الأمن والاستقلالية وتعزيز النفوذ محاور سياسة ماكرون الخارجية

إطلاق مجموعة عمل حول سوريا في سبتمبر وعقد مؤتمر لتجفيف تمويل الإرهاب في باريس

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يخاطب سفراء بلاده عبر العالم في الإليزيه أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يخاطب سفراء بلاده عبر العالم في الإليزيه أمس (إ.ب.أ)
TT

الأمن والاستقلالية وتعزيز النفوذ محاور سياسة ماكرون الخارجية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يخاطب سفراء بلاده عبر العالم في الإليزيه أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يخاطب سفراء بلاده عبر العالم في الإليزيه أمس (إ.ب.أ)

في أول خطاب له حول توجهات السياسة الخارجية التي يريدها لبلاده، رسم الرئيس إيمانويل ماكرون صورة شاملة ومتكاملة للدبلوماسية التي ستسير عليها باريس للسنوات الخمس القادمة. وجال ماكرون، في خطاب ألقاه أمس بمناسبة الاجتماع السنوي التقليدي لسفراء فرنسا في العالم، على أزمات العالم من الشرق الأوسط إلى كوريا الشمالية ومن أفريقيا إلى فنزويلا ومن مستقبل الاتحاد الأوروبي إلى المناخ. وحدد ثلاثة منطلقات لسياسته الخارجية المسخرة لخدمة مصالح بلاده؛ هي أمن فرنسا والفرنسيين، واستقلاليتها، ونفوذها المتعدد الأشكال في العالم. ولم تفت الرئيس الفرنسي الإشارة الضمنية إلى أن فرنسا تستعيد، مع وصوله إلى السلطة، دورها في العالم وأن صوتها عاد ليصبح مسموعا. وكان ماكرون يشير بذلك إلى ما يعتبره الكثيرون «نجاحات» له في السياسة الخارجية، سواء تعلقت بلقاءاته مع الرئيسين الروسي والأميركي أو مبادرته للجمع بين المسوؤلين الليبيين في باريس. وقال ماكرون إنه يريد أن تكون فرنسا «حاملة للحلول والمبادرات عند نشوب أزمات جديدة وأن تكون قادرة على إسماع صوتها وعلى التدخل لدى المنظمات الإقليمية»، كما فعلت في الساحل مثلا.
واغتنم الرئيس الفرنسي المناسبة للكشف عن «مبادرات» كان ينتظر السفراء الإعلان عنها، فجاءت كثيرة. وشملت بدء أعمال «مجموعة العمل» حول سوريا بعد أيام في نيويورك، ومؤتمر بداية العام القادم في باريس حول تجفيف موارد تمويل الإرهاب، وزيارة لـ«الشرق الأوسط» في ربيع 2018، وتعيين سفيرين متخصصين: الأول للتنمية والأمن في أفريقيا والثاني حول مسائل الهجرات المكثفة من البلدان الأفريقية، إضافة إلى مبادرات أخرى داخلية الطابع ولكن على ارتباط بالسياسة الخارجية، مثل تشكيل مجلس تابع له خاص بسياسة فرنسا الأفريقية من شخصيات من المجتمع المدني.
وبما أن أمن فرنسا والفرنسيين يأتي على رأس اهتمامات ماكرون، فقد احتل الإرهاب حيزا واسعا من خطابه الذي زاد عن الساعة. وشدد الرئيس الفرنسي على أهمية ومركزية محاربة الإرهاب الذي ضرب فرنسا منذ أوائل عام 2015 موقعا 239 قتيلا ومئات الجرحى. وقال ماكرون إن «مكافحة الإرهاب الإسلامي هي أولى أولويات سياستنا الخارجية»، وأمن الفرنسيين هو «سبب وجود دبلوماسيتنا وهو ضرورة جوهرية وعلينا الاستجابة لها من غير توان». ولأنه مدرك أن استخدام تعبير «الإرهاب الإسلامي» سيثير موجة من الجدل إن لم يكن من التنديد، فقد سارع إلى التأكيد أنه «يتحمل تماما» مسؤولية ما يقوله، وأن «الطوباوية «المقصود بها هنا السذاجة المفرطة» لا مكان لها»، وأنه من العبثية «إنكار الصلة» بين قراءة متطرفة، أصولية ومنحرفة للإسلام وبين العمليات الإرهابية.
بيد أن الرئيس الفرنسي سارع إلى القول إنه لا يخلط بين الإسلام والإرهاب الإسلامي وإن لا مكان لمن يروجون للخوف من الإسلام أو للذين يخلطون بين الإسلام و«الإسلاموية»، رافضا توجيه أصابع التشكيك والاتهام لملايين المسلمين في أوروبا وبالأخص للمسلمين الذين وقفوا بقوة ضد دعاة الظلامية. وكما سلفه فرنسوا هولاند في الرئاسة، اعتبر ماكرون أن «داعش» هو «عدو فرنسا» لأنه منذ انغراسه في سوريا والعراق «بدأ بالتخطيط لعمليات إرهابية» ضد فرنسا والفرنسيين. ويربط الرئيس الفرنسي بين القضاء على «داعش» «عدونا» والإرهاب، وبين التوصل إلى حلول سياسية «جامعة» في كل من سوريا والعراق «حيث علينا أن نكسب مرحلة السلام»، مضيفا أن «عودة السلام والاستقرار إلى العراق وسوريا هما ضرورة حيوية لفرنسا». ولهذا الغرض، فإن الرئيس الفرنسي يدعو إلى العمل من أجل «عملية انتقال سياسية جامعة» في العراق «بمعنى ما، ولكن في سوريا خاصة» بحيث تتمثل (في السلطة) جميع المكونات، ونبدأ العمل في إعادة الإعمار.
ويرى الرئيس الفرنسي أن أحد عوامل القضاء على الإرهاب «الإسلاموي» يكمن في تجفيف منابع تمويله. ولذا، فإنه يدعو إلى علاقة «لا تساهل فيها»، بحيث لا يغض الطرف عن أي جهة قد تكون على علاقة بتمويل الإرهاب. ولهذا الغرض، فإن ماكرون يريد تنظيم مؤتمر في باريس ينصب البحث فيه على تمويل الإرهاب واتخاذ القرارات المناسبة التي يفترض أن تكمل التدابير والقرارات التي اتخذت في إطار مجموعة السبع. كذلك، يرى الرئيس الفرنسي أن القضاء على شبكات التهريب (مخدرات، أسلحة، بشر)، كما يظهر ذلك في منطقة الساحل هو «ضرورة قصوى». وقال ماكرون إن «الإرهاب وتمويله يتغذيان من الأزمات الإقليمية ومن انقسامات أفريقيا وانقسامات العالم الإسلامي»، ومعتبرا أن «أزمة الخليج تبين ذلك بوضوح» الأمر الذي دفعه كما قال، إلى إبقاء فرنسا في «دور الوسيط». ووجه ماكرون رسائل مبطنة حين أكد أنه «من الضروري» أن تتحدث باريس إلى جميع الأطراف، شرط أن تبقي نصب عينيها أمرين. الأول، المحافظة على الاستقرار في المنطقة «حتى لا نضيف أزمة جديدة على الأزمات الموجودة»، والثاني، الحصول على الشفافية بشأن «كافة أشكال تمويل الإرهاب» داعيا إلى الابتعاد عن «السذاجة لما قد حصل «في الماضي» أو ما زال حاصلا «اليوم».
وتحاشى ماكرون الدخول في تفاصيل الأزمة الخليجية بين قطر من جهة، وثلاثة دول خليجية ومصر من جهة أخرى. كذلك رفض النظر إلى نزاعات المنطقة من زاوية «صراع سني ـشيعي»، واعتباره «منهجا» لقراءة الأزمات. وبعكس ذلك، فإن ماكرون يصر على «عدم الانغلاق في معسكر»، معتبرا أن قوة الدبلوماسية الفرنسية تكمن في قدرتها على الحديث إلى الجميع «من أجل تجميع عناصر الاستقرار ومحاربة كل أشكال تمويل الإرهاب بفعالية». كذلك رفض ماكرون السير وراء الولايات المتحدة الأميركية في حملتها لتفكيك الاتفاق النووي الموقع مع إيران، معربا عن تمسكه به وبحرفية تنفيذه وبضرورة المحافظة على نظام منع انتشار الأسلحة النووية. ويرى الرئيس الفرنسي أنه بالإمكان استكمال الاتفاق لما بعد عام 2025 بالعمل على مسألة الصواريخ الباليستية، الأمر الذي سيتيح بناء علاقة ثقة مع طهران.
وفي شهر مايو (أيار) الماضي، تحدث الرئيس ماكرون للمرة الأولى عن «مبادرة» فرنسية قوامها تشكيل «مجموعة اتصال» من البلدان الكبرى والأطراف الإقليمية الفاعلة. وأمس، كشف أن هذه المجموعة ستصبح «فاعلة» الشهر القادم وستلتئم على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وأشار ماكرون إلى أن مبادرته «قبلت»، وأنها ستضم «اللاعبين الأساسيين المنخرطين» في سوريا، وأن غرضها «توفير الدفع للجهود التي تبذلها الأمم المتحدة»، مشيرا في ذلك إلى مبعوث الأمين العام ستيفان دي ميستورا. غير أن ماكرون امتنع عن تحديد الدول التي ستتشكل منها المجموعة كما أنه أغفل الإشارة إلى وجود المكون السوري أكان ذلك النظام أو المعارضة بعكس ما كان قد قيل سابقا.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر دبلوماسية فرنسية أن إحدى صعوبات المبادرة الفرنسية كان رفض الطرف الأميركي، بسبب تصاعد حدة العلاقات بين طهران وإدارة الرئيس ترمب، الجلوس إلى الطاولة نفسها مع ممثلين عن طهران. وهذه الصعوبة التي تفسر امتناع ماكرون عن الغوص في التفاصيل تم، كما يبدو التغلب عليها بـ«بدعة دبلوماسية» وفق تعبير مصدر فرنسي. وبأي حال، فإن ماكرون الذي أوجد انعطافة رئيسية في مواقف بلاده من الحرب في سوريا وتقارب مع موسكو ومواقفها، يرى أنه أخرج بلاده من التهميش في الملف السوري كما برز ذلك في جلسات أستانة، وأن الحوار «الجاد والمتطلب» مع موسكو وأنقره وطهران أوصل إلى تحديد أهداف مشتركة، منها دحر الإرهاب وتوفير الاستقرار في سوريا، فضلا عن وقف اللجوء إلى السلاح الكيماوي والتشديد على إيصال المساعدات الإنسانية» إلى مناطق النزاع. وذكر ماكرون بأنه «من المسلّم به» أن إعادة تشكيل دولة القانون «يوما ما» في سوريا وهو ما تعمل من أجله فرنسا وأوروبا: «يتعين أن يترافق مع محاكمة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة، وتحديدا قادة هذا البلد». وهذه المرة الأولى التي ينطق فيها ماكرون بهذه العبارات، خصوصا بعد أن امتنعت باريس، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عن المطالبة برحيل الأسد عن السلطة.
وبخصوص لبنان، أشار ماكرون إلى «تنبه باريس الكبير» للعلاقة الخاصة التي تربطها بلبنان. واعتبر ماكرون أن لبنان يواجه «بشجاعة» وضعا دقيقا، مضيفا أنه يحظى بدعم فرنسا. وفي هذا السياق، سيحل الرئيس اللبناني العماد ميشال سليمان في باريس في زيارة دولة أواخر سبتمبر (أيلول)، بينما يزورها رئيس الوزراء سعد الحريري في اليومين القادمين.
وعلى غرار الملف اللبناني حيث تبرز استمرارية السياسة الفرنسية، فإن ماكرون عبر عن مواقف ثابتة بالنسبة للملف الفلسطيني -الإسرائيلي حيث أعرب عن تمسكه بحل الدولتين، وأكد استمرار جهود بلاده لذلك، ولكن من غير الإتيان على أي مبادرة ملموسة. وكشف عن عزمه زيارة لبنان والأردن وإسرائيل والأراضي الفلسطينية في الربيع القادم.
تشكل ليبيا، وفق ماكرون، ومعها بلدان الساحل البؤرة الثانية لانعدام الاستقرار، لا بل إن ماكرون اعتبر ليبيا «ملجأ للإرهابيين». وإذ أشار إلى مبادرته في جمع المشير حفتر ورئيس حكومة الوفاق فائز السراج، كشف أن «خريطة الطريق» التي نتجت عن اجتماع سيل سان كلو في 25 الشهر الماضي، أفضت إلى مصالحة حفتر والسراج وكانت «مرحلة لا غنى عنها من المسار السياسي» المطلوب أن يتوسع لضم مسؤولين سياسيين آخرين، بحيث يتيح دحر الإرهاب وحماية ليبيا وجيرانها وعلى الأخص تونس. وكشف ماكرون أنه ينوي تعيين سفيرين متخصصين: الأول، لموضوع التنمية والأمن في أفريقيا والثانية سيولج ملف الهجرات الأفريقية الذي يقلق فرنسا وأوروبا. ويربط ماكرون بين هذه المسائل وبين الهجرات الكثيفة المتدفقة على أوروبا، وعلى الحاجة لإقامة علاقة ثلاثية الأضلاع، أوروبا - المتوسط - أفريقيا، تكون بلدان المغرب صلة الوصل فيها. وشدد ماكرون على الحاجة للتنمية في هذه القارة، التي رأى أن مصير العالم سيقرر فيها.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...