لا تزال المنازل قائمة بعد مرور أكثر من 3 شهور من القتال العنيف المستمر في المناطق الحضرية في مراوي، تملؤها ثقوب الرصاص من الخارج، واسوداد النيران من الداخل.
يقول العميد مالكويدس أوردياليس، من مشاة البحرية الفلبينية: «لا أستطيع القول على وجه التحديد متى سوف نتمكن من إنهاء هذا الأمر». ويمكن سماع دوي نيران الأسلحة الصغيرة، وانفجار قذائف الهاون، من على مسافة، إثر استهداف الجنود لجيب آخر من جيوب المتطرفين المسلحين.
ولقد تناثرت الأطلال والأنقاض من الشارع المحيط به، مما أتاح المجال لمجموعة كبيرة من الصحافيين، من بينهم 3 من صحيفة «نيويورك تايمز»، من الذين سُمح لهم أخيراً، لزيارة الجزء المستعاد حديثاً من المدينة خلال الأسبوع الأخير.
ومع مرور نحو 100 يوم الآن على بدء المعارك، كانت هذه هي المرة الأولى منذ شهور التي يسمح فيها الجيش بدخول الصحافيين. وعلى الرغم من أن الجولة كانت مقيدة وضيقة للغاية، لم يكن هناك مجال للاختباء من التدمير العميق من الغارات الجوية أو قصف المدفعية، أو من حقيقة مفادها أن القتال لا يزال عنيفاً شرساً. وفي يوم الخميس الماضي، أبلغ عن مقتل 3 من الجنود، وإصابة 52 جندياً آخرين، في العمليات.
كانت مراوي والمنطقة المحيطة بها، الواقعة في الطرف الجنوبي من جزيرة مينداناو الفلبينية، موطناً لنحو 200 ألف نسمة، وتعتبر أكبر مدينة ذات أغلبية مسلمة في البلاد. ولقد تحولت الآن إلى ما يشبه الحقل الكبير الفارغ إلا من الحطام، الذي تتنافس عليه مجموعة صغيرة من المتطرفين الإسلامويين المسلحين الذين يزعمون الولاء لتنظيم داعش الإرهابي، في مواجهة حكومة الرئيس رودريغو دوتيرتي، الذي تعهد بالقضاء عليهم واجتثاث وجودهم في البلاد، مهما كانت التكاليف.
وكانت التكاليف مرتفعة للغاية، ولا سيما بالنسبة للمدنيين الذين يشعرون بالفعل بأنهم الأقلية المهمشة في البلاد، الذين تعرضوا للتشرد والنزوح القسري بسبب المعارك الدائرة، مع ارتفاع ملحوظ في مشاعر الإحباط لديهم.
ووفقاً لمنظمة الصليب الأحمر الدولي، هناك 300 ألف مواطن من سكان المدينة والمناطق المحيطة بها قد فروا من القتال، واستقر الأمر بكثيرين منهم في المخيمات التي تبعد 6 أميال فقط عن منطقة العمليات. ويرغب أغلب الناس هنا، والمتجمعين داخل المخيمات الضيقة والساخنة التي تتناثر فيها البطانيات المتبرع بها إليهم، في العودة إلى ديارهم، ولكن تواجههم حقيقة صارمة، وهي أنهم عالقون في هذه المخيمات إلى أجل غير مسمى.
تقول إسنيما داغو (22 عاماً): «لقد طلبوا منا أن نحزم أمتعتنا، ونغادر لمدة 3 أيام فقط». وكانت تعمل ماكييرة في مراوي، وهربت بصحبة والدتها وجدتها وطفلها الذي بلغ من العمر عامه الأول، في أول يوم لهجوم المسلحين المتطرفين.
وأضافت تقول: «الحكومة تعطينا الغذاء وبعض الدعم، ولكننا نريد العودة إلى وظائفنا. ولكن يبدو الآن أنه ليس هناك ما نعود إليه».
كانت هذه المنطقة منبعاً من منابع المقاومة لحكومة الفلبين لفترة طويلة من الزمن، من جانب الحركات المتمردة والجماعات المتطرفة والعصابات الإجرامية، ومن الثلاث معاً في بعض الأحيان.
وقد اعترف المتطرفون المسلحون، الذين استولوا على مراوي في مايو (أيار) الماضي، بالولاء لتنظيم داعش الإرهابي. ومع اندلاع المعارك، كان يعتقد بوجود 600 متطرف مسلح هناك، تحت قيادة الأخوين موات وعصابتهم، إلى جانب إيسنيلون هابيلون، الزعيم القديم لجماعة أبو سياف المتطرفة، والزعيم الحالي لفرع «داعش» في الفلبين.
وجاذبية دعاية «داعش» واضحة هناك: الدفعة القوية الدافعة للتجنيد، والسمعة المرعبة الدافعة لتناول الطعم بكل سهولة. ولكن في الشهور الأخيرة، أقر خبراء مكافحة الإرهاب بأن المساعدة الحقيقية من القيادة المركزية للتنظيم، وأغلبها مساعدات مالية، رغم أنها تضم بضع عشرات من المقاتلين الأجانب، قد عززت من موقف الجماعة المتطرفة محلياً.
والآن، تزعم الحكومة الفلبينية أن هناك عشرات فقط من المسلحين باقين على قيد الحياة في المدينة، بيد أن نهاية المعركة الحالية لا تبدو قريبة بحال، وحقيقة ثبات المتطرفين المسلحين حتى الآن في القتال تثير المزيد من القلق لدى الجميع.
يقول زكاري أبوزا، البروفسور في كلية الحرب الوطنية في واشنطن المختص بالشؤون الأمنية لمنطقة جنوب شرقي آسيا: «أعتقد أن المسلحين المتطرفين قد فوجئوا بطول أمد العمليات العسكرية الحالية».
وأعلن الجيش الفليني عن مصرع 133 جندياً من قواته، إلى جانب 617 مسلحاً متطرفاً، ونحو 45 مدنياً، منذ اندلاع الأعمال العدائية. وتم إنقاذ ما لا يقل عن 1728 مواطناً، بعد وقوعهم كرهائن في أيدي المسلحين، أو حصارهم في خضم المعارك.
وقال الجيش الفلبيني، الأسبوع الماضي، إنه تمكن من تطهير المسجد الكبير في مراوي، الذي اتخذ منه المسلحون المتطرفون من قبل مقراً لهم، والمكان الذي كان يعتقد أنهم احتجزوا فيه عشرات الرهائن في بداية أعمال القتال.
وبعد ذلك، قام الرئيس الفلبيني بزيارة المنطقة لتعزيز الروح المعنوية لقواته هناك، وكان يرتدي سترة واقية ضد الرصاص، وأطلق رصاصة من بندقية للقناصة في اتجاه المسلحين، مؤكداً بذلك على شخصية الرجل القوي التي اشتهر بها.
ولكن بالنسبة إلى كاميليا باونتو، التي صوتت قبيلتها بالكامل لصالح الرئيس الفلبيني في انتخابات العام الماضي الرئاسية، مع وعوده بتحقيق السلام والاستقرار في منطقة مينداناو التي اتسمت بالعنف والتطرف الشديد، كانت حرب الرئيس لتحرير مراوي من الحقائق الفظيعة للغاية لدى جموع المواطنين، فلقد حوصر زوجها نيكسون (41 عاماً) في المدينة المدمرة، ثم فقدت الاتصال به تماماً هي وأطفالها الستة، وذلك بسبب نفاد بطارية هاتفه المحمول، على ما يبدو. وعندما وصلت قوات الجيش إلى منزل العائلة، وجدوه خاوياً تماماً. وتقول السيدة باونتو وهي تذرف الدموع بغزارة: «إنه أمر مؤلم للغاية، بسبب أن الجيش كان يمكنه إنقاذه في وقت مبكر. لقد صوتنا جميعاً لصالح الرئيس دوتيرتي، أرجوكم ساعدونا في عودة زوجي على قيد الحياة. إننا مواطنون عاديون، وليست لنا توجهات سياسية قط».
ويؤكد الجيش الفلبيني من داخل المدينة أنه تمكن من تثبيط قوى المسلحين إلى درجة كبيرة، وحاصرهم في جيوب ضيقة. ولكن قادة الجيش يقولون إن المتطرفين لديهم إمدادات جيدة من الأسلحة والمؤن. والفرع الإقليمي من تنظيم داعش هنا يعتبر ثباتهم حتى الآن بمثابة نجاح دعائي مهم للغاية بالنسبة إليهم. وقال البروفسور أبوزا، من كلية الحرب الوطنية في واشنطن: «إنه انتصار استراتيجي بالنسبة للتنظيم الإرهابي وللمسلحين المتطرفين في الفلبين. وبعد كل شيء، لقد تحولت منطقة جنوب شرقي آسيا على نحو مفاجئ إلى أهم اللاعبين الدوليين على ساحة الإرهاب العالمية بالنسبة لتنظيم داعش».
* خدمة «نيويورك تايمز»
في مدينة الأنقاض... اشتعال المعركة ضد «داعش» بالفلبين
زيارة خاصة تحت القصف للجزء المستعاد من مراوي
أثار طلقات الرصاص على جدران المباني تتحدث عن المعركة ضد «داعش» في الجزء الذي استعاده الجيش الفلبيني من مدينة مراوي (نيويورك تايمز)
في مدينة الأنقاض... اشتعال المعركة ضد «داعش» بالفلبين
أثار طلقات الرصاص على جدران المباني تتحدث عن المعركة ضد «داعش» في الجزء الذي استعاده الجيش الفلبيني من مدينة مراوي (نيويورك تايمز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



