«الأموال الرخيصة» و«آفاق النمو» تحاصر البنوك المركزية حول العالم

اللاعب الأول حالياً في تحريك النظام المالي العالمي

رئيسة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جانيت يلين تتوسط محافظ البنك المركزي الياباني هاروهيكو كورودا ورئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي
رئيسة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جانيت يلين تتوسط محافظ البنك المركزي الياباني هاروهيكو كورودا ورئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي
TT

«الأموال الرخيصة» و«آفاق النمو» تحاصر البنوك المركزية حول العالم

رئيسة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جانيت يلين تتوسط محافظ البنك المركزي الياباني هاروهيكو كورودا ورئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي
رئيسة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جانيت يلين تتوسط محافظ البنك المركزي الياباني هاروهيكو كورودا ورئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي

يدار الاقتصاد العالمي حالياً عن طريق البنوك المركزية التي تستخدم أسعار الفائدة السعرية على عملاتها للتحكم في حجم التبادل التجاري بينها وبين الدول الأخرى، وحجم وقيمة صادراتها ووارداتها، والتي منها يظهر حساب الميزان التجاري؛ (سالب أم موجب)، مما صعّد من حرب التصريحات بين أميركا والصين من ناحية، وأميركا وألمانيا من ناحية أخرى.
وأسعار الفائدة ضمن السياسة النقدية للبنوك المركزية، تُرفع كلما زاد معدل التضخم، لسحب السيولة من السوق ليقل حجم الطلب أمام المعروض من السلع والخدمات، وبالتالي تراجع معدل التضخم.

الأموال الرخيصة
خفضت بعض الدول أسعار الفائدة البنكية لـ«صفر»، ووصلت إلى «السالب» في دول أخرى (تستخدم نحو 7 بنوك مركزية حول العالم الفائدة السلبية) وتبدو عاجزة عن تقديم حلول فعالة للأزمة الاقتصادية، خصوصا في أوروبا واليابان، ولجأت أغلب الحكومات إلى برنامج للتيسير الكمي (شراء الأصول) بوصفه إجراء سهلا لضخ سيولة جديدة في الأسواق؛ كما ارتفعت الديون السيادية على الدول حول العالم، نتيجة ارتفاع العائد على السندات وأذون الخزانة، فضلاً عن القروض التي توسعت فيها معظم الدول، لجذب سيولة جديدة.
وزادت المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي العالمي، وفقاً لهذه المعطيات، كما تراجعت آفاق النمو المتوقعة في الاقتصادات المتقدمة والناشئة أيضاً، ما أنتج أزمة سيولة ضربت بعض الأسواق، انخفضت معها قيمة الأصول إلى مستويات أقل مما يتناسب مع أساسيات الاقتصاد الكلي.
ونتيجة لذلك، فإن الاقتصاد العالمي يتهيأ لمرحلة تغيير كبرى، في ضوء الفائدة الصفرية (الأموال الرخيصة) والضبابية السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة الأميركية؛ الاقتصاد الأكبر في العالم، فضلاً عن التغيرات الجيوسياسية العالمية؛ الحالية والمتوقعة.
وبتلك التغيرات سيخرج الاقتصاد العالمي عن مساره الحالي، وبالتالي قد تتبدل الأدوار أو تستقر بمستويات تجارية مختلفة بين الدول، بيد أن الدول غير المهيأة اقتصاديا لتلك التغيرات، بالكاد لن تستفيد منها، وستجد نفسها بين سندان الدول الكبرى ومطرقة الطامحين من الدول النامية، الذين وضعوا أرجلهم على بداية الانطلاق الاقتصادي.
ونتيجة لذلك، قال بنك التسويات الدولية، وهو مظلة عالمية لبنوك مركزية رئيسية، في يونيو (حزيران) الماضي، إنه ينبغي على البنوك المركزية الرئيسية المضي قدما صوب رفع أسعار الفائدة في الوقت الذي أقر فيه بأن الأسواق المالية ستشهد بعض الاضطرابات التي سيتم تجاوزها على المسار.
وأضاف البنك، في أحد تقاريره السنوية الأكثر تفاؤلا خلال أعوام، أن النمو العالمي ربما يعود قريباً إلى متوسط مستوياته على الأجل الطويل بعد تحسن كبير في المعنويات على مدى العام السابق. وهو ما توافق مع توقعات صندوق النقد الدولي مؤخرا، بشأن زيادة نمو الاقتصاد العالمي العام الحالي إلى 3.5 في المائة، رافعا توقعاته بنسبة 0.1 في المائة عن التحديث السابق في يناير (كانون الثاني) الماضي. وأبقى الصندوق على توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي في العام المقبل 2018، عند 3.6 في المائة.
ورغم استمرار حزمة من المخاطر نظرا لمستويات الدين المرتفعة وانخفاض نمو معدلات الكفاءة وتضاؤل قوى السياسة، قال بنك التسويات الدولية إن صناع السياسة يجب أن يستفيدوا من تحسن الأفق الاقتصادي وتأثيره الذي لا يذكر على التضخم، لتسريع إنهاء برامج التيسير الكمي والانخفاضات القياسية في أسعار الفائدة.
وحدد بنك التسويات الدولية 4 مخاطر رئيسية للأفق العالمي على الأمد المتوسط؛ وهي: قفزة مفاجئة في التضخم بما يدفع أسعار الفائدة للصعود ويضر بالنمو، وضغوط مالية مرتبطة بمرحلة انكماش في الدورات المالية، وزيادة الحمائية، وضعف استهلاكي لا يوازنه استثمار قوي.

زيادة الديون بدعم الأموال الرخيصة
حجم الديون المتراكمة عالمياً، يشير إلى مخاطر تلك السياسات النقدية؛ وبالتالي المالية التي بالكاد تدعمها، والتي بلغت 152 تريليون دولار في عام 2016، بما يمثل نحو 225 في المائة من الناتج الاقتصادي العالمي؛ نتيجة توسع الدول في استخدام القروض والسندات والتوريق والصكوك وأذون الخزانة، رغبة في زيادة معدلات النمو، في ضوء تداعيات الأزمة المالية العالمية في 2008.
وانتبه صندوق النقد الدولي منذ العام الماضي إلى تلك التغيرات، وأعاد النظر في سياسته المالية من جديد، ودعا البنوك المركزية إلى مراجعة السياسة النقدية المتبعة، مع ارتفاع معدلات الفقر حول العالم. ويوم الثلاثاء الماضي، قالت مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد في بكين، إن الاقتصاد العالمي يتعافى، لكنه قد يخرج عن مساره بسبب الضبابية السياسية ومخاطر الحماية التجارية.
وتحذيرات الصندوق المستمرة، لطالما حذر منها كثير من الفقراء حول العالم وغير المستفيدين من النظام المالي العالمي الحالي، بيد أن رقعة غير المستفيدين تتوسع يوماً بعد يوم، نتيجة التغيرات المتوقعة في الاقتصاد العالمي، بسبب: مبدأ «أميركا أولاً» الذي أعلن عنه الرئيس دونالد ترمب قبل تنصيبه رئيساً واتخذ بالفعل بعض الخطوات تجاه تطبيقه... والذي يدفع الجدل الدائر حول سياسات الحمائية التجارية في مواجهة العولمة إلى الواجهة؛ بالإضافة إلى المخاوف بشأن النمو العالمي، نتيجة الغموض، وآفاق النمو الاقتصادي، وتوجهات الاقتصادات الكبرى.
والأسبوع الماضي، حذرت دراسة ألمانية من أن سياسة «أميركا أولاً» التي يتبعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في التجارة العالمية، سيكون لها مردود سلبي على الولايات المتحدة.
وبحسب الدراسة التي أجراها معهد «إيفو» للأبحاث الاقتصادية بتكليف من مؤسسة «بيرتلسمان» الألمانية، ستؤدي سياسة العزلة في أسوأ الحالات إلى تراجع في الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة على المدى الطويل بنسبة 2.3 في المائة.
وبناء على البيانات الحالية، فإن هذا يعني أن الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة سينخفض بمقدار 415 مليار دولار (بلغ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة العام الماضي نحو 18.6 تريليون دولار).

المتاجرة بالديون
المتاجرة بالديون، مبدأ تتبعه الدول المضطرة وغير المضطرة، نظراً للتكلفة المنخفضة له مقارنة باستخدام رأس المال السائل والأصول المملوكة، وذلك في ضوء «الأموال الرخيصة»، وبالتالي تشجيع المقترضين على مزيد من الاقتراض بهدف ضخ سيولة في السوق، لينتج عن ذلك الركود التضخمي نتيجة ارتفاع الأسعار بسبب التوسع في طبع الأموال، لتطبيق سياسة التيسير الكمي، التي تستخدمها البنوك المركزية بهدف إنعاش الاقتصاد.
والديون العالمية العامة والخاصة بلغت 225 في المائة من الناتج الاقتصادي العالمي العام الماضي ارتفاعاً من نحو 200 في المائة في عام 2002، ونحو ثلثي إجمالي ديون عام 2015، أي نحو 100 مليار دولار مستحقة على مقترضين من القطاع الخاص، بيد أن تنامي الدين الخاص عادة ما يفضي إلى الأزمات المالية.



رئيس وزراء السويد: اقتصادنا مهدد بتداعيات الحرب... ومستعدون لتدخلات مالية إضافية

أشخاص في ساحة هوثورغيت بوسط استوكهولم (رويترز)
أشخاص في ساحة هوثورغيت بوسط استوكهولم (رويترز)
TT

رئيس وزراء السويد: اقتصادنا مهدد بتداعيات الحرب... ومستعدون لتدخلات مالية إضافية

أشخاص في ساحة هوثورغيت بوسط استوكهولم (رويترز)
أشخاص في ساحة هوثورغيت بوسط استوكهولم (رويترز)

أكد رئيس الوزراء السويدي، أولف كريسترسون، يوم الخميس، أنَّ اقتصاد بلاده مرشُّح للتأثر بشكل كبير بالصراع الدائر في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أنَّ متانة الوضع المالي للدولة تتيح للحكومة الاستعداد لاتخاذ مزيد من الإجراءات لدعم الاقتصاد عند الحاجة.

واتخذت الحكومة اليمينية، التي تستعدُّ لخوض الانتخابات العامة في منتصف سبتمبر (أيلول)، خطوات لتخفيف أثر ارتفاع أسعار الطاقة، شملت إقرار زيادة مؤقتة في دعم الكهرباء بقيمة 2.4 مليار كرونة (260 مليون دولار)، إلى جانب خفض ضرائب الوقود بنحو 1.6 مليار كرونة، وفق «رويترز».

وقال كريسترسون، خلال مؤتمر صحافي: «لدينا الجاهزية والقدرة على اتخاذ مزيد من الإجراءات»، مضيفاً: «اقتصادنا في وضع قوي يتيح لنا التدخل عند الضرورة».

كما تقدَّمت السويد، التي تتمتع بمستويات دين عام منخفضة مقارنة بمعظم الدول الأوروبية، بطلب إلى الاتحاد الأوروبي للحصول على موافقة لخفض إضافي في ضرائب الوقود بنحو 8 مليارات كرونة.

وفي السياق ذاته، أشار محافظ البنك المركزي السويدي، إريك ثيدين، إلى أنَّ مخاطر ارتفاع التضخم بوتيرة تفوق التوقعات السابقة لبنك «ريكسبانك» قد ازدادت، في ظلِّ التأثيرات السلبية للحرب في الشرق الأوسط على سلاسل الإمداد، والاقتصاد العالمي.

ورغم ازدياد حالة عدم اليقين بشأن مسار التضخم والنمو، فإنَّ بيانات أظهرت صدرت في وقت سابق من هذا الشهر بقاء معدلات التضخم منخفضة خلال مارس (آذار)؛ ما يمنح البنك المركزي هامشاً أوسع للمناورة في سياسته النقدية على المدى القصير.

في غضون ذلك، استقرَّ سعر خام برنت، المعيار العالمي للنفط، فوق مستوى 100 دولار للبرميل خلال التعاملات الآسيوية يوم الخميس، بعدما عاد إلى تسجيل مستويات ثلاثية الأرقام في الجلسة السابقة لأول مرة منذ أسبوعين.

من جانبها، أوضحت وزيرة المالية، إليزابيث سفانتسون، أنَّ السويد قد تضطر إلى خفض استهلاك الطاقة إذا طال أمد الصراع في الشرق الأوسط، مؤكدة في الوقت نفسه أنَّ تقنين البنزين لن يكون الخيار الأول.

وأضافت: «هذا السيناريو نسعى جاهدين لتفاديه».


بعد إغلاق «هرمز»: مخاوف أمن الممرات تضع مضيق ملقة الأكثر ازدحاماً تحت المجهر

سفينة حاويات تدخل مضيق سنغافورة باتجاه مضيق ملقة (رويترز)
سفينة حاويات تدخل مضيق سنغافورة باتجاه مضيق ملقة (رويترز)
TT

بعد إغلاق «هرمز»: مخاوف أمن الممرات تضع مضيق ملقة الأكثر ازدحاماً تحت المجهر

سفينة حاويات تدخل مضيق سنغافورة باتجاه مضيق ملقة (رويترز)
سفينة حاويات تدخل مضيق سنغافورة باتجاه مضيق ملقة (رويترز)

أجبر إغلاق مضيق «هرمز» صُنّاع السياسات في آسيا على إعادة طرح تساؤلات تتعلق بأمن الممرات البحرية الحيوية الأخرى، بما في ذلك مضيق ملقة، الذي يُعدُّ الأكثر ازدحاماً في العالم.

ما هو مضيق ملقة؟

يمتد مضيق ملقة لمسافة نحو 900 كيلومتر، وتحيط به إندونيسيا وتايلاند وماليزيا وسنغافورة، ويُعدُّ أقصر مسار ملاحي يربط شرق آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا.

ويُقدِّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أنَّ نحو 22 في المائة من التجارة البحرية العالمية تمرُّ عبر هذا الممر الحيوي، بما في ذلك شحنات النفط والغاز المتجهة من الشرق الأوسط إلى اقتصادات كبرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، ذات الطلب المرتفع على الطاقة، وفق «رويترز».

وتشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أنَّ مضيق ملقة هو أكبر «ممر لعبور النفط» في العالم، والوحيد الذي تتجاوز فيه كميات النفط المنقولة ما يمرُّ عبر مضيق «هرمز».

وخلال النصف الأول من عام 2025، مرَّ عبر المضيق نحو 23.2 مليون برميل يومياً من النفط، ما يمثِّل 29 في المائة من إجمالي التدفقات النفطية المنقولة بحراً. وفي المقابل، جاء مضيق «هرمز» في المرتبة الثانية بنحو 20.9 مليون برميل يومياً.

وأظهرت بيانات إدارة الملاحة البحرية في ماليزيا أنَّ أكثر من 102500 سفينة، معظمها تجارية، عبرت مضيق ملقة في عام 2025، مقارنة بنحو 94300 سفينة في عام 2024. وتشمل هذه الأرقام عدداً كبيراً من ناقلات النفط، رغم أنَّ بعض السفن العملاقة تتجنب المضيق؛ بسبب قيود العمق، متجهةً إلى مسارات بديلة جنوب إندونيسيا.

ورغم أنَّ هذه المسارات البديلة تتيح تجاوز المضيق في حال إغلاقه، فإنها تؤدي إلى إطالة زمن الرحلات، ما قد ينعكس على تأخير الشحنات وارتفاع التكاليف.

ما أبرز المخاوف المتعلقة بالمضيق؟

في أضيق نقاطه ضمن قناة فيليبس بمضيق سنغافورة، لا يتجاوز عرض مضيق ملقة 2.7 كيلومتر، ما يجعله نقطة اختناق بحرية حساسة، إضافة إلى مخاطر التصادم أو الجنوح أو تسرب النفط.

كما أنَّ أجزاء من المضيق ضحلة نسبياً، بعمق يتراوح بين 25 و27 متراً، ما يفرض قيوداً على عبور السفن العملاقة. ومع ذلك، تستطيع حتى ناقلات النفط العملاقة التي يتجاوز طولها 350 متراً وعرضها 60 متراً وغاطسها 20 متراً المرور عبره.

وعلى مدى سنوات، تعرَّض المضيق لحوادث قرصنة وهجمات على السفن التجارية. ووفق «مركز تبادل المعلومات»، التابع لاتفاقية التعاون الإقليمي لمكافحة القرصنة والسطو المسلح على السفن في آسيا، سُجِّلت 104 حوادث إجرامية على الأقل العام الماضي، مع تراجعها خلال الرُّبع الأول من العام الحالي.

ويكتسب المضيق أهميةً استراتيجيةً خاصةً بالنسبة للصين، إذ يمرُّ عبره نحو 75 في المائة من وارداتها من النفط الخام المنقول بحراً من الشرق الأوسط وأفريقيا، وفق بيانات شركة «فورتكسا» لتتبع ناقلات النفط.

ويشير «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» إلى أنَّ أزمة إيران أعادت تسليط الضوء على مخاوف قديمة تتعلق بتأثر ممرات حيوية مثل ملقة في حال اندلاع صراعات في بحر الصين الجنوبي أو مضيق تايوان، حيث تمرُّ نحو 21 في المائة من التجارة البحرية العالمية.

كما تشير السلطات في ماليزيا إلى أنَّ مضيق ملقة أصبح أيضاً بؤرة متنامية لعمليات نقل غير قانونية للنفط بين السفن في عرض البحر؛ بهدف إخفاء مصدر الشحنات.


ماذا يعني انضمام السندات السعودية لمؤشر «جي بي مورغان»؟

سعودية تسير في سوق الأسهم السعودية بالرياض (رويترز)
سعودية تسير في سوق الأسهم السعودية بالرياض (رويترز)
TT

ماذا يعني انضمام السندات السعودية لمؤشر «جي بي مورغان»؟

سعودية تسير في سوق الأسهم السعودية بالرياض (رويترز)
سعودية تسير في سوق الأسهم السعودية بالرياض (رويترز)

تستعد سوق الدين السعودية لتحول استراتيجي في أوائل عام 2027، مع إعلان «جي بي مورغان» إدراج السندات المقيّمة بالعملة المحلية ضمن مؤشره العالمي لسندات الأسواق الناشئة. هذه الخطوة تمثل شهادة ثقة دولية بالإصلاحات الهيكلية التي تقودها المملكة، وتفتح الباب أمام تدفقات مالية ضخمة ستسهم في تمويل مشروعات التحول الاقتصادي الكبرى.

وجاء في مذكرة لـ«جي بي مورغان»: «يأتي هذا الإدراج في أعقاب جهود إصلاحية متواصلة على مدى سنوات عديدة من جانب السلطات المحلية لتعزيز وصول المستثمرين الدوليين إلى السوق وتحسين القدرات التجارية المحلية».

وأوضح «جي بي مورغان» أن الصكوك السعودية - وهي أدوات دين متوافقة مع الشريعة الإسلامية وتعمل كالسندات - التي لا تتجاوز مدة استحقاقها المتبقية 15 عاماً، ستكون مؤهلة للإدراج في مؤشر الأسواق الناشئة (GBI-EM)، الذي يُعدّ المعيار الأكثر متابعةً من نوعه، حيث تُتابعه استثمارات بقيمة 233 مليار دولار.

وحدّد البنك ثمانية إصدارات من الصكوك مؤهلة للإدراج بقيمة إجمالية تبلغ 69 مليار دولار.

ومن شأن إدراج المملكة في المؤشر أن يُعزز السيولة والطلب على سندات الدين السيادية السعودية، مما يُساهم في خفض تكلفة الاقتراض.

وكان «جي بي مورغان» وضع في سبتمبر (أيلول) الماضي، السعودية على «المراقبة الإيجابية» للمؤشر، مما يُمهّد الطريق لانضمامها إلى مؤشر GBI-EM.

وفي تعليق له على هذا القرار، أكد وزير المالية السعودية، محمد الجدعان، في تصريح لوكالة «بلومبرغ»، أن هذه الخطوة تعكس الثقة المستمرة بمسار التحول الاقتصادي للمملكة. وأوضح أن إدراج السندات يمثل محطة مهمة جديدة في مسيرة دمج السعودية ضمن أسواق المال العالمية، مشيراً إلى أن الأثر المباشر سيتجلى في توسيع وتنويع قاعدة المستثمرين، ودعم تدفقات رأسمالية طويلة الأجل إلى سوق الدين المحلي؛ مما يعزز من متانة واستقرار الاقتصاد الوطني.

أهمية المؤشر

تكمن الأهمية الجوهرية لمؤشر «جي بي مورغان» في أنه البوصلة التي توجه استثمارات الصناديق العالمية الكبرى، خصوصاً «الصناديق السلبية» التي تتبع المؤشرات آلياً. وبوزن نسبي متوقع يصل إلى 2.52 في المائة، ستصبح السندات السعودية جزءاً أصيلاً من محافظ المستثمرين الدوليين؛ مما يرفع من سيولة السندات الحكومية ويقلل تكلفة الاقتراض على المدى الطويل، وهو أمر حيوي بالنسبة إلى اقتصاد المملكة.

وأهمية «الصناديق السلبية» تكمن في ضمان تدفق الأموال؛ إذ هناك تريليونات الدولارات حول العالم تُدار بواسطة هذه الصناديق. وبالتالي، فإنه بمجرد دخول السعودية في المؤشر، فستشتري هذه الصناديق السندات السعودية لكي تظل مطابقة للمؤشر. كما أن هذه الصناديق لا تبيع ولا تشتري بسرعة بناءً على الأخبار اليومية أو الخوف، بل تظل محتفظة بالسندات ما دامت داخل المؤشر؛ مما يوفر استقراراً كبيراً لسوق الدين السعودية. إضافة إلى ذلك، فإن دخول هذه الصناديق يعني وجود مشترين دائمين وكبار؛ مما يسهل عملية بيع وشراء السندات في أي وقت.

إصلاحات تشريعية مهدت الطريق

لم يكن هذا الانضمام وليد الصدفة، بل جاء نتيجة سلسلة من الإصلاحات التنظيمية التي أشار إليها «البنك» في مذكرته. فقد نجحت المملكة في تعزيز إمكانية وصول المستثمرين الدوليين عبر الربط مع نظام «يوروكلير» العالمي، وتوسيع شبكة المتعاملين الأوليين لتشمل بنوكاً دولية، بالإضافة إلى تسهيل عمليات التسوية والتداول عبر الحدود. هذه الإجراءات رفعت من مستوى «اليقين القانوني» والشفافية؛ مما جعل سوق الدين السعودية وجهة جاذبة وآمنة لرؤوس الأموال الأجنبية.

استقرار مالي في مواجهة التحديات الإقليمية

إلى جانب الأبعاد الاقتصادية، تكتسب هذه الخطوة أهمية استراتيجية في ظل التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة. ومن شأن زيادة التدفقات نحو السندات المحلية أن تعزز من قدرة الحكومة على التعامل مع أي تداعيات اقتصادية ناتجة عن عدم الاستقرار الإقليمي، وهي تؤكد أن الاقتصاد السعودي يمتلك من المرونة والجاذبية ما يجعله قادراً على جذب الاستثمارات النوعية وتأمين التمويل اللازم لخططه التنموية مهما كانت التحديات الخارجية.