علي الدميني: راقبوا المشهد جيداً... صوت الحداثة في السعودية ما زال عالياً

الشاعر السعودي يبحث قلِقاَ عن مسارات جمالية شعرية جديدة

علي الدميني
علي الدميني
TT

علي الدميني: راقبوا المشهد جيداً... صوت الحداثة في السعودية ما زال عالياً

علي الدميني
علي الدميني

«في الطريق إلى أبواب القصيدة» تلتقي الدروب عند تجربة الشاعر السعودي علي الدميني، الذي ساهم بفاعلية في تأسيس الحركة الشعرية الحديثة في المملكة، وأصبح عنواناً بارزاً لمشروع الحداثة المتعثر هناك. قبل عامين التقى نخبة الشعر والنقد والأدب ليقدموا شهاداتهم في تجربة الدميني الشعرية والأدبية ومنافحته الطويلة عن مشروع التجديد، فصبوا تلك الشهادات في كتاب أسموه: «في الطريق إلى أبواب القصيدة.. علي الدميني، دراسات وقراءات وشهادات عن تجربته الشعرية والثقافية».
وصفه الدكتور معجب الزهراني، بأنه: «شاعر غنائي شفاف تتجلى شاعريته الأصيلة حين يتحدث عن الحب»، في حين تصفه الشاعرة فوزية أبو خالد بالشاعر المتمرد «شكلاً ومضموناً كرياح البحر التي لا تستطيع تحمل ملل الاستقرار»...
عن مشروع الحداثة، وأين أخفق؟ وماذا أنجز؟ وتجربة الدميني الشعرية والروائية، وقراءته للمشهد الثقافي العام، التقينا الشاعر السعودي علي الدميني في الدمام حيث يقيم، وأجرينا معه الحوار التالي:
- كنتَ صوتاً لمشروع الحداثة السعودية المتعثر... كيف تنظر اليوم لهذا المشروع؟
- الحداثة وفق قيمها الناظمة لسيادة العقلانية والحرية والديمقراطية وتحرير الكينونة الذاتية والإبداعية من أحمال الإرث والعادات والنمط والقهر الاجتماعي والسياسي، لا تتحقق بشكل عام إلا ضمن منظومة من التفاعلات الجدلية والتكاملية بين المكوّن الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي لأي مجتمع، وليست مقتصرة على الفكر والآداب والفنون فقط، وإن كانت هذه الأخيرة تحتفظ بخصوصية واستقلالية مختلفة.
ولذلك؛ رأينا أن مفاعيل الفكر والفلسفة والحداثة الإبداعية قد رافقت عصور النهضة والأنوار وأسهمت في انبثاق مرحلة الحداثة في الغرب عموماً.
وبدرجة أقل كثيراً، يمكننا القول إن التفاعل الفكري والأدبي في عواصم المراكز العربية من القاهرة إلى بيروت إلى بغداد قد تأثرت وتصادت، ضمن خصوصية البنية الفوقية المنفتحة على الجديد في العالم – مع نتاجات ما هو خارج العالم العربي فكريا وأدبياً، منذ أوائل القرن العشرين المنصرم، رغم تخلّف البنى الثقافية والاجتماعية والسياسية العربية.
- كيف يولد مشروع الحداثة من رحم مجتمع قبلي، وكيف ينمو في بيئة أصولية؟
- يمكننا النظر إلى واقعنا في المملكة، حيث رأينا صوت محمد حسن عواد يدوي مبكراً في معقل الأصولية والقبلية ليبشر بعصر جديد يتطلّع فيه إلى زمن الحرية والفكر الحر والإبداع الجديد، بل إنه كان من أوائل الذين جرّبوا كتابة شعر التفعيلة في العالم العربي. وقد حدث ذلك رغم شراسة المواجهة مع البنى المحافظة اجتماعيا وسياسيا.
وتأتي ضمن هذا السياق أسماء كثيرة جداً، وبخاصة في الحقل السياسي الذي لا نستطيع الحديث عنه هنا، إلى جانب شخصيات بارزة في حقول الأدب والفكر الاجتماعي والإبداع، من أمثال عبد الله عبد الجبار، وحمزة شحاتة، وعبد الله القصيمي، وأحمد سباعي وعبد الكريم الجهيمان، وغيرهم.
- ماذا عنك؟
- إذا أتينا إلى حقل الشعر تحديداً، فإنني أعد نفسي غصناً في شجرة التجديد والرنو إلى الحرية والحداثة في العالم كله، مثلما أراني في بلادنا واحداً ممن مضوا في هذا الدرب الطويل، الذي امتد من العواد إلى حسن القرشي وغازي القصيبي إلى محمد العلي، وجيلي الذي أنتمي له.
- هل يمكن أن تنجز تجربة حداثية في الأدب بمعزل عن المجتمع؟
- يمكن لنا القول إن مشوار الحداثة في الأدب والشعر في بلادنا تحديداً لا يمكن له أن ينجز مشروعه الحداثي الحلمي إلا حين تتكامل للمجتمع كل مقومات تبنّي قيم وآليات تحقيق زمن الحداثة، في أبعادها الحياتية المختلفة. ولذلك؛ يأخذ الشعر وبقية الفنون الأخرى في بلادنا دوراً تنويرياً ونهضوياً وفنياً مهماً في هذا السياق وهذه المرحلة.
- ماذا حقق هذا المشروع على الصعيد العام؟
- أؤكد أن مشروع الحداثة الأدبية والفنية في بلادنا قد تغلّب على كل العنف المضاد له من كافة الجهات الاجتماعية والرسمية، واستطاع أن يرسم لوحة مشرقة نعتز بها: في النقد الأدبي والشعر والسرد والتشكيل والمسرح التجريبي والسينما الجديدة، رغم كل العقبات!
وإن أردنا الوقوف على الشعر بصفة خاصة، فإننا سنرى عدداً من شعرائنا يقفون في مقدمة الأسماء الشعرية البارزة في العالم العربي، مثل محمد العلي، ومحمد الثبيتي، وفوزية أبو خالد، وأحمد الملا، وجاسم الصحيح وعلي الحازمي، وسواهم.
- الشاعر أحمد الملا، يرى أن «الحداثة في السعودية ليست في حاجة إلى آباء»... في رأيك ماذا يبقى من الحداثة إذا تخلت عن ذاكرتها؟
ــ أؤكد مجدداً؛ أن الأفكار والآداب والفنون تمتلك خصيصة انفعالها وتفاعلها مع واقعها الموضوعي المحدد جغرافياً والتأثير فيه، لكنها تمتلك الاستقلال الذاتي وخاصية الانتشار خارج ذلك الواقع عبر «الكتاب»، والمثاقفة مع الآخر؛ ولذا يمكن لأي منّا أن يكون له آباء في التنوير والحداثة الأدبية، من خارج إطارينا المحلي والعربي، وهذا ما يجعل كلام أحمد الملا هنا صحيحاً!
- أشرفتَ على ملحق «المربد» الثقافي (جريدة اليوم) في ذروة المعركة بين الحداثيين وخصومهم... إلى أي حد نجح «المربد» في توفير حاضنة للأصوات المهمشة في ذلك الوقت؟
- لم يكن «المربد» هو المنبر النشط الوحيد في مرحلته، فقد كانت هناك مجلة «اليمامة» وصحف «عكاظ» و«الرياض» و«الجزيرة» ثم مجلة «اقرأ». ولكننا اختططنا في المربد طريقاُ واضحة المعالم تهدف إلى تشجيع حركة الحداثة الأدبية وقيمها الثقافية المتعددة رؤية وتشكيلاً، وإبراز الأصوات المعبّرة عن تلك القيم واستهدافاتها بقدر الإمكان. ورغم الإمكانات المادية الشحيحة للجريدة في تلك المرحلة (1974 – 1982)، إلا أن «المربد» قد استقطب ورعى الكثير من الأقلام الإبداعية في الشعر والقصة والنقد، وقد كان منبرا مبكراً لنشر قصائد شعراء النثر في بلادنا، الذين عانوا من التهميش.
- أين هي أصوات الحداثيين اليوم؟
- من يتابع منابرنا الثقافية في الصحف والأندية الأدبية وجمعيات الفنون ومنصات التواصل الاجتماعي وفي المكتبات ومعارض الكتاب، سيرى صوت الحداثة عالياً في مختلف الحقول. وقد قمنا بإعداد ملف خاص عن راهن الحركة الشعرية في المملكة مؤخراً، سينشر قريباً في مجلة «بيت الشعر» المغربية، وسيبهجك ما يعبر عنه ذلك الملف من غنى التجديد الإبداعي وتعدّد منابعه في راهن المشهد الذي ينتظم القصيدة العمودية وقصيدتي التفعيلة والنثر، وقصيدة الشعر الشعبي الحديث. أما النقد الأدبي، فإننا نعيش أزهى مراحل تطوره وبخاصة لدى شبابنا وشاباتنا في رسائل الماجستير والدكتوراه، ولك أن تطّلع على سلسلة عن هذا النتاج يصدرها النادي الأدبي في جدة.
- خصوم الحداثة استثاروا الحساسية الدينية لعرقلة حركتها... ماذا فعل الحداثيون حتى لا يقعوا في الفخّ المنصوب لهم؟
- خصوم الحداثة لم يتركوا باباً إلا دخلوا منه للوقوف ضدها، من خلال اختلاق تُهَمِ التغريب والتخريب والجناية على لغة القرآن، بحسب عبد الله بن خميس، إلى التكفير في كتاب عوض القرني وكتاب سعيد الغامدي وفتاوى الآخرين، لكن الحداثة رغم كل التضحيات، قد كسبت الرهان! فالحراك في الزمن يمضي في طريقه الواعدة، مهما تكاثرت النصال على النصالِ المضادة.
-- مسكون بالقلق
- هل ما زلت تهتف: «ظمئي دمي، وحجارة الوادي لساني»...؟ وهل ما زلتَ مسكوناً بالقلق: «وحدي بلا أرقٍ يؤانسني، من دون يدٍ تدلّ فمي على الذكرى وتسأل عن مكاني»؟
- نعم، ما زلت كذلك، أرِقاً قلقاً باحثاً عن مسارات جمالية شعرية جديدة، تروي ظمأي في الطريق الطويلة نحو غدٍ أجملَ، لا أراه اليوم، لكنني لا أشك في أنه يتخلّق في كل لحظة، ليشرق على وجودنا الدامي!
- كيف التقى الشعر الحداثي بالشعر الجاهلي، كما في مجموعتك «بياض الأزمنة»... وكيف عبر خندق التاريخ، وتقاطعات اللغة؟
- مثلما نحتفي بالسياب ومجايليه بوصفهم آباء للحداثة الشعرية المعاصرة، فإنني ممن تعمر ذاكرتهم مخايل منجز شعرية آباء الحداثة الشعرية العربية المتمثلة بأبي تمام وأبي نواس والمعري والمتنبي وغيرهم، التي أضاءها أدونيس في كتاب بهذا الخصوص.
ولذلك فإن تجربتي الشعرية في هذا المسار تنهض على ما يلي:
1ــ التفاعل مع الجزء الحي من الذاكرة الشعرية العربية التي تفتح النص على جمالياتها الحافلة بروح المكان والتاريخ ودرامية عبق التجربة الإنسانية المتعددة التجليات الجمالية والدلالية، في الاغتراب والرفض للظلم ولمنهج سطوة القبيلة، فأمضي إلى توظيف تلك الحمولات بصفتها معادلا للبعد الأسطوري في نسيج حداثة قصيدتي الجديدة.
2ــ لا يقوم استدعائي لتلك الذاكرة وفق التناص الحرفي، وإنما وفق جهد خاص لاستحضار التناص ونقضه في اللحظة نفسها، مثل «وظلم ذوي القربى، بلادي حملتها- على كتفي شمساً وفي الروح موقدي»، أو «وتحبني وأحبها»، حيث يتبدى الانحراف، في حداثة نصي، عن البيت الأصلي للمنخّل اليشكري باستخدام فاعلية الاختلاف عوضا عن المشاكلة، لإبراز وظيفة مغايرة، ترتكز على تجسيد موقف وموقع المرأة، بصفتها فاعلة وليس تابعة!
كما تجلّى ذلك في الاستحضار المضاد للذاكرة في المثل العربي «ما تبقى من العمر إلا الكثير» بدلا من «القليل»! وسوى ذلك من التفاعلات.
- لماذا تعثّر مشروعك مجلة «النص الجديد»؟
- عملت على تحويل مشروع مجلة «النص الجديد» من مشرع فردي طرحه الأستاذ عبد الله الخشرمي، ليصدر من قبرص، إلى فكرة منبر ثقافي وإبداعي شارك في تأسيسه أبرز أدباء بلادنا، ليكون مظلة لفعالياتهم النقدية والفكرية والإبداعية، حينما أظلمت ساحتنا الأدبية الرسمية جرّاء الهجوم على تيار الحداثة منذ عام 1988م. وقد أدت المجلة دورها بفاعلية عالية، وكان لي الدور المحوري في استمرارها خلال ثمانية أعوام، حتى استعادت ملاحقنا الأدبية المحلية عافيتها، ورأينا أنه من الأفضل توقُّف المجلة.
- صدرت لك رواية يتيمة، هي «الغيمة الرصاصية» (1998)، ورغم تميزها في مقاربة الظروف الاجتماعية والسياسية... إلا أنك لم تكرر هذه التجربة، لماذا...؟
- حظيت هذه الرواية باهتمام جيد من النقاد والمتابعين في بلادنا وفي العالم العربي، لكنني بإزاء كل ذلك أرى أن اليُتْم كان يطاردني دائماً، ولعلها كانت أجمل أشكال اليتم، وأفدحها أيضاً!
- كيف لشاعر يسكن فضاءات قصيدة النثر، كتابة قصيدة التفعيلة... هل تمثل تلكم الفضاءات سجناً للشاعر؟
- مثلما تبلورت جماليات قصيدة التفعيلة عبر عقود ماضية، فإن قصيدة النثر قد تطورت سماتها وبلاغتها المغايرة للتفعيلة رؤية وتعبيراً وفي استراتيجيات خطابها أيضاً. وإذا كان هناك قلّة من شعراء التفعيلة البارزين قد تمكنوا من الإبداع في السياقين معاً، مثل عدنان الصائغ، وقاسم حداد، ومحمد الدميني وإبراهيم زولي، إلا أن الشاعر الذي بدأ تجربته بقصيدة النثر فإنه حتماً سيعجز عن كتابة قصيدة التفعيلة، لعدم توفره على الإيقاع المصاحب لإبداعيتها!
- كيف ترى الحركة الشعرية الشابة الناهضة في أرجاء الوطن؟
- أرى في راهن حركتنا الشعرية بشكل عام ملامح تجربة شديدة الثراء والتنوع والتميز والتمايز، بما يبعث فينا الأمل والابتهاج.
-- الربيع المخطوف
- أنت شاعر ملتزم بالقضايا الوطنية، وقصيدتك الرائعة: «ولي وطنٌ قاسَمتهُ فتنة الهوى، ونافحتُ عن بطحائه من يقاتلُه» شاهدة على وعيك الوطني، هل ترى أن الشاعر محكوم بمواقفه أم بإبداعه؟
- يلهمني ضميري الثقافي ومسؤوليتي الشخصية عن إنسانيتي، خصيصة التفاعل الصادق مع القضايا الإنسانية والوطنية والقومية، وأرى ذلك عنصر إثراء لرؤية النص واستراتيجية خطابه. ولكن مختبري الشعري الخاص لا ينحاز إلى إنتاج القصيدة المباشرة أو الشعارية، وإنما يعمل على إبداع رؤية نص يسرّب دلالاته الثقافية في نسيج جمالي، يتوسل الإيجاز والإلماح، والإحالة الرمزية إلى ما يقع خارجه من تلك المكونات، دون أن يذهب إلى التقريرية المباشرة.
لذلك؛ فإن الشاعر محكوم بجمالية شعرية رؤيته وموقفه إزاء كل شيء في هذا الكون، لا بغيرها، مهما بلغت تضحياته النضالية!
- إلى أي حد أثّرت تجاربك الشاقة والمراحل الصعبة التي مررت بها في إنضاج تجربتك الشعرية؟ هل تشعر بأن السياسة أخذت من علي الدميني أكثر مما أعطته...؟
- في سياق ما يُعرف بـ«التجربة الشعرية» للشاعر، تأخذ حساسيته اللغوية والفنية، وثقافته واهتماماته ورؤيته للحياة والعالم، موقعها الرئيس في تشكيل سمات خصوبة تلك التجربة، عبر خطابها الجمالي والدلالي.
لذا؛ أعتقد أن مسارات حياتي الشخصية والوجدانية والاجتماعية والسياسية قد أسهمت كثيراً في تشييد معمار تجربتي الشعرية؛ لأن نهر الشعر المقدّس يعْبُرُ دائماً على جسر مصاهر التفاعل مع حمولات الأحلام والآمال والآلام جميعاً.
ولكن الاهتمام بالشأن العام، وفي جانبه السياسي تحديداً، والذي بقدر ما يضيف للتجربة من أبعاد ومحفزات مهمة، إلا أنه يستنزف جزءاً مهماً من زمن الشاعر، الذي كان يحتاج إليه للتركيز على الشعر وتطوير الشعرية. وقد يعمل ذلك الاهتمام على رفع وتيرة نبرة المباشرة في خطاب الشعر، إلا أنني قد عملت على تجاوزه باستمرار.
فَقْدُ مساحات الحرية ومناخات الترحال ومُتَع التعارف مع شعراء العالم العربي وغيرهم، حتى فقدت اليوم ــ وأنا على مشارف السبعين ــ الرغبة والمقدرة على السفر، الذي كان يبهجني في السنوات البعيدة!
بيد أني متأكد من أنني، ومن خلال ملَكَة النسيان، قد تجاوزت كل ذلك، وكتبت نصوصي الشعرية التي أعتزّ بتميزها وخصوصيتها في الوقت نفسه.
- ألا ترى أن الربيع العربي كشف عن مدى تجذر القبلية والعصبية والطائفية في مجتمعاتنا العربية؟
- يا صاحبي، تلك المكونات ساكنة في تراثنا وتاريخنا العربي الثقافي والفقهي والسياسي، لكن الدول العربية التي برزت بعد مرحلة التحرر من الاستعمار، وضمن مرحلة الاستقطاب بين معسكري الرأسمالية والاشتراكية، انحازت إلى خطاب عام وجديد يرفع شعار العدالة الاجتماعية والحرية والدولة الحديثة؛ مما جعل تلك اللافتة تغطي على عورات تلك المكونات القبلية والطائفية. ولكن ذلك لم يغير من طبيعة التركيبة المتعمقة في المجتمع العربي (سياسيا واجتماعياً)، وبخاصة أن الأنظمة قد توسلت بأدوات القمع والإقصاء والاضطهاد. وأصبحنا كما قال نزار قباني «لقد لبسنا قشرة الحضارة\ والروح جاهلية».
وحين تراكمت لحظات الغضب الشعبي لدى مكونات المجتمع كافة ضد سلطات الاستبداد، نجح الربيع العربي في الإطاحة بمعظم تلك الأنظمة بفعل موضوعي ذاتي أولاً، ثم بعوامل إسناد خارجية مختلفة المستوى، من تونس إلى مصر إلى اليمن وليبيا ثم إلى سوريا. ولأن القوى التقدمية كانت مقموعة أو ضعيفة، فقد خرج مارد التوظيف السياسي للدين، وأدواته الطائفية من قمقمه التاريخي، فاستولى على مبادرات الربيع العربي في كل مكان.
لذا؛ تكشفّت الصورة عن ذلك المخزون المقموع من دون بديل سابق أو حاضر، وتبدّت في همجية العنف الديني والطائفي، ونتجت منها كل المآسي «الإسلاموية» السياسية في الشارعين السني والشيعي على حدٍ سواء، في أرجاء المنطقة العربية كافة!
ورغم كل ذلك، فإنني متفائل بأن هذه الكوارث ستسهم في الحد من التغوّل السياسي للأنظمة العربية كلها، وللقوى «الإسلاموية» معها في المستقبل المنظور!
- ماذا يعني لك الفوز بجائزة صديقك الراحل محمد الثبيتي تحديداً؟
- سعدت بالجائزة لسببين: أولهما أنها تخلّد اسم شاعر يُعدُّ من أبرز الشعراء المعاصرين في المملكة والعالم العربي، والآخر لأنني أول من نال هذه الجائزة بإجماع لجنة الاختيار. لكنني، وكما أكرر دائماً، أرى أن تنال عائلة الشاعر جزءاً من هذه الجائزة، مالياً!



«هاري بوتر» عائد بوجهٍ جديد... أضخم إنتاج تلفزيوني على الإطلاق

«هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)
«هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)
TT

«هاري بوتر» عائد بوجهٍ جديد... أضخم إنتاج تلفزيوني على الإطلاق

«هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)
«هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)

لكل زمنٍ وجيل «هاري بوتر» خاصتُه. وإذا كان الساحر الصغير قد انطبع في ذاكرة جيل الألفيّة على هيئة الممثل دانييل رادكليف، فإنّ الجيلَين «زد» و«ألفا» سيتعرّفان عليه مع نجمٍ جديد هو دومينيك ماكلوغلين. ففي عصر منصات البث، كان لا بدّ من ولادة ثالثة لواحد من أكثر الشخصيات شهرةً وجماهيريةً في عالم الأدب والسينما والترفيه.

يعود بطل روايات جي كي رولينغ وسلسلة أفلام «هاري بوتر»، من خلال مسلسل يُعرض على منصة «HBO»، ويستغرق إنتاجه 10 أعوام في 7 مواسم قابلة للتجديد.

ماذا نعرف عن الموسم 1 من «هاري بوتر»؟

قبل يومين، نشرت منصة «HBO» الإعلان الترويجي الأول للموسم الافتتاحي بعنوان «هاري بوتر وحجر الفيلسوف». ووفق المقتطفات المصوّرة، فإنّ الجزء الأول وفيّ لكتاب المؤلّفة جي كي رولينغ.

ويركّز الفيديو على الشخصيات الرئيسية الثلاث؛ أي هاري وصديقَيه «رون ويزلي» و«هيرميون غرانجر». يُظهرهم الفيلم وهم يتعارفون على متن القطار المتّجه بهم إلى «مدرسة هوجورتس للسحر والشعوذة». الأطفال الثلاثة في الـ11 من عمرهم، ويستعدّون لخوض عامهم الدراسي الأول في تلك المدرسة، حيث سيواجهون معاً عودة «لورد فولدمورت»، قاتل والدَي هاري عندما كان الأخير رضيعاً.

كما يعطي الإعلان الترويجي لمحة عن الحياة التعيسة التي كان يعيشها هاري اليتيم، تحت وصاية عمّه «فيرنون» وعمّته «بيتونيا». من بين اللقطات اللافتة كذلك، اللقاء الأول بين الساحر الصغير و«هاغريد» العملاق (الممثل نيك فروست).

الممثل البريطاني نيك فروست بشخصية «هاغريد» العملاق (HBO)

متى وأين يُعرَض المسلسل؟

ينطلق عرض مسلسل «هاري بوتر» عالمياً، في 25 ديسمبر (كانون الأول) 2026، على كلٍ من «HBO» و«HBO Max». ومن الواضح أنّ اختيار هذا التاريخ لم يأتِ عبثاً، إذ إنّ فترة أعياد الميلاد ورأس السنة تشهد ارتفاعاً في نسبة المشاهدة على منصات البثّ، نظراً لإجازات نهاية العام.

يتألّف الموسم الأول من 8 حلقات تدور معظم أحداثها في مدرسة هوجورتس للسحر، على أن يكون المشاهدون على موعدٍ مع مزيد من المواسم، بما أنّ العمل التلفزيوني المنتظَر مخلصٌ لروايات رولينغ وعددُها 7. ووفق صحيفة «الغارديان» البريطانية، فإنّه من المرتقب أن يغوص المسلسل في تفاصيل أكثر من الأفلام.

يدور معظم أحداث الموسم الأول في مدرسة هوجورتس للسحر (HBO)

فريق «هاري بوتر» أو «التريو الذهبي»

استغرق البحث عن الأبطال الثلاثة الصغار؛ «هاري بوتر» و«رون ويزلي» و«هيرميون غرانجر»، 8 أشهر. ففي سبتمبر (أيلول) 2024، أُطلقت دعوة عامة للمشاركة في تجارب أداء لأطفال تتراوح أعمارهم ما بين 9 و11 عاماً. تقدّم 32 ألف طفل ليقع الاختيار في مايو (أيار) 2025، على كلٍ من دومينيك ماكلوكلين، وألاستير ستاوت، وأرابيلا ستانتون.

ينضمّ إلى الأطفال الثلاثة، الذين سمّتهم منصة «HBO»: «التريو الذهبي»، فريق كبير من الممثلين المخضرمين والجدد.

أما التصوير فقد انطلق وسط تكتّم شديد بلندن في يوليو (تموز) الماضي، وقد وقّع الممثلون جميعهم عقوداً تُلزمهم الارتباط بالمشروع لفترة 10 أعوام، وهي المدة التي سيستغرقها تصوير 7 مواسم على الأقل من المسلسل.

أطلقت منصة «HBO» على أبطال المسلسل «التريو الذهبي» (منصة «HBO»)

من هو «هاري بوتر» الجديد؟

من بين آلاف الأطفال، اختير الممثل الاسكوتلندي دومينيك ماكلوكلين، ليكون الوجه الجديد لهاري بوتر. وقبل خوضه هذه التجربة، ظهر ماكلوكلين في فيلم «Grow» البريطاني عام 2025. وبسبب اختياره لأداء شخصية الساحر الصغير، اضطرّ الممثل الطفل إلى مغادرة مدرسته والتسجيل في مدرسة أخرى تؤمّن له التدريس في أوقات الفراغ من التصوير.

في حوار مع شبكة «بي بي سي» البريطانية، سُئل ماكلوكلين عن شعوره بعد التحوّل إلى «هاري بوتر»، فأجاب أنّ الأمر أشبَه بالحلم. «أنا من أشدّ المعجبين بسلسلة (هاري بوتر) وسعيد للغاية بأداء هذا الدور»، قال النجم الصاعد.

دومينيك ماكلوكلين البطل الجديد لسلسلة «هاري بوتر» (HBO)

ما رأي «هاري بوتر» القديم؟

رغم تحوّله إلى نجمٍ سنة 2001 مع انطلاق مجموعة أفلام «هاري بوتر»، فإن الممثل دانييل رادكليف لم يكن يوماً راضياً عن أدائه في تلك الشخصية. وانطلاقاً من هذا الموقف الذي لم يتردّد في التعبير عنه مراراً عبر الإعلام، أعلن رادكليف أن ماكلوكلين سيكون أكثر ملاءمةً للدور ممّا كان هو عليه. وأضاف الممثل البريطاني: «أنا متأكّد من أنّ دومينيك سيكون أفضل منّي». وقد ذهب رادكليف إلى حدّ كتابة رسالة إلى خلَفِه، متمنياً له أن يقضي وقتاً رائعاً في المغامرة التي يخوض.

الممثل دانييل رادكليف عام 2000 خلال تصوير فيلم «هاري بوتر» (رويترز)

أين جي كي رولينغ من المشروع؟

الأمّ الروحيّة لـ«هاري بوتر» وصانعة الشخصية، الكاتبة البريطانية جي كي رولينغ، منخرطة في مشروع المسلسل بوصفها أحد المنتجين المنفّذين. أما كتابةً، فهي تركت مهمّة السيناريو والإشراف العام لفرنشيسكا غاردينر، وقد أبدت رولينغ رضاها عن نص المسلسل. وينضمّ إلى غاردينر المخرج مارك مايلود، وهما سبق أن تعاونا في مسلسل «Succession»، أحد أبرز الإنتاجات في تاريخ التلفزيون.

الكاتبة البريطانية جي كي رولينغ مبتكرة سلسلة روايات «هاري بوتر» (رويترز)

كم ستبلغ ميزانية مسلسل «هاري بوتر»؟

بوصفه مشروعاً أدبيّاً وسينمائياً، كان «هاري بوتر» بمثابة دجاجة تبيضُ ذهباً، وهو أحد أكثر المشاريع ربحاً في تاريخ صناعة الترفيه. لم يقتصر الأمر على الروايات التي تُرجمت إلى أكثر من 80 لغة، ولا على الأفلام، وهي رابع أعلى سلسلة سينمائية تحقيقاً للإيرادات على الإطلاق؛ بل تحوّل الساحر الصغير إلى ظاهرةٍ اقتصادية من خلال المتاجر والملاهي الخاصة به حول العالم.

لذلك، فإنه من غير المنطقي أن تبخل «HBO» وشريكتُها «وارنر» على مشروع المسلسل. ووفق بيان صادر عن الشركة، يشكّل المسلسل متعدد المواسم «أضخم حدث بثّ في تاريخ (HBO Max) وربما في تاريخ منصات البث بشكلٍ عام».

مسلسل «هاري بوتر»... أغلى إنتاج تلفزيوني على الإطلاق (إنستغرام)

وفق شبكة «سي إن إن»، فإنّ ميزانية الحلقة الواحدة من مسلسل «هاري بوتر» تبلغ 100 مليون دولار. وإذا صحّ ذلك، فسيتجاوز هذا المبلغ بأشواط تكلفة سلسلة الأفلام الأصلية بأكملها، والتي أنفقت عليها شركة «وارنر» ما يُقدّر بـ1.2 مليار دولار، ليتحوّل المسلسل بذلك إلى أغلى إنتاج تلفزيوني على الإطلاق.


في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.


«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».