«أوبك» في عيدها الـ57: من فكرة بالقاهرة إلى عملاق في فيينا

المنظمة أثبتت قدرتها على مواجهة كل التحديات من «الأخوات السبع»... إلى النفط الصخري

مقر أوبك الرئيسي في فيينا (رويترز)
مقر أوبك الرئيسي في فيينا (رويترز)
TT

«أوبك» في عيدها الـ57: من فكرة بالقاهرة إلى عملاق في فيينا

مقر أوبك الرئيسي في فيينا (رويترز)
مقر أوبك الرئيسي في فيينا (رويترز)

احتفلت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) يوم السبت 14 سبتمبر (أيلول) بعيد ميلادها السابع والخمسين. وأصدرت المنظمة بياناً بهذه المناسبة قال فيه الأمين العام الحالي النيجيري محمد سنوسي باركيندو إن هذا اليوم يذكرنا بجهود كل أولئك الذين عملوا بجهد من أجل المنظمة.
ولا يقف الأمر عند تذكر الأشخاص بل كذلك الأحداث. فلقد واجهت أوبك خلال الأعوام السبعة والخمسين التي شهدتها الكثير من التحديات، بدءاً بسلطة «الأخوات السبع» على سوق النفط، وانتهاء بالمواجهة بين دولها وشركات النفط الصخري في الولايات المتحدة.
ومنذ اليوم الأول للمنظمة، كان الدفاع عن أسعار النفط هو أساس التعاون بين كل دولها. ومنذ ولادتها وأوبك تواجه المنتجين الآخرين في السوق، الذين ساهموا بشكل أو بأخر في عدم استقراره أو عدم استقرار الأسعار عند مستويات عادلة.

كيف نشأت أوبك؟
رغم أن التاريخ الرسمي لإنشاء المنظمة هو 14 سبتمبر 1960، فإن فكرة إنشائها تعود إلى أبعد من ذلك، وتحديداً إلى منتصف الأربعينات الميلادية عندما بدأت منطقة الشرق الأوسط في التوسع في إنتاج النفط عقب الحرب العالمية الثانية. فقبل الحرب العالمية الثانية كانت فنزويلا ثالث أكبر منتج للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ومع بدء تدفق نفط السعودية والعراق وإيران والكويت وغيرها في المنطقة إلى الولايات المتحدة، تقلصت واردات أميركا من النفط الفنزويلي وأصبحت المنافسة على الأسعار بينهما عالية.
ويقول بيير ترزيان في كتابه «أوبك: القصة الداخلية» إن وزير النفط الفنزويلي خوان بابلو بيريز ألفونزو فكر في عام 1946 أو 1947 في عقد اتفاق مع منتجي الشرق الأوسط بحيث يضمن استقرار أسعار النفط لدولته. وأرسلت فنزويلا في نهاية الأربعينات وفداً من ثلاثة أشخاص إلى المنطقة للتباحث على إمكانية إيجاد طريقة لدعم المداخيل النفطية للدول من دون اللجوء إلى تخفيض الإنتاج.. وعرضت فنزويلا على الدول فكرة زيادة الضريبة على الشركات الأجنبية المنتجة للنفط.
وفي الخمسينات والستينات، زادت سطوة الشركات الدولية على سوق النفط وأصبح تسعيره في قبضة سبع شركات عرفت باسم «الأخوات السبع» وهي إكسون وموبيل وغلف وتكساكو وشيفرون وبي بي ورويال دتش شل. وكان من الصعب بيع النفط وتكريره خارج منظومة تكرير هذه الشركات. ونظراً لظروف السوق والاقتصاد العالمي فلقد قامت الشركات بتخفيض أسعار النفط من دون الرجوع إلى الدول التي تعمل فيها.. وعندما فكرت الشركات في تخفيض أسعار النفط مرة أخرى ثارت هذه الدول، وبدأت التحركات الفعلية في البحث عن طريقة لمواجهتها.
ولحسن الحظ كان وزير النفط السعودي في تلك الفترة عبد الله الطريقي يفكر بنفس الطريقة التي يفكر بها وزير النفط الفنزويلي بيريز ألفونزو. واقتنصت فنزويلا فرصة تجمع وزراء النفط العرب في القاهرة في أبريل (نيسان) عام 1959 لتبعث وزيرها الذي التقى بالطريقي هناك عن طريق الصحافية الأميركية واندا يابلونسكي، التي عرفتهما على بعضهما البعض كما ذكر الطريقي ذلك لاحقاً.وفي اجتماع سري في المعادي، التقى رؤساء وفود السعودية وفنزويلا والكويت وإيران والجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا)، مع موفد الجامعة العربية محمد سلمان، وخرجوا باتفاق سموه «معاهدة المعادي» وكانت تلك المعاهدة نواة اتفاق تأسيس أوبك التي تم توقيعها بعد عام ونصف في بغداد. وشاء القدر أن لا تنضم الجمهورية العربية المتحدة ولا قطر التي حضر موفدها إلى اجتماع بغداد إلى اتفاق التأسيس. كما امتنعت المكسيك عن المشاركة رغم جهود فنزويلا. وتم تأسيس أوبك على يد خمسة أعضاء مؤسسين هم السعودية والكويت والعراق وإيران وفنزويلا.
الستينات
اختارت أوبك جنيف كمقر للمنظمة، إلا أن عدم إعطاء السلطات السويسرية «أوبك» صفة المنظمة الدبلوماسية أدى إلى نقلها في عام 1965 إلى فيينا، التي أعطتها صفة دبلوماسية كاملة. وبعدما تم تأسيس المنظمة لم تكن هناك الكثير من الأحداث الكبيرة، وظلت أوبك تواصل مساعيها للتحكم في ثروتها النفطية والتأثير على الشركات الدولية طيلة الستينات.
ولم تكن الشركات النفطية مهتمة بصورة كبيرة بقيام أوبك في تلك الفترة، خصوصاً بعد خروج الطريقي من الوزارة، إذ أنه كان من أشد الأعداء للشركات النفطية. ومع تولي الشيخ أحمد زكي يماني المنصب في عام 1962، اتخذت أوبك سياسة هادئة تقوم على الحوار الهادئ مع الشركات. إلا أن حركات الاستقلال وتأميم النفط مع نهاية العقد السادس أصابت الشركات بالهلع. وفي هذا العقد بدأت أوبك تأخذ مكانها كأكبر تجمع نفطي حيث ارتفع إنتاج المنظمة من 13.9 مليون برميل يومياً في عام 1965 إلى 30.5 مليون برميل يومياً في 1969 بحسب تقديرات تقرير بريتيش بتروليم الإحصائي السنوي.
السبعينات
كانت السبعينات من القرن الماضي أكثر القرون جنوناً في تاريخ أوبك. إذ أممت ليبيا قطاعها النفطي مما أدى إلى انهيار منظومة الامتيازات النفطية، وبدأت الدول واحدة تلو الأخرى تأمم شركاتها النفطية. وشهد هذا العقد حدثين أثرا في تاريخ أسعار النفط، وهما المقاطعة النفطية في 1973 والثورة الإيرانية في عام 1979، وبفضل هذه الأحداث وصلت أسعار النفط إلى قرابة 32 دولارا في 1979 وهو ما يعادل 104 دولارات بأسعار عام 2016 حسب تقديرات بريتيش بتروليم. وأدت هذه الأسعار العالية إلى بدء الدول المستهلكة في البحث عن مصادر بديلة وهو ما استمر حتى اليوم. وبدأت الدول خارج أوبك في زيادة إنتاجها تدريجياً مع بقاء الأسعار عالية. وتطورت المنظمة في ذلك العقد وبلغ عدد أعضائها 13 عضواً، وعقد أوبك أول اجتماع لها على مستوى رؤساء الدول في الجزائر في عام 1975. وشهد عام 1975 حدثاً آخر، وهو اختطاف 11 وزيراً من أوبك على يد الإرهابي الفنزويلي كارلوس الثعلب. وبسبب هذه الحادثة ظلت اجتماعات أوبك تعقد في جنيف لسنوات طويلة جداً حتى عادت في الثمانينات إلى فيينا.
الثمانينات
لقد كانت الثمانينات عنوان لإخفاق أوبك في إدارة السوق النفطية. لقد شربت أوبك حتى الثمالة بفضل أسعار النفط العالية غير مبالية بما قد يحدث في المدى البعيد بسبب ذلك. ولكن وزير النفط السعودي الشيخ يماني كان ضد ارتفاع الأسعار، إلا أنه لم يستطع التغلب على رغبة باقي الوزراء بإبقائها عالية. وبقيت الأسعار عند مستويات الثلاثينات منذ 1979 حتى عام 1982، وبسبب هذا الزيادة قام الكثير من المنتجين في بحر الشمال ومصر والمكسيك وماليزيا وغيرها بزيادة إنتاجهم وغرقت السوق بالنفط نتيجة لذلك، مما اضطر أوبك إلى عقد اجتماع في لندن في مارس (آذار) عام 1983 تبنت فيه للمرة الأولى نظام الإنتاج عن طريق الحصص، مع بقاء السعودية المنتج المرجح الذي يخفض أكثر من الباقين.
وكانت هذه السياسة أكبر تحول في المنظمة حتى ذلك الوقت، لكن بسبب ضعف الالتزام بالحصص والغش، هبطت الأسعار. وتخلت السعودية عن نظام الحصص قبل الجميع، وعادت للإنتاج بكامل قوتها.. ونشأت حرب أسعار بين الدول على الحصص أدت إلى هبوط أسعار النفط أكثر حتى وصلت إلى 14 دولارا في عام 1986.
وعادت أوبك مجدداً إلى الاتفاق، ولكن متوسط الأسعار ظل منخفض تحت 20 دولار في الغالب حتى عام 2000، وشهدت الثمانينات الحرب العراقية الإيرانية وهي أول حرب بين دولتين عضوتين في أوبك.
التسعينات
في التسعينات شهدت السوق النفطية تطورات كثيرة مع ظهور العولمة وقضايا التغير المناخي ومع الأزمة الاقتصادية الآسيوية التي أثرت بشكل كبير على الطلب على النفط بنهاية العقد. وشهد مطلع العقد حرباً جديدة في الخليج بعد اعتداء العراق على الكويت، ساهمت في رفع متوسط أسعار النفط لمدى عامين تقريباً فوق مستوى 20 دولارا.
وشهدت التسعينات أخطاء كثيرة لأوبك، حيث كانت هناك مواجهة بين السعودية وفنزويلا بعد إعلان الأخيرة عدم التزامها باتفاقيات أوبك ورغبتها في زيادة إنتاجها بصورة فردية.
وفي عام 1997 أخطأ وزراء أوبك خطأ كبيراً في اجتماع جاكرتا، حيث اجتمعوا قبيل الأزمة الآسيوية بفترة وجيزة وقرروا زيادة إنتاجهم.
ولكن التسعينات كانت كذلك فترة غير مسبوقة من ناحية التقارب بين المنتجين والمستهلكين وبين أوبك وخارج أوبك. حيث بدأ أول حوار للمنتجين والمستهلكين في عام 1990، أعقبه حوارات كثيرة أدت إلى إنشاء منتدى الطاقة الدولي. وبفضل هبوط أسعار النفط تواصلت أوبك مع النرويج والمكسيك وروسيا وغيرها من أجل إنقاذ الأسعار. وأدى هذا التقارب إلى عقد أول اتفاق بين المنتجين في مطلع العقد الأول من الألفية الثانية.

العقد الأول من الألفية الثانية
في هذا العقد ظهرت الصين كمستهلك كبير للنفط، وهو ما ساهم في تحسن الطلب العالمي وبقاء الأسعار عالية. وفي هذا العقد استفحلت المضاربات المالية في أميركا وانهارت أسواق المال هناك في نهاية العقد، وهو ما أدى إلى ركود اقتصادي عالمي. وبسبب المضاربات وصلت أسعار النفط إلى مستوى تاريخي في يوليو (تموز) 2008 عند 147 دولارا للبرميل. وشهد هذا العقد أحد أهم الاتفاقات التي عقدتها أوبك وهو اتفاق وهران في الجزائر، عندما قررت المنظمة في أواخر 2008 أن تخفض إنتاجها بواقع 4.2 مليون برميل يومياً من أجل وقف التدهور في الأسعار التي انخفضت في عام واحد من 147 دولارا إلى مستويات الثلاثين دولاراً. وواجهت أوبك تحديات على مستوى اتفاقيات المناخ، وكذلك على مستوى تهدئة الأسواق عقب غزو الولايات المتحدة للعراق في 2003، وانتشرت نظرية تقول بأن إنتاج النفط سيصل إلى الذروة تبنتها الحكومات الغربية وأدت إلى مخاوف حيال مستقبل الطاقة وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار أيضاً.
العقد الثاني من الألفية
في أواخر عام 2010 انطلق ما يعرف بـ«ثورات الربيع العربي»، وأدى هذا إلى انقطاع النفط من دول كثيرة أبرزها ليبيا. وبسبب الاضطرابات الجيوسياسية ومخاوف نقص الإمدادات وصلت أسعار النفط إلى 100 دولار مجدداً واستقرت عند هذا المستوى بين 2011 و2014.
ولكن التاريخ يعيد نفسه، وبسبب الأسعار العالية استفحل الإنتاج من خارج أوبك وبخاصة من مناطق النفط الصخري في الولايات المتحدة وانهارت الأسعار منذ منتصف 2014. وما زالت الأسواق تعاني حتى اليوم بسبب هذا الوضع. واتخذت أوبك سياستين هامتين في هذا العقد، الأولى في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، وهي سياسة الحصة السوقية التي واجهت رفضاً شديداً، ومن ثم غيرتها في الجزائر في سبتمبر 2016 إلى سياستها الثانية وهي تخفيض الإنتاج، والتي ما زالت معمولا بها حتى اليوم.
وأمام أوبك تحديات كبرى بعد ظهور السيارات الكهربائية وتهديدها لمستقبل الطلب على الوقود وإعلان الحكومات المختلفة وقف إنتاج السيارات العادية في 2040، وسينتظر التاريخ ماذا ستفعل أوبك لمواجهة تحديات العقد الثاني التي قد تؤثر على النفط لسنوات طويلة جداً.


مقالات ذات صلة

بوتين: التعاون الروسي - السعودي ضمن «أوبك بلس» يسهم في استقرار سوق النفط

الاقتصاد شعار «أوبك» (رويترز)

بوتين: التعاون الروسي - السعودي ضمن «أوبك بلس» يسهم في استقرار سوق النفط

​ أكد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن روسيا والسعودية تتعاونان بشكل وثيق ضمن إطار تحالف «أوبك بلس»، مما يُسهم في استقرار سوق النفط.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد شعار «أوبك» (رويترز)

في أول إطلالة على 2026... «أوبك» تتوقع استمرار نمو الطلب على النفط

توقعت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، في أول تقرير لها خلال العام الجاري، الأربعاء، أن يرتفع الطلب العالمي على النفط في 2027 بمعدل مماثل لهذا العام.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
الاقتصاد مصفاة «إكسون موبيل بايتاون» في تكساس (أ.ف.ب)

النفط يستقر بعد صعود حاد مع استئناف شحنات فنزويلا

توقفت أسعار النفط عن ارتفاعها يوم الأربعاء، متراجعةً بعد أربعة أيام من الارتفاع، مع استئناف فنزويلا لصادراتها.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد النفط الخام يتساقط من صمام في بئر نفطية تديرها شركة النفط الحكومية الفنزويلية «PDVSA» في حزام أورينوكو الغني بالنفط (رويترز)

أسعار النفط تتراجع مع ترقب السوق لأوضاع فنزويلا

انخفضت أسعار النفط، يوم الثلاثاء، مع ترقب السوق لاحتمال زيادة إنتاج النفط الخام الفنزويلي بعد القبض على الرئيس نيكولاس مادورو.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد منظر لمنطقة ترفيهية تابعة لشركة النفط الحكومية الفنزويلية في كاراكاس (رويترز)

ارتفاع طفيف لأسعار النفط وسط ترقب للوضع في فنزويلا وإيران

ارتفعت أسعار النفط بشكل طفيف، يوم الاثنين، حيث يدرس المستثمرون ما إذا كانت الاضطرابات السياسية في فنزويلا، ستؤثر على الشحنات.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

الصين وروسيا تجريان محادثات بعد توقف إمدادات الطاقة

عامل نظافة في أحد الشوارع أمام الكرملين بالعاصمة الروسية موسكو (أ.ف.ب)
عامل نظافة في أحد الشوارع أمام الكرملين بالعاصمة الروسية موسكو (أ.ف.ب)
TT

الصين وروسيا تجريان محادثات بعد توقف إمدادات الطاقة

عامل نظافة في أحد الشوارع أمام الكرملين بالعاصمة الروسية موسكو (أ.ف.ب)
عامل نظافة في أحد الشوارع أمام الكرملين بالعاصمة الروسية موسكو (أ.ف.ب)

ذكرت صحيفة «كوميرسانت»، يوم الجمعة، نقلاً عن مصادر مطلعة على الوضع وارتفاع الأسعار أن الصين أوقفت استيراد إمدادات الطاقة الكهربائية من روسيا، بينما أعلنت روسيا استعدادها لاستئناف المبيعات وأن المحادثات جارية. وأبلغت وزارة الطاقة الروسية «رويترز» أن الأولوية هي تلبية الطلب المتزايد على الطاقة في أقصى شرق روسيا، لكنها قد تستأنف الإمدادات إلى الصين رهناً بالشروط المتفق عليها. وقالت: «يمكن لروسيا استئناف صادرات الكهرباء إلى الصين إذا تلقت طلباً مماثلاً من بكين، وإذا تم التوصل إلى شروط تعاون متبادلة المنفعة». لم يُوضّح البيان ما إذا كان قرار وقف الإمداد بقيادة الصين أم روسيا. ومن جانبها، أعلنت شركة «إنتر راو»، الموردة للطاقة الكهربائية للصين من روسيا، أن المحادثات جارية، لكن لا يعتزم أي من الطرفين إنهاء العقد. وقالت الشركة: «في الوقت الراهن، يبحث الطرفان بنشاط فرص تبادل الكهرباء، كما أن الجانب الصيني، الذي نتواصل معه باستمرار، لم يُبدِ أي رغبة في إنهاء العقد». وربطت صحيفة «كوميرسانت» وقف الإمداد بارتفاع أسعار الكهرباء في روسيا مقارنةً بالأسعار المحلية في الصين.وتُزوّد «إنتر راو» الصين بالكهرباء بموجب عقد طويل الأجل عبر خطوط نقل الطاقة بين الولايات في الشرق الأقصى. وينص العقد، المُوقّع عام 2012، على توريد نحو 100 مليار كيلوواط/ساعة إلى الصين على مدى 25 عاماً. وتتيح سعة نقل خطوط النقل بين الولايات، التي تربط شبكة الطاقة في الشرق الأقصى بمقاطعات شمال شرقي الصين، توريد ما يصل إلى 7 مليارات كيلوواط/ساعة سنوياً. ومع ذلك، وبعد مستوى تصدير قياسي بلغ 4.6 مليار كيلوواط/ساعة في عام 2022، بدأت روسيا بتقليص إمداداتها إلى الصين بسبب قيود الشبكة ونقص الطاقة في منطقة الشرق الأقصى، حيث يتزايد الطلب على الكهرباء. وفي عام 2023، انخفضت الصادرات إلى الصين إلى 3.1 مليار كيلوواط/ساعة، ثم انخفضت أكثر في عام 2024 إلى 0.9 مليار كيلوواط/ساعة. واستمر هذا الانخفاض في عام 2025، حيث لم تُورد إلى الصين سوى 0.3 مليار كيلوواط/ساعة خلال الأشهر التسعة الأولى.


المستثمرون يترقبون تحركات السندات بعد صدمة التحقيق الجنائي مع باول

يتم عرض خطاب رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول على شاشة في بورصة نيويورك (أ.ب)
يتم عرض خطاب رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول على شاشة في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

المستثمرون يترقبون تحركات السندات بعد صدمة التحقيق الجنائي مع باول

يتم عرض خطاب رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول على شاشة في بورصة نيويورك (أ.ب)
يتم عرض خطاب رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول على شاشة في بورصة نيويورك (أ.ب)

تخيم حالة من الترقب المشوب بالحذر على أسواق السندات الأميركية، حيث يتأهب المستثمرون لموجة صعود في العوائد طويلة الأجل. وتأتي هذه التحركات مدفوعةً بالهزات الارتدادية للتحقيق الجنائي مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، وهو التطور الدراماتيكي الذي أجج المخاوف من انفلات الضغوط التضخمية، وألقى بظلال من الشك حول استدامة القدرة الماليّة للبلاد.

وقد أثار التحقيق الذي أجرته وزارة العدل رد فعل حاداً من باول عندما كشف عنه خلال عطلة نهاية الأسبوع، واصفاً الخطوة بأنها «ذريعة» للتأثير على أسعار الفائدة. ومنذ استئناف مهامه في يناير (كانون الثاني) الماضي، طالب الرئيس دونالد ترمب بخفض أسعار الفائدة بشكل حاد، ووجه انتقادات متكررة لباول لعدم استجابته، وفق «رويترز».

ويخشى المستثمرون أن أي تآكل في الثقة باستقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» والتزامه بالاستقرار السعري قد يرفع توقعات التضخم، مما يؤدي إلى انحدار منحنى العائد مع طلب المشاركين في السوق تعويضاً إضافياً مقابل الاحتفاظ بسندات الخزانة طويلة الأجل. وقد ينعكس ذلك على أسواق الائتمان ويؤثر على القدرة على التحمل المالي، وهو مصدر قلق رئيسي للناخبين، نظراً لأن معدلات الرهن العقاري مرتبطة بالعوائد طويلة الأجل.

وقال تييري ويزمان، كبير استراتيجيي الأسواق والعملات في مجموعة «ماكواري»: «كلما حاول الفرع التنفيذي الضغط على (الاحتياطي الفيدرالي) للحفاظ على أسعار الفائدة منخفضة أكثر مما ينبغي، فإن ذلك ينقلب عادةً عليه». وأضاف أنه لا يزال مشترياً لما يُعرف بـ«المستويّات المتسارعة»، أو الصفقات التي تتوقع اتساع الفارق بين سندات الخزانة لأجل سنتين و10 سنوات.

وقد ظهرت المخاوف بشأن ارتفاع توقعات التضخم في مؤشر العائد الفعلي طويل الأجل، وهو مقياس لتوقعات المستثمرين بشأن التضخم. وارتفع مؤشر التضخم المتوقع لـ10 سنوات في الولايات المتحدة إلى 2.29 في المائة يوم الثلاثاء الماضي، وهو الأعلى منذ أوائل نوفمبر (تشرين الثاني).

وقال جيريمي بارنوم، المدير المالي لبنك «جي بي مورغان»، يوم الثلاثاء خلال مؤتمر صحافي لمناقشة أرباح البنك للربع الرابع من 2025: «هذا الصراع المتزايد بين البيت الأبيض و(الاحتياطي الفيدرالي) قد يؤدي إلى رفع أسعار الفائدة ويعقد جهود إنعاش سوق الإسكان». وأضاف: «السرد العام في السوق هو أن فقدان استقلالية (الاحتياطي الفيدرالي) يميل إلى إحداث انحدار أكبر في منحنى العائد وأضرار أخرى على الديناميكية الاقتصادية المستمرة».

وعبّر روبن فينس، الرئيس التنفيذي لبنك «بي إن واي»، عن مخاوف مماثلة في مؤتمر صحافي بعد إعلان أرباح البنك يوم الثلاثاء صباحاً: «دعونا لا نهز أساس سوق السندات ونفعل شيئاً قد يدفع أسعار الفائدة فعلياً للارتفاع نتيجة فقدان الثقة في استقلالية (الاحتياطي الفيدرالي)».

وانحدر منحنى العائد بين سندات الخزانة الأميركية لأجل سنتين و10 سنوات إلى 67.10 نقطة أساس يوم الاثنين مؤقتاً مع عودة المخاوف بشأن استقلالية (الاحتياطي الفيدرالي)، لكنه تقلص بعد ذلك.

وعند سؤال المتحدث باسم البيت الأبيض عن توقعات المستثمرين لانحدار منحنى العائد الذي قد يؤثر على معدلات الرهن العقاري، قال: «تلتزم إدارة ترمب بإعادة الولايات المتحدة لتكون الاقتصاد الأكثر ديناميكية في العالم وضمان ثقة الأسواق المالية في السياسة النقدية الوطنية».

وكان المستثمرون قد بدأوا بالفعل في تسعير منحنى عائد أكثر انحداراً في 2026 قبل الإعلان عن التحقيق الجنائي مع باول يوم الأحد.

ومع وجود «الاحتياطي الفيدرالي» في منتصف دورة تيسيرية، كان المشاركون في السوق يشترون نهاية المنحنى القصيرة، مثل سندات سنتين و5 سنوات، بينما يبيعون سندات 10 سنوات و30 سنة مع استمرار المخاوف بشأن العجز المالي المرتفع للولايات المتحدة.

وقال ديفيد هواغ، مدير محافظ الدخل الثابت في «كابيتال غروب»: «عندما لا نعرف إلى أين تتجه السياسات، هذا هو الوقت الذي نطالب فيه بعوائد أعلى لنُغرَم بالاستثمار في سندات الخزانة».

خيار غير جذاب

وأضاف هواغ أن المستثمرين يواجهون خيارين غير جذابين نسبياً: شراء سندات الخزانة قصيرة الأجل بعوائد أقل وعوائد محدودة، أو المخاطرة بالتحرك نحو سندات 10 سنوات للحصول على عائد إضافي، مع احتمال مواجهة مشكلة إذا ركز «الاحتياطي الفيدرالي» على خفض أسعار الفائدة على حساب السيطرة على التضخم. وقال: «ليست صفقة مغرية، مرحباً بكم في عالمي».

ويعتقد المشاركون في سوق سندات الخزانة والمحللون أن هناك مجالاً كبيراً لمزيد من انحدار منحنى العائد. وبدءاً من مساء الأربعاء، كان بإمكان المستثمرين الحصول على 62.40 نقطة أساس إضافية عند شراء سندات 10 سنوات بدلاً من سندات سنتين، وفقاً لبيانات «إل إس إي جي».

وعلى الرغم من أن الفارق قد اتسع بشكل كبير منذ إعادة انتخاب ترمب في نوفمبر 2024، ولا يزال أكبر من أدنى مستوى سجل في نوفمبر 2025 البالغ 45 نقطة أساس، فإنه لا يزال أقل من المتوسط طويل الأجل البالغ 1.27 في المائة أو 127 نقطة أساس، وفقاً لسويتا سينغ، المؤسِسة المشاركة لشركة «سيتي ديفيرنت إنفستمنت». وقالت: «لا يزال هناك مجال كبير لانحدار المنحنى».

وقال سيث ماير، رئيس إدارة المحافظ العالمية في «جانوس هندرسون إنفسترز»، إنه لا يزال محتفظاً بسندات الخزانة ومراكز أخرى تراهن على انحدار منحنى العائد، أو انخفاض أسعار السندات طويلة الأجل مع إصرار المستثمرين على الحصول على عائد أعلى. وأضاف: «نحن ما زلنا تاريخياً مسطحين؛ نحن مسطحون مقارنة بالدول المتقدمة الأخرى».

استقرار نسبي في الأسعار رغم المخاوف

ورغم التصريحات السياسية المتزايدة، ظلت معدلات السندات طويلة الأجل مستقرة نسبياً. ويوم الاثنين، ارتفع العائد على سندات 10 سنوات قليلاً قبل أن يتراجع يوم الأربعاء بعد الظهر إلى 4.142 في المائة.

ومع ذلك، لا يستسلم المتفائلون بانحدار منحنى العائد، مشيرين إلى حالة عدم اليقين وسرعة إصدار السياسات والتصريحات الجديدة من البيت الأبيض. وقالت سينغ: «هناك دومينوات جديدة تسقط كل يوم».


«اتفاق تاريخي» لإزالة حواجز التجارة والسياحة بين كندا والصين

الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى استقباله رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في قاعة الشعب الكبرى بالعاصمة بكين يوم الجمعة (د.ب.أ)
الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى استقباله رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في قاعة الشعب الكبرى بالعاصمة بكين يوم الجمعة (د.ب.أ)
TT

«اتفاق تاريخي» لإزالة حواجز التجارة والسياحة بين كندا والصين

الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى استقباله رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في قاعة الشعب الكبرى بالعاصمة بكين يوم الجمعة (د.ب.أ)
الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى استقباله رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في قاعة الشعب الكبرى بالعاصمة بكين يوم الجمعة (د.ب.أ)

اتفق رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، والرئيس الصيني شي جينبينغ، يوم الجمعة، على حزمة من الإجراءات تشمل التجارة والسياحة، وذلك خلال أول اجتماع بين زعيمي البلدين في بكين منذ ثماني سنوات. وأشاد رئيس الوزراء الكندي بهذا الاتفاق التاريخي في إطار «شراكة استراتيجية جديدة» مع الصين، مطوياً بذلك صفحة سنوات من الخلافات الدبلوماسية، والاعتقالات الانتقامية لمواطني البلدين، والنزاعات الجمركية. ويسعى كارني إلى تقليل اعتماد بلاده على الولايات المتحدة، شريكها الاقتصادي الرئيسي وحليفها التقليدي، في ظل رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الرسوم الجمركية على المنتجات الكندية بشكل حاد.

وقال كارني في مؤتمر صحافي عقب لقائه مع شي: «توصلت كندا والصين إلى اتفاق تجاري مبدئي ولكنه تاريخي لإزالة الحواجز التجارية وخفض الرسوم الجمركية». وبموجب الاتفاقية، من المتوقع أن تخفض الصين، التي كانت تُعدّ أكبر سوق لبذور الكانولا الكندية، الرسوم الجمركية على منتجات الكانولا بحلول الأول من مارس (آذار) إلى نحو 15 في المائة، بعد أن كانت 84 في المائة. كما ستسمح الصين للزوار الكنديين بدخول أراضيها من دون تأشيرة.

وفي المقابل، ستستورد كندا 49 ألف سيارة كهربائية صينية بموجب رسوم جمركية تفضيلية جديدة بنسبة 6.1 في المائة.

وقال كارني، معلقاً على اتفاقية السيارات الكهربائية: «هذه عودة إلى المستويات التي كانت سائدة قبل التوترات التجارية الأخيرة». ورحب شي جينبينغ بكارني في قاعة الشعب الكبرى، قائلاً إن العلاقات الصينية الكندية شهدت منعطفاً حاسماً في اجتماعهما الأخير على هامش قمة «أبيك» في أكتوبر (تشرين الأول). وأضاف شي للزعيم الكندي: «يمكن القول إن اجتماعنا العام الماضي فتح فصلاً جديداً في مسيرة تحسين العلاقات الصينية الكندية». وقال: «إنّ التطور السليم والمستقر للعلاقات الصينية الكندية يخدم المصالح المشتركة لبلدينا»، مضيفاً أنه «سعيد» برؤية المناقشات التي جرت خلال الأشهر القليلة الماضية لاستعادة التعاون.

تصحيح المسار

وتدهورت العلاقات بين البلدين في عام 2018 بسبب اعتقال كندا لابنة مؤسس شركة «هواوي»، بناءً على مذكرة توقيف أميركية، وردّت الصين باحتجاز مواطنين كنديين اثنين بتهم التجسس. وفرض البلدان رسوماً جمركية على صادرات بعضهما بعضاً في السنوات اللاحقة، كما اتُهمت الصين بالتدخل في الانتخابات الكندية. لكن كارني سعى إلى تغيير المسار، وأعلنت بكين أيضاً استعدادها لإعادة العلاقات إلى «المسار الصحيح». وكان من المقرر أن يعقد الزعيم الكندي، الذي التقى يوم الخميس برئيس الوزراء لي تشيانغ، محادثات مع قادة الأعمال لمناقشة التجارة. وقد تضررت كندا، الحليف القوي للولايات المتحدة تقليدياً، بشدة من الرسوم الجمركية الباهظة التي فرضها ترمب على الصلب والألومنيوم والمركبات والأخشاب.

ودفعت تحركات واشنطن كندا إلى البحث عن أسواق تجارية في أماكن أخرى. وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، صرّح كارني بأن على كندا مضاعفة صادراتها من خارج الولايات المتحدة بحلول عام 2035 لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة. لكن الولايات المتحدة لا تزال أكبر أسواقها بفارق كبير، إذ تستحوذ على نحو 75 في المائة من السلع الكندية في عام 2024، وفقاً لإحصاءات الحكومة الكندية. وبينما أكدت أوتاوا أن الصين ثاني أكبر أسواق كندا، إلا أنها لا تزال متأخرة كثيراً، إذ تستحوذ على أقل من 4 في المائة من الصادرات الكندية في عام 2024.