مذكرات نجيب الريحاني تصدر للمرة الثانية بعد نصف قرن

تكشف جوانب خفية من حياته ومغامراته العاطفية ومسيرته الفنية الشاقة

مذكرات نجيب الريحاني تصدر للمرة الثانية بعد نصف قرن
TT

مذكرات نجيب الريحاني تصدر للمرة الثانية بعد نصف قرن

مذكرات نجيب الريحاني تصدر للمرة الثانية بعد نصف قرن

بعد عشر سنوات من وفاة نجيب الريحاني أصدرت دار الهلال مذكراته التي كان قد نشرها في صورة سلسلة مقالات، كان ذلك في يونيو (حزيران) 1959. ومؤخراً أعادت دار الهلال نشر طبعة ثانية جديدة من هذه المذكرات التي تعتبر إحدى روائع أدب السيرة الذاتية؛ إذ يبدو فيها جلياً تملك الريحاني لأسلوب أدبي ممتع وحصيلة لغوية كبيرة، كما لم تخل من الحس الفكاهي الساخر للريحاني.
تقع المذكرات في 166 صفحة من القطع المتوسط وتبدأ بمقدمة لصديق الريحاني ورفيق رحلة كفاحه الفنية بديع خيري الذي كتب فيها: «حينما دعتني دار الهلال أن أقدم لهذا الكتاب عن مذكرات أخي وصديقي الراحل نجيب الريحاني، غرقت في لجة من الذكريات، وعادت ذاكرتي إلى أيامنا الماضية..»، ويشير إلى أن صور الريحاني التي تمثلت أمامه عند قراءة المذكرات: الصورة الأولى أن الريحاني لم يكن مجرد ممثل يكسب عيشه من مهنة التمثيل، بل كان فيلسوفا وفنانا. والصورة الثانية هي صورة الريحاني الممثل الكوميدي الذي أجبره جمهوره إجبارا على السير في الاتجاه الكوميدي. والصورة الثالثة هي صورة الريحاني الوطني الثائر، الذي جعل من المسرح منبرا للوطنية.. الرجل الذي عالج السياسة بالفكاهة، وفتح عيون الجماهير إلى سوء حالها، وهاجم الإنجليز وأعوانهم في مسرحياته وتهكم عليهم، فلقي من عنت الاستعمار، واضطهاد السراي، الشيء الكثير، يستكمل خيري رسم الصورة الرابعة للريحاني قائلا: «هي صورة الريحاني الإنسان الوفي لأصدقائه وأبناء مهنته. ولعل إنسانية الريحاني تبرز وتتجلى في أبرز صورها في جهوده التي بذلها أواخر أيامه، لحث الحكومة على إقامة ملجأ للممثلين المتقاعدين، وحين شيد بيته الذي مات قبل أن يسكنه، كان يريد أن يخصصه بعد وفاته لهذا الغرض النبيل، لولا أن المنية عاجلته..»
«الفنان لا يموت ولكنه يبقى خالدا في قلوب محبيه»... بهذه الجملة اختتم بديع خيري رفيق كفاح الريحاني مقدمته للمذكرات وهي جملة معبرة عن شعور كل من يقرأ هذه المذكرات التي تقدم صورة بانورامية عن الحياة الفنية والاجتماعية والسياسية لمصر في بدايات القرن العشرين وتؤرخ لحقبة هامة من تاريخها الفني حين كافح الكثير من الفنانين لوضع أسس فن المسرح والسينما في مصر.
جوانب خفية من حياة الريحاني تتكشف بين السطور، فسوف تعرف أنه لم يتجرع الخمر قبل صعوده للمسرح كعادة أهل الفن آنذاك للتغلب على رهبته؛ بل كان يعتكف في غرفته بالمسرح قبيل التمثيل بنصف ساعة على الأقل لا يسمح لأي من كان أن يقطع عليه عزلته المقدسة، وبلغ من حبه لفنه أنه لم يعبأ بنصائح الأطباء له بالاعتزال حرصا على صحته فقال: «خيرا لي أن أقضي نحبي فوق المسرح من أن أموت على فراشي». كان الريحاني يهتم بالتمرن على مسرحياته بإخلاص شديد فكان يقضي شهرا كاملا في إجراء البروفات عن فصل واحد من الفصول، وكان دائما ما يقول: «خيرا لي أن أواجه الجمهور بمسرحية واحدة كاملة، من أن أقدم له عشر مسرحيات ضعيفة».
ويروي خيري أن الريحاني شهد تكريم فنه في حياته، فقد دعت شركة «جومون» الفرنسية عددا من كبار الفنانين وكان من بينهم رايمو وفيكتور بوشيه ليشهدوا تمثيله أثناء إخراج فيلم «ياقوت بباريس» وبلغ إعجابهم به أن طلبوا إليه دعوة فرقته لتقديم حفلات في المدن الفرنسية كلون من ألوان الفن الشرقي. كما شهد السير سايمور هيكس، عميد المسرح الإنجليزي آنذاك مسرحيته «حكم قراقوش» بنادي الضباط المصري وهنأه على تمثيله الرائع.
يبدأ الفصل الأول «أول الطريق» برواية الريحاني لبداية حياته قائلا: «لست في حاجة إلى أن أرجع بالذاكرة إلى التاريخ الذي تلقفني فيه كف العالم»، ويتحدث مباشرة عن بداية عشقه للتمثيل حينما كان في سن السادسة عشرة بعد أن ترك مدرسة الفرير الفرنسية بالخرنفش وسط القاهرة، وميله لدراسة الأدب العربي واللغة العربية حيث جاء أهله بمدرس خاص اسمه الشيخ بحر الذي دعمه وشجعه. يشير الريحاني لأول رواية مثلها «الملك يلهو» التي أطلق عليها «أول غرام» ويروي: «كانت كل هواياتي منصبه على الدراما، وكنت أستظهر قصائد هيجو وأشعار المتنبي ولزوميات أبي العلاء المعري، ثم أخلو بنفسي في المنزل و«هات يا إلقاء وخد يا تمثيل» حتى ضجت والدتي وكاد «يهج» من البيت أخوتي، ومع ذلك فإنني لم أعبأ بمثل هذه العراقيل، وما دمت أرضي هوايتي فبعدها الطوفان».
كان الريحاني يعمل موظفا بالبنك الزراعي وتزامل مع عزيز عيد الذي كان عاشقا للتمثيل أيضا، استقال عزيز عيد 1908 وأسس فرقة مسرحية وانضم لها الريحاني وكانت الفرقة تقوم بتمثيل مسرحيات مترجمة عن الفرنسية من نوع «الفودفيل» وكان يسند له أدوارا صغيرة ويقول ساخرا: «هنا كان إهمالي لعملي في البنك قد بلغ حدا لا يحتمله أحد والشهادة لله. فكم من ساعات بل أيام كنت أتغيبها وكم من ممثلة تقتحم علي مكتبي، وخصوصا منية القلب الست (ص)»! لم تجد إدارة البنك إزاء هذه الحالات الصارخة إلا أن تستغني عن عملي وأي عمل يا حسرة؟ هو أنا كنت باشتغل؟!.» السيدة «ص» هي أول حبيبة للريحاني لكنها كانت مرتبطة بصديقه علي يوسف الذي كان ينافسه في حبها، ودارت الكثير من المقالب الطريفة بينهما. ويحكي أنه بعد ذلك اتخذ من قهوة الفن بشارع عبد العزيز ملجأ له وفيها التقى الأستاذ أمين عطا الله الذي عرض عليه أن يسافر معه للإسكندرية ليعمل في فرقة شقيقه سليم عطا الله براتب قدره 4 جنيهات شهريا ومثل معه مسرحية «شارلمان الأكبر» إلا أنه بعد أن حقق نجاحا كبيرا فصله سليم عطا الله. عاد إلى القاهرة وظل يبحث عن عمل إلى أن وجد وظيفة بشركة السكر عام 1910 في نجع حمادي لكنه لم يمض فيها أكثر من 7 أشهر حيث ذكر واقعة أقر بخجله منها، وهي إعجابه بزوجة باشكاتب الشركة وحين تسلل لمنزلها ذات ليلة صرخت الخادمة؛ ظنا منها بأنه لص فقبض عليه وتم رفته من الشركة. لما عاد للقاهرة رفضت والدته أن يقيم معها وظل الريحاني 48 ساعة جائعا شريدا كان يجلس إلى قهوة الفن حتى تغلق في الثانية صباحا بعدها يتجه لكوبري قصر النيل يتجول في اتجاه جزيرة الزمالك حتى يعيه التعب ويعود في الصباح للمقهى ويبيت بالشارع.
وقد وجد له صديقه محمود صادق سيف عملا كمترجم لدى مكتبة دار المعارف يعرب فيها أجزاء رواية بوليسية «نقولا كارتر» مقابل 120 قرشا عن كل جزء. عمل بعدها كمترجم وممثل لدى فرقة الشيخ أحمد الشامي، وجاب معهم الأراضي المصرية شرقا وغربا حاملا معه مرتبه ووسادة وغطاء ككل الممثلين حيث كانوا يقيمون جميعا في منازل تستأجرها الفرقة دون أثاث يطلق عليها «بيت الإدارة». وقد استدعته شركة السكر مرة أخرى للعمل فيها لـ«تطفيش الباشكاتب» فلم يتوان عن العودة فورا وعلى العكس تحولت العداوة إلى صداقة بينه وبين الباشكاتب وكان الريحاني قد تخلى عن طيش الشباب فحاز مدير ثقة مدير الشركة وبلغ راتبه 14 جنيها شهريا.
بعد عامين تلقى خطابا من عزيز عيد يخبره فيه عن عودة جورج أبيض من أوروبا وأنه ينوي تأسيس فرقة، لم يهتم الريحاني ورضي بعمله بنجع حمادي إلى أن وجد الصحافة اليومية تولي الفن اهتماما كبيرا، فاستسلم لإغراء الفن وهنا يبدأ سرد الريحاني لرحلة طويلة بداية من أهم الشخصيات التي جسدها وكيف كان يحضر لتقمصها.
وتحفل المذكرات بالطرائف والتعبيرات الجياشة، مما يجعل كل صفحة منها متعة، حيث يتندر الريحاني على حالة وإفلاسه المستمر بعد أن يترك المسارح أو الفرق التي يعمل معها، ويروي بأسلوب طريف شيق انبهاره بالنعمة والثراء الذي حل بإستيفان روستي الممثل السكندري من أصل إيطالي الذي اشتهر بأداء أدوار اليهودي أو الشخص الشرير الماكر، فيروي في المذكرات أنه في أول يونيو عام 1916 وجد زميل الشقاء والعناء وقد حلت به مظاهر الثراء الأرستقراطي: «إيه يا ولد النعمة اللي ظهرت على جتة اللي خلفوك دي. ومنين العز ده كله، تكونش (سطيت) على البنك الأهلي؟»... وبكل برود يهز إستيفان رأسه وقال: «لا هذا ولا ذاك. المهم ربنا فرجها علينا والسلام». وكان السر كبارية «لابيه دي روز» الذي كان يعطيه 60 قرشا كل يوم.. يقول الريحاني بمذكراته: «يا نهار أبوك زي الكرنب يا إستيفان يا روستي؟ ستون قرشا في الليلة يعني قد ماهية العبد لله في شهر..» ولما عرف تفاصيل العمل أنه يظهر كخيال ظل وبعد أن أخذ إستيفان نصيبه من «التريقة» من الريحاني طلب منه الريحاني أي عمل للخروج من حالة الإفلاس. وبالفعل كانت بداية الطريق لشخصية «كشكش بك».
يروي الريحاني قصص الكثير من الشخصيات التي جسدها واشتهر بها في عالم الفن ومنها الشخصية الأشهر «كشكش بك»، وأنه رأى حلما أو رؤية بها شيخ يرتدي عمامة ريفية كبيرة والجبة والقفطان، فقال محدثا نفسه: «ماذا لو جئنا بشخصية كهذه وجعلناها عماد رواياتنا؟» كان ذلك في الخامسة صباحا من ذاك اليوم، فلم يتوان لحظة وقام وأيقظ شقيقه يملي عليه تفاصيل الشخصية وخلفيتها «عمدة من الريف وفد إلى مصر ومعه الكثير من المال فالتف حوله فريق من الحسان أضعن ماله وتركنه على الحديدة. فعاد إلى قريته يعض بنان الندم. ويقسم أغلظ الأيمان أن يثوب إلى رشده. وألا يعود إلى ارتكاب ما فعل». ظهرت فكرة هذه الشخصية وكان الخواجة الإيطالي روزاتي صاحب ملهى «الابيه دي روز» على وشك اتخاذ قراره بإغلاق الملهى الذي بات يفلس بعد هروب الجماهير التي عرفت حقيقة الفنانة الفرنسية التي تظهر من رواء الستار كل ليلة كما أوهمهم «إستيفان روستي» بعد أن ظهر ذات ليلة من أمام الستار. طلب أن يمهله قليلا لعل «كشكش بك» يعيد الجمهور للمسرح وينتهي الكساد. وبالفعل وضع الريحاني أول روايات «كشكش بك» عمدة «كفر البلاص (تحت عنوان) تعالي لي يا بطة» ومدتها كانت 20 دقيقة، ونجحت الرواية الأولى وبدأ الريحاني في ابتكار الشخصيات الكوميدي منها المساعد «ادلعدي زعرب» شيخ الخفر، ومن بعد النجاح الذي لاقاه عرف الريحاني أن قدره الفن.
في كل حكاية نستشعر صوت الريحاني الخاص في رواية ما مر به من مواقف وصعاب وعلاقته بالفنانين والشعراء والممثلين آنذاك، ومنهم سيد درويش وبديع خيري وأمين صدقي، ومصطفى أمين، وعلي الكسار ويوسف وهبي، ومطربة القطرين فتحية أحمد ومحمد عبد الوهاب. ورغم كل ما عاناه فستجد كيف كان الفنان يعشق فنه محاولا دائما لوم نفسه ومحاسبتها: ماذا قدمت للفن؟
يقول الريحاني في ختام مذكراته مستخلصاً العبرة الأهم من حياته «حين أتفرغ لعملي أجد النجاح يواتيني والحظ مقبلاً علي... أما إذا اتجهت بقلبي إلى شيء آخر... أو إذا ساقت لي الظروف غراما طائشا... فإنه يخلع نعليه؛ ليجعل من رأسي منفضة لهما.. والعياذ بالله».



«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
TT

«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)

كان دخول الدراما الكورية وموسيقى الـK-Pop (كي بوب) إلى قلوب الناس حول العالم سريعاً. سبقَ التبنّي الجماهيري لتلك المسلسلات والأغاني الناطقة بلغةٍ غير مفهومة، اعترافَ المحافل الفنية العالمية بالصناعة الترفيهية الكورية الجنوبية.

لكن خلال السنوات القليلة الماضية، توالت الإنجازات الدرامية والموسيقية الكورية على منابر عريقة مثل حفلَي جوائز «إيمي» و«غرامي». من فريق BTS الغنائي المحبوب، مروراً بمسلسل «لعبة الحبّار Squid Game»، وليس انتهاءً بفيلم «فرقة البوب الكورية: صائدات الشياطين K-Pop Demon Hunters».

K-Pop Demon Hunters أحدث إنجازات الآلة الترفيهية الكورية (نتفليكس)

الـ«كي بوب» إلى الأوسكار

هذا الفيلم الذي أنتجته منصة «نتفليكس» وحقق أرقاماً مليونيّة عليها، يتّجه صوب الأوسكار منافساً على جائزتَين: أفضل فيلم رسوم متحركة وأفضل أغنية. وإذا جاءت الجائزتان أو إحداهما من نصيب الفيلم، فإنه سيحقق بذلك إنجازاً تاريخياً للبوب الكوري في هوليوود.

كل الذين تبنّوا الموسيقى الكورية أو أيّ محتوى ترفيهي آتٍ من سيول، وهُم بمعظمهم من «الجيل زد»، يظنّون أنّ تلك الظاهرة حديثة العهد. لكن فيلم «صائدات الشياطين» حَرص في مقدّمته على التذكير بأنّ لهذا الفنّ رائدات مؤسِّسات. في مشهدٍ افتتاحيّ يرجع الفيلم 65 سنة إلى الوراء، ليقدّم تحية مصوّرة إلى فريق «الشقيقات كيم The Kim Sisters».

إعدامات ولجوء وجوع

ألهمَت تلك الفتيات الثلاث أجيالاً من مغنّي البوب الكوري، بمَن فيهم البطلات الافتراضيات لفيلم «صائدات الشياطين». فمَن هنّ «الشقيقات كيم» اللواتي أسّسن البوب الكوري وصدّرنه إلى العالم، قبل حتى أن يصير اسمه K-Pop؟ وكيف تحوَّلت حكايةُ القهر التي طلعن منها إلى قصة مجدٍ على الأراضي الأميركية؟

بدأ كل شيء في مطلع خمسينيات القرن الماضي، بينما كان الاجتياح الكوري الشمالي يعصف بكوريا الجنوبية. وجدت المغنّية الشهيرة لي نان يونغ نفسها بلا مالٍ ولا مأوىً، بعد إعدام زوجها المايسترو كيم ها سونغ على أيدي قوات كوريا الشمالية. لم تكن يونغ بمفردها، بل كانت مسؤولة عن أولادها السبعة، ومن بينهم ابنتَاها سو وآيجا، وابنة عمّهما ميا التي توفّي والدُها الموسيقيّ هو الآخر فتبنّتها يونغ.

في المخزن الذي لجأت إليه بعد أن أحرق الشماليون بيتها، عاشت يونغ وأولادها في مساحة ضيّقة مع 22 شخصاً لا تربطها بهم أي صِلة. أمضوا أياماً من دون طعام وتشاركوا الحمّام ذاته مع اللاجئين الآخرين، وفق ما توثّق سو كيم في حوار مع منصة «هيستوري». بقيت الأوضاع على حالها إلى أن حلّ يونيو (حزيران) 1950 وجلبَ معه الجيش الأميركي إلى سيول، بعد أن انضمّت واشنطن إلى الحرب الكورية مسانِدةً الجنوبيين.

الشقيقات كيم كما ظهرن في فيلم K-Pop Demon Hunters (يوتيوب)

سو وآيجا وميا يغنّين للمارينز

وجدت يونغ الخلاص في «المارينز» فاسترجعت صوتها وبدأت بإقامة الحفلات في المخيّمات العسكرية الأميركية. سرعان ما جلبَ ذلك طعاماً إلى المائدة وسدّ جوع الأولاد، فالجنود كانوا يقدّمون لها صناديق المشروبات الكحولية بدلاً عن أتعابها فتستبدلها بالأرزّ والمواد الغذائية في السوق السوداء.

من السوق السوداء، أحضرت يونغ كذلك أسطوانات لأغانٍ أميركية معروفة. من بين الأولاد انتقت سو وآيجا وميا لتدرّبهنّ على حفظ تلك الأغاني من دون أي معرفةٍ للّغة الإنجليزية. وهي أيضاً لم تكن تنطق بتلك اللغة. كانت الفتيات حينها بين الـ8 والـ9 من العمر، لكنّ ذلك لم يَحُل دون اعتلائهنّ الخشبة والغناء والعزف أمام الجنود.

الشقيقات سو وآيجا وميا كيم (إنستغرام)

المنتج الأميركي في كوريا من أجلهنّ

بآلاتهنّ الموسيقية المتعددة وأصواتهنّ البريئة، لفتن الأنظار والأسماع وأيقظن الحنين إلى الأرض رغم اللكنة الكورية في أداء الأغاني. كبرت الفتيات بين صفوف الجنود واحتكرن الترفيه الفنيّ عنهم، فاستحققنَ اسماً رسمياً عام 1953: The Kim Sisters أي «الشقيقات كيم».

استمرت الحال هذه حتى 1958 وكانت قد بلغت شعبية الأخوات الثلاث ذروتها بين الجنود، الذين خطّوا رسالة للمنتج الأميركي طوم بال مطالبين إياه بزيارة كوريا الجنوبية لمشاهدة عرضٍ للفرقة. لبّى بال الطلب، وكما جنود بلاده، أُعجب كثيراً بهنّ فقدّم لهنّ عقدَ عمل في الولايات المتحدة.

تميزت الشقيقات كيم في الغناء والعزف على آلات متعددة (إنستغرام)

من لاس فيغاس إلى التلفزيون

تأخّر الحصول على فيزا لكن بحلول 1959، حطّت الشقيقات كيم رحالهنّ في لاس فيغاس. بدأت هناك رحلة الغناء في الفنادق من دون أي ضمانات لناحية الحصول على إجماع الحاضرين. فالجنود الأميركيون في كوريا الجنوبية تعلّقوا بهنّ لأنهن جلبن إليهم نفحةً من هواء الوطن، لكنّ التحدّي في لاس فيغاس كان التميّز بين عشرات الفنانين الأميركيين والعالميين الذين لا يتعثّرون في اللغة الإنجليزية.

لم تكن المهمة صعبة، إذ أسرت الفتيات قلوب الجماهير، وسرعان ما انتقلن من فنادق لاس فيغاس وقاعات الرقص فيها، إلى شاشات التلفزة الأميركية. ظهرن في 22 حلقة من «برنامج إد سوليفان» والذي كان يُعدّ الأكثر جماهيريةً حينذاك. بالزيّ التقليديّ الكوريّ أو الـ«هانبوك»، كرّرن الإطلالات التلفزيونية إلى أن بتنَ وجوهاً وأصواتاً معروفة على امتداد الولايات الأميركية.

قصة نجاح أو دعاية سياسية؟

غير أنّ الرحلةَ لم تَخلُ من الصعوبات، فالشقيقات كيم واجهنَ العنصريّة حيال العرق الآسيويّ والنظرة الدونيّة تجاه المرأة ذات البشرة الصفراء. مع ذلك، هنّ تصدّرن أغلفة أهمّ المجلّات كـ«نيوزويك» و«لايف»، وأصدرن ألبومهنّ الأول عام 1963 ليصبحن بذلك أول فريق آسيوي ينتج الموسيقى داخل الأراضي الأميركية.

كانت المنفعةُ متبادلة، فمع تراجع الدعم الشعبي الأميركي للحرب الكورية، جرى استخدام قصة نجاح الشقيقات كيم كبروباغندا أو دعاية سياسية ساعدت في تبرير القرار الأميركي بالدفاع عن كوريا الجنوبية. كما شكّلن الدليل القاطع على أنّ تحقيق «الحلم الأميركي» ليس مستحيلاً، مما أدّى إلى نشوء ظواهر مشابهة في سيول من دون أن تحقّق النجاح ذاته.

الشقيقات كيم على غلاف مجلة «لايف» عام 1960 (إنستغرام)

جدّات الكي بوب

في حوارها مع «هيستوري» عام 2019، أي بعد 44 سنة على اعتزال الفريق، تقول سو كيم إنها «متأكدة من أن الشقيقات كيم مهّدن الطريق أمام نجوم الـK-Pop الحاليين».

صحيح أنّ الموسيقى الكورية المعاصرة لا تُشبه في شيء ما كانت الشقيقات يقدّمنه، غير أنّ ثمة نقاطاً مشتركة. تجتمع النسختان القديمة والجديدة على مسار المثابرة والقصة الملهمة التي يطلع منها الفنانون. كما أنّ المظهر الموحّد أساسي في الإطلالة. ليست الأصوات الجميلة مهمة بقَدر أهمية الصورة البرّاقة والقدرات الاستعراضية.

ليس مُستغرباً إذن أن تؤدّي بطلات «صائدات الشياطين» التحيّة لجدّاتهنّ «الشقيقات كيم»، وذلك نيابةً عن سائر نجوم الكي بوب الذين يغزون العالم بأغانيهم ورقصاتهم وألوانهم.


97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».