الظروف الصعبة في غزة ترفع معدلات الاكتئاب... والتفكير بالانتحار

مياه ملوثة بمجاري الصرف الصحي على شاطئ بمدينة غزة... وسلّط موت فتى خلال سباحته في مياه آسنة أخيراً الضوء على المشاكل الكبيرة التي يواجهها قطاع غزة (أ.ف.ب)
مياه ملوثة بمجاري الصرف الصحي على شاطئ بمدينة غزة... وسلّط موت فتى خلال سباحته في مياه آسنة أخيراً الضوء على المشاكل الكبيرة التي يواجهها قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

الظروف الصعبة في غزة ترفع معدلات الاكتئاب... والتفكير بالانتحار

مياه ملوثة بمجاري الصرف الصحي على شاطئ بمدينة غزة... وسلّط موت فتى خلال سباحته في مياه آسنة أخيراً الضوء على المشاكل الكبيرة التي يواجهها قطاع غزة (أ.ف.ب)
مياه ملوثة بمجاري الصرف الصحي على شاطئ بمدينة غزة... وسلّط موت فتى خلال سباحته في مياه آسنة أخيراً الضوء على المشاكل الكبيرة التي يواجهها قطاع غزة (أ.ف.ب)

لم يتحمل «ف.ر» الذي يبلغ من العمر 45 عاماً، مطالبات المواطنين له بتسديد الديون المتراكمة عليه، فقرر قبل أسبوع إنهاء حياته بإغلاق محل يمتلكه في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة وربط حبل بسقف محله ليشنق نفسه. انتحر، كما يقول معارف له؛ للتخلص كما يبدو من الضغوط النفسية الكبيرة التي كان يتعرض لها في ظل أوضاع اقتصادية صعبة وحياة مأساوية كان يعيشها.
كان «ف.ر» يملك محلاً للحدادة والألمنيوم يعمل فيه منذ سنوات، وكان بحالة مادية ممتازة قبل أن تتدهور ظروفه الاقتصادية نتيجة الوضع العام في غزة وتراجع الطلب على عمله، حتى أصبح ما يجنيه من مال مقابل عمله أقل بكثير مما يحتاج إليه لتأمين احتياجات ومتطلبات منزله الكثيرة؛ ما دفعه إلى الاستدانة وبمبالغ كبيرة حتى تراكمت عليه الديون ولم ير مجالاً للتخلص منها سوى الانتحار.
وبحسب إحصاءات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من جهات طبية وأمنية فلسطينية في غزة، فقد سُجّلت منذ بداية العام الحالي خمس حالات انتحار، إحداها لسيدة. ومنذ بداية أغسطس (آب) الحالي، سُجّلت حالتا انتحار، إحداها للشخص المشار إليه سابقاً (ف.ر) والثانية لطفل يبلغ من العمر 13 عاماً. وتأتي هذه الحالات الجديدة بعدما سُجّلت في العام الماضي (2016) 17 حالة انتحار و80 محاولة انتحار في غزة، بالمقارنة مع 5 حالات سُجّلت عام 2015 و35 محاولة انتحار في العام ذاته.
ووفق الإحصاءات ذاتها، تُسجل حالات محاولة انتحار في شكل شبه يومي بين سكان القطاع الذين يعانون ارتفاعاً في حالات الاكتئاب نتيجة الظروف الصعبة التي يعيشونها. وغالبية هذه الحالات تتم عبر محاولة شخص ما حرق نفسه، أو الشنق، أو استخدام كميات كبيرة من الأدوية بمختلف أنواعها.
ويقول الشاب «خالد.غ» البالغ من العمر 27 عاماً ويقطن في حي النمساوي غرب خانيونس، إنه بدأ أخيراً رحلات علاج نفسي لدى أحد الأطباء المختصين بعد محاولته الانتحار مرتين، الأولى في يونيو (حزيران) من العام الماضي والثانية في أبريل (نيسان) من العام الحالي. وتناول في محاولة الانتحار الأولى مادة سامة كادت أن تقضي على حياته، لكن تم إنقاذه بصعوبة، في حين تناول في المرة الثانية كميات كبيرة من الأدوية، إلا أن الأطباء نجحوا في إنقاذ حياته مرة أخرى، ليعود إلى حياته بشكل طبيعي بعد أيام من تلك المحاولة الأخيرة. ويُرجع خالد محاولاته إنهاء حياته إلى الظروف الصعبة التي يعيشها منذ سنوات. وأشار إلى أنه اقترب من عامه الـ28 دون أن يستطيع الحصول على فرصة عمل ثابتة يستطيع من خلالها بناء مستقبله، مضيفاً أنه لم يتزوج حتى الآن، ولا يوجد أي أفق أو طريق واضحة أمامه للزواج، أو بناء حياته في الوقت القريب.
وتعيش عائلة «خالد» في منزل متهالك لا يصلح للعيش الآدمي، حيث يتكون المنزل من مساحة تقل عن 70 متراً. ويشير خالد إلى أن الحياة ضاقت به ولم يعد قادراً على تحمل أعبائها، وبخاصة أنه يُعتبر المعيل الوحيد لعائلته المكونة من 6 أفراد هو أكبرهم. ويقول خالد لـ«الشرق الأوسط» إن ما دفعه إلى محاولة الانتحار ليس أسباباً شخصية في ذاته مثل عدم قدرته على الزواج وبناء عائلة مثل بقية الشبان الآخرين، بل إن ما دفعه إلى ذلك عدم قدرته على توفير احتياجات عائلته، وتراجع حالتهم الاقتصادية المزرية في ظل تدهور الأوضاع العامة في قطاع غزة.
ويأمل خالد، كما الآلاف من سكان قطاع غزة الذين يعيشون في ظروف حياتية قاسية، في تحسن الأوضاع وفتح الآفاق أمامهم للعمل وتحسين حياتهم أملاً في بناء مستقبل واعد. إلا أن ذلك يبدو بعيد المنال في ظل الظروف السياسية الحالية التي تنعكس في شكل مباشر على الواقع الاقتصادي والحياتي في غزة.
وتوضح إحصاءات أعدتها مؤسسات مختصة أن أكثر من 55 في المائة من عائلات قطاع غزة تعيش تحت خط الفقر الشديد. وتواجه 73 في المائة من العائلات في غزة ارتفاعاً في حوادث العنف الاجتماعي، بحسب ما تكشف هذه الإحصاءات.
ويربط مراقبون حالات الانتحار والتفكير بمحاولة الانتحار بالواقع الاقتصادي الصعب وانتشار البطالة وارتفاع نسب الفقر المدقع في المجتمع الغزي، ما يزيد من حالة الاكتئاب في صفوف المواطنين ويدفع بعضهم للتخلّص من حياته. وشهدت نسب البطالة في القطاع ارتفاعاً كبيراً وصل إلى ما يزيد على 60 في المائة.
وأفاد إحصاء صدر عن المرصد الأورو - متوسطي بداية العام الحالي، بأن 55 في المائة من سكان القطاع يعانون من الاكتئاب، وأن 50 في المائة من أطفال غزة في حاجة إلى دعم نفسي، في حين أشار إحصاء لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» إلى أن نحو ثلث اللاجئين الفلسطينيين في غزة، والبالغ عددهم 1.2 مليون نسمة، ظهرت لديهم أعراض اضطرابات نفسية واجتماعية، مشيراً إلى أن الحصار المفروض على القطاع لا يؤثر فقط في النواحي البدنية والاقتصادية والاجتماعية للسكان، لكن يعرّضهم أيضاً لمستويات عالية من الضغط النفسي والاجتماعي. وفعّلت «الأونروا» مؤخرا 21 مركزاً تابعاً للوكالة لاستقبال اللاجئين الذين ظهرت لديهم أعراض اضطرابات نفسية واجتماعية في القطاع، وبدأت بتشغيل 31 مشروعاً تجريبياً من أجل دمج الرعاية الصحية النفسية والدعم النفسي الاجتماعي ضمن خدمات الرعاية الصحية. وترى الجهات الأمنية في غزة، أن معدلات الجريمة وحتى محاولات الانتحار طبيعية ولا يوجد فيها أي خطر حقيقي على اعتبار أن الدول الأخرى تسجّل حالات أكثر، في حين تعتبر مراكز حقوقية ما يجري خطيراً كونه يعكس الواقع المأسوي في قطاع غزة. ويقول الدكتور فضل عاشور، اختصاصي الطب النفسي والعصبي في كلية الطب بجامعة الأزهر بغزة: إن الانتحار سمة إنسانية يختارها الشخص بشكل طوعي بعد اضطراب عقلي ناتج من حالة من الاكتئاب جراء التفكير بأنه يعتبر أن لا معنى لحياته، وأنه لا بد من إنهائها. ويوضح، أن الانتحار يمر بثلاثة مراحل، أولها التفكير في الانتحار، وهذا قد يدوم أو يقصر زمنياً، وثانيها وضع خطة لكيفية الانتحار إما حرقاً أو شنقاً أو بطريقة أخرى، والمرحلة الأخيرة تتمثل في التنفيذ و«قلائل هم الذين يصلون إلى هذه المرحلة على رغم وجود كم كبير جداً ممن يفكرون بالانتحار ولديهم الخطة لذلك، لكنهم لا يصلون إلى مرحلة التطبيق، وإن وصل بعضهم إلى التطبيق فإنهم لا ينجحون جمعيهم في ذلك».
ولفت عاشور في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الغالبية العظمى من شباب غزة، وبخاصة جيل ما بين 20 إلى 35 سنة ممن حرموا من كل شيء، سواء العمل أو الزواج وعدم وفرة المال ووجود فراغ هائل في حياتهم، هم أكثر المرشحين للانتحار في ظل الأوضاع الحياتية الصعبة وانغلاق الأفق، وبخاصة أن الأزمات الحالية باتت تصيب كل فرد بالمجتمع وليس فقط الوضع السياسي والاقتصادي العام.
واعتبر أن الحصار المشدد على القطاع والحروب والوضع الاقتصادي وانعدام الأمل منذ سنوات، جميعها أسباب «قتلت الأمل في صفوف الغزيين»، ولا سيما الشباب منهم، و«أفشلت كل أمل ممكن بعد تجارب مخادعة بوجود انفراجات». وقال: إن الواقع الحالي لا يمكن أن يتغيّر سوى من خلال تغيير الواقع السياسي الذي يؤثر اقتصاديا وحياتياً على المجتمع.



معارك جبال تعز تعاظم تكلفة التمدد الحوثي إلى باب المندب

القوات المسلحة اليمنية تخوض معارك شرسة ضد التوغل الحوثي في جبهات تعز (إعلام عسكري)
القوات المسلحة اليمنية تخوض معارك شرسة ضد التوغل الحوثي في جبهات تعز (إعلام عسكري)
TT

معارك جبال تعز تعاظم تكلفة التمدد الحوثي إلى باب المندب

القوات المسلحة اليمنية تخوض معارك شرسة ضد التوغل الحوثي في جبهات تعز (إعلام عسكري)
القوات المسلحة اليمنية تخوض معارك شرسة ضد التوغل الحوثي في جبهات تعز (إعلام عسكري)

فرضت الجبهات الغربية والجنوبية الغربية لمحافظة تعز نفسها ساحةً لمعركة هي الأشد احتداماً خلال الأسبوعين الأخيرين، حيث المواجهات التي تقودها القوات الحكومية اليمنية ضد الحوثيين في المرتفعات المطلة على الساحل الغربي وباب المندب، بالتزامن مع محاولات الجماعة للضغط على مدينة تعز من جبهتيها الجنوبية، والجنوبية الشرقية.

وتحاول الجماعة الحوثية المتحالفة مع إيران، وفق المعطيات الميدانية، تثبيت مواقعها في المناطق الساحلية والمرتفعات المشرفة عليها، مستفيدة من طبيعة المنطقة الجبلية التي تمنح السيطرة عليها قدرةً أكبر على مراقبة خطوط الحركة، والإمداد، والاقتراب من المناطق المطلة على مضيق باب المندب.

وفي المقابل، تدفع القوات الحكومية بقواتها نحو المرتفعات الحاكمة لمنع تثبيت هذا الانتشار، بالتزامن مع استهداف خطوط الإمداد والتجمعات الحوثية.

وفي أبرز التطورات، كانت القوات الحكومية أعلنت، الجمعة، السيطرة على قمة «جبل نُمان» و «تبة دار الكافر» في عملية عسكرية خاطفة، بمشاركة قوات من اللواء السادس في «درع الوطن»، و«قوات العمالقة»، والمقاومة الشعبية. وقال مصدر عسكري إن العملية أدت إلى فرار عناصر حوثية باتجاه بلدة الشقيراء، مركز مديرية الوازعية.

صورة لقتيل حوثي وُضعت على قبره في إحدى المقابر بصنعاء (إ.ب.أ)

ويكتسب «جبل نُمان» أهمية ميدانية؛ بسبب إشرافه على مناطق في الوازعية والمضاربة، وعلى خطوط الحركة بينهما، في حين قالت مصادر عسكرية إن الحوثيين كانوا يستخدمون الموقع للمراقبة والقصف ومساراً للتسلل. وتأتي السيطرة عليه في سياق التحركات الحكومية الرامية إلى تعزيز المواقع وتأمينها في غرب تعز والمناطق المتاخمة للحج.

لكن السيطرة لم تحسم المعركة حول الجبل بصورة نهائية، إذ أفادت معلومات ميدانية لاحقة بأن الحوثيين شنوا قصفاً بالصواريخ والمدفعية والطائرات المسيّرة، وتمكَّنوا من العودة إلى أجزاء من جبل نُمان في منطقة العلقمة على أطراف الشمايتين، بينما استمرَّت المواجهات العنيفة حول الموقع.

ويعكس ذلك طبيعة المعركة الجارية على المرتفعات الغربية؛ فالجماعة الحوثية تحاول الاحتفاظ بنقاط ارتكاز تمكنها من مراقبة الممرات المؤدية إلى الساحل، بينما تسعى القوات الحكومية إلى حرمانها من المرتفعات التي يمكن استخدامها لتثبيت مواقعها أو حماية خطوط إمدادها.

ضرب الإمدادات... وتوسيع المواجهة

في غرب تعز، قال المتحدث باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات الحكومية استهدفت عناصر حوثية في المخا وخطوط إمداد تابعة للجماعة في ذوباب. ويضع هذا الاستهداف الإمدادات المقبلة إلى مواقع الحوثيين على الساحل ضمن أهداف العمليات العسكرية، بالتزامن مع القتال على المرتفعات المشرفة على المنطقة.

وفي جبهة جبال كهبوب التابعة لمديرية المضاربة ورأس العارة، قالت «قوات العمالقة» إنها أحبطت خلال الأسبوعين الماضيين هجمات حوثية متكررة، وتمكَّنت من تدمير مجموعات مهاجمة واستعادة مواقع كانت الجماعة قد سيطرت عليها، مؤكدة عدم تمكن الحوثيين من تحقيق تقدم ثابت في هذه المنطقة. كما أعلنت قوات محور طور الباحة التصدي لهجوم حوثي في جبهة راسن بريف تعز الغربي، مشيرة إلى تراجع المهاجمين بعد سقوط قتلى.

عنصر حوثي يذخّر مدفع هاون خلال هجمات الجماعة على القوات الحكومية اليمنية (أ.ب)

وتكتسب هذه الجبهات أهمية إضافية من قربها من باب المندب، حيث تقع كهبوب ضمن السلسلة الجبلية المطلة على المضيق، ما يجعل السيطرة على المرتفعات المحيطة بها جزءاً من الصراع على تثبيت خطوط الانتشار والتحكم بالممرات البرية المؤدية إلى الساحل.

وفي غضون ذلك، واصلت القوات الحكومية ضرباتها في قطاعات أخرى من تعز. وأعلن محور تعز مقتل 13 عنصراً حوثياً وإصابة 12 آخرين خلال الساعات الـ24 الماضية، وفق حصيلة أعلنها المحور، جراء مواجهات وضربات مدفعية وجوية في جبهات عدة.

واستهدفت القوات الحكومية عربة عسكرية وعدداً من الدراجات النارية في وادي غراب شمال غربي تعز، بينما قصفت المدفعية مواقع حوثية في تبة سريح بجبهة الصلو، وتجمعات للجماعة في تبة القارع.

كما أحبطت القوات محاولتَي تسلل في الأقروض والجبهة الشرقية لمدينة تعز، في حين استهدفت طائرات مسيّرة تجمعات حوثية في الكدحة، ونفَّذ الطيران الحربي غارات على مواقع في جبهة الأحكوم.

ضغط على مدينة تعز

لا يقتصر القتال على الجبهة الغربية من تعز؛ إذ تتزامن العمليات هناك مع هجمات ومحاولات تسلل في جنوب وجنوب شرقي المحافظة، في مسعى حوثي لإبقاء القوات الحكومية تحت ضغط متواصل حول مدينة تعز وممراتها.

وفي الجبهة الشرقية للمدينة، تعرَّضت مواقع القوات الحكومية لقصف حوثي بقذائف عدة خلال ساعات الليل، سقطت إحداها في حي سكني من دون تسجيل خسائر بين السكان، وفق المعلومات الميدانية.

سكان تعز يحتفلون بذكرى الثورة اليمنية رغم الهجمات الحوثية (أ.ب)

وتشير طبيعة العمليات المتزامنة إلى اتساع نطاق المواجهة بين الطرفين على أكثر من محور، إذ تحاول القوات الحكومية منع الحوثيين من تثبيت مكاسبهم في غرب المحافظة، في وقت تسعى فيه الجماعة إلى استنزاف القوات المدافعة عن المدينة، وفتح ثغرات من اتجاهات أخرى.

وفي خضم هذه التطورات، وضع رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، التصعيد العسكري ضمن معركة أوسع لاستعادة مؤسسات الدولة. ودعا اليمنيين إلى «التعبئة العامة والنفير الوطني» والالتفاف حول القوات المسلحة والأمن، معلناً في الوقت نفسه فتح باب العودة الآمنة إلى صف الجمهورية والشرعية الدستورية، مع إعلان عفو شامل لمَن يترك القتال أو العمل لمصلحة الحوثيين، وفق الإجراءات الدستورية والقانونية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (د.ب.أ)

وقال العليمي إن المعارك الوطنية «لا تُقاس بتقدُّم هنا أو تراجع هناك»، وإنما بوضوح الهدف وصلابة الإرادة، محدداً هدف الدولة في استعادة مؤسساتها وبسط سيادتها على كامل الأراضي اليمنية وصولاً إلى صنعاء. كما خاطب سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين بوصفهم جزءاً من مسؤولية الدولة، داعياً إلى عدم الزج بأبنائهم في الحرب.

وربط رئيس مجلس القيادة بين التطورات الداخلية والأمن الإقليمي، قائلاً إن المشروع الحوثي يستهدف تحويل الأراضي والسواحل اليمنية إلى مصدر تهديد مستمر لأمن اليمن والمنطقة. وطالب الدول التي تريد استقرار اليمن والبحر الأحمر بمساندة الحكومة، والقوات المسلحة، والتحالف بقيادة السعودية.


الحكومة اليمنية تحشد دعماً دولياً لمواجهة الأزمة الإنسانية

نازحون يمنيون فروا من هجمات الحوثيين في الساحل الغربي (أ.ب)
نازحون يمنيون فروا من هجمات الحوثيين في الساحل الغربي (أ.ب)
TT

الحكومة اليمنية تحشد دعماً دولياً لمواجهة الأزمة الإنسانية

نازحون يمنيون فروا من هجمات الحوثيين في الساحل الغربي (أ.ب)
نازحون يمنيون فروا من هجمات الحوثيين في الساحل الغربي (أ.ب)

اتسعت التحذيرات الدولية من التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي الأخير في اليمن، مع تحرك الحكومة اليمنية في نيويورك لحشد دعم دولي عاجل للقطاعات الصحية والغذائية والتنموية، بالتزامن مع إعلان المملكة المتحدة تقديم 10 ملايين جنيه إسترليني استجابةً للنداء الإنساني الطارئ الخاص باليمن.

وركزت وزيرة الخارجية أفراح الزوبة، خلال سلسلة لقاءات وفعاليات على هامش أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، على التداعيات المتزايدة للتصعيد الحوثي على المدنيين والنازحين والخدمات الأساسية، محذرةً من أن استمرار القتال يفاقم الضغوط على نظام صحي يعاني أصلاً محدودية الموارد.

وقالت أفراح الزوبة، خلال مشاركتها في فعالية رفيعة المستوى، نظمتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، إن الحكومة تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على الخدمات الصحية الأساسية، وتوفير الأدوية واللقاحات، والاستجابة في الوقت نفسه للاحتياجات المتزايدة للنازحين جرّاء التصعيد الأخير.

عشرات الآلاف من اليمنيين الفارين من تصعيد الحوثيين بلا مأوى (أ.ب)

وأشارت الوزيرة إلى أن التصعيد أدى إلى تهجير آلاف المدنيين، واضطرار بعض الأسر إلى النزوح للمرة الثالثة أو الرابعة، بما يُضيف أعباء جديدة على الموارد المحدودة والموازنة العامة، ويعرقل خطط تطوير الخدمات الصحية.

وحذّرت من أن الممارسات الحوثية تعوق وصول اللقاحات إلى الأطفال في المناطق الخاضعة للجماعة، رغم توفر مخزون جاهز للتوزيع.

وقالت إن احتجاز عاملين صحيين على خلفية دعم حملات تحصين الأطفال يُهدد جهود الوقاية من الأمراض ويضاعف المخاطر الصحية.

وأكدت أن وزارة الصحة تعمل على إعداد الاستراتيجية الوطنية الصحية للفترة 2026-2030، التي تضع الرعاية الصحية الأولية وصحة الأم والطفل والتغذية والتحصين وبناء نظام صحي قادر على الصمود والاستجابة للأزمات ضمن أولوياتها.

ودعت أفراح الزوبة المجتمع الدولي إلى مواصلة دعم الأطفال اليمنيين، وتعزيز الشراكة مع الحكومة، محذرةً من أن التصعيد الأخير يُهدد ما تحقق خلال السنوات الماضية في مجال الخدمات الصحية، ويزيد الضغوط على النظام الصحي.

الغذاء والنازحون والمختطفون

في لقاء آخر مع المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، بحثت الوزيرة تطورات الأمن الغذائي وتزايد احتياجات النازحين والمجتمعات المتضررة، مؤكدة ضرورة ضمان وصول المساعدات الغذائية والإغاثية إلى مستحقيها بصورة آمنة ومنتظمة ودون عوائق.

واستعرضت، حسبما نقلته الحكومة، ما وصفته بانتهاكات طالت المدنيين ومخيمات النازحين والمنشآت الإنسانية، إضافة إلى نهب إمدادات غذائية وطبية، وما ترتب على ذلك من فقدان أسر لمساكنها ومصادر رزقها وتفاقم احتياجاتها الأساسية.

الزوبة تقود تحركات يمنية في أروقة المجتمع الدولي لحشد الدعم الإنساني (إعلام حكومي)

وشددت على أهمية حشد موارد إضافية لتمويل البرامج الإنسانية، خصوصاً مع اتساع الاحتياجات بين الأسر النازحة، كما طالبت بالإفراج عن موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني المحتجزين لدى الحوثيين، وضمان سلامتهم وتمكينهم من أداء مهامهم.

وأكد سكاو استمرار برنامج الأغذية العالمي في تقديم الدعم للشعب اليمني والتنسيق مع الحكومة والشركاء لتعزيز الأمن الغذائي والاستجابة للاحتياجات الإنسانية.

وفي اجتماعها مع رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ميريانا سبولياريتش إيغر، بحثت أفراح الزوبة الأوضاع الإنسانية وتداعيات التصعيد، إضافة إلى أنشطة اللجنة ومشروعاتها الميدانية في المحافظات اليمنية.

وحذّرت الوزيرة اليمنية من استمرار الضغوط التي تفرضها الجماعة الحوثية على المنظمات الدولية والعاملين في المجال الإنساني، مؤكدة استعداد الحكومة لتقديم التسهيلات اللازمة لعمل اللجنة ومكاتبها في اليمن.

وأعطت ملف المحتجزين والمختطفين أولوية واضحة، داعية اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى تكثيف جهودها والضغط من أجل تمكينها من زيارة المحتجزين لدى الحوثيين والاطمئنان إلى أوضاعهم.

من الإغاثة إلى التعافي

في الجانب التنموي، بحثت أفراح الزوبة مع المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات المشروعات، خورخي موريرا دا سيلفا، سبل دعم أولويات الحكومة في البنية التحتية والخدمات الأساسية ومشروعات التعافي والتنمية المستدامة.

وتناول اللقاء انعكاسات التطورات الأخيرة في البحر الأحمر وباب المندب على الأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى توجيه التدخلات الدولية نحو مشروعات طويلة الأثر، بدلاً من اقتصار الاستجابة على الطوارئ الإنسانية.

وأكدت الوزيرة أهمية تعزيز الشراكة مع وكالات الأمم المتحدة وتوجيه تدخلاتها بما يتوافق مع أولويات خطط الحكومة، فيما أكد المسؤول الأممي استمرار دعم جهود التنمية والتعافي، وتعزيز التنسيق لتنفيذ المشروعات ذات الأولوية.

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مسؤولاً أممياً في نيويورك (إعلام حكومي)

وفي اجتماع رفيع المستوى بشأن مبادرة التنمية العالمية، دعت أفراح الزوبة المجتمع الدولي ومؤسسات التمويل والتنمية إلى تحويل التعهدات إلى مشروعات وبرامج ملموسة في قطاعات البنية التحتية والصحة والتعليم والمياه والطاقة، إلى جانب دعم التعافي الاقتصادي وخلق فرص العمل.

وبالتزامن مع التحرك اليمني في نيويورك، أعلنت المملكة المتحدة تقديم حزمة مساعدات طارئة بقيمة 10 ملايين جنيه إسترليني استجابةً للنداء الطارئ للأمم المتحدة بشأن اليمن.

وقالت الحكومة البريطانية إن التمويل سيُخصص لتوفير الغذاء والرعاية الصحية ودعم التطعيمات العاجلة للنازحين والمتضررين من التصعيد الأخير.

وقال وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط، ستيفن دوتي، إن التصعيد الحوثي خلّف آثاراً مدمرة وقوّض استقرار المنطقة، وأدى إلى سقوط قتلى من المدنيين، مؤكداً أن المساعدات الجديدة تستهدف الفئات اليمنية الأكثر ضعفاً والمتضررة من التطورات الأخيرة.


هجمات الحوثيين شردت 71 ألف طفل خلال شهر واحد

نازحون فقدوا منازلهم ولا يعلمون أي مستقبل ينتظرهم (إعلام محلي)
نازحون فقدوا منازلهم ولا يعلمون أي مستقبل ينتظرهم (إعلام محلي)
TT

هجمات الحوثيين شردت 71 ألف طفل خلال شهر واحد

نازحون فقدوا منازلهم ولا يعلمون أي مستقبل ينتظرهم (إعلام محلي)
نازحون فقدوا منازلهم ولا يعلمون أي مستقبل ينتظرهم (إعلام محلي)

لم يكن لدى طه، الطفل اليمني البالغ من العمر أربع سنوات، وقتٌ للتفكير فيما يمكن أن يأخذه معه عندما اضطرت أسرته إلى الفرار من هجوم الحوثيين على مديرية المخا باتجاه عدن. ففي لحظة واحدة، أصبحت النجاة هي الأولوية الوحيدة.

تركت الأسرة خلفها منزلها وكل ما تملك، لكن رحلة الهروب لم تنتهِ عند الوصول. فطه يعاني اليوم من سوء التغذية الحاد الوخيم، بينما تحمل والدته خوفاً ظل يرافقها طوال الطريق.

وعندما التقى بها ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، قالت إن خوفها الوحيد كان أن تفقد ابنها قبل العثور على المساعدة. ويقدم وضع الطفل وأسرته صورة عن واقع تعيشه آلاف العائلات اليمنية مع تجدد العنف، إذ وجدت نفسها مجبرة على مواجهة الخوف والجوع في الوقت نفسه.

وحذرت اليونيسف من أن الأطفال لا يزالون يتحملون العبء الأكبر من الصراع، في ظل ما وصفته بـ«حلقة مفرغة» تتكرر مع استمرار العنف؛ فالصراع يفاقم الجوع، والجوع بدوره يجعل الأطفال أكثر عرضة لتبعات الصراع.

ووفق بيانات أممية، فإن من بين نحو 2900 طفل فحصتهم «اليونيسف» خلال الأسبوع الماضي في المناطق التي تمكنت من الوصول إليها، تبين أن طفلاً واحداً من كل أربعة يعاني من سوء التغذية الحاد.

فارون من جحيم الحوثيين وسط الأشجار وفي سفوح المرتفعات (إعلام محلي)

وكانت التقديرات، حتى ما قبل التصعيد الحوثي الأخير، تشير إلى أن نحو 2.2 مليون طفل يمني دون سن الخامسة سيعانون من سوء التغذية الحاد خلال العام الحالي.

ولم يكن الجوع وحده ما يلاحق الأطفال. فخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، نزح أكثر من 180 ألف شخص، بينهم ما يقدر بنحو 71 ألف طفل.

وتوقعت مصادر حكومية ارتفاع عدد النازحين جراء التصعيد الحوثي الأخير إلى نحو 200 ألف خلال الأسبوع الحالي، ما يعني انضمام آلاف الأطفال إلى أعداد النازحين السابقين.

وفي مواجهة هذه الاحتياجات المتزايدة، وسعت اليونيسف استجابتها الطارئة في البلاد لتصل إلى نحو 231 ألف شخص، من خلال فرق الصحة والتغذية المتنقلة، وتوفير المياه الآمنة، ودعم المرافق الصحية، إلى جانب تقديم خدمات حماية الأطفال.

تعز تتصدر

في أحدث البيانات الرسمية، أكدت الوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين ارتفاع إجمالي الأسر النازحة قسراً جراء التصعيد العسكري إلى 27,413 أسرة تضم 180,513 فرداً حتى 23 سبتمبر (أيلول) الحالي، وقالت إن هؤلاء توزعوا على عشر محافظات في البلاد.

أكثر من 180 ألف يمني فروا من ديارهم ويفتقدون للمساعدة (إعلام محلي)

وحسب التقرير، تصدرت محافظة تعز قائمة المناطق المستضيفة بتسجيلها 13,409 أسر، تضم 93,917 فرداً، تلتها لحج بـ5,782 أسرة، وعدن بـ3,741 أسرة، وأبين بـ2,157 أسرة، والحديدة بـ1,471 أسرة، شهد بعضها حركة نزوح جديدة باتجاه عدن، إلى جانب تسجيل مئات الأسر الأخرى في محافظات مأرب والضالع والمهرة وحضرموت وشبوة.

وأكد التقرير أن ظروف النزوح المفاجئ والقسري حرمت معظم الأسر من تأمين احتياجاتها الأساسية، ما أدى إلى اتساع الفجوة الإنسانية وتراجع قدرة المجتمعات المضيفة على الاستجابة.

نقص حاد

نبهت وحدة إدارة مخيمات النازحين إلى وجود نقص حاد وحرج في إمدادات المأوى الطارئ والمواد الغذائية ومياه الشرب النظيفة وخدمات الصرف الصحي، فضلاً عن تدهور الرعاية الصحية وخدمات الحماية الموجهة للفئات الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتها الأطفال والنساء وكبار السن وذوو الإعاقة.

70 ألف طفل يمني نزحوا بسبب التصعيد الحوثي الأخير (إعلام محلي)

وقالت إنه أمام هذا الوضع المتفاقم، تجدد مناشدة السلطات المحلية والمنظمات الدولية والأممية والجهات المانحة سرعة تقديم المساعدات المنقذة للحياة وتفعيل آليات الاستجابة السريعة دون تأخير.

وشددت الوحدة الحكومية على الأهمية القصوى لتوفير السلال الغذائية والمأوى الطارئ والدعم النقدي المباشر، إضافة إلى دعم قطاعات المياه والصحة والخدمات الأساسية في مواقع وتجمعات النزوح الجديدة، للتخفيف من معاناة المتضررين وصون كرامتهم الإنسانية.