الأزمة الكورية و«هستيريا» الاستفزازات المتبادلة

العالم يحذر واشنطن من تداعيات الخيار العسكري... ويدرس خوض «مفاوضات نووية» جديدة

الأزمة الكورية و«هستيريا» الاستفزازات المتبادلة
TT

الأزمة الكورية و«هستيريا» الاستفزازات المتبادلة

الأزمة الكورية و«هستيريا» الاستفزازات المتبادلة

40 دقيقة و30 ثانية، هي كل المدة التي سيستغرقها وصول صاروخ باليستي عابر للقارات من كوريا الشمالية إلى نيويورك، كبرى مدن الولايات المتحدة. وهي كذلك المدة التي قد تتسبب في تغيير النظام العالمي كما نعرفه.
اليوم تزعم كوريا الشمالية أنها طوّرت صواريخ باليستية متوسطة المدى وطويلة المدى قادرة على استهداف الأراضي الأميركية، في حين يشكك الخبراء في نجاحها في تصغير رأس نووي بحجم يتيح لها تركيبه على صاروخ عابر للقارات. ولكن، في كلتا الحالتين، بلغت الاستفزازات التي تمارسها القيادة في العاصمة الكورية الشمالية بيونغ يانغ والردود الأميركية حدة غير مسبوقة. وبين تجربة قنبلة هيدروجينية تفوق قوتها القنبلة النووية التي ألقتها الولايات المتحدة على مدينة هيروشيما اليابانية بنهاية الحرب العالمية الثانية، وتوعُّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظام بيونغ يانغ بـ«الغضب والنار»، يتخوف مراقبون من أن تؤدي المبالغات في التصريحات المتبادلة إلى خطوة عسكرية تودي بحياة مئات الآلاف. والسؤال المطروح هنا: ماذا يريد كيم جونغ أون من استفزازاته المتكررة؟ وهل التصعيد العسكري خيار وارد؟ وما الخطوط الحمراء للسياسة الأميركية تجاه الأزمة؟

ماذا يريد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون؟
إنه السؤال الذي يفرض نفسه وسط أجواء التوتر والتصعيد غير المسبوقة، آسيويّاً وعالمياً.
وهو منذ وصول كيم جونغ أون إلى السلطة في عام 2011، خلفاً لأبيه كيم جونغ إيل، حدّد هدفين أساسيين لسياسته الداخلية والخارجية، هما تطوير برنامج بلاده الصاروخي، وتحسين الظروف الاقتصادية والمعيشية لشعبه.
في الحقيقة، تعود الطموحات النووية للنظام الكوري الشمالي إلى ستينات القرن الماضي، وهي تتماشى مع مساعي بيونغ يانغ للحصول على الاستقلالية السياسية والعسكرية أمام أعداء كوريا الشمالية الشيوعية التقليديين، مثل الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان، وكذلك التخلص من «وصاية» الحليفين الروسي والصيني.
جون نيلسون - رايت، الزميل في معهد «شاتهام هاوس» بالعاصمة البريطانية لندن، يرى أن تمسك نظام كيم جونغ أون بالبرنامج الصاروخي «مبني على تقييم منطقي لمصالح كوريا الشمالية الاستراتيجية، فهو يرى في حرب العراق مثالاً على أن تطوير آلة عسكرية ونووية قوية السبيل الوحيدة لحماية بلاده في إطار العزلة الدولية التي يعيشها».
وبينما لم تطلق واشنطن، قبل التجربة النووية الأخيرة، أي تهديدات عسكرية مباشرة لكوريا الشمالية، فإن لديها 28 ألف جندي أميركي على الأقل في أرض «جارتها» اللدود كوريا الجنوبية، كما أنها أتاحت بيع أسلحة متطورة لكل من اليابان وكوريا الجنوبية، فضلاً عن تنظيمها مناورات سنوية مشتركة مع كل منهما. ولذا، ترى سلطات كوريا الشمالية في ذلك استفزازاً بالغاً وتهديداً لأمنها الوطني.

ذاكرة الحرب الكورية
وهنا يوضح نيلسون - رايت أن «النظام الكوري الشمالي يستخدم الحرب الكورية التي اندلعت في عام 1950، واستمرت ثلاث سنوات ذريعةً داخليةً لأنشطته العسكرية، ويعيد التذكير عبر آلته الإعلامية بمشاهد الدمار وأعداد الضحايا التي سقطت في القصف الأميركي لترسيخ طموحات واشنطن (الاستعمارية) في ذهن شعبه». وكانت الحرب قد اندلعت بين الكوريتين بعدما اندفع نحو 75 ألفاً من جنود جيش الشعب الكوري الشمالي عبر خط الحدود مع كوريا الجنوبية (وهو المرتسَم عند خط العرض 38). تلك الحدود كانت تفصل شطري شبه الجزيرة الكورية، وهما الشطر الشمالي الشيوعي المدعوم من الاتحاد السوفياتي والصين الشعبية، والشطر الجنوبي الموالي للغرب والمدعوم من واشنطن.
الأميركيون تدخلوا في تلك الحرب بعد شهر من اندلاعها إلى جانب كوريا الجنوبية. وبعد شهور من القتال، ودخول الحرب مرحلة جمود، سعى مسؤولون أميركيون إلى التوصل لهدنة مع الكوريين الشماليين، إذ كانوا يخشون أن البديل سيكون حرباً تشمل الاتحاد السوفياتي والصين. وفعلاً، انتهت الحرب في عام 1953، ولكن بعدما أودت بأرواح نحو 5 ملايين شخص بين مدنيين وعسكريين.

تصريحات ترمب
عدد من المراقبين يرون أن التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترمب تشكل هدية لتطرف كيم جونغ أون، بحيث إنها تخدم «البروباغندا» الإعلامية للزعيم الكوري الشمالي وتعزز صورته قائدَ القوات المسلحة وحامياً لبلاده من الأطماع الخارجية. وتقول جيني تاون، مديرة تحرير موقع «38 نورث» الأميركي المتخصص في معهد الدراسات الدولية التابع لجامعة جونز هوبكنز بواشنطن، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «كيم جونغ أون ليس مجنوناً، فهو يقوم بخطوات مدروسة ومحسوبة، ويبحث عن خدمة مصالحه الوطنية وعن اعتراف دولي. إلا أن ذلك لا يعني أن تحركات الطرفين محسوبة، وقد تكون لخطوة خاطئة تداعيات مأساوية».
واعتبرت تاون في مكالمة هاتفية أن كيم جونغ أون لا يبحث عن اعتراف دولي بقدرات بلاده العسكرية فحسب، بل يهدف كذلك إلى تعزيز مكانته داخل بلاده وتعزيز نفوذه ومصداقيته كقائد لإحدى آخر الدولة التي تصف نفسها بـ«الشيوعية».

الخيار العسكري مستبعد
موقع «38 نورث» يفيد بأن تجربة القنبلة الهيدروجينية التي أجرتها كوريا الشمالية مطلع هذا الشهر ولدت طاقة قدرها 250 كيلوطناً، أي أقوى بـ16 مرة من قوة القنبلة الذرية التي دمرت هيروشيما عام 1945. كذلك أعلن رئيس القيادة الاستراتيجية للجيش الأميركي أن القنبلة التي فجرتها كوريا الشمالية يوم 3 سبتمبر (أيلول) الحالي خلال تجربتها النووية السادسة كانت على الأرجح قنبلة هيدروجينية، وفق ما نقل عنه موقع «ديفينس نيوز» المتخصص. وكان الكثير من الخبراء أفادوا بعد التجربة بأن القنبلة لديها كل أوصاف القنبلة الهيدروجينية، وهو ما أعلنته بيونغ يانغ نفسها، لكن أياً من الدول الغربية لم يؤكد ذلك.
وقال الجنرال جون هايتن: «رأيت الحدث، رأيت المؤشرات التي تأتَّت عنه، رأيت حجمه ورأيت التقارير... وبناء على ذلك، أفترض من جانبي أنها كانت قنبلة هيدروجينية ذات حجم يسمح بتثبيتها على رأس صاروخ».
في هذه الأثناء، لم يستبعد وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس ولا «سيد» البيت الأبيض الخيار العسكري بعد تجربة القنبلة الهيدروجينية مطلع هذا الشهر، لكنهما شددا على أنه ليس خيارهما الأول. وبينما يبدو المجتمع الدولي متفقاً على أن الحوار يبقى الخيار المفضل، أو الوحيد بالنسبة لكل من موسكو وبكين، انتقد الرئيس ترمب مواصلة محاولات الحوار مع كوريا الشمالية معتبراً أن الإدارات الأميركية السابقة اعتمدت هذا النهج لكنها فشلت في ثني النظام عن مواصلة تطوير برنامجه الصاروخي الباليستي، قال ترمب معلقاً على التجربة النووية السادسة التي قامت بها كوريا الشمالية «لا تزال كلماتهم وأفعالهم معادية وخطيرة جداً تجاه الولايات المتحدة». وتابع في تغريدة عبر حسابه في «تويتر»، مضيفاً: «كوريا الشمالية دولة مارقة، وأصبحت تشكل تهديداً عظيماً وحرجاً كبيراً للصين التي تحاول المساعدة، ولكن دون نجاح يُذكَر». وفي تغريدة ثالثة، قال ترمب إن «كوريا الجنوبية تجد، كما قلت لهم، أن الحديث عن استرضاء كوريا الشمالية لن يفيد، فهُمْ يفهمون فقط شيئاً واحداً!».
في أي حال، أكد الوزير ماتيس آنذاك أن «أي تهديد يطال الولايات المتحدة أو أياً من أراضيها، بما في ذلك جزيرة غوام (جنوب أرخبيل اليابان)، أو أياً من حلفائها، سيلقى رداً عسكرياً شاملاً»، دون أن يستبعد احتمال استخدام إمكانات واشنطن النووية. وجاء ذلك بعدما شارك ماتيس في اجتماع للأمن القومي لإحاطة الرئيس ترمب بجميع الخيارات المتاحة للتحرك ضد كوريا الشمالية. وتعقيباً على هذه التصريحات، أجمع المجتمع الدولي، بما يشمل حلفاء كوريا الشمالية وروسيا والصين، على أن خيار التدخل العسكري غير وارد، وأن السبل الدبلوماسية لم تستنفد بعد.
وينضم خبراء نوويون ومتابعون لسياسات كيم جونغ أون لهذا الطرح، ويحذّرون من سقوط واشنطن في فخ كوريا الشمالي الاستفزازي وتوجيه ضربة عسكرية «جراحية» تستهدف موقعاً معيناً أو مقر إقامة كيم جونغ أون. وبهذا الصدد تقول جيني تاون إن «الحوار يبقى السبيل الوحيدة لتخفيض الأزمة الكورية»، معتبرة أن نتيجة حلقة التصريحات العدائية المتبادلة غير واضحة، وقد تؤدي إلى تجاوز من أحد الطرفين. كذلك يخشى المراقبون أن يصل النزاع إلى «نقطة لا عودة»، أي اللجوء إلى الخيار العسكري وتعريض حياة مواطني الجنوب والكوريين الشماليين إلى الخطر.

«اللاءات الأربع»
أكثر من هذا، سارعت كل من بكين وموسكو لرفض التلميح الأميركي بتدخل عسكري لحل الأزمة الكورية، واعتبرتا أن ذلك سيؤدي إلى نتائج كارثية؛ إذ قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل أسابيع إن المبالغة في «الهستيريا العسكرية» قد يؤدي إلى كارثة عالمية، مشددا على أن الدبلوماسية هي الحل الوحيد. ومن ثم، كرر مندوباً البلدين في الأمم المتحدة أخيراً موقف بلادهما المعروف بـ«اللاءات الأربع» لحل الأزمة الكورية، وهي «لا لتغيير النظام، ولا لانهيار النظام ولا لعملية توحيد متسرّعة للكوريتين، وأخيراً لا لانتشار عسكري في المنطقة الحدودية بين الجارتين الجنوبية والشمالية». وطرحت «كفيلتا بيونغ يانغ الاقتصاديتان» (أي بكين وموسكو) خطة «الوقف مقابل الوقف» التي تقوم على وقف الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية مناوراتها العسكرية الكبيرة، مقابل وقف كوريا الشمالية برامجها الباليستية.
وفي حين لا تدعم روسيا فرض عقوبات شديدة على كوريا الشمالية، فإنها مع ذلك صوتت لصالح مشروع القرار الأميركي الأخير بعدما ضغطت على واشنطن لتخفيف بنوده. وللعلم، لطالما كرّر بوتين أن بيونغ يانغ لن ترضخ للعقوبات الدولية بل ستعزز تطوير برامجها النووية والصاروخية، لأنها تعتبرها الوسيلة الوحيدة للدفاع عن النفس. وأضاف الرئيس الروسي في كلمة ألقاها في مؤتمر اقتصادي بمدينة فلاديفوستوك بشرق سيبيريا أنه «من المستحيل إخافة الكوريين الشماليين».

حزمة عقوبات جديدة
من جهة أخرى، يعاد طرح النقاش حول الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي مع كل تجربة صاروخية أو نووية جديدة، ولم يشكل إطلاق صاروخ باليستي متوسط المدى من بيونغ يانغ فوق اليابان مساء أول من أمس استثناءً. ولقد عقد مجلس الأمن في الأمم المتحدة اجتماعاً طارئاً آخر أمس، هو الأخير في سلسلة اجتماعات أدت إلى تشديد العقوبات الاقتصادية والسياسية على كوريا الشمالية خلال الأشهر الماضية. ومن المعلوم أن سلطات بيونغ يانغ تعتبر هذه العقوبات المشددة استفزازا يدعو إلى رد يعكس حجم قوتها. وكان الصاروخ الأخير قد أُطلق من موقع قريب من العاصمة الشمالية بعد أقل من أسبوع على إقرار مجلس الأمن الدولي مجموعة ثامنة من العقوبات على نظامها الانعزالي، سعياً لحمله على التخلي عن برامجه العسكرية المحظورة. وجرت عملية الإطلاق الجديدة بعد أيام على سادس تجربة نووية أجرتها كوريا الشمالية وكانت الأقوى حتى الآن، وأعلنت يومها أنها فجرت خلالها قنبلة هيدروجينية بحجم يسمح بتثبيتها على رأس صاروخ.
ومن ردات الفعل، أصدر وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون بياناً أدان فيه التجربة الأخيرة وحث الصين وروسيا على الموافقة على فرض أقصى العقوبات على نظام كيم جون أون. وقال تيلرسون في بيانه إن «الإطلاق الاستفزازي للصواريخ من كوريا الشمالية يشكل المرة الثانية التي يتعرض فيها شعب اليابان للتهديد المباشر في الأسابيع الأخيرة». وتابع أن حزمة العقوبات الأخيرة التي اتخذتها الأمم المتحدة هي الحد الأدنى من الإجراءات، داعياً الصين وروسيا إلى دعم تدابير جديدة ضد نظام بيونغ يانغ. ولفت تيلرسون إلى أن الصين تزود كوريا الشمالية بكميات كبيرة من النفط، بينما تعد روسيا «أكبر رب عمل للعمال القسريين القادمين من كوريا الشمالية»، على حد قوله.
من جانب آخر، يؤمن قادة الاتحاد الأوروبي كذلك بفاعلية العقوبات الاقتصادية، التي شددت الخميس عبر تبني إجراءات أعلنتها الأمم المتحدة بداية أغسطس (آب) المنصرم ردا على إطلاق صاروخ باليستي. وقال مجلس الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل الدول الأعضاء الـ28، في بيان إن العقوبات «تستهدف أبرز صادرات كوريا الشمالية ما دامت تفرض حظراً تامّاً على أي تصدير للفحم والحديد ومشتقات الحديد والمنتجات البحرية والرصاص ومشتقات الرصاص».
وتستهدف العقوبات أيضاً «تجارة الأسلحة في كوريا الشمالية والتعاون بين شركات (كورية شمالية) ومؤسسات أجنبية والمصارف (الكورية الشمالية) وقدرتها على تأمين عائدات والمشاركة في النظام المالي الدولي».
إلى ذلك، باشر الاتحاد بحث احتمالات مختلفة تتراوح بين إدراج كبار القادة الكوريين الشماليين (بمن فيهم الرئيس كيم جونغ أون) على اللائحة السوداء... وطرد مئات من الكوريين الشماليين العاملين في أوروبا، بحسب ما أفادت مصادر دبلوماسية لوكالة الصحافة الفرنسية. وقد يعمد الأوروبيون كذلك إلى الحد من بيع المنتجات الأوروبية الفاخرة في كوريا الشمالية أو فرض حظر تام على الصادرات النفطية إلى هذا البلد، وفق المصادر نفسها.
من جهته، دعا الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ إلى «رد عالمي» وكتب على «تويتر» أن «إطلاق كوريا الشمالية الصاروخ هو انتهاك جديد متهور لقرارات الأمم المتحدة (ويشكل) تهديداً كبيراً للسلم والأمن الدوليين يستوجب رداً عالمياً». وبينما رأت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية أن الصاروخ عبر على الأرجح مسافة 3700 كيلومتر على ارتفاع أقصاه 770 كيلومتراً، قبل أن يسقط في المحيط الهادي، قال وزير الدفاع الياباني إيتسونوري أونوديرا إن «غوام كانت في بال» بيونغ يانغ، أمس (الجمعة)، وأشار إلى أن مدى الصاروخ كان كافياً ليبلغ هذه الجزيرة الواقعة على مسافة نحو 3400 كلم من كوريا الشمالية.
وبحسب طوكيو، فإن الصاروخ حلّق فوق جزيرة هوكايدو في شمال اليابان قبل أن يسقط على مسافة نحو ألفي كلم إلى الشرق، ولا تفيد أي مؤشرات في الوقت الحاضر بسقوط شظايا على الأراضي اليابانية. وعلى الأثر، أعلن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي أن بلاده «لن تقبل أبداً بأعمال كوريا الشمالية الاستفزازية التي تهدد السلام في العالم»، محذراً بأنه «إذا استمرَّت كوريا الشمالية بالسير في هذا الطريق فإن مستقبلها لن يكون مشرقاً».
أما السلطات الكورية الجنوبية في سيول، فردّت بتمرين على إطلاق صاروخ «هيونمو» في البحر الشرقي، بحسب التسمية الكورية لبحر اليابان، وفق ما أعلنت وزارة الدفاع. وعبر الصاروخ مسافة 250 كلم، أي ما يكفي نظريّاً لبلوغ موقع سونان لإطلاق الصواريخ في كوريا الشمالية، قرب مطار بيونغ يانغ.
هذا، وقرأ خبراء التجربة الكورية الأخيرة على أنها رسالة موجهة للعالم، بأن العقوبات الأخيرة «لا تخيفنا». وقال يانغ مو جين، من جامعة الدراسات الكورية الشمالية في سيول، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «الشمال يبعث الرسالة التالية: لسنا خائفين من أي عقوبات وتهديداتنا ليست فارغة».

اتفاق نووي ثانٍ؟
وسط هذه التطورات، عرضت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أخيراً الوساطة في الأزمة الكورية، وطرحت إمكانية دخول القوى الغربية في حوار مباشر مع كوريا الشمالية يفضي إلى اتفاق نووي شبيه بالذي أبرمته القوى العظمى مع إيران في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما.
وذلك عندما أعلنت المستشارة الألمانية في مقابلة مع صحيفة «فرانكفورتر ألغيماينه تسايتونغ» الأسبوع الماضي أن بلادها مستعدة لممارسة ضغوط دبلوماسية لإنهاء برنامج تطوير الأسلحة النووية والصاروخية لكوريا الشمالية، على غرار الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع إيران.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن المفاوضات بين إيران والدول الست الكبرى كانت قد أسفرت عن اتفاق عام 2015 تتخلى طهران بموجبه عن برنامجها النووي، وتسمح بعمليات تفتيش مقابل رفع بعض العقوبات. وترى ميركل أن تلك المفاوضات كانت «طويلة الأمد، لكنها شكلت حقبة دبلوماسية مهمة».
وأضافت موضحةً موقف حكومتها «يمكنني تصور صيغة مشابهة من أجل تسوية النزاع مع كوريا الشمالية. على أوروبا، خصوصاً ألمانيا أن تكون مستعدة للمشاركة بشكل فاعل».
ووفق المعطيات الحالية، بدا الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والفرنسي إيمانويل ماكرون موافقين على هذا الاقتراح الألماني، أمس، وذلك بعدما وجهاً دعوة إلى عقد «مفاوضات مباشرة» مع كوريا الشمالية لخفض التوتر.
وأعلن الكرملين في بيان أن الرئيسين أكدا خلال اتصال هاتفي بينهما «وحدة الموقف إزاء الطابع غير المقبول للتصعيد» في شبه الجزيرة الكورية. وأضاف أنهما اتفقا على «ضرورة حل هذا الوضع البالغ التعقيد حصريّاً بالوسائل السياسية والدبلوماسية، من خلال استئناف المفاوضات المباشرة». ونددا «بشدة بالأعمال الاستفزازية لكوريا الشمالية التي تنتهك بشكل خطير قرارات مجلس الأمن الدولي».



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة