درس ألماني لإنجلترا في تهذيب الجماهير

درس ألماني لإنجلترا في تهذيب الجماهير

لاعبو المنتخب الألماني نددوا بمشجعيهم المشاغبين... والإنجليز تغاضوا عن تصرفات مناصريهم المسيئة
الأربعاء - 22 ذو الحجة 1438 هـ - 13 سبتمبر 2017 مـ رقم العدد [14169]
لندن: دانييل تايلور
في الواقع، قدم يواخيم لوف، مدرب المنتخب الألماني، مشهداً مثيراً للاهتمام بعد ظهور أدلة قوية خلال العطلة الدولية على وجود عناصر متخلفة فكرياً وأخلاقياً في صفوف جماهير فريقه تبدو عاقدة العزم على تقديم دليل حي على صحة نظرية أينشتاين حول أن الغباء البشري لا حدود له. واعتبر لوف أن الهتافات النازية التي رددها مشجعون للمنتخب في براغ خلال مواجهة تشيكيا في تصفيات مونديال 2018، هي بمثابة «عار» على ألمانيا.

كان لوف قد عاين لتوه فوز فريقه بنتيجة 2 - 1 على منتخب جمهورية التشيك في براغ، ليحتفظ بذلك بسجل نظيف في إطار مباريات التأهل لبطولة كأس العالم، لكن عندما وصل للمشاركة في المؤتمر الصحافي بعد المباراة، حمل وجهه إمارات غضب عارم وأجبر الصحافيين على إرجاء طرح الأسئلة بخصوص أداء فريقه. وبدأ لوف حديثه بالقول: «لست متضايقاً ولا حزيناً، إنني مفعم بالغضب الشديد، هذا التوصيف الأفضل لما أشعر به. إنني غاضب بشدة حيال ما حدث - من أن مجموعة ممن يطلق عليهم مشجعين استغلوا ساحة كرة القدم الدولية، أو كرة القدم من الأساس ليجلبوا العار على بلادنا بسلوكهم ومظهرهم المشين. إننا لا نرغب في وجود هؤلاء الفوضويين. نحن لسنا فريقهم الوطني، وهم ليسوا مشجعينا. إن سلوكهم كان أحقر ما يكون وخسيساً تماماً».

وخلال مؤتمر صحافي عشية المباراة ضد ضيفه المنتخب النرويجي في شتوتغارت، قال لوف: «لا يمكنني أن أنتقل مباشرة إلى الأسئلة الرياضية من دون التعليق على ما جرى في براغ». «يتملكني الغضب، وأنا متأثر لرؤية أن بعض من يسمون أنفسهم مشجعين، يستخدمون كرة القدم، ومباراة دولية» لرفع شعارات من هذا القبيل، مضيفاً: «هم يجلبون العار لبلدنا». ونوه لوف بقرار لاعبين عدم التوجه لأداء التحية المعتادة للمشجعين بعد المباراة، والانتقال مباشرة إلى غرف تبديل الملابس. وأضاف: «أنا مؤيد لفرض عقوبات قاسية جداً بحق مثيري الاضطرابات هؤلاء. لا نريدهم، لسنا منتخبهم الوطني، وليسوا مشجعينا»، متابعاً: «مع الأخذ في الاعتبار تاريخنا، من المهم أن نمثل بجدارة بلدنا ومثل التسامح والاحترام والانفتاح على العالم التي يتمتع بها».

في الواقع، ليس من المعتاد الاستماع إلى مدرب يتحدث على هذا النحو عن جماهيره، لكن ليس من المعتاد كذلك ما أتى به قطاع من مشجعي ألمانيا خلال المباراة. كان جزء من مشجعي ألمانيا قد خرق دقيقة الصمت حداداً على وفاة اثنين من المسؤولين التشيك، وأساء لأحد لاعبي المنتخب الألماني، مهاجم لايبزيغ تيمو فيرنر، إضافة لترديدهم هتافات مسيئة. من جانبهم، رفض اللاعبون الألمان التوجه لتحية الجماهير في أعقاب انطلاق صافرة نهاية المباراة، ولم يلوحوا لهم ولم يصفقوا لهم. باختصار، لم يبدوا أدنى إشارة تقدير حيالهم، في رسالة واضحة تنبئ عن تبرئهم من سلوك الجماهير ورغبتهم في عدم الارتباط بهم بأي صورة.

وخلافاً لما درجت عليه العادة، لم يذهب لاعبو المنتخب الألماني بطل العالم في نهاية المباراة لتحية المشجعين، وخرجوا مباشرة من الملعب إلى غرف استبدال الملابس. ولدى سؤاله عن هذا الموضوع، أجاب المدافع ماتس هوملز: «إنها كارثة. هذا أمر قبيح. تيمو فيرنر (زميله) شتم، وبعد ذلك قام هؤلاء بإطلاق التفاهات. إننا نبتعد كلياً عما حصل ولا علاقة لنا به». وأضاف هوملز، صاحب هدف الفوز في الدقيقة 88: «هؤلاء ليسوا مشجعين. إنهم سوقيون ومثيرو شغب يجب طردهم من الملاعب».

وقامت مجموعة لا تتعدى أصابع اليد بالتشويش على عزف النشيدين ودقيقة الصمت (تخليداً لزعماء كرة القدم في تشيكيا)، ثم وجهت شتائم لفيرنر (21 عاماً) صاحب الهدف الأول، ورددت أيضاً أغاني وأطلقت شعارات نازية. ويتعرض فيرنر لصافرات الاستهجان في نهاية كل أسبوع من قبل بعض المتطرفين الألمان المعادين لنادي لايبزيغ، وصيف بطل الموسم الماضي، الذي تملكه شركة «ريد بول» لمشروبات الطاقة.

وعن هذا الموقف، يستحق اللاعبون منا كامل التقدير والاحترام، خصوصاً هوملز قلب دفاع بايرن ميونيخ، وقائد الفريق الذي وجه أقرانه نحو الخروج من الملعب، وأظهر بوضوح تام أن الوقت قد حان لاتخاذ موقف رافض حيال سلوك الجماهير.

وفي وقت لاحق، قال هوملز: «كانت الهتافات كارثية، وبدأت مع دقيقة الحداد، الأمر الذي يكشف الوجه الحقيقي لهؤلاء الأشخاص. كما تعرض تيمو فيرنر للإهانة والاستهزاء. بعد ذلك، بدأت الجماهير في إطلاق هتافات رديئة. ونحن من جانبنا نقصي أنفسنا تماماً عن ذلك الأمر ولا نرغب في وجود أي صلة تربطنا به. ولذلك، تعمدنا عدم التوجه نحو مدرجات الجماهير لتحيتها بعد نهاية المباراة».

في الواقع، موقف رائع من هوملز، ومن المؤسف أن لاعبي المنتخب الإنجليزي لم تأتِ استجابتهم على النحو ذاته في الليلة الكئيبة التي عايشوها في دورتموند منذ 6 شهور تجاه عدم الاحترام الذي أبدته الجماهير الإنجليزية تجاه الفريق المضيف.

الحقيقة أن ذلك الموقف كان بحاجة إلى صوت قوي أيضاً، عندما دارت جميع الهتافات حول الحرب العالمية الثانية، بينما الرقصة الجماعية الوحيدة التي اضطلعت بها الجماهير أثناء المباراة عمد خلالها المشجعون على مد أيديهم وكأنهم طائرات تحلق، في محاكاة استمرت 15 دقيقة كاملة لقاذفات ألمانية وكيف أسقطتها طائرات من سلاح الجو البريطاني.

إلا أنه للأسف لم تأتِ تعليقات المدير الفني للمنتخب الإنجليزي ساوثغيت على مستوى الحدث، ودعونا نكون أكثر صراحة ونعلن بوضوح أنه حتى لم يخطر ببال أي من اللاعبين أن بإمكانه إحداث تغيير عبر محاولة وضع حد لهذه الممارسات المرفوضة من جانب الجماهير. الحقيقة أن لاعب كرة القدم الإنجليزي المعاصر لم يجرِ إعداده على هذا النحو الألماني، ولن تجد قط في صفوف اللاعبين الإنجليز من يتحدث بالصورة التي تحدث بها هوملز، وهنا تكمن المأساة.

أما الحجة المضادة الوحيدة التي دفع بها البعض، فكانت أن استاد «إيدن أرينا» في براغ الذي يتسع لـ21 ألف مشجع، أقل كثيراً عن سيغنال إيدونا بارك الألماني الذي شهد مباراة المنتخب الإنجليزي، ما يجعل سلوك الجماهير الألمانية أكثر بروزاً، علاوة على أن ما فعلته كان مختلفاً وأكثر انحطاطاً عما حدث خلال المواجهة الكروية بين ألمانيا وإنجلترا.

وربما كان ذلك صحيحاً، خصوصاً أن تقارير ألمانية أفادت بوجود قرابة 100 من مثيري الشغب على صلة بدينامو دريسدن وعدد من الأندية الأخرى المنتمية إلى ألمانيا الشرقية سابقاً، والتي يقال إن التطرف اليميني أكثر شيوعاً بها عن أجزاء أخرى من البلاد. وارتدى هؤلاء المشاغبون في معظمهم ملابس سوداء ورددوا هتافات مناهضة لاتحاد الكرة الخاص بهم أثناء ما كان يفترض أنه دقيقة حداد. ومن بين الأشخاص الذين كانت الدولة المضيفة تحاول إحياء ذكراهم عبر دقيقة الصمت رودولف كوسيك، رئيس اتحاد الكرة بجمهورية تشيكوسلوفاكيا عندما فازت البلاد بالبطولة الأوروبية عام 1976، وكذلك رودولف باتا، الأمين العام السابق للاتحاد، ولينكا سيفينوفا الذي كان يقضي عطلة صيفية في مصر عندما أقدم إرهابي على طعن عدد من السائحين على شاطئ أحد الفنادق. وتعرض سيفينوفا (36 عاماً) المحاسب لدى اتحاد كرة القدم بجمهورية التشيك، للطعن إضافة لـ6 سائحين آخرين. وقد سقط سائحان ألمانيان قتلى خلال الهجوم.

بدوره، أيد رئيس الاتحاد الألماني للعبة راينهارد غريندل موقف اللاعبين، وقال: «لا نتسامح أبداً مع الشعارات الفاشية والعنصرية والشتامين أو المثليين». وأضاف: «جميعنا، المنتخب الوطني والمشجعين والاتحاد، علينا أن نتصدى لهؤلاء الأشخاص مثيري الشغب».

وأوضح أن المشجعين الذين اشتروا بطاقات الدخول من الاتحاد، ليسوا موضع شبهة، ولأن الملعب لم يمتلئ، اشترت بعض المجموعات بطاقاتها بأساليب أخرى. وحسب صحافيين ألمان كانوا في الملعب، ندد المشجعون أيضاً بالاتحاد الذي أطلق في بداية الموسم حواراً مع روابط لمشجعين بهدف إبعاد مثيري الشغب والمتعصبين عن الملاعب.

من الصعب فهم السبب وراء رغبة أي شخص في العدوان على دقيقة صمت من أجل هؤلاء، لكن دعونا لا ننسى ما حدث أثناء دقيقة الصمت التي اقترحتها إنجلترا خلال مباراتها أمام البرازيل عام 2013 على أرواح من قتلوا في مأساة ميونيخ الجوية والذكرى الـ20 لوفاة بوبي مور والضحايا الـ238 لحريق أحد الملاهي الليلية في سانت ماريا. وقد تذكرون مباراة إنجلترا وويلز عام 2004 وما حدث بعد اقتراح السلطات الوقوف دقيقة حداد على روح كينيث بغلي، الذي كان نبأ قتله في العراق على أيدي إرهابيين قد أعلن اليوم السابق.

ويكمن الاختلاف بين ما حدث من المنتخب الألماني في مباراته مع جمهورية التشيك وتلك المباريات الأخرى أنه من النادر للغاية أن تجرأ أي شخص على صلة بالمنتخب الإنجليزي - سواء المدرب أو قائد الفريق أو أي من اللاعبين - على توجيه النقد علانية للجماهير الإنجليزية، حتى عندما بدا هذا النقد مستحقاً تماماً. في الواقع، إنه لمن العار أن يطبق الصمت على صفوف المنتخب الإنجليزي في وقت أثبت فيه لوف وهوملز وأقرانهما أمام الجميع أنه من الممكن الوقوف في وجه السلوك المشين للجماهير وإجبارها على تغيير مسارها.

ورغم مرور 3 شهور الآن على ما حدث في دورتموند، لم يعقد اتحاد الكرة مؤتمراً صحافياً موجزاً لتناول ما حدث، بل ولم يبدِ أي من أفراد المنتخب الإنجليزي استعداده للحديث إلى وسائل الإعلام رغم أنه بدا بمرور الأيام أن الأمر يتجاوز مجرد تورط بعض أفراد الجماهير الإنجليزية في ترديد هتافات مسيئة. لقد كشف التسجيل التلفزيوني للمباراة رفع بعض الجماهير أيديها لتأدية التحية النازية وإشارات تهدد بالذبح. وهنا لا يملك المرء سوى تذكر ما كتبه أحد الكتاب في «فيلادلفيا إنكوايرر» في أعقاب فوز الولايات المتحدة بتنظيم بطولة كأس العالم عام 1994، عندما قال: «ما أول كلمة تطرأ على ذهنك عندما أقول: مشجع كرة قدم بريطاني؟ إنها كلمة (كائن دون البشر)، أليس كذلك؟». ومع هذا، تبقى الحقيقة أن الكثيرين يسافرون إلى الخارج لحضور مباريات للمنتخب الإنجليزي والاستمتاع بأدائه دون أن يرددوا هتافات مسيئة أو معادية للأجانب أو يتظاهرون بالوطنية باستحضار أحداث تنتمي إلى حقبة تاريخية مغايرة تماماً ولت وانتهى أمرها.

الملاحظ أن مثيري الشغب الإنجليز يميلون لارتداء زي موحد كان يبدو أنيقاً في المدرجات منذ ربع قرن مضى - من أسماء تجارية مثل «ستون آيلاند» و«بيربري» و«أديداس» - لكن مثيري الشغب الموجودين حالياً يشكلون فئة مختلفة عن تلك التي كانت سائدة في تلك الأيام الخالية. لقد ولى عهد مثيري الشغب المصنفين في «الفئة ج» في الجزء الأكبر منه، وحلت محلهم فئة جديدة من المشجعين الأصغر سناً تتراوح أعمار العدد الأكبر منهم بين 19 و25 عاماً، الذين رغم أنهم ليسوا على المستوى ذاته من الخطورة كسابقيهم، فإنهم يعملون على تعويض ذلك باتباع أسلوب تفكير مشوه يجعلهم يتباهون بالتورط في أي سلوك رديء ومرفوض.

وتكمن المهمة الأصعب في مواجهة هذا التفكير والانتصار عليه، وربما أهدر ساوثغيت ولاعبوه فرصة ذهبية بعدم تصرفهم على النحو الذي أبداه المنتخب الألماني بالوقوف بشكل واضح ضد سلوك الجماهير والتبرؤ ممن لا يزالون يخلطون بين مباريات المنتخب والمسابقات الرياضية القديمة التي كانت تجرى في العصور الوسطى.

بيد أن هذا لا يعني تلقائياً أنه عندما تخوض ألمانيا مباريات دولية في المستقبل، ستبقى العناصر الديماغوغية والمشاغبة بعيدة عن الملاعب، لكن على الأقل أظهر المدرب ولاعبوه إدراكهم لأن هذا النمط من السلوك المرفوض يؤثر سلباً على المنتخب أيضاً، وأنه من الأفضل مواجهته بدلاً عن تحاشيه والوقوف ساكنين باعتبارها مشكلة تخص آخرين. وربما بمقدور نظرائهم الإنجليز تعلم درس مفيد منهم على هذا الصعيد.
أوروبا كرة القدم

التعليقات

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
13/09/2017 - 04:22
انه لشىء مؤسف ان تتحول كرة القدم الى مثل هذا النوع من التشجيع وقد كانت كرة القدم وهى معشوقة الملايين فى العالم عبارة عن رسالة محبة الى الشعوب كانت الاهازيج والاناشيد الوطنية وكان اللاعبون كذلك اقوى رسلة من الدبلوماسية بين الشعوب يتبادلون القمصان بعد نعياة المياراة ان هنالك انحراف عالمى فى التشجيع اذا لم يحارب فى مهده سيؤدى الى كوارث لايعلم نتائجها الا الله الشعب الانجليزى كان الشعب المثالى بين الشعوب فى العالم كنا نتعلم منهم (الاتيكيت ) والانضباط وهنالك قولة متادولة حينما تتواعد مع شخص توصيه خليك انجليزى فى المواعيد كانوا بحق الشعب الراقى شكرا لادارة المنخب الالمانى الذين ادانوا مثل هذا السلوك وعلى الاعلام الرياضى تكملة الموضوع
عرض الكل
عرض اقل

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة