السريالية... فلسفة الحرية

أصبحت موضة دارجة لا يخلو منها أي عمل فني أو ديوان شعري

أندريه بريتون - سلفادور دالي
أندريه بريتون - سلفادور دالي
TT

السريالية... فلسفة الحرية

أندريه بريتون - سلفادور دالي
أندريه بريتون - سلفادور دالي

ليس من السهل تبسيط النظريات الفلسفية المعقدة كالدادائية والسوريالية، ولكننا سنحاول ذلك. ومعلوم أنهما ظهرتا وراء بعضهما البعض في بدايات القرن العشرين، بل كانت الثانية بنت الأولى وامتداداً لها. فلا سريالية من دون دادائية. ولكن ما معنى هذه المصطلحات الهجينة والغريبة على الأذن العربية؟
لقد ظهرت الحركة الدادائية عام 1916 في مدينة زيوريخ بسويسرا على يد الكاتب تريستان تزارا. وكانت في البداية عبارة حركة عبثية فوضوية في مجال الفن والأدب عموما. وقد تشكلت بشكل عفوي أو عشوائي كرد فعل على مجازر الحرب العالمية الأولى. ومعلوم أنه سقط فيها ملايين البشر بين قتلى وجرحى ومعطوبين ومقعدين. ولذلك شعر الكتاب الأوروبيون بالغضب العارم تجاه هذه المذبحة الكبرى وقرروا الخروج على المألوف ومعارضة كل التقاليد الشائعة في المجتمع الأوروبي للتعبير عن غضبهم وتمردهم. فهذه التقاليد هي التي أدت إلى الكارثة في نظرهم. وبالتالي فيحق الخروج عليها. وهنا نلتقي بمشكلة العلاقة بين السياسة والثقافة. فكما أن المثقفين العرب هاجوا وماجوا بعد هزيمة 5 يونيو (حزيران) فإن مثقفي أوروبا جن جنونهم أيضا بعد مجزرة الحرب العالمية الأولى.
ولذلك قرروا الخروج على العقلانية الكلاسيكية في الأدب والفن لأن العقل لم يستطع أن يمنع اندلاع الحرب وقتل ملايين الشباب الأوروبي في معارك طاحنة وعبثية في آن معا. هذا هو الباعث الأول لتشكيل الحركة. وقد سموها «دادا» بشكل عشوائي أيضا لأنهم عندما كانوا مجتمعين في مقهى «فولتير» بزيوريخ فتحوا القاموس هكذا لا على التعيين فوقعوا على كلمة «دادا» فسموا حركتهم بها. وبالتالي فالعملية كلها اعتباطية أو عبثية من أولها إلى آخرها. ولكن العبثية تحتوي أحياناً على شحنات تحريرية هائلة. العبثية هنا تعني الفوضى المبدعة الخلاقة. وهذا ما كانوا يبتغونه. فليس بالعقل الصارم وحده يحيا الإنسان. العقل أحيانا قد يعني الاعتقال. ولذا فإن شطحات الخيال الجنونية أكثر ملاءمة للإبداع الأدبي من العقل الناشف أو العقلانية الضيقة. إنها وقود الشعر والنثر على حد سواء. ويوميا قد تحتاج لأن تعيش، ولو لثوان، لحظات سريالية، مرتفعا فوق سطح هذا الواقع الكئيب الباهت. شكراً إذن للشطحات الخيالية، شكرا للحظات السريالية.
المهم أن هؤلاء القوم قالوا في بيانهم التأسيسي إن الحركة الدادائية تهدف إلى التحرر من كل القيود المرهقة والأعراف الاجتماعية الامتثالية. إنها دعوة للانطلاق والحرية في الكتابة الأدبية أو الرسم التشكيلي أو أي تعبير آخر عن الواقع والوجود. وقالوا إن عبثية الحرب العالمية الأولى ينبغي أن تقابلها عبثية أخرى على صعيد الأدب والفن. والواقع أن الحركة الدادائية كانت عبارة عن رد فعل على قيم الحضارة الغربية بمجملها.
وهي قيم ترتكز على أساس العمل في المصانع من الصباح إلى المساء، وعلى النظام الصارم بل وشبه العسكري لهذا العمل بالذات. وقال مؤسسو الحركة إنهم قرروا الإضراب عن العمل والعيش بشكل هامشي والتسكع في الطرقات والدروب والعيش في الحانات. وهكذا ثاروا على المجتمع البورجوازي بكل قيمه الراسخة وأصبحوا يجدون الجميل قبيحا والقبيح جميلا على طريقة بودلير أو رامبو. ألم يقل رامبو في ديوانه الشهير فصل في الجحيم: «لقد أجلست الجمال على ركبتي ووجدته مريرا وشتمته»؟ ألم يعبر بودلير عن «أزهار الشر» أفضل تعبير؟ ألم ينزل إلى الطبقات السفلى للجحيم؟
وبالتالي فالحركة العبثية أو الفوضوية في الفن والشعر ظهرت قبل الدادائية وتجد جذورها عند رامبو المشهور بأنه كان أكبر متمرد وأزعر في التاريخ (هذا إذا ما استثنينا لوتريامون الذي فاقه جنونا وعبثية). وبالتالي فالحركة الدادائية هي في الأصل حركة تبحث عن الانعتاق والحرية. إنها مفعمة بالتمرد على كل شيء. ولكن هذه الحركة لم تدم طويلا، والشاعر الفرنسي أراغون يعتبر أنها انتهت بعد خمس سنوات من تأسيسها أي عام 1921 - 1922. ثم أردف قائلا إن قصائد تريستان تزارا أسكرتني وأنعشتني طيلة حياتي كلها.
وبعد موت الدادائية جاء دور السريالية التي كانت استمرارية لها مع بعض التوسيع والتنويع والتعميم. والواقع أن السريالية كانت هي الأقوى والأكثر رسوخاً وانتشاراً في العالم. فلا يزال هناك أدب سوريالي أو فن تشكيلي سوريالي حتى الآن. في حين أنه لم يعد هناك أدب دادائي.
لقد انتهى عهد ترستان تزارا وجاء عهد أندريه بريتون الذي أسس الحركة السريالية في باريس عام 1924: أي بعد موت الحركة الدادائية بسنتين فقط. فقد نشر في ذلك العام البيان السريالي الشهير الذي لا يقل خطورة عن البيان الشيوعي. وفيه يقول ما معناه إن السريالية تعتقد بوجود واقع يتجاوز الواقع الحالي الذي نراه ويتفوق عليه. إنه واقع ما فوق الواقع (وهذا هو المعنى الحرفي لكلمة سريالية باللغات الأجنبية). إنه واقع الحلم والشرود الذهني والتوترات النفسية اللاواعية بذاتها.
وهذا الواقع الذي يتجاوز الواقع هو ما كان السابقون قد تجاهلوه وأهملوه. وبالتالي فإننا نكتشفه من جديد ونعيد إليه الاعتبار. والكتابة ناتجة عن هذا الواقع العُلوي، واقع الحلم والهيجانات النفسية وليس الواقع العقلاني الذي نراه أو نصطدم به كل يوم. بمعنى آخر فإن السريالية تعبر عن الوعي الباطني العميق لا الوعي الظاهري السطحي.
لهذا السبب خلع أندريه بريتون المشروعية على الكتابة الأتوماتيكية التي تسرح وتمرح، لا رادع لها ولا وازع. وهي كتابة حرة، منفلشة، تسير على هواها من دون قيود أو حدود. إنها الكتابة التي تفلت من سيطرة العقل الواعي الذي يشبه الشرطي المسلط فوق رأسك من حيث المراقبة والقمع. والعقل الواعي الجمعي هو العقل الامتثالي السائد. إنه العقل الإرهابي للمجتمع الذي جنن فان غوخ ودفعه إلى الانتحار دفعا. انظروا لكتاب أنطونين آرتو: «فان غوخ، منحور المجتمع». ومعلوم أن آرتو ذاته جننه المجتمع أيضا. بل وجنن عباقرة آخرين عديدين. المجتمع أحيانا قاس لا يرحم.
على هذا النحو راحت الحركة السريالية تشق طريقها وتسيطر على الأجواء الأدبية والفنية الباريسية طيلة العشرينات وحتى الخمسينات من القرن الماضي. بل وأصبحت موضة دارجة لا يخلو منها أي عمل فني أو ديوان شعري أو كتابة أدبية أيا تكن. فبيكاسو في مجال الفن التشكيلي كان سرياليا أيضا أو قل مر بالمرحلة السوريالية قبل أن يتجاوزها إلى مدارس أخرى. وقل الأمر نفسه عن سلفادور دالي الذي كان يجسد الجنون الكامل في الرسم والفن. وقد أطلق لمواهبه وبواعثه الدفينة العنان وأنتج لوحات سريالية رائعة لا تزال تدهشنا حتى الآن.
والواقع أن السريالية تعني في أحد معانيها تحرير الطاقات الدفينة الكامنة في أعماقنا والمقموعة من قبل المجتمع الذي نعيش فيه. وهذا هو أجمل معنى للسريالية. فالمجتمع يمنعنا من الانطلاق، من التعبير الحر عن كل ما يجول في خاطرنا بحجة أنه نجس أو شاذ أو مجنون أو غير طاهر أو لا أخلاقي، الخ. السريالية تقول لنا: تحرروا من كل ذلك، عبروا عن أنفسكم، انطلقوا، لا تترددوا في كتابة حتى الأشياء المخجلة التي قد تخطر على ذهنكم حتى ولو صدمت المجتمع. نعم إن الموقف السريالي هو موقف تحد تجاه المجتمع. نعم إنه يهدف إلى تحرير الطاقات المخزونة والتعبير عن أشياء ما كان أحد يتجرأ على البوح بها سابقا وفي طليعتها الأشياء الجنسية.
هذا وقد اعتمد السرياليون على مرجعيات أدبية وشعرية كبرى تعود إلى القرن التاسع عشر من أجل تدعيم حركتهم الفنية الجديدة. ومن أهم هذه المرجعيات الشاعر جيرار دونيرفال الذي مات مجنونا بل ومنتحرا في عز شبابه. شنق نفسه على عمود كهرباء في ساحة شاتليه وسط العاصمة الفرنسية. ومعلوم أنه خلّف وراءه كتابات رائعة يختلط فيها الحلم، بالذكرى الوهمية، بالجنون. وربما كان هو أول من اخترع مصطلح السريالية أو بالأحرى ما فوق الطبيعية. فقد كان يعتقد بوجود عالم آخر غير هذا العالم الطبيعي الواقعي الذي نعيش فيه. إنه عالم ما فوق طبيعي أو ما فوق واقعي. إنه عالم يقف وراء هذا العالم مباشرة. ثم تبنى السرياليون أيضا شاعرا منبوذا جدا هو: لوتريامون.
ومن مرجعيات السرياليين أيضا الشاعر الكبير آرثر رامبو الذي دعا إلى تغيير الحياة. ومعلوم أن ديوانه المدعو «بالإشراقات» مليء بالأشعار الغامضة والصور المتفككة التي تعبر عن اختلاجات الوعي الباطني والتي تخرج على منطق المعنى المتماسك كليا. بمعنى آخر فإنه ديوان لا معنى له أو يصعب أن تعثر فيه على معنى متماسك. من هنا جاذبيته التي لا تضاهى.
ومن مرجعياتهم أيضا فرويد بالطبع لأنه اكتشف منطقة اللاوعي: أي تلك القارة السحيقة والمظلمة من أعماق الإنسان. بل ومن مرجعياتهم كارل ماركس الذي قال: «من قديم الزمان والفلاسفة مشغولون بتفسير العالم، وقد آن الأوان لتغييره». وبالتالي فالحركة السريالية هي حركة ثورية راديكالية على كل الأصعدة والمستويات: أي على صعيد التعبير الشكلي، واللغة، والأسلوب، والفن التشكيلي.
كما أنها ثورية على مستوى الأفكار والمضامين. ولهذا السبب جذبت إليها شعراء كبارا ليس أقلهم رينيه شار، وأراغون، وبول ايلوار، وسواهم عديدين. بل وحتى السينما أصبحت سريالية.
ثم انتقلت الحركة الباريسية إلى شتى أنحاء العالم. فهناك سريالية فرنسية وألمانية وروسية بل وحتى عربية... الخ. هذا وقد عشنا لحظات سريالية كثيرة في باريس أيام زمان. وساعدنا ذلك على التحرر من القمع الشرقي الرهيب الذي كان يلاحقنا ويمنعنا من الانطلاق والانعتاق. تحررنا من تربية ذلك الشيخ المتزمت المظلم الذي كان عبقرياً في فن القمع والكبت والإرهاب. هل سنمضي عمرنا كله في محاولة التخلص منه؟



حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية
TT

حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

من النافذة يطل أمامي صف من البيوت على الطرف الآخر للشارع، ومن زاوية نظري أستطيع رؤية عمال بناء موزعين أمام بيتين أو ثلاثة، فلا بد أن تكون هناك ترميمات تجري على قدم وساق هنا وهناك، فصفَّا البيوت المتقابلة الممتدة لنصف كيلومتر أُنشئت جميعها في أوائل الثلاثينيات، في عهد الملك إدوارد، وهذا ما وسمها باسمه: النمط الإدواردي. بيوت غرفها صغيرة بسقوف واطئة نوعاً ما، وديكور أقل زخرفة وأناقة من النمط الفيكتوري الذي ساد في زمن الملكة فيكتوريا حيث الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب الشمس عنها.

حالما أعيد دورة الزمن إلى الوراء لثمانين سنة سيختفي صف البيوت هذا من أمامي، وخلفه سيمتد مرعى أخضر واسع تنتشر فوقه بقع بيضاء تتحرك قليلاً من وقت إلى آخر، وحين أمعن النظر أكثر أكتشف أنها ليست سوى أغنام موزعة من دون تنسيق، حيث ثبتت رؤوسها على الحشيش الغزير، ولا أستبعد أن تكون هناك حيوانات برية موزعة هناك وهناك: ثعالب وأرانب وقنافذ، وربما سناجب تتنقل ما بين الأشجار المنتشرة دون نظام والأرض المعشوشبة.

غير أن هذه الأراضي التي تعود ملكيتها إلى الدولة بدأت تدخل منذ أوائل القرن العشرين في دائرة الملكية الخاصة، فقد بيعت بأسعار بخسة لتشجيع استيطانها.

وخطوة خطوة، راحت أجيال متعاقبة من مخططي ومعماريي المدن والحدائق العامة ومعماريي البيوت والمهندسين المدنيين وآلاف العمال المهرة وشركات البناء والكهرباء والماء وإزالة الأحراش يعملون بدأب وراء الستارة ليشقوا طرقاً ويبلطوها بالأسفلت، وإنشاء أرصفة للمشاة ولأعمدة الكهرباء. وكان يجب تطوير مراكز إنفاذ النظام والقانون وتدريب شرطتها على ضبط العربات المتعددة الأغراض.

هل هذا العمل البطيء الدؤوب الذي شاركت فيه أجيال من المخططين والمنفذين له ما يناظره في حقل العلوم الواسع؟

«المادة لا تفنى ولا تُستحدث»، هذا ما صرح به عالم الكيمياء الفرنسي لوران لافوازييه الذي قطعت مقصلة ثوار 14 تموز رأسه خطأً يوم 8 مايو (أيار) 1794.

مع ذلك فإن ما تركه من بصمة على تطور العلوم وتطور مداركنا باكتشافه الأكسجين والهيدروجين، وتحديد صفاتهما، ظل قائماً، وبالتالي ظل لافوازييه نفسه حياً دائماً عبر إرثه الذي دخل في حياتنا وذاكرتنا جزءاً أساسياً منهما.

غير أن ما حمله القرن التاسع عشر من تطور هائل في حقل الصناعة واكتشاف أن المادة قابلة لأن تتحول إلى طاقة جعل فرضية لافوازيه بحاجة إلى التعديل، وذلك حين أصبح ممكناً تحويل الفحم الحجري إلى طاقة حرارية، ثم جاء استخدام الكهرباء طاقةً لإنارة الشوارع أولاً (في أواخر ذلك القرن) قبل تحويلها لاحقاً إلى أشكال أخرى من الطاقة، سواء حرارية أو ميكانيكية، ثم جاء آينشتاين في أوائل القرن العشرين ليؤكد تلك الفرضية التي ظلت تتردد لدى علماء القرن التاسع عشر التطبيقيين من دون أن يتمكنوا من صياغتها: «الطاقة لا تفنى ولا تُستحدَث»، لكن بالإمكان تحويلها من شكل إلى آخر: من طاقة ميكانيكية إلى حرارية أو كهربائية أو بالعكس.

وهذا ما بقينا نعيش تحت ظله: خلود الطاقة. فهي تترك وراءها مادة ما. القنابل النووية تترك وراءها أشعة وذرات قاتلة، أيْ مادة، ومن المادة يمكن الحصول على طاقة.

واليوم أصبحت الطاقة الكهربائية هي المحرك الحقيقي لحياتنا ويمكن تحويلها إلى طاقة حرارية أو ميكانيكية، وهي بالمقابل يمكن توليدها من الطاقة الحرارية القادمة من الشمس أو من الطاقة الميكانيكية التي تولدها طواحين الهواء، أو من الطاقة النووية.

وإذا كان ذلك صحيحاً في حقل العلوم الدقيقة والصناعة فهل يمكننا توسيعه ليشمل الوجود الإنساني نفسه مثلما جرى في أنسنة البيئة البرية القريبة من موقع مسكني خلال أكثر من قرن؟

فهذه الخبرات تراكمت فوق بعضها البعض، وهذا بفضل ما ظل الآباء والمعلمون يغذون الصغار بمعارفهم كي يصبحوا قادرين على ملء مئات التخصصات الضرورية لإقامة صف البيوت الأنيق هذا، بواجهات مطلية بالطلاء نفسه، ووراءها يمتد الطريق السريع والجسور والأنفاق العابرة للطرف الآخر منه.

استمرارية الشعلة

لكأننا نواجه بهذه الطاقات الصغيرة التي لم تكتف ببناء المساكن فحسب، وتوفير كل الخدمات الضرورية لسكانها، بل تكونت جيوش من العمال جاهزة دائماً لإدامتها والوقوف أمام فعل الزمن المخرب للأشياء، ناهيك عن منسقي الحدائق الكبيرة، الذين صمموا بعضها ثم غادروا الحياة قبل أن يروا شكلها النهائي الذي احتاج إلى نصف قرن لاكتماله.

ما جرى أمامي هو نفسه وبأشكال مختلفة جرى في شتى أنحاء المعمورة، فهناك حضارات بنيت قبل خمسة آلاف سنة في مصر والعراق، وفيها شقت الطرق وبنيت الزقورات والأهرام والمدن بمساكنها وأسواقها ومعابدها ومسارحها، لتجد طريقها في الانتشار بين شعوب العالم القديم.

وإذا اعتبرنا ابتكار الحروف والكتابة في هاتين الحضارتين نقطة تحول هائلة في تطور مدارك الإنسان، إذ معها أصبح ما يبدعه الفرد من معرفة وأدب وعلوم قابلاً للانتقال إلى الأجيال اللاحقة من دون ضرورة أن يكون مبدعها حياً، وقابلاً للانتقال من مكان إلى آخر. وهنا تصبح كل هذه الطاقات التي ينتجها عقل جمعي واحد يطلق عليه هيغل اسم «الروح المطلق» قابلة لأن تتحول إلى طاقات مختلفة لدى الأحياء من البشر أو للأجيال اللاحقة. لكأننا في هذه الحالة نشهد تحول الطاقة إلى مادة في حالة البناء والإعمار وإنشاء القرى والبلدات والمدن، ثم تحول المادة التي تتجسد بالأطفال المولودين للتو إلى طاقة أكبر وأكثر تنوعاً ابتداء من بلوغهم سن الشباب.

ما يميز شخصيات الروائي الروسي دوستويفسكي في رواياته الكبرى هو أن كلاً منهم تتحكم فيها فكرة ما، وهذه الفكرة تنتمي إلى عصره وأبدعها شخص أو مجموعة أشخاص تنتمي إلى القرن التاسع عشر.

وهذه الحال تنطبق على الحياة الواقعية لكن من دون تلك الواقعية الخيالية المبالغ بها في أعماله الأدبية.

قد يمكننا القول إن هناك نوعاً من الأفكار التي تُستحدث لدى مبدعها بفعل أفكار أخرى مسبقة أصبحت مادة أولية لها أو تحت تأثير إلهام خارجي خارق، وهذه الأفكار تأخذ شكل معتقدات دينية أو مذهبية أو آيديولوجية، وهي تمتلك القدرة على صياغة ثقافة مشتركة للمجتمعات التي وُلدت فيها وإلى أخرى قد تكون بعيدة عن موطنها الأصلي. وبفضل هذا النوع من الأفكار المختلفة عن بعضها البعض تشكلت طرائق وسلوكيات ورؤى وأمزجة خاصة لهذا الشعب أو ذاك، وبهذه الطريقة أصبح الجنس البشري مختلفاً عن الأجناس الحيوانية الأخرى بفضل تغلغل هذه الأفكار في روحية المجتمعات لتخلق غنى واسعاً في ثقافاتها.

وخلال القرنين التاسع عشر والعشرين حدثت تحولات كبيرة في مفاهيم المجتمعات البشرية، حيث استطاعت الأفكار المستنبَطة من العلوم التي تطورت على تغيير الكثير من القناعات السابقة في مجالات علم الفلك وعلم الجيولوجيا وعلم النفس وغيرها، إضافة إلى تصاعد دور الفلسفة لا في صياغة رؤى الفرد والجماعة بل في صياغة طرائق الإدارة والحوكمة، وهذا ما خلق تقارباً عالمياً في الكثير من القناعات والممارسات وأنماط العيش والإبداع.

كم تتشابه الحالة البشرية مع الحالة العلمية اللتان يتحدد جوهرهما أساساً بالقانون نفسه: الطاقة لا تفنى ولا تستحدث. فالفكرة قبل تحويلها إلى واقع مادي تظل طاقة قائمة بذاتها ولكن عندما تصبح واقعاً على أيدي طواقم المهندسين والتقنيين والعمال فإنها تنتقل (حالها حال تحول الطاقة الكهربائية إلى حرارة أو حركة) من طاقة إلى مادة.

وعلى ضوء ما نراه من حياة «الإنسان العاقل» على هذه الأرض ونجاحه في تحويل عالمه القائم بذاته إلى عالم قائم لذاته، أي لذات هذا الكائن الأخير، يمكننا القول إنه تمكن من تحقيق خلوده عبر تحقيق نقل طاقته (قبل غيابه الجسدي) إلى ذريته وأجيال المستقبل، فبذلك ضمن بقاءه عبرهم. هنا يظهر أبو الكيمياء الحديثة ثانية: لافوازييه. فعند تسخينه أوكسيد الزئبق داخل منظومة مغلقة ظهر غاز ضروري تبين أنه ضروري للتنفس والاحتراق فأطلق عليه اسم «الأكسجين».

لكأن حال لافوازيه كحال مليارات الناس الذي ولدوا على هذه الأرض وغذوا خلال وجودهم المادي القصير نهر الحياة بطاقاتهم، وهذه ظلت خيطاً رابطاً ما بين الماضي والمستقبل غير المنظور.

إنهم هنا معنا أحياء عبر بصماتهم على نهر الحياة المتدفق هذا، طاقة قابلة للتحول من شكل إلى آخر لكنها لا تُفنى أبداً.


مدخل إلى الفنون الأموية المدنية

واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين
واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين
TT

مدخل إلى الفنون الأموية المدنية

واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين
واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين

يعود تأسيس متحف الفن الإسلامي في برلين إلى عام 1904، وتُعتبر أهم التحف المحفوظة فيه واجهة حجرية ضخمة مزينة بالزخارف المنقوشة، تعود إلى قصر أموي يُعرف باسم «قر المشتّى»، شُيّد خلال القرن الثامن في بادية الأردن. يحوي هذا المتحف كذلك لوحة جدارية خرجت في عام 1908 من قصر أموي يعود إلى الحقبة نفسها، ويُعرف باسم «قصير عمرة»، وهو في الواقع حمّام ملكي يقع كذلك في بادية الأردن، تزيّن جدرانه شبكة ضخمة من الرسوم الجدارية تمتد على مدى 350 متراً مربعاً تقريباً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي.

في المقابل، أنشأت السلطة البريطانية في القدس متحفاً افتتح رسمياً في عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار»، وضمّ مجموعة كبيرة من التماثيل والنقوش، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة في شمال أريحا. يُعرف هذا القصر باسم قصر هشام، ويشكّل اليوم جزءاً من مجمّع يحوي مسجداً وحمّاماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف اليوم بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم». يحضر الفن الأموي المدني بقوّة كذلك في متحف دمشق الوطني الذي أُسّس في عام 1919، وتوسّع في مرحلة أولى خلال عام 1936، ومرة ثانية في مطلع الخمسينات، وضمّ حينها قسماً شُيّد لاحتواء مجموعة ضخمة من اللقى خرجت من قصر أموي يقع على بعد 60 كيلومتراً، جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. اكتُشف هذا الصرح في عام 1936، ونُقلت واجهته الخارجية إلى متحف دمشق الوطني، وأعيد إنشاؤها عند مدخله، فباتت بوابة له يبلغ طولها 14.45 متر، يحدّها من الطرفين برجان نصف دائريين مزخرفان بنقوش متعدّدة الأشكال.

دام عصر الخلافة الأموية تسعة عقود، عرف خلالها العالم الإسلامي حركة عمران كبيرة تمثّلت في سلسلة من الإنجازات الضخمة، أشهرها قاطبة قبة الصخرة في الحرم القدسي، والمسجد الأموي في دمشق. تعدّت هذه الحركة الميدان الديني، وشملت الميدان المدني بشكل واسع، كما تشهد مجموعة كبيرة من الأبنية في بوادي الشام، ظهرت معالمها الأولى خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، وتواصل استكشافها بشكل مستمر خلال القرن الماضي. تُعرف هذه الأبنية اليوم بـ«القصور الأموية»، وتنتشر بحسب التوزيع الجغرافي المعاصر في نواحٍ عدة تقع في دول سوريا والأردن وفلسطين.

يبرز قصر الحير الغربي في سوريا، ويعود إلى عهد هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أميّة، ويتميّز بحلله الزينية التي تجمع بين النقش والنحت والتصوير اللوني، وتشهد لفن أموي مدني شكّل استمرارية خلاقة للفنون التي ورثها. يقابل هذا الصرح قصر آخر يُعرف باسم قصر الحير الشرقي، يعود إلى ذلك العهد، ويقع شمال شرق تدمر، وكان بمثابة منتجع على ضفاف نهر الفرات. تضم الأراضي السورية كذلك أطلال قصرين من هذه القصور، يقع أحدهما في جبل سيس، جنوب شرق مدينة دمشق، ويُنسب إلى عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك، سادس خلفاء بني أمية. يقع القصر الآخر في مدينة الرصافة التي تُعرف كذلك برصافة هشام، وتمتدّ جنوب نهر الفرات، في شمال الصحراء السورية.

في فلسطين، يبرز في المقام الأول قصر خربة المفجر الشهير بقصر هشام، نسبة إلى هشام بن عبد الملك، ويتميّز بحلله الزينية المتنوعة، وأبرزها منحوتاته التي نجا جزء كبير منها من الخراب. يحضر في المقام الثاني قصر يقع في خربة المنيا، في الجليل، نواحي الطرف الشرقي لبحيرة طبريا، ويشكّل جزءاً من مجمع يعود إلى عهد الوليد بن عبد الملك، يحوي مسجداً يُعتبر من أقدم مساجد فلسطين. إلى جانب هذا القصر، قصر ثالث يُعرف باسم قصر السنابرة، يقع في خربة الكرك، على الشاطئ الجنوبي لبحيرة طبريا، ويحوي قاعة استقبال تزينها فسيفساء أرضية ضاع القسم الأكبر منها.

تحوي صحراء الأردن الجزء الأكبر من هذه القصور، وأهمّها قصير عمرة التي تغطي جدارياته الجدران الداخلية ومختلف القناطر والقبب، وتشكل جدارياته مادة استثنائية لدراسة فنون التصوير في الحقبة الأموية. يقع هذا المتحف الحي في واحة الأزرق التابعة لمحافظة الزرقاء، ويُنسب بشكل مؤكّد إلى الوليد بن يزيد، كما تشهد آخر أعمال المسح الحديثة في هذا الموقع. في محاذاة الطريق الدولي المتجه إلى واحة الأزرق، يرتفع قصر الحرانة الذي شُيّد في عهد الوليد بن عبد الملك، كما تشهد كتابة كوفية نُقشت فوق باب إحدى حجرات طابقه الثاني. وعلى بعد نحو 20 كلم شرق عمّان، إلى الشمال من الطريق التي تصل مدينة الزرقاء بواحة الأزرق، يرتفع قصر الحلّابات وسط مجمّع تحدّه أربعة أبراج، ويتميز بمجموعة من الأرضيات الفسيفسائية تعرّض جزء كبير منها للخراب. نقع على أربعة قصور ترتفع أطلالها في الجهة المقابلة، أشهرها قصر المشتّى في لواء الجيزة، وهو أول القصور الصحراوية التي كشف عنها المستشرقون الأوروبيون في القرن التاسع عشر، وأكبر هذه الأبنية من حيث المساحة الجغرافية، وأشهر معالمه واجهته الجنوبية التي نُقلت إلى برلين في مطلع القرن العشرين، مهداة من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني.

أشار العالم البريطاني والخبير بالحضارة الأشورية أوستن هنري إلى هذا القصر في عام 1840. وقدّم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام أول عرض توثيقي له ضمن دراسة نُشرت في 1872. بعدها شرع المستشرق الأميركي رودلف برونو في دراسته بشكل أكاديمي في 1897، وفي 1905، رأى أنه بُني في العهد البيزنطي، وقد شيّده الغساسنة تبعاً للنسق الخاص بالمناذرة اللخميين الذين حكموا العراق قبل الإسلام. بعد عامين، صحّح العالم التشيكي ألويس موسيل هذه القراءة، وأكّد هوية الموقع الأموية الخالصة في كتابه الموسوعي «البتراء العربية».

يعكس هذا السجال المبكر الطابع الوسيط الخاص بالفنون الأموية المدنية، وهو الطابع الذي اتّضحت معالمه في العقود التالية، مع تواصل الاكتشافات والدراسات. من المعروف أن الحرفيين السوريين استفادوا من الطرق الهلينستية والفارسية في القرون التي سبقت ظهور الإسلام، ومزجوا بين هذه الطرق في قالب محلي خاص بلغ اختماره خلال القرون الأولى للميلاد. تبيّن أن هذه الحركة الفنية استمرّت في الحقبة الأموية من خلال ما يُمكن وصفه بالفنون المدنيّة. تجدّد نتاج هذه الحركة، وخرج بقوالب مبتكرة تشهد لعمق التواصل الحضاري بين الفن الأموي والتقاليد الراسخة التي سبقت عصره.


مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل

مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل
TT

مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل

مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل

صدر أخيراً العدد الرابع عشر/ شتاء 2026 من «مجلة الأديب الثقافية»، وتضمن دراسات وأبحاثاً ومقالات مختلفة، منها: حوار موسع مع المفكر والروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي، الذي حاوره رئيس التحرير في قضايا الفكر العربي الإسلامي، والسلفية، والجهادية، وإعادة فتح باب الاجتهاد، والحداثة، والدولة الدينية – الثيوقراطية، والبنية السوسيولوجية الثقافية للمجتمع المغربي، والمنجز الروائي.

وفي حقل «فكر ونقد»، كتب الناقد عباس عبد جاسم عن «بينونة الفكر النقدي، وإشكالية اللا مفكر فيه»، وأسهمت الدكتورة أوراد محمد كاظم في الكتابة عن «نسوية ما بعد الإنسانية والمد الوجودي»، وساهمت الدكتورة عشتار داود محمد بـ«سلطة النقد في مقاربة النص الأدبي»، كما كتبت الدكتور أنصاف سلمان علوان عن «النسوية الفوضوية».

وتضمن العدد ملفّاً موسعاً عن «ما بعد قصيدة النثر: الراهن والمستقبل»، خصوصاً على مستوى العبور الإجناسي، وتنافد الأشكال، وتنوّع المضامين، والتجريب والتجديد في قصيدة النثر، وقد توزّع الملف على قسمين: الأول – دراسات وبحوث نقدية، منها: سؤال البعدية للناقدة الدكتورة بشرى موسى صالح، وبيان شعري جديد: القصيدة قصيدة بلا نثر للكاتبة والشاعرة دنيا ميخائيل، وتوظيف الغموض واستدعاء العناصر الدرامية – مقاربة جمالية لمفهوم الجليل في قصيدة النثر للناقدة الدكتورة رشا الفوال، وقصيدة النثر من الحقيقة إلى التحقق: تحوّلات النص وفضاءات التجريب للناقد الدكتور محمد عبد الله الخولي، وقصيدة النثر... الخروج على شعرية المألوف للناقد علي حسن الفوّار، وما بعد قصيدة النثر - قصيدة المعنى للشاعر والباحث حاتم عبد الهادي السيد، والطلوع وسط انهيار اليقينيات – جيل الثمانينات والتسعينات والألفية الثالثة للناقد عباس عبد جاسم.

وتضمن القسم الثاني من الملف شهادات ونصوصاً، منها: تحولات القصيدة: من العمود والتفعيلة والنثر إلى النص المفتوح للشاعر عدنان الصائغ، وقصيدة النثر والتحوّل الرقمي، ومقاطع شعرية جديدة بعنوان: كوكب يذوب دمعه للشاعر والكاتب شريف الشافعي، وحين يخفف النسر من أجنحته – قصيدة النثر أعالي الكينونة للشاعر والكاتب عبد الوهاب الملوح، وقصيدة النثر أي الاختيار الأنسب؟ ونص بيوتنا نحملها دون خجل للشاعر مصطفى المحبوب، وقصيدة النثر؛ رافد من روافد الشعرية العربية للشاعر محمد زينو شومان، ونبيلة الوزاري وصفحة روح.

وفي حقل «قراءات»، أسهمت الدكتورة غنية بو ضياف بقراءة «مكرو شعرية» بعنوان «القلق وبوح الذات في الكتابة النسوية – قصاصات قلق» للطيفة حرباوي، وكتب الدكتور عبد المالك أشهبون عن «خصوصية حضور – اليوميات – في رواية – عِقد المانوليا» لنعيمة السي أعراب، وتناول الدكتور أحمد زينبر «التاريخ واستدعاء الذاكرة في رواية – مجهول الحال – لسعيد بنسعيد العلوي»، وقدّم الدكتور بو شعيب الساوري قراءة بعنوان «اللعب في النص القصصي ككتابة وفعل تواصلي».

وفي حقل «تشكيل»، قدّم الكاتب هيثم عباس قراءة بعنوان «الواضح الغامض – المرأة في أعمالي التشكيلي دلشاد بهاء الدين عبد الله». وفي حقل «نقطة ابتداء»، الصفحة الأخيرة من المجلة، قدّم الكاتب والروائي أمجد توفيق مقالة بعنوان «لماذا نكتب؟».

مجلة «الأديب الثقافية» تصدر بطبعتين ورقية وإلكترونية.