاهدة نواة اتفاق تأسيس أوبك التي تم توقيعها بعد عام ونصف في بغداد. وشاء القدر أن لا تنضم الجمهورية العربية المتحدة ولا قطر التي حضر موفدها إلى اجتماع بغداد إلى اتفاق التأسيس. كما امتنعت المكسيك عن المشاركة رغم جهود فنزويلا. وتم تأسيس أوبك على يد خمسة أعضاء مؤسسين هم السعودية والكويت والعراق وإيران وفنزويلا.
الستينات
اختارت أوبك جنيف كمقر للمنظمة، إلا أن عدم إعطاء السلطات السويسرية «أوبك» صفة المنظمة الدبلوماسية أدى إلى نقلها في عام 1965 إلى فيينا، التي أعطتها صفة دبلوماسية كاملة. وبعدما تم تأسيس المنظمة لم تكن هناك الكثير من الأحداث الكبيرة، وظلت أوبك تواصل مساعيها للتحكم في ثروتها النفطية والتأثير على الشركات الدولية طيلة الستينات.
ولم تكن الشركات النفطية مهتمة بصورة كبيرة بقيام أوبك في تلك الفترة، خصوصاً بعد خروج الطريقي من الوزارة، إذ أنه كان من أشد الأعداء للشركات النفطية. ومع تولي الشيخ أحمد زكي يماني المنصب في عام 1962، اتخذت أوبك سياسة هادئة تقوم على الحوار الهادئ مع الشركات. إلا أن حركات الاستقلال وتأميم النفط مع نهاية العقد السادس أصابت الشركات بالهلع. وفي هذا العقد بدأت أوبك تأخذ مكانها كأكبر تجمع نفطي حيث ارتفع إنتاج المنظمة من 13.9 مليون برميل يومياً في عام 1965 إلى 30.5 مليون برميل يومياً في 1969 بحسب تقديرات تقرير بريتيش بتروليم الإحصائي السنوي.
السبعينات
كانت السبعينات من القرن الماضي أكثر القرون جنوناً في تاريخ أوبك. إذ أممت ليبيا قطاعها النفطي مما أدى إلى انهيار منظومة الامتيازات النفطية، وبدأت الدول واحدة تلو الأخرى تأمم شركاتها النفطية. وشهد هذا العقد حدثين أثرا في تاريخ أسعار النفط، وهما المقاطعة النفطية في 1973 والثورة الإيرانية في عام 1979، وبفضل هذه الأحداث وصلت أسعار النفط إلى قرابة 32 دولارا في 1979 وهو ما يعادل 104 دولارات بأسعار عام 2016 حسب تقديرات بريتيش بتروليم. وأدت هذه الأسعار العالية إلى بدء الدول المستهلكة في البحث عن مصادر بديلة وهو ما استمر حتى اليوم. وبدأت الدول خارج أوبك في زيادة إنتاجها تدريجياً مع بقاء الأسعار عالية. وتطورت المنظمة في ذلك العقد وبلغ عدد أعضائها 13 عضواً، وعقد أوبك أول اجتماع لها على مستوى رؤساء الدول في الجزائر في عام 1975. وشهد عام 1975 حدثاً آخر، وهو اختطاف 11 وزيراً من أوبك على يد الإرهابي الفنزويلي كارلوس الثعلب. وبسبب هذه الحادثة ظلت اجتماعات أوبك تعقد في جنيف لسنوات طويلة جداً حتى عادت في الثمانينات إلى فيينا.
الثمانينات
لقد كانت الثمانينات عنوان لإخفاق أوبك في إدارة السوق النفطية. لقد شربت أوبك حتى الثمالة بفضل أسعار النفط العالية غير مبالية بما قد يحدث في المدى البعيد بسبب ذلك. ولكن وزير النفط السعودي الشيخ يماني كان ضد ارتفاع الأسعار، إلا أنه لم يستطع التغلب على رغبة باقي الوزراء بإبقائها عالية. وبقيت الأسعار عند مستويات الثلاثينات منذ 1979 حتى عام 1982، وبسبب هذا الزيادة قام الكثير من المنتجين في بحر الشمال ومصر والمكسيك وماليزيا وغيرها بزيادة إنتاجهم وغرقت السوق بالنفط نتيجة لذلك، مما اضطر أوبك إلى عقد اجتماع في لندن في مارس (آذار) عام 1983 تبنت فيه للمرة الأولى نظام الإنتاج عن طريق الحصص، مع بقاء السعودية المنتج المرجح الذي يخفض أكثر من الباقين.
وكانت هذه السياسة أكبر تحول في المنظمة حتى ذلك الوقت، لكن بسبب ضعف الالتزام بالحصص والغش، هبطت الأسعار. وتخلت السعودية عن نظام الحصص قبل الجميع، وعادت للإنتاج بكامل قوتها.. ونشأت حرب أسعار بين الدول على الحصص أدت إلى هبوط أسعار النفط أكثر حتى وصلت إلى 14 دولارا في عام 1986.
وعادت أوبك مجدداً إلى الاتفاق، ولكن متوسط الأسعار ظل منخفض تحت 20 دولار في الغالب حتى عام 2000، وشهدت الثمانينات الحرب العراقية الإيرانية وهي أول حرب بين دولتين عضوتين في أوبك.
التسعينات
في التسعينات شهدت السوق النفطية تطورات كثيرة مع ظهور العولمة وقضايا التغير المناخي ومع الأزمة الاقتصادية الآسيوية التي أثرت بشكل كبير على الطلب على النفط بنهاية العقد. وشهد مطلع العقد حرباً جديدة في الخليج بعد اعتداء العراق على الكويت، ساهمت في رفع متوسط أسعار النفط لمدى عامين تقريباً فوق مستوى 20 دولارا.
وشهدت التسعينات أخطاء كثيرة لأوبك، حيث كانت هناك مواجهة بين السعودية وفنزويلا بعد إعلان الأخيرة عدم التزامها باتفاقيات أوبك ورغبتها في زيادة إنتاجها بصورة فردية.
وفي عام 1997 أخطأ وزراء أوبك خطأ كبيراً في اجتماع جاكرتا، حيث اجتمعوا قبيل الأزمة الآسيوية بفترة وجيزة وقرروا زيادة إنتاجهم.
ولكن التسعينات كانت كذلك فترة غير مسبوقة من ناحية التقارب بين المنتجين والمستهلكين وبين أوبك وخارج أوبك. حيث بدأ أول حوار للمنتجين والمستهلكين في عام 1990، أعقبه حوارات كثيرة أدت إلى إنشاء منتدى الطاقة الدولي. وبفضل هبوط أسعار النفط تواصلت أوبك مع النرويج والمكسيك وروسيا وغيرها من أجل إنقاذ الأسعار. وأدى هذا التقارب إلى عقد أول اتفاق بين المنتجين في مطلع العقد الأول من الألفية الثانية.

العقد الأول من الألفية الثانية
في هذا العقد ظهرت الصين كمستهلك كبير للنفط، وهو ما ساهم في تحسن الطلب العالمي وبقاء الأسعار عالية. وفي هذا العقد استفحلت المضاربات المالية في أميركا وانهارت أسواق المال هناك في نهاية العقد، وهو ما أدى إلى ركود اقتصادي عالمي. وبسبب المضاربات وصلت أسعار النفط إلى مستوى تاريخي في يوليو (تموز) 2008 عند 147 دولارا للبرميل. وشهد هذا العقد أحد أهم الاتفاقات التي عقدتها أوبك وهو اتفاق وهران في الجزائر، عندما قررت المنظمة في أواخر 2008 أن تخفض إنتاجها بواقع 4.2 مليون برميل يومياً من أجل وقف التدهور في الأسعار التي انخفضت في عام واحد من 147 دولارا إلى مستويات الثلاثين دولاراً. وواجهت أوبك تحديات على مستوى اتفاقيات المناخ، وكذلك على مستوى تهدئة الأسواق عقب غزو الولايات المتحدة للعراق في 2003، وانتشرت نظرية تقول بأن إنتاج النفط سيصل إلى الذروة تبنتها الحكومات الغربية وأدت إلى مخاوف حيال مستقبل الطاقة وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار أيضاً.
العقد الثاني من الألفية
في أواخر عام 2010 انطلق ما يعرف بـ«ثورات الربيع العربي»، وأدى هذا إلى انقطاع النفط من دول كثيرة أبرزها ليبيا. وبسبب الاضطرابات الجيوسياسية ومخاوف نقص الإمدادات وصلت أسعار النفط إلى 100 دولار مجدداً واستقرت عند هذا المستوى بين 2011 و2014.
ولكن التاريخ يعيد نفسه، وبسبب الأسعار العالية استفحل الإنتاج من خارج أوبك وبخاصة من مناطق النفط الصخري في الولايات المتحدة وانهارت الأسعار منذ منتصف 2014. وما زالت الأسواق تعاني حتى اليوم بسبب هذا الوضع. واتخذت أوبك سياستين هامتين في هذا العقد، الأولى في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، وهي سياسة الحصة السوقية التي واجهت رفضاً شديداً، ومن ثم غيرتها في الجزائر في سبتمبر 2016 إلى سياستها الثانية وهي تخفيض الإنتاج، والتي ما زالت معمولا بها حتى اليوم.
وأمام أوبك تحديات كبرى بعد ظهور السيارات الكهربائية وتهديدها لمستقبل الطلب على الوقود وإعلان الحكومات المختلفة وقف إنتاج السيارات العادية في 2040، وسينتظر التاريخ ماذا ستفعل أوبك لمواجهة تحديات العقد الثاني التي قد تؤثر على النفط لسنوات طويلة جداً.


مقالات ذات صلة

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

الاقتصاد سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

قفزت أسعار النفط بنحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد ناقلات نفط في محطة خورفكان للحاويات (أ.ف.ب)

ما تأثير «حصار هرمز» على تدفقات النفط؟

بعد إعلان الرئيس الأميركي فرض حصار على مضيق هرمز، تطرح تساؤلات حول مدى تأثير ذلك على تدفقات النفط والدول المتضررة من هذا القرار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أمين عام «أوبك»: التزامنا راسخ بدعم استقرار سوق النفط

أمين عام «أوبك»: التزامنا راسخ بدعم استقرار سوق النفط

شدد الأمين العام لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، هيثم الغيص، على التزام المنظمة الراسخ بدعم استقرار السوق.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

النفط يقفز مجدداً مع تزايد الشكوك حول عبور مضيق هرمز

ارتفعت أسعار النفط يوم الخميس مع تزايد المخاوف بشأن استمرار القيود المفروضة على تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد خريطة توضح مضيق هرمز وخط أنابيب نفط مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (رويترز)

النفط يتراجع لما دون 100 دولار بعد إعلان ترمب وقف إطلاق النار

انخفض سعر النفط إلى ما دون 100 دولار بعد إعلان ترمب وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

«تضخم اليورو» يقفز إلى 2.6 % في بيانات مُعدّلة وسط تداعيات الحرب

متسوقون داخل أحد المتاجر الكبرى في نيس بفرنسا (رويترز)
متسوقون داخل أحد المتاجر الكبرى في نيس بفرنسا (رويترز)
TT

«تضخم اليورو» يقفز إلى 2.6 % في بيانات مُعدّلة وسط تداعيات الحرب

متسوقون داخل أحد المتاجر الكبرى في نيس بفرنسا (رويترز)
متسوقون داخل أحد المتاجر الكبرى في نيس بفرنسا (رويترز)

قفز معدل التضخم في منطقة اليورو إلى 2.6 في المائة خلال مارس (آذار) الماضي، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، وفقاً لبيانات مُعدّلة صادرة عن «وكالة الإحصاء الأوروبية» يوم الخميس.

ويعني هذا الرقم المعدل، الذي ارتفع من التقدير الأولي البالغ 2.5 في المائة، أن التضخم في منطقة العملة الموحدة سجل أعلى مستوياته منذ يوليو (تموز) 2024، متجاوزاً هدف «البنك المركزي الأوروبي» البالغ اثنين في المائة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتعامل صنّاع السياسة في «البنك المركزي الأوروبي» بحذر مع فكرة رفع أسعار الفائدة في وقت قريب من هذا الشهر؛ إذ لم تظهر بعد أدلة قوية على أن صدمة التضخم الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة بدأت تصبح واسعة النطاق أو راسخة، وفقاً لأربعة مصادر مطلعة نقلت عنها «رويترز».

وقالت المصادر، وهي جميعها على دراية بمداولات السياسة النقدية، إن ما تُعرف بـ«تأثيرات الموجة الثانية» من التضخم لا تزال ممكنة، وإن تشديد السياسة النقدية لا يزال مطروحاً بقوة، لكن اتخاذ خطوة فعلية يتطلب أدلة ملموسة.


أسعار الغاز في أوروبا تتعافى جزئياً وسط ترقب تطورات محادثات السلام

أنابيب في منشأة لتخزين الغاز تابعة لشركة «في إن جي إيه جي» في باد لاوخشتادت بألمانيا (رويترز)
أنابيب في منشأة لتخزين الغاز تابعة لشركة «في إن جي إيه جي» في باد لاوخشتادت بألمانيا (رويترز)
TT

أسعار الغاز في أوروبا تتعافى جزئياً وسط ترقب تطورات محادثات السلام

أنابيب في منشأة لتخزين الغاز تابعة لشركة «في إن جي إيه جي» في باد لاوخشتادت بألمانيا (رويترز)
أنابيب في منشأة لتخزين الغاز تابعة لشركة «في إن جي إيه جي» في باد لاوخشتادت بألمانيا (رويترز)

قلَّصت أسعار الغاز الهولندي والبريطاني، صباح يوم الخميس، بعض خسائر الجلسة السابقة، حيث تنتظر السوق مزيداً من التحديثات بشأن محادثات السلام في الشرق الأوسط، والاحتمالات المتعلقة بإعادة فتح مضيق «هرمز».

وارتفع العقد الهولندي القياسي للشهر الأقرب في مركز «تي تي إف» بمقدار 0.81 يورو، ليصل إلى 42.21 يورو لكل ميغاواط في الساعة بحلول الساعة 08:20 بتوقيت غرينتش، وفقاً لبيانات بورصة «إنتركونتيننتال»، وذلك بعد أن أغلق منخفضاً بنسبة 4.5 في المائة في الجلسة الماضية. وكانت الأسعار قد افتُتحت على انخفاض طفيف، حيث لامست لفترة وجيزة مستوى 40.85 يورو لكل ميغاواط في الساعة، وهو مستوى لم تشهده الأسواق منذ اندلاع النزاع الأميركي - الإيراني قبل أكثر من 6 أسابيع، وفق «رويترز».

أما العقد البريطاني لشهر أبريل (نيسان)، فقد ارتفع بمقدار 2.01 بنس ليصل إلى 105.68 بنس لكل وحدة حرارية، بعد تراجعه بنسبة 4.7 في المائة يوم الأربعاء. وصرَّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، يوم الخميس، بأنَّه لم يتم تحديد تواريخ للمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران.

وقال دانيال هاينز، كبير استراتيجيي السلع في بنك «إيه إن زد»: «إنَّ التفاؤل بقرب نهاية الحرب عزَّز المعنويات في مجمع الطاقة، مطلع هذا الأسبوع، وأسهم في تراجع الأسعار». وتفاقمت موجة البيع هذا الأسبوع؛ نتيجة قيام صناديق الاستثمار بتقليص مراكز الشراء الصافية في عقود «تي تي إف» بمقدار 37 تيراواط في الساعة لتصل إلى 271 تيراواط في الساعة خلال الأسبوع المنتهي في 10 أبريل.

وأشار محللون في «إنجي إنرجي سكان» إلى أنَّ «تصفية هذه المراكز قد تؤدي إلى هبوط حاد في الأسعار، ولكن لكي يحدث ذلك، يجب ألا تتدهور الأوضاع الجيوسياسية بشكل أكبر».

من جهة أخرى، ذكر محللو بنك «آي إن جي» أنَّ التدفقات المرتفعة من محطات الغاز الطبيعي المسال في أوروبا حافظت على استقرار السوق حتى الآن. ومع ذلك، أضافوا أنَّه كلما طال أمد الاضطرابات في الشرق الأوسط، ازدادت حدة المنافسة التي ستواجهها أوروبا من قبل آسيا.

وفي سياق متصل، تراجعت إمدادات الغاز عبر الأنابيب من النرويج، يوم الخميس؛ بسبب أعمال الصيانة في حقل «ترول» العملاق ومحطة معالجة «كولسنيس».

وأظهرت بيانات جمعية البنية التحتية للغاز في أوروبا أنَّ مستويات التخزين في الاتحاد الأوروبي بلغت 29.6 في المائة، وهي نسبة مستقرة على أساس يومي، لكنها لا تزال أقل من مستويات العام الماضي التي بلغت نحو 35.8 في المائة في الفترة نفسها.

وفي سوق الكربون الأوروبية، انخفض العقد القياسي بمقدار 0.02 يورو ليصل إلى 74.13 يورو للطن المتري.


كيف تُفاقم عوائد السندات المرتفعة الضغوط على المالية العامة في أوروبا؟

متداولة تعمل في بورصة فرانكفورت (رويترز)
متداولة تعمل في بورصة فرانكفورت (رويترز)
TT

كيف تُفاقم عوائد السندات المرتفعة الضغوط على المالية العامة في أوروبا؟

متداولة تعمل في بورصة فرانكفورت (رويترز)
متداولة تعمل في بورصة فرانكفورت (رويترز)

قفزت عوائد السندات الأوروبية خلال الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي وزيادة الضغوط على المالية العامة الهشة في القارة، حتى قبل أن تبدأ آثار تباطؤ النمو وإجراءات الدعم المالي بالظهور. ورغم الانتعاش الحاد في أسواق الأسهم على خلفية آمال بانتهاء سريع للنزاع، يرى محللون أن العوائد ستظل مرتفعة بفعل المخاوف من تداعيات الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في الخليج وارتفاع أسعار الطاقة.

وقال ماكس كيتسون، استراتيجي أسعار الفائدة الأوروبية في «بنك باركليز»: «من الواضح أن هذا الارتفاع في العوائد يمثل عاملاً سلبياً على المالية العامة في أوروبا، إذ ينعكس في نهاية المطاف في ارتفاع تكاليف الفائدة».

وفيما يلي أسباب تحول ارتفاع عوائد السندات إلى عبء متزايد على الحكومات الأوروبية:

- استمرار ارتفاع العوائد

على الرغم من وقف إطلاق النار، لا تزال عوائد السندات - التي تتحرك عكسياً مع أسعارها وتحدد تكاليف الاقتراض الحكومي - أعلى بكثير من مستويات ما قبل اندلاع النزاع. ويعود ذلك جزئياً إلى مراهنة الأسواق على أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة هذا العام.

وباعت بريطانيا هذا الأسبوع سندات حكومية لأجل 10 سنوات بأعلى عائد منذ عام 2008 بلغ 4.916 في المائة، بينما طرحت فرنسا في وقت سابق من الشهر سندات مماثلة عند أعلى مستوى منذ 2011 بلغ 3.73 في المائة، وفق حسابات «رويترز».

- ارتفاع تكاليف الفائدة

تشهد الاقتصادات الأوروبية الكبرى ارتفاعاً متزايداً في كلفة خدمة الدين، أو أنها مرشحة للارتفاع، بعد موجة الإنفاق التي أعقبت جائحة «كوفيد – 19» وصعود أسعار الفائدة.

وكان من المتوقع أن تنفق بريطانيا نحو 109 مليارات جنيه إسترليني (148 مليار دولار) على صافي فوائد الدين في السنة المالية 2026 - 2027 مقارنة بنحو 66 مليار جنيه إسترليني على موازنة الدفاع، ما يعكس حجم الديون المرتبطة بالتضخم وارتفاع الفائدة.

كما قُدرت تكاليف خدمة الدين في فرنسا بنحو 59 مليار يورو (70 مليار دولار) هذا العام، وفي ألمانيا بنحو 30 مليار يورو.

وفي إيطاليا، كان من المتوقع أن ترتفع كلفة خدمة الدين إلى 9 في المائة من الإيرادات بحلول عام 2028، وفقاً لـ«ستاندرد آند بورز غلوبال»، بينما يُتوقع أن تتجاوز في فرنسا 5 في المائة وسط صعوبة التوافق السياسي على السياسة المالية.

- إعادة التمويل

تعتمد مكاتب إدارة الدين في الدول الأوروبية بشكل مستمر على أسواق السندات لإعادة التمويل، ما يعني أن تأثير ارتفاع العوائد يظهر تدريجياً مع استبدال الديون المستحقة.

وتشير بيانات «ستاندرد آند بورز» إلى أن إيطاليا مطالبة بإعادة تمويل ديون تعادل 17 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول 2026، مقابل 12 في المائة لفرنسا و7 في المائة لكل من بريطانيا وألمانيا.

وقال أندرو كينينغهام، كبير الاقتصاديين الأوروبيين في «كابيتال إيكونوميكس»: «إنها مشكلة إضافية... لكنها ليست كارثية».

وأضاف أن المسار المستقبلي سيتوقف بدرجة كبيرة على تطورات أسعار الطاقة، وثانياً على مدى تدخل الحكومات لحماية اقتصاداتها من آثارها.

وأشار محللون إلى أن المخاطر التي تواجه الدول الأكثر عرضة للأزمات السابقة مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان قد تراجعت نسبياً، بعد خفض عجزها الأولي؛ حيث انخفضت عوائد سنداتها إلى ما دون مستويات 2022 أو 2023 خلال فترة النزاع.

- السندات المرتبطة بالتضخم

تُعد بريطانيا الأكثر عرضة بين الاقتصادات الأوروبية الكبرى للسندات المرتبطة بالتضخم، إذ تشكل نحو 24 في المائة من إجمالي ديونها؛ حيث تتغير عوائد هذه السندات مع معدلات التضخم.

وقد أثبت ذلك كلفته المرتفعة خلال موجة التضخم بعد الجائحة، إذ ارتفعت فوائد الدين الصافي في بريطانيا من 1.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2019 - 2020 إلى 4.4 في المائة في 2022 – 2023، وفق مكتب مسؤولية الموازنة.

ويُقدّر أن زيادة التضخم بنقطة مئوية واحدة قد تضيف نحو 7 مليارات جنيه إسترليني إلى تكاليف خدمة الدين هذا العام، ما يقلص هامش الأمان البالغ 24 مليار جنيه إسترليني في إطار القواعد المالية لوزيرة المالية راشيل ريفز.

- آجال الاستحقاق

اتجهت العديد من الاقتصادات المتقدمة إلى تقصير آجال استحقاق الديون، ما سمح بالاستفادة من أسعار الفائدة المنخفضة نسبياً على السندات قصيرة الأجل.

ورغم أن هذه الاستراتيجية خففت كلفة الفائدة، حذر صندوق النقد الدولي من أنها تنطوي على مخاطر أعلى، إذ يتعين على الحكومات إعادة التمويل بشكل متكرر، ما يزيد من تعرضها لصدمات الأسواق وتقلبات شهية المستثمرين.