نيكولاس فان دام: سوريا في معضلة... والنظام لن يقبل أي مشاركة للسلطة

الباحث الهولندي قال لـ«الشرق الأوسط» إن احتمال الانقلاب بات أكبر... واللامركزية الإدارية ممكنة من دون بعد سياسي

نيكولاس فان دام
نيكولاس فان دام
TT

نيكولاس فان دام: سوريا في معضلة... والنظام لن يقبل أي مشاركة للسلطة

نيكولاس فان دام
نيكولاس فان دام

قال الباحث الهولندي نيكولاس فان دام في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن سوريا تواجه «معضلة كبرى»، إذ إن النظام غير مستعد لأي مشاركة حقيقية للسلطة وإن الطريقة الوحيد لتغيير النظام كانت الأسلوب العسكري، في وقت جلب التدخل العسكري «كوارث في دول أخرى». لكنه أشار إلى أن تغيير الدول الغربية موقفها من بشار الأسد وقبول بقائه خلال المرحلة الانتقالية «يفتح الباب لاختبار التسوية».
وأضاف فان دام: «كل من يعرف سوريا وبنية النظام يعرف أن الأسد لن يتنحى بل سيبقى إذا لم يجبر عسكرياً على التنحي»، لافتا إلى أن النظام السوري يختلف عن غيره بأمرين:: «تركيبة القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات والمواقع المفتاحية، كلها مرتبطة في شكل مباشر أو غير مباشر بالأسد. الثاني، التفكير الأقلوي. عندما ترى الأقلية أنها مهددة، سواء كان هذا صحيحاً أو لا، فإنها ستتماسك أكثر». وأضاف: «في دي إن إيه الخاص بالنظام. البقاء. لذلك بقي النظام في السلطة. منع أي مشاركة سياسية. القضاء على شخص ولاؤه محل الشك».
لكن فان دام، الذي درس بنية النظام وأصدر قبل عقود كتابه الشهير «الصراع على السلطة في سوريا»، أشار إلى أن النظام لم يعد محصنا ضد حركة داخله. وقال: «هناك كثير في النظام والجيش ليسوا راضين كيف سارت الأمور. هناك دائماً احتمال لشيء ما، لكن المشكلة أن الضباط العلويين الأكثر قدرة على القيام بانقلاب، هو السؤال: لو قاموا بانقلاب، أي القضاء على أشخاص مفتاحيين، هل سيحصلون على دعم كامل من الجيش كي يحافظون على أنفسهم؟».
ورأى فان دام أن أحد الحلول المقترحة لسوريا هو اعتماد نظام اللامركزية الإدارية مع بقاء مركزية في دمشق. وأوضح: «النظام لن يقبل بأي شيء يهدد سلطته بحسب اعتقاده»، وأن المفاوضات ستتناول «حدود ترخي القبضة وهل ستقبل المعارضة وأقل مما أرادت».
وكان فان دام الذي عمل مبعوث هولندا السابق إلى سوريا وعمل سفيرا لدى دول إقليمية بينها مصر وتركيا، وكتب كتاباً جديداً بعنوان «تدمير أمة». وهنا نص الحديث الذي أجري أول من أمس:

-وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون قبل رحيل الأسد ضمن عملية انتقالية ونظيره الفرنسي قال إن الأولوية قتال «داعش». ما قراءتك لذلك؟
- كان يجب أن يفكرا بذلك قبل ست سنوات. لأن إحدى العقد في العملية التفاوضية السورية، إذا كانت هناك مفاوضات، وجود شرط مسبق بوجوب غياب الأسد. بشرط كهذا، لن يقبل الأسد التفاوض. وأصبحت تلك العقدة في نهاية 2011، يمكن الاختلاف مع بشار الأسد، لكن إذا كنت لا تريد التحدث إليه يجب النصر عليه وهزيمته عسكرياً. وإذا كنت لا تريد ذلك يجب التحدث إليه. كما أن إغلاق السفارات في دمشق كان خطأ. الأقنية يجب أن تبقى مفتوحة مع الأعداء. حوار ثم حوار وحوار... واتصالات.
-لكن الوضع كان مختلفاً في 2011، كان هناك «الربيع العربي» ثم حجم القتل والدمار؟
- صحيح كان مختلفاً ولم يكن هناك نزيف للدماء السورية. قالوا إن الأسد غير شرعي ويجب أن يتنحى. أعتقد، أن وقتذاك كان خطأ. يمكن قول ذلك، لكن كل من يعرف سوريا وبنية النظام سيعرف أن الأسد لن يتنحى بل سيبقى إذا لم يجبر عسكرياً على التنحي. في تلك الظروف، كان خطأ وتفكيراً مشتهى. اعتقدت الدول الغربية أن الأسد سيسقط أو يترك السلطة مثل الرئيس زين العابدين بن علي والرئيس حسني مبارك.

- بنية الجيش والأمن

-ما الفرق في بنية النظام السوري عن باقي الأنظمة مثل تونس؟
- الفرق الرئيسي، تركيبة القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات والمواقع المفتاحية، كلها مرتبطة في شكل مباشر أو غير مباشر بالأسد. هذه ليست الحالة فقط، بل هي مرتبطة بعامل التفكير الأقلوي. عندما ترى أنها مهددة، سواء كان هذا صحيحاً أو لا، فإنها ستتماسك أكثر.
الهيكلية مختلفة عن تونس ومصر. لدى النظام السوري نصف قرن من الخبرة في القضاء على المعارضة مهما كانت ومن أي جهة كانت. أن مؤسسات النظام ركبت في شكل عنفي أكثر. تركيبة النظام والبعد الأقلوي، عاملان يجعلانه مختلفاً.
-هل تغيير الدول الداعمة للمعارضة من الأسد، هل يعني أن النظام سيقبل التفاوض على حل سياسي؟ وأي حل سيقبله؟
- اعتقادي، أن النظام لن يذهب إلى شراكة في السلطة. التسوية بالنسبة للنظام، تعني إعطاء بعض المعارضين مواقع في الحكومة أو نائب رئيس. أكيد، ليس وزارة الدفاع أو الداخلية ولا أي موقع حساس. ممكن إعطاء معارضين وزارة السياحة وحقائب كهذه.
من البداية، النظام لم يكن راغباً بالتفاوض حتى على أمور هامشية. إذا كان الفرق 100 في المائة بين طرفين. إذا أخذ طرف 95 في المائة، هذه ليست تسوية. القضية الجوهرية، هي عدم رغبة النظام في مشاركة السلطة مع أي طرف.
-لكن إلى ماذا سيقود تغيير المعارضة موقفها؟
- يقود إلى احتمال. ربما متأخراً، لكن احتمال أن يكون النظام جدياً أكثر. إذا تحدثت إلى النظام، فإنه سيطلب 99 في المائة لأنه يشعر بالقوة. مع أن موقف الدول الغربية مختلف. هناك نافذة صغيرة فتحت. لكن البلد في معضلة كبيرة اجتماعياً واقتصادياً. على الأقل، تغيير الموقف يفتح احتمالاً. لكن السياسة السابقة الأخرى، عنت عملياً إغلاق أي نافذة للتسوية.

- معضلة سوريا... ولامركزية

-إذن، تعتقد أن الطريقة الوحيدة لتغيير النظام أو سلوكه هو التدخل العسكري. وهذا ليس ممكناً بعد العراق وليبيا. وفي الوقت نفسه النظام لا يقبل تسوية. إذن، سوريا في معضلة؟
- تماماً. معضلة كبرى. إسقاط النظام عسكرياً سيؤدي إلى كارثة لأن التدخل العسكري أدى دائماً إلى كوارث في دول أخرى. الانفتاح تجاه النظام، ربما تعطي احتمالاً لتنازلات لكن ليست بمستوى المشاركة السياسية. إنها في «دي إن إيه» الخاص بالنظام. البقاء. لذلك بقي النظام في السلطة. منع أي مشاركة سياسية. القضاء على شخص ولاؤه محل الشك.
-ما الحد الأقصى عملياً الذي يقبله النظام؟
- نسخة جديدة من «الجبهة الوطنية التقدمية». لكن، ممكن أن يعطي النظام وزارات للآخرين. الراحل صادق جلال العظم، قال في بداية الثورة مرات عدة. لو أن النظام عين رياض سيف (الرئيس الحالي لـ«الائتلاف الوطني السوري» المعارض) كان تم تحييد نصف المعارضة. لكن، أعتقد أن المطالب الشعبية كانت ستستمر ولن تقف عند ذلك.
هذا نوع التسوية التي هي في عقل النظام إذا كان هناك شيء. مشاركة السلطة من دون مشاركة السلطة الحقيقية. إعطاء حقائب للمعارضة، من دون تعريض النظام للخطر.
-بعض المعارضين يراهنون على روسيا التي ستضغط على دمشق لقبول تسويات وأن الرئيس فلاديمير بوتين لديه حسابات أخرى للوصول إلى حل مختلف؟
- هذا سيكون أمراً جيداً. روسيا لديها تأثيرا على النظام لكن إلى حد تجعل النظام يقوم بشيء لا يريد القيام به. لا أرى ذلك. هذا يتطلب بعض الإبداع. الوصول إلى شكل آخر من المشاركة السياسية. يمكن الوصول إلى صيغة تترك بعض الأمور في أيدي النظام لكن ليس كل شيء.
-مثل ماذا؟
- اللامركزية. أن تستطيع الوحدات المحلية بالعمل إلى حد ما.
-اللامركزية هو النموذج للمشاركة السياسية؟
- يطلق عليها لامركزية إدارية. المحافظ لديه ما يقول عن المشاريع، لكن لا يعني أن لديه سلطة حقيقية في مركز السلطة مختلف عما تريده السلطة. هذا النموذج، بحيث لا يهدد أثر النظام ونفوذه.
-هذا ينطبق على الكرد؟
- أكيد. الأكراد بقيادة «حزب الاتحاد الديمقراطي» يريدون حكماً ذاتياً سياسياً. لكن هذا لا يقبله كثيرون بينهم معظم الأحزاب الكردية الأخرى. قد يكون للأكراد هامش لممارسة السلطة وما يريدونه وهم في حاجة لموارد في المركز.
-كيف ستنعكس اللامركزية في المركز - دمشق؟
- دعني أعط مثالاً. تحت حكم صدام حسين، كان هناك حكم ذاتي كردي. كان محدوداً وأراد الأكراد بقيادة مصطفى بارزاني أكثر مثل كركوك. عندما يمكن ترجمته إلى سوريا، أي إقليم يمكن أن تحصل على حكم ذاتي معيّن، لكن الدفاع والأمن الداخلي والاقتصاد ستبقى في أيدي الحكومة المركزية. السؤال: مدى إحكام القبضة أو إرخائها. ما دام أن الإدارات خاضعة للمساءلة في المركز، لا مشكلة.
-هيكلية النظام قائمة على النظام المركزي، النموذج الجديد اللامركزي يتطلب تغييرات في المركز. ما هي؟
- أي شيء سيهدد سلطة النظام بحسب اعتقاده، لن يقبل به. مثلاً، الحكم الإداري المحلي، لا يعني أبداً حكماً ذاتياً كاملاً. ممكن لديهم موازنة وإدارات وممكن تخفيف قبضة المركز على المحافظات ودمشق وحلب. لكن السؤال إلى أي حد ترخي القبضة وهل ستقبل المعارضة وأقل مما أرادت.
لست خبيراً بمسألة اللامركزية، لكن هناك نماذج مختلفة تتضمن أن تحتفظ السلطة على البلاد كاملة والحدود، والمحافظات والأقاليم لديها إدارة أو سلطة ما.

- الفصائل المسلحة

-السؤال الكبير، ماذا عن الفصائل المسلحة والمسلحين السوريين وغير السوريين؟
- يجب أن ينضم السوريون إلى الجيش، لكن السؤال يتعلق بالثقة والولاء. إذا الجيش لحماية الوطن وهذا الذي يجب أن يكون وليس للدفاع عن النظام. لكن النظام يريد الحفاظ على وحدات نخبة لحالات الطارئ للبقاء في السلطة. وقلت في كتابي «تدمير أمة» إن قوات النظام لحماية النظام والآخرين لحماية البلد.

- هذا هو أكبر سؤال

-هل تشكيل مجلس عسكري مشترك هو الحل؟
- بين النظام والمعارضة. نعم، مثل «الجيش الحر». إذا كان يمكن لعناصر «الجيش الحر» الانضمام إلى القوات المسلحة لكن يريدون مواقع مفتاحية. النظام يريد المواقع المفتاحية لأن النظام لا يريد أن يهدد. خطوة أولى هي اندماج العساكر الذي انشقوا، لكن هذا صعب إذا كانوا سيكونون تحت سيطرة مطلقة لأشخاص لديهم ولاء للنظام وليس لشيء آخر. المجلس العسكري فكرة تستحق الاختبار.
-أين تضع مناطق خفض التصعيد ضمن هذا المسارات؟
- بالنسبة إلى النظام، هي فترة راحة، لكن لا تعني أبدا التخلي عن الهدف النهائي وهو استعادة باقي الأراضي السورية. يريدون إعادة التسلح والاستعداد. وفي كل الأحوال، خلال فترة الراحة يمكن الحديث عن مستقبل سوريا والقوات المسلحة وليس خلال المعارك. مناطق خفض التصعيد تطور إيجابي، لكن النظام لن يقبل أي مقاومة لاستعادة باقي الأراضي السورية. ثم التفاوض حول مستقبل سوريا، بعد السيطرة الكاملة.
-ومناطق المعارضة؟
- يمكن أنها مناطق مجمدة. ربما فترة راحة للوصول إلى اتفاق متبادل، لكن لا أعتقد أن النظام سيقبل أن تبقى المعارضة في بعض المناطق. هذه منطقة انتقالية للحديث خلال عن التسوية.
-هناك قلق من تقسيم سوريا؟
- النظام والمعارضة يريدان سوريا موحدة. لكن كل منهما يريدها تحت سيطرته. يمكن أن تكون سوريا مقسمة كأمر واقع لمناطق نفوذ مختلفة. أيضا، يتعلق ماذا إذا كان الأميركيون يدعمون المعارضة لأخذ مناطق من الأسد أو يدعمونها عندما يهاجمها الأسد.
طبعاً بعيدا من «جبهة النصرة» و«هيئة تحرير الشام» في إدلب. لا أعتقد أن مناطق خفض التصعيد ستؤدي إلى تقسيم سوريا. حدود الاستعمار التي تم تحديها باتت الآن مقبولة أكثر. لا أعرف أي شخص حتى «حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي» يريد تقسيم سوريا. بل يريد حكماً ذاتياً سياسيا. لا أعتقد أن سوريا ستقسم بحيث يكون قسم من سوريا دولة أخرى.
-بعض المعارضين يعتقدون أن الدول الغربية تخلت عنهم؟
- نعم. هذا ما قلته في كتابي. الدول الغربية أعطت انطباعات خاطئة لموقف أخلاقي صحيح. المعارضة اعتقدت أن هذه الدول تقوم بشيء جيد، لكن هذا ليس واقعياً. كان على المعارضة أن تعرف موقف الدول الغربية مبكراً. دعمت المعارضة ليس فقط إلى حد أن تنتصر المعارضة. كانت لديها نيات طيبة نسبياً، لكن النتائج كانت مضرة للمعارضة.

- ترنح النظام في 2015
-هل كان النظام سيبقى من دون الدعم الإيراني والتدخل العسكري الروسي؟
- في 2015، كان النظام يترنح. لولا مساعدة الروس والإيرانيين، كان النظام قد سقط. ربما سقوطه لم يكن سهلاً. لكن، الروس قاموا بخطوة مقررة وأنقذوا النظام ولا يمكن سقوط إلا بأسباب أخرى ربما لعوامل داخلية. سقوط النظام لا يعني أن المعارضة فازت.
-من خلال معرفتك ببنية النظام التي أقامها حافظ الأسد وما جرى في السنوات السبع الأخرى، هل النظام محصن من أي تغيير داخلي؟
- ليست لدى النظام حصانة. أظن، هناك كثير في النظام والجيش ليسوا راضين عن كيف سارت الأمور. هناك دائماً احتمال لشيء ما، لكن المشكلة أن الضباط العلويين الأكثر قدرة على القيام بانقلاب، هو السؤال: لو قاموا بانقلاب، أي القضاء على أشخاص مفتاحيين، هل سيحصلون على دعم كامل من الجيش كي يحافظون على أنفسهم؟
النظام ليس محصناً في شكل كامل. هناك عوامل إضافية، الاقتصاد والفساد واقتصاد الحرب والموت. هناك الكثير من القتلى من اللاذقية والجبال قتلوا لأنهم في مواقع حساسة في خطوط القتال الأمامية. حتى لو انتصر النظام عسكرياً، لا يعني الاستمرار وكأن شيئاً لم يحصل. خرج المارد من القنينة، وصعب إعادته.
-كيف ترى سوريا في 2021؟
- الأسد يريد البقاء في السلطة إلى وقتذاك. لكن فرصة لإجراء انتخابات وتغيير النظام. النظام يريد القيام بكل شيء وحسب الموقف الرسمي. لكن الأسد ليس شخصاً لا بديل له. إذا تخلى عن منصبه، لا بد من رئيس قادر على القيام بالتغيير والتطوير في البلاد. 2021، فرصة تأتي بعد أربع سنوات ويمكن أن تكون فرصة لتغيير الرئيس وإجراء انتخابات وليس انتخابات يحصل فيها الرئيس الجديد على 99 في المائة من الأصوات، بل طريقة مختلفة.
-فرصة للانفتاح، المعارضة لا تريد الانتظار لوقتذاك؟
- أتمنى بدء عملية التغيير قبل ذلك بكثير. بل أتمنى ذلك اليوم، لكن الأمر سيأخذ وقتاً. لكن 2021، فرصة في حال لم يحصل شيء قبل ذلك.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.