علي الدميني: راقبوا المشهد جيداً... صوت الحداثة في السعودية ما زال عالياً

الشاعر السعودي يبحث قلِقاَ عن مسارات جمالية شعرية جديدة

علي الدميني
علي الدميني
TT

علي الدميني: راقبوا المشهد جيداً... صوت الحداثة في السعودية ما زال عالياً

علي الدميني
علي الدميني

«في الطريق إلى أبواب القصيدة» تلتقي الدروب عند تجربة الشاعر السعودي علي الدميني، الذي ساهم بفاعلية في تأسيس الحركة الشعرية الحديثة في المملكة، وأصبح عنواناً بارزاً لمشروع الحداثة المتعثر هناك. قبل عامين التقى نخبة الشعر والنقد والأدب ليقدموا شهاداتهم في تجربة الدميني الشعرية والأدبية ومنافحته الطويلة عن مشروع التجديد، فصبوا تلك الشهادات في كتاب أسموه: «في الطريق إلى أبواب القصيدة.. علي الدميني، دراسات وقراءات وشهادات عن تجربته الشعرية والثقافية».
وصفه الدكتور معجب الزهراني، بأنه: «شاعر غنائي شفاف تتجلى شاعريته الأصيلة حين يتحدث عن الحب»، في حين تصفه الشاعرة فوزية أبو خالد بالشاعر المتمرد «شكلاً ومضموناً كرياح البحر التي لا تستطيع تحمل ملل الاستقرار»...
عن مشروع الحداثة، وأين أخفق؟ وماذا أنجز؟ وتجربة الدميني الشعرية والروائية، وقراءته للمشهد الثقافي العام، التقينا الشاعر السعودي علي الدميني في الدمام حيث يقيم، وأجرينا معه الحوار التالي:
- كنتَ صوتاً لمشروع الحداثة السعودية المتعثر... كيف تنظر اليوم لهذا المشروع؟
- الحداثة وفق قيمها الناظمة لسيادة العقلانية والحرية والديمقراطية وتحرير الكينونة الذاتية والإبداعية من أحمال الإرث والعادات والنمط والقهر الاجتماعي والسياسي، لا تتحقق بشكل عام إلا ضمن منظومة من التفاعلات الجدلية والتكاملية بين المكوّن الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي لأي مجتمع، وليست مقتصرة على الفكر والآداب والفنون فقط، وإن كانت هذه الأخيرة تحتفظ بخصوصية واستقلالية مختلفة.
ولذلك؛ رأينا أن مفاعيل الفكر والفلسفة والحداثة الإبداعية قد رافقت عصور النهضة والأنوار وأسهمت في انبثاق مرحلة الحداثة في الغرب عموماً.
وبدرجة أقل كثيراً، يمكننا القول إن التفاعل الفكري والأدبي في عواصم المراكز العربية من القاهرة إلى بيروت إلى بغداد قد تأثرت وتصادت، ضمن خصوصية البنية الفوقية المنفتحة على الجديد في العالم – مع نتاجات ما هو خارج العالم العربي فكريا وأدبياً، منذ أوائل القرن العشرين المنصرم، رغم تخلّف البنى الثقافية والاجتماعية والسياسية العربية.
- كيف يولد مشروع الحداثة من رحم مجتمع قبلي، وكيف ينمو في بيئة أصولية؟
- يمكننا النظر إلى واقعنا في المملكة، حيث رأينا صوت محمد حسن عواد يدوي مبكراً في معقل الأصولية والقبلية ليبشر بعصر جديد يتطلّع فيه إلى زمن الحرية والفكر الحر والإبداع الجديد، بل إنه كان من أوائل الذين جرّبوا كتابة شعر التفعيلة في العالم العربي. وقد حدث ذلك رغم شراسة المواجهة مع البنى المحافظة اجتماعيا وسياسيا.
وتأتي ضمن هذا السياق أسماء كثيرة جداً، وبخاصة في الحقل السياسي الذي لا نستطيع الحديث عنه هنا، إلى جانب شخصيات بارزة في حقول الأدب والفكر الاجتماعي والإبداع، من أمثال عبد الله عبد الجبار، وحمزة شحاتة، وعبد الله القصيمي، وأحمد سباعي وعبد الكريم الجهيمان، وغيرهم.
- ماذا عنك؟
- إذا أتينا إلى حقل الشعر تحديداً، فإنني أعد نفسي غصناً في شجرة التجديد والرنو إلى الحرية والحداثة في العالم كله، مثلما أراني في بلادنا واحداً ممن مضوا في هذا الدرب الطويل، الذي امتد من العواد إلى حسن القرشي وغازي القصيبي إلى محمد العلي، وجيلي الذي أنتمي له.
- هل يمكن أن تنجز تجربة حداثية في الأدب بمعزل عن المجتمع؟
- يمكن لنا القول إن مشوار الحداثة في الأدب والشعر في بلادنا تحديداً لا يمكن له أن ينجز مشروعه الحداثي الحلمي إلا حين تتكامل للمجتمع كل مقومات تبنّي قيم وآليات تحقيق زمن الحداثة، في أبعادها الحياتية المختلفة. ولذلك؛ يأخذ الشعر وبقية الفنون الأخرى في بلادنا دوراً تنويرياً ونهضوياً وفنياً مهماً في هذا السياق وهذه المرحلة.
- ماذا حقق هذا المشروع على الصعيد العام؟
- أؤكد أن مشروع الحداثة الأدبية والفنية في بلادنا قد تغلّب على كل العنف المضاد له من كافة الجهات الاجتماعية والرسمية، واستطاع أن يرسم لوحة مشرقة نعتز بها: في النقد الأدبي والشعر والسرد والتشكيل والمسرح التجريبي والسينما الجديدة، رغم كل العقبات!
وإن أردنا الوقوف على الشعر بصفة خاصة، فإننا سنرى عدداً من شعرائنا يقفون في مقدمة الأسماء الشعرية البارزة في العالم العربي، مثل محمد العلي، ومحمد الثبيتي، وفوزية أبو خالد، وأحمد الملا، وجاسم الصحيح وعلي الحازمي، وسواهم.
- الشاعر أحمد الملا، يرى أن «الحداثة في السعودية ليست في حاجة إلى آباء»... في رأيك ماذا يبقى من الحداثة إذا تخلت عن ذاكرتها؟
ــ أؤكد مجدداً؛ أن الأفكار والآداب والفنون تمتلك خصيصة انفعالها وتفاعلها مع واقعها الموضوعي المحدد جغرافياً والتأثير فيه، لكنها تمتلك الاستقلال الذاتي وخاصية الانتشار خارج ذلك الواقع عبر «الكتاب»، والمثاقفة مع الآخر؛ ولذا يمكن لأي منّا أن يكون له آباء في التنوير والحداثة الأدبية، من خارج إطارينا المحلي والعربي، وهذا ما يجعل كلام أحمد الملا هنا صحيحاً!
- أشرفتَ على ملحق «المربد» الثقافي (جريدة اليوم) في ذروة المعركة بين الحداثيين وخصومهم... إلى أي حد نجح «المربد» في توفير حاضنة للأصوات المهمشة في ذلك الوقت؟
- لم يكن «المربد» هو المنبر النشط الوحيد في مرحلته، فقد كانت هناك مجلة «اليمامة» وصحف «عكاظ» و«الرياض» و«الجزيرة» ثم مجلة «اقرأ». ولكننا اختططنا في المربد طريقاُ واضحة المعالم تهدف إلى تشجيع حركة الحداثة الأدبية وقيمها الثقافية المتعددة رؤية وتشكيلاً، وإبراز الأصوات المعبّرة عن تلك القيم واستهدافاتها بقدر الإمكان. ورغم الإمكانات المادية الشحيحة للجريدة في تلك المرحلة (1974 – 1982)، إلا أن «المربد» قد استقطب ورعى الكثير من الأقلام الإبداعية في الشعر والقصة والنقد، وقد كان منبرا مبكراً لنشر قصائد شعراء النثر في بلادنا، الذين عانوا من التهميش.
- أين هي أصوات الحداثيين اليوم؟
- من يتابع منابرنا الثقافية في الصحف والأندية الأدبية وجمعيات الفنون ومنصات التواصل الاجتماعي وفي المكتبات ومعارض الكتاب، سيرى صوت الحداثة عالياً في مختلف الحقول. وقد قمنا بإعداد ملف خاص عن راهن الحركة الشعرية في المملكة مؤخراً، سينشر قريباً في مجلة «بيت الشعر» المغربية، وسيبهجك ما يعبر عنه ذلك الملف من غنى التجديد الإبداعي وتعدّد منابعه في راهن المشهد الذي ينتظم القصيدة العمودية وقصيدتي التفعيلة والنثر، وقصيدة الشعر الشعبي الحديث. أما النقد الأدبي، فإننا نعيش أزهى مراحل تطوره وبخاصة لدى شبابنا وشاباتنا في رسائل الماجستير والدكتوراه، ولك أن تطّلع على سلسلة عن هذا النتاج يصدرها النادي الأدبي في جدة.
- خصوم الحداثة استثاروا الحساسية الدينية لعرقلة حركتها... ماذا فعل الحداثيون حتى لا يقعوا في الفخّ المنصوب لهم؟
- خصوم الحداثة لم يتركوا باباً إلا دخلوا منه للوقوف ضدها، من خلال اختلاق تُهَمِ التغريب والتخريب والجناية على لغة القرآن، بحسب عبد الله بن خميس، إلى التكفير في كتاب عوض القرني وكتاب سعيد الغامدي وفتاوى الآخرين، لكن الحداثة رغم كل التضحيات، قد كسبت الرهان! فالحراك في الزمن يمضي في طريقه الواعدة، مهما تكاثرت النصال على النصالِ المضادة.
-- مسكون بالقلق
- هل ما زلت تهتف: «ظمئي دمي، وحجارة الوادي لساني»...؟ وهل ما زلتَ مسكوناً بالقلق: «وحدي بلا أرقٍ يؤانسني، من دون يدٍ تدلّ فمي على الذكرى وتسأل عن مكاني»؟
- نعم، ما زلت كذلك، أرِقاً قلقاً باحثاً عن مسارات جمالية شعرية جديدة، تروي ظمأي في الطريق الطويلة نحو غدٍ أجملَ، لا أراه اليوم، لكنني لا أشك في أنه يتخلّق في كل لحظة، ليشرق على وجودنا الدامي!
- كيف التقى الشعر الحداثي بالشعر الجاهلي، كما في مجموعتك «بياض الأزمنة»... وكيف عبر خندق التاريخ، وتقاطعات اللغة؟
- مثلما نحتفي بالسياب ومجايليه بوصفهم آباء للحداثة الشعرية المعاصرة، فإنني ممن تعمر ذاكرتهم مخايل منجز شعرية آباء الحداثة الشعرية العربية المتمثلة بأبي تمام وأبي نواس والمعري والمتنبي وغيرهم، التي أضاءها أدونيس في كتاب بهذا الخصوص.
ولذلك فإن تجربتي الشعرية في هذا المسار تنهض على ما يلي:
1ــ التفاعل مع الجزء الحي من الذاكرة الشعرية العربية التي تفتح النص على جمالياتها الحافلة بروح المكان والتاريخ ودرامية عبق التجربة الإنسانية المتعددة التجليات الجمالية والدلالية، في الاغتراب والرفض للظلم ولمنهج سطوة القبيلة، فأمضي إلى توظيف تلك الحمولات بصفتها معادلا للبعد الأسطوري في نسيج حداثة قصيدتي الجديدة.
2ــ لا يقوم استدعائي لتلك الذاكرة وفق التناص الحرفي، وإنما وفق جهد خاص لاستحضار التناص ونقضه في اللحظة نفسها، مثل «وظلم ذوي القربى، بلادي حملتها- على كتفي شمساً وفي الروح موقدي»، أو «وتحبني وأحبها»، حيث يتبدى الانحراف، في حداثة نصي، عن البيت الأصلي للمنخّل اليشكري باستخدام فاعلية الاختلاف عوضا عن المشاكلة، لإبراز وظيفة مغايرة، ترتكز على تجسيد موقف وموقع المرأة، بصفتها فاعلة وليس تابعة!
كما تجلّى ذلك في الاستحضار المضاد للذاكرة في المثل العربي «ما تبقى من العمر إلا الكثير» بدلا من «القليل»! وسوى ذلك من التفاعلات.
- لماذا تعثّر مشروعك مجلة «النص الجديد»؟
- عملت على تحويل مشروع مجلة «النص الجديد» من مشرع فردي طرحه الأستاذ عبد الله الخشرمي، ليصدر من قبرص، إلى فكرة منبر ثقافي وإبداعي شارك في تأسيسه أبرز أدباء بلادنا، ليكون مظلة لفعالياتهم النقدية والفكرية والإبداعية، حينما أظلمت ساحتنا الأدبية الرسمية جرّاء الهجوم على تيار الحداثة منذ عام 1988م. وقد أدت المجلة دورها بفاعلية عالية، وكان لي الدور المحوري في استمرارها خلال ثمانية أعوام، حتى استعادت ملاحقنا الأدبية المحلية عافيتها، ورأينا أنه من الأفضل توقُّف المجلة.
- صدرت لك رواية يتيمة، هي «الغيمة الرصاصية» (1998)، ورغم تميزها في مقاربة الظروف الاجتماعية والسياسية... إلا أنك لم تكرر هذه التجربة، لماذا...؟
- حظيت هذه الرواية باهتمام جيد من النقاد والمتابعين في بلادنا وفي العالم العربي، لكنني بإزاء كل ذلك أرى أن اليُتْم كان يطاردني دائماً، ولعلها كانت أجمل أشكال اليتم، وأفدحها أيضاً!
- كيف لشاعر يسكن فضاءات قصيدة النثر، كتابة قصيدة التفعيلة... هل تمثل تلكم الفضاءات سجناً للشاعر؟
- مثلما تبلورت جماليات قصيدة التفعيلة عبر عقود ماضية، فإن قصيدة النثر قد تطورت سماتها وبلاغتها المغايرة للتفعيلة رؤية وتعبيراً وفي استراتيجيات خطابها أيضاً. وإذا كان هناك قلّة من شعراء التفعيلة البارزين قد تمكنوا من الإبداع في السياقين معاً، مثل عدنان الصائغ، وقاسم حداد، ومحمد الدميني وإبراهيم زولي، إلا أن الشاعر الذي بدأ تجربته بقصيدة النثر فإنه حتماً سيعجز عن كتابة قصيدة التفعيلة، لعدم توفره على الإيقاع المصاحب لإبداعيتها!
- كيف ترى الحركة الشعرية الشابة الناهضة في أرجاء الوطن؟
- أرى في راهن حركتنا الشعرية بشكل عام ملامح تجربة شديدة الثراء والتنوع والتميز والتمايز، بما يبعث فينا الأمل والابتهاج.
-- الربيع المخطوف
- أنت شاعر ملتزم بالقضايا الوطنية، وقصيدتك الرائعة: «ولي وطنٌ قاسَمتهُ فتنة الهوى، ونافحتُ عن بطحائه من يقاتلُه» شاهدة على وعيك الوطني، هل ترى أن الشاعر محكوم بمواقفه أم بإبداعه؟
- يلهمني ضميري الثقافي ومسؤوليتي الشخصية عن إنسانيتي، خصيصة التفاعل الصادق مع القضايا الإنسانية والوطنية والقومية، وأرى ذلك عنصر إثراء لرؤية النص واستراتيجية خطابه. ولكن مختبري الشعري الخاص لا ينحاز إلى إنتاج القصيدة المباشرة أو الشعارية، وإنما يعمل على إبداع رؤية نص يسرّب دلالاته الثقافية في نسيج جمالي، يتوسل الإيجاز والإلماح، والإحالة الرمزية إلى ما يقع خارجه من تلك المكونات، دون أن يذهب إلى التقريرية المباشرة.
لذلك؛ فإن الشاعر محكوم بجمالية شعرية رؤيته وموقفه إزاء كل شيء في هذا الكون، لا بغيرها، مهما بلغت تضحياته النضالية!
- إلى أي حد أثّرت تجاربك الشاقة والمراحل الصعبة التي مررت بها في إنضاج تجربتك الشعرية؟ هل تشعر بأن السياسة أخذت من علي الدميني أكثر مما أعطته...؟
- في سياق ما يُعرف بـ«التجربة الشعرية» للشاعر، تأخذ حساسيته اللغوية والفنية، وثقافته واهتماماته ورؤيته للحياة والعالم، موقعها الرئيس في تشكيل سمات خصوبة تلك التجربة، عبر خطابها الجمالي والدلالي.
لذا؛ أعتقد أن مسارات حياتي الشخصية والوجدانية والاجتماعية والسياسية قد أسهمت كثيراً في تشييد معمار تجربتي الشعرية؛ لأن نهر الشعر المقدّس يعْبُرُ دائماً على جسر مصاهر التفاعل مع حمولات الأحلام والآمال والآلام جميعاً.
ولكن الاهتمام بالشأن العام، وفي جانبه السياسي تحديداً، والذي بقدر ما يضيف للتجربة من أبعاد ومحفزات مهمة، إلا أنه يستنزف جزءاً مهماً من زمن الشاعر، الذي كان يحتاج إليه للتركيز على الشعر وتطوير الشعرية. وقد يعمل ذلك الاهتمام على رفع وتيرة نبرة المباشرة في خطاب الشعر، إلا أنني قد عملت على تجاوزه باستمرار.
فَقْدُ مساحات الحرية ومناخات الترحال ومُتَع التعارف مع شعراء العالم العربي وغيرهم، حتى فقدت اليوم ــ وأنا على مشارف السبعين ــ الرغبة والمقدرة على السفر، الذي كان يبهجني في السنوات البعيدة!
بيد أني متأكد من أنني، ومن خلال ملَكَة النسيان، قد تجاوزت كل ذلك، وكتبت نصوصي الشعرية التي أعتزّ بتميزها وخصوصيتها في الوقت نفسه.
- ألا ترى أن الربيع العربي كشف عن مدى تجذر القبلية والعصبية والطائفية في مجتمعاتنا العربية؟
- يا صاحبي، تلك المكونات ساكنة في تراثنا وتاريخنا العربي الثقافي والفقهي والسياسي، لكن الدول العربية التي برزت بعد مرحلة التحرر من الاستعمار، وضمن مرحلة الاستقطاب بين معسكري الرأسمالية والاشتراكية، انحازت إلى خطاب عام وجديد يرفع شعار العدالة الاجتماعية والحرية والدولة الحديثة؛ مما جعل تلك اللافتة تغطي على عورات تلك المكونات القبلية والطائفية. ولكن ذلك لم يغير من طبيعة التركيبة المتعمقة في المجتمع العربي (سياسيا واجتماعياً)، وبخاصة أن الأنظمة قد توسلت بأدوات القمع والإقصاء والاضطهاد. وأصبحنا كما قال نزار قباني «لقد لبسنا قشرة الحضارة\ والروح جاهلية».
وحين تراكمت لحظات الغضب الشعبي لدى مكونات المجتمع كافة ضد سلطات الاستبداد، نجح الربيع العربي في الإطاحة بمعظم تلك الأنظمة بفعل موضوعي ذاتي أولاً، ثم بعوامل إسناد خارجية مختلفة المستوى، من تونس إلى مصر إلى اليمن وليبيا ثم إلى سوريا. ولأن القوى التقدمية كانت مقموعة أو ضعيفة، فقد خرج مارد التوظيف السياسي للدين، وأدواته الطائفية من قمقمه التاريخي، فاستولى على مبادرات الربيع العربي في كل مكان.
لذا؛ تكشفّت الصورة عن ذلك المخزون المقموع من دون بديل سابق أو حاضر، وتبدّت في همجية العنف الديني والطائفي، ونتجت منها كل المآسي «الإسلاموية» السياسية في الشارعين السني والشيعي على حدٍ سواء، في أرجاء المنطقة العربية كافة!
ورغم كل ذلك، فإنني متفائل بأن هذه الكوارث ستسهم في الحد من التغوّل السياسي للأنظمة العربية كلها، وللقوى «الإسلاموية» معها في المستقبل المنظور!
- ماذا يعني لك الفوز بجائزة صديقك الراحل محمد الثبيتي تحديداً؟
- سعدت بالجائزة لسببين: أولهما أنها تخلّد اسم شاعر يُعدُّ من أبرز الشعراء المعاصرين في المملكة والعالم العربي، والآخر لأنني أول من نال هذه الجائزة بإجماع لجنة الاختيار. لكنني، وكما أكرر دائماً، أرى أن تنال عائلة الشاعر جزءاً من هذه الجائزة، مالياً!



تطبيق «إذاعة القرآن الكريم» يجتذب 50 مليوناً في وقت قياسي

تراث إذاعة القرآن الكريم على تطبيقها وموقعها الإلكتروني (الهيئة الوطنية للإعلام)
تراث إذاعة القرآن الكريم على تطبيقها وموقعها الإلكتروني (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

تطبيق «إذاعة القرآن الكريم» يجتذب 50 مليوناً في وقت قياسي

تراث إذاعة القرآن الكريم على تطبيقها وموقعها الإلكتروني (الهيئة الوطنية للإعلام)
تراث إذاعة القرآن الكريم على تطبيقها وموقعها الإلكتروني (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعلنت الهيئة الوطنية للإعلام في مصر عن أن تطبيق إذاعة القرآن الكريم اجتذب ما يزيد على 50 مليون طلب تحميل التطبيق، في وقت قياسي خلال الأيام الخمسة الأولى لإطلاق التطبيق، وهو ما عدّته الهيئة «رقماً تاريخياً مقارنة بالتطبيقات المماثلة».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أعطى إشارة البدء لإطلاق موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم في الاحتفالات بليلة القدر.

ويتيح التطبيق والموقع الاستماع لإذاعة القرآن الكريم في كل أنحاء العالم، وإتاحة تراثها منذ نشأتها في ستينات القرن العشرين وحتى اليوم. كما يضم الموقع جميع التلاوات ترتيلاً وتجويداً، وجميع البرامج والابتهالات على مدى زمني يمتد لأكثر من ستين عاماً.

ووجهت الهيئة الوطنية للإعلام برئاسة الكاتب أحمد المسلماني الشكر للرئيس عبد الفتاح السيسي على منحه إشارة البدء لانطلاق موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم من القاهرة.

وقال المسلماني، في بيان للهيئة، إن الرئيس وجّه بحماية تراث الإذاعة والتليفزيون وفي المقدمة تراث إذاعة القرآن الكريم، موضحاً: «تلقينا في أغسطس (آب) 2025 توجيهاً من الرئيس بالعمل على إنهاء الموقع والتطبيق استعداداً لإطلاقه»، ووفق تصريحاته فقد بذل فريق عمل إذاعة القرآن الكريم والموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام بالتعاون مع وزير الاتصالات والمستشار الإعلامي لرئيس الجمهورية جهوداً متواصلة، حتى تم إطلاق الموقع والتطبيق في ذكرى الاحتفال بليلة القدر.

وأرجع رئيس إذاعة القرآن الكريم، إسماعيل دويدار، الطلب الكبير على استخدام التطبيق والموقع الخاص بالإذاعة إلى المكانة الكبرى التي حظي بها التطبيق بعد افتتاحه من قبل رئيس الجمهورية، وفي الوقت نفسه فإن مكانة إذاعة القرآن الكريم مترسخة في قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «المستمعين كانوا يتمنون الاستماع لإذاعة القرآن الكريم في جميع البلدان العربية والإسلامية، فلما انطلق هذا التطبيق تحقق الغرض والهدف، فمن الطبيعي أن يصل العدد إلى أكثر من 50 و60 مليوناً، ونتوقع أن يصل إلى 100 مليون خلال الأيام المقبلة إن شاء الله».

بيانات حول عدد مستخدمي التطبيق (الهيئة الوطنية للإعلام)

واحتل موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم من القاهرة المركز الأول وتصدر «#Top App Store» في الأكثر بحثاً ومطالعة وتحميلاً على «غوغل بلاي» ليصبح الأعلى بحثاً في مصر لخمسة أيام متواصلة منذ انطلاق الموقع والتطبيق في احتفالات ليلة القدر.

ولفت دويدار إلى أن التطبيق والموقع بهما كل أرشيف إذاعة القرآن الكريم، موضحاً أن «الأمر لا يقتصر على وقت افتتاح إذاعة القرآن الكريم عام 1964، وإنما هناك تلاوات وقراءات وبرامج دينية منذ انطلاق الإذاعة المصرية عام 1934، كل البرامج والقراءات منذ ذلك الوقت متاحة على التطبيق».

ووفق بيان سابق للهيئة، ارتفع الطلب على الموقع والتطبيق بشكل كبير في أول 24 ساعة من افتتاحه وتصدرت مصر المنحنى الصاعد بأكثر من 15 مليون طلب، تلتها المملكة العربية السعودية بنحو 2 مليون طلب، ثم الإمارات العربية المتحدة بأكثر من 500 ألف طلب دخول للموقع والتطبيق، وفي المركز الرابع الكويت بأكثر من 400 ألف، وفي المركز الخامس جاءت الولايات المتحدة بأكثر من 200 ألف طلب، وفي المركز السادس جاءت دولة قطر بـ150 ألف طلب تقريباً، ثم إيطاليا بنحو 100 ألف، تليها بريطانيا ثم عمان بالعدد نفسه، وفي المركز العاشر جاءت ألمانيا بما يقرب من 100 ألف طلب تقريباً، وفق تقرير للهيئة.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أعلن خلال احتفالية ليلة القدر التي أقيمت في 16 مارس (آذار) إطلاق موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم ليكون رسالة محبة وسلام من مصر إلى كل مسلمي العالم.

ويرى أستاذ الفقه والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، الدكتور أحمد كريمة، أن مصر على مدى تاريخها دائماً كانت في خدمة الإنسانية وفي نفع البشرية بعلومها وأزهرها الذي يقارب عمره 1083 عاماً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العام وفي شهر رمضان المبارك يأتي العطاء المصري من رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، لنقل البث الإعلامي لإذاعة القرآن الكريم من المحلية إلى العالمية، وهي من أعظم المهمات في خدمة القرآن الكريم ونفع الناس على اختلاف مستويات ثقافتهم ومشاربهم، فلا عجب أن يصل عدد من انضموا إلى التطبيق إلى 50 مليوناً، فالمسلمون متعطشون لمثل هذه الجهود التي تبذل لخدمة القرآن ونشره في أنحاء الأرض».


أسرة عبد الحليم حافظ تقاضي طبيباً بداعي «الإساءة للعندليب»

عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)
عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)
TT

أسرة عبد الحليم حافظ تقاضي طبيباً بداعي «الإساءة للعندليب»

عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)
عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)

أعلنت أسرة الفنان المصري الراحل عبد الحليم حافظ مقاضاة أحد الأطباء اتهمته بـ«الإساءة للعندليب»، وذلك بالتزامن مع الاحتفاء بالذكرى الـ49 لرحيله، إذ توفي في 30 مارس (آذار)، 1977، بعد حياة فنية حافلة، ومعاناة طويلة مع المرض.

وانتقدت أسرة عبد الحليم حافظ، في بيان نشرته على حساب يحمل اسم «منزل عبد الحليم حافظ» على موقع «فيسبوك»، الجمعة، «الطبيب الذي ظهر في فيديو مصور وأساء للعندليب وأعماله الفنية»، مؤكدة أن «إساءته غير مبررة، والرد عليها سيكون بالقانون، وأن الفيديو تمت صناعته من أجل جذب المشاهدات، وتصدر (الترند)».

وقال الطبيب، ويدعى ضياء العوضي، في الفيديو، «إن عبد الحليم حافظ أفسد أجيالاً بسبب أغنياته الرومانسية، مستنكراً حزن البعض عليه وقت رحيله، كما ذكر بعض الأمور زعم أنها من حياة عبد الحليم الخاصة على الملأ».

وأشادت الأسرة في بيانها بجمهور «العندليب الأسمر»، وكيف تصدوا له عبر تعليقات «سوشيالية»، واستنكروا ما يردده، لافتة إلى «أن المستشار ياسر قنطوش محامي العائلة، بدأ في اتخاذ إجراءات قانونية بالفعل، ومقاضاة الطبيب».

وأكَّدت الأسرة، في بيان آخر أن «جهات رسمية بدول عدة تداوم على الاحتفاء بالفنان المصري الراحل، من خلال إقامة حفلات غنائية، والحرص على عرض مقتنياته، والاهتمام باسمه الفني، لمعرفتهم الجيدة بقيمة فنه وقوته الناعمة، وتأثيره على وجدان الشعوب، إلى جانب حرص جمهوره من كل دول العالم على زيارة منزله ومقبرته بشكل خاص».

«العندليب الأسمر» تحل ذكراه خلال أيام (فيسبوك)

ويؤكِّد الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن الإساءة للفنان الراحل عبد الحليم حافظ بأي شكل من الأشكال غير مقبولة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «فناناً كبيراً بحجم وموهبة وأهمية عبد الحليم حافظ، أكبر من أي تشويه، بل يستحق الثناء والإشادة، بعد سيرة كبيرة ومهمة وحافلة».

وتساءل شوقي: «هل يصح في الوقت الذي يهتم باسمه الناس في كل أنحاء العالم ويحرصون على الاحتفاء به في كل مناسبة، أن نجد هذه الإساءة؟».

ولفت شوقي إلى أن «عبد الحليم حافظ ليس الفنان الأول ولن يكون الأخير، فهناك فئات حريصة على الإساءة للرموز الفنية بين الحين والآخر، إذ تعرض نخبة منهم لمغالطات، وأخبار كاذبة وتشويه متعمد، لكنهم برغم ذلك ما زالوا في قلوب وعقول محبيهم، ولن يستطيع أحد هز عرشهم الفني».

ونوَّه بأن الجمهور له دور كبير مع الأسرة، والجهات المعنية في التصدي للإساءة، والتعبير بأكثر من طريقة عن رفضه لما يدور من خلال التفاعل السريع على «السوشيال ميديا»، «من أجل الحفاظ على تاريخنا الفني، وتراثنا من العبث والاستباحة من معدومي الموهبة والفن والثقافة»، حسب تعبيره.

وقبل أزمة إساءة الطبيب، تعرَّض اسم الفنان عبد الحليم حافظ لإساءات متكررة خلال الآونة الأخيرة، إذ أكَّدت الأسرة تصديها لما يحدث بشكل قانوني، مثل أزمة «العندليب الأبيض»، وانتهاك «حقوق الملكية الفكرية» لاسمه وصورته من قبل إحدى الشركات الفنية، وكذلك أزمة «الخطاب» الذي نشرته الأسرة على موقع «فيسبوك»، ويشير إلى عدم زواج «العندليب»، من «السندريلا»، سعاد حسني، وشائعة بيع منزله لثري مصري، وغير ذلك.

وفنياً، قدَّم عبد الحليم حافظ والملقب بـ«العندليب الأسمر»، خلال مشواره حفلات، وأغنيات كثيرة، من بينها «على قد الشوق»، و«توبة»، و«موعود»، و«رسالة من تحت الماء»، و«قارئة الفنجان»، و«جانا الهوى»، و«صورة»، و«عدى النهار»، و«أحلف بسماها»، إلى جانب أفلام سينمائية غنائية، من بينها، «معبودة الجماهير»، و«لحن الوفاء»، مع شادية، و«الوسادة الخالية»، مع لبنى عبد العزيز، و«شارع الحب»، مع صباح، و«أبي فوق الشجرة»، و«الخطايا»، مع نادية لطفي، و«أيامنا الحلوة،» مع فاتن حمامة، و«يوم من عمري» مع زبيدة ثروت.


أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
TT

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)

قال المخرج الهندي أنكور هودا إن فيلمه الأول «العجل البديل» لم يولد من فكرة سينمائية جاهزة بقدر ما تشكَّل من تجربة شخصية حميمة، بدأت بصورة عابرة؛ لكنها ظلت تطارده سنوات، موضحاً أن الشرارة الأولى جاءت من جدِّه الذي قضى عمره مُدرساً، قبل أن يجد نفسه بعد التقاعد في حالة من الفراغ القاسي، كأن حياته فقدت معناها فجأة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن جده، رغم مكانته الكبيرة واحترام الجميع له؛ إذ كان مدرّساً للغة الإنجليزية ومدير مدرسة لسنوات طويلة، لم يكن يرى نفسه إلا مزارعاً مرتبطاً بالأرض والمواشي، وهو ما جعله يعيش صدمة حقيقية حين اضطر للتخلي عن هذا العالم تدريجياً، تحت ضغط التغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

زحف المدن

ووصف تلك اللحظة بأنها كانت بمنزلة «لحظة انفصال عن الهوية»، وكانت مدخله الأساسي لصناعة الفيلم؛ حيث بدأ يتساءل: ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد الشيء الذي عرفه طوال حياته؟ مشيراً إلى أن فيلمه لا يروي حكاية تقليدية؛ بل يستند إلى إعادة تمثيل لوقائع حقيقية عاشها مع عائلته في الريف، في منطقة هاريانا؛ حيث تتآكل أنماط الحياة القديمة أمام زحف المدن.

تدور أحداث فيلم «العِجل البديل» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» حول أستاذ متقاعد يعيش في قرية ريفية تختنق تدريجياً تحت وطأة التمدد الحضري؛ حيث يواجه لحظة قاسية عندما تلد بقرته عجلاً ميتاً، فيجد نفسه أمام أزمة تتجاوز الخسارة المادية إلى صدمة إنسانية تمس علاقته بالمكان والهوية، مع غياب مَن يساعده، وتفكك نمط الحياة الذي اعتاده.

وأشار إلى أن من الحوادث المفصلية التي أثَّرت فيه، حادثة موت عِجل حديث الولادة داخل المزرعة، وقد أعادت طرح طقوس قديمة كانت تمارس في القرى، من بينها صنع «دمية العِجل» كبديل رمزي للحفاظ على سلوك أُم العجل، وهي طقوس تحمل أبعاداً إنسانية وفلسفية تتجاوز ظاهرها.

المخرج الهندي أنكور هودا (الشركة المنتجة)

وأكد أن الفيلم يسير على هذا الخط الفاصل بين الوثائقي والروائي؛ حيث شارك أفراد عائلته الحقيقيون في العمل، عبر حضورهم أشخاصاً حقيقيين يعيدون تمثيل ذواتهم، وهو ما أضفى على الفيلم طابعاً شديد الخصوصية والصدق، لافتاً إلى أن هذا المزج بين الحقيقة والخيال كان ضرورياً للتعبير عن طبيعة القصة نفسها التي تتداخل فيها الذاكرة مع الحاضر، والواقع مع التأويل؛ لأن هدفه لم يكن تقديم حكاية عن عائلة بعينها؛ بل التقاط حالة إنسانية أوسع تعيشها المجتمعات الريفية التي تواجه التحولات الحديثة.

تحولات عميقة

وأوضح أن الفيلم يعكس أيضاً التحولات الاجتماعية العميقة التي تشهدها القرى؛ حيث يهاجر الشباب إلى المدن بحثاً عن فرص أفضل، تاركين خلفهم كبار السن يواجهون مصيراً غامضاً، وهو ما يخلق فجوة بين الأجيال، ويضع من تبقوا في حالة من التيه، بين ماضٍ يتلاشى وحاضر لا ينتمون إليه كاملاً.

وعن التحديات الإنتاجية، قال هودا إن فيلم «العِجل البديل» تم تنفيذه بإمكانات محدودة للغاية؛ حيث لم يتمكن من الحصول على تمويل تقليدي؛ مشيراً إلى أن العمل خرج إلى النور بفضل دعم الأصدقاء والعائلة الذين آمنوا بالفكرة وساعدوه في تنفيذها.

وأضاف أنه اشترى كاميرا بسيطة، وصوَّر الفيلم في مواقع حقيقية داخل القرية، مؤكداً أن التكلفة الإجمالية لم تتجاوز 500 دولار، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي واجهه، ولكنه في الوقت نفسه منح الفيلم صدقاً بصرياً وحرية إبداعية كبيرة. وتابع بأن غياب التمويل لم يكن عائقاً بقدر ما كان دافعاً للبحث عن حلول بديلة؛ مشيراً إلى أن العمل بروح جماعية صغيرة جعله أكثر قرباً من موضوعه.

قدَّم المخرج جانباً من حياة جدِّه (الشركة المنتجة)

وأشار هودا إلى أن عرض فيلم «العِجل البديل» في قريته كان تجربة مختلفة تماماً؛ حيث لم تكن هناك إمكانات تقنية أو تجهيزات احترافية، ولكن الحضور الإنساني كان طاغياً، مؤكداً أن مشاهدة أهل القرية أنفسهم على الشاشة كانت لحظة مؤثرة، أعادت ربطهم بقصتهم وبالتحولات التي يعيشونها، معتبراً أن هذا التفاعل المباشر مع الجمهور كان من أهم مكاسب الفيلم؛ لأنه جعله يدرك أن السينما يمكن أن تكون وسيلة لفهم الذات، قبل أن تكون وسيلة للعرض أو الترفيه.

مشروع طويل

وأكد المخرج الهندي أن فيلمه ليس مجرد فيلم مستقل؛ بل بداية مشروع سينمائي أطول يسعى من خلاله إلى توثيق التحولات التي تشهدها المجتمعات الريفية في الهند؛ مشيراً إلى أنه مهتم باستكشاف العلاقة بين الإنسان والمكان، وكيف تؤثر التغيرات الاقتصادية والاجتماعية على هذه العلاقة، وما يهمه في النهاية ليس فقط الحكايات نفسها؛ بل تلك المساحات الصامتة التي تتشكل فيها الهوية، أو التي يشعر فيها الإنسان بأنه يفقد جزءاً من نفسه، دون أن يدرك تماماً كيف أو لماذا.