موريتانيا.. على أبواب «صيف انتخابي»

بلد الانقلابات العسكرية يعيش أزمة ثقة ولي ذراع بين النظام والمعارضة

موريتانيا.. على أبواب «صيف انتخابي»
TT

موريتانيا.. على أبواب «صيف انتخابي»

موريتانيا.. على أبواب «صيف انتخابي»

تتأهب موريتانيا لخوض انتخابات رئاسية في يونيو (حزيران) المقبل، وسط أجواء من التوتر والخلاف. فأبرز أحزاب المعارضة أعلنت مقاطعتها للانتخابات التي وصفتها بأنها «غير توافقية»، فيما أعلن واحد من أبرز المترشحين انسحابه من السباق باعتبار أن النتيجة ستكون محسومة لصالح الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز، الساعي إلى الظفر بمأمورية رئاسية ثانية.
فعلى الرغم من شهرة موريتانيا بأنها بلد الانقلابات، وأن أهلها ينامون كل ليلة وهم لا يستبعدون أن يستيقظوا على موسيقى عسكرية يعقبها «البيان الأول» ورئيس جديد يرتدي بزة العسكر، فإنها في السنوات الأخيرة عاشت عدة مناسبات انتخابية، فلا يكاد يضع انقلاب أوزاره إلا وينتهي بانتخابات تسمح بالعودة إلى الوضع الدستوري، مما جعل البلاد تعيش بشكل دوري ثنائية «الانقلاب والانتخاب»، وهي وضعية جعلت مراقبي الشأن الموريتاني يتحدثون عن حالة التهاب أصابت الخريطة السياسية في البلاد منذ انقلاب 2005 الذي أطاح بنظام الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع.

أسهمت الانتخابات الرئاسية التي نظمت سنة 2007 في إحداث نوع من الاستقرار السياسي مع تنصيب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله كأول رئيس مدني للبلاد، لكن حكم ولد الشيخ عبد الله لم يدم طويلا بسبب النفوذ المتزايد للمؤسسة العسكرية التي تدخلت لتزيحه في انقلاب قاده الرئيس الحالي الجنرال محمد ولد عبد العزيز في أغسطس (آب) 2008، لتدخل البلاد في أزمة سياسية ودستورية تطلبت تدخل المجموعة الدولية بقيادة فرنسا التي ضغطت من أجل الدخول في مفاوضات في العاصمة السنغالية دكار انتهت بتوقيع «اتفاق دكار» الذي مكن من تنظيم انتخابات رئاسية سنة 2009 فاز بها ولد عبد العزيز الذي استقال من المؤسسة العسكرية وترشح كمنافس مدني في انتخابات شاركت فيها المعارضة بجميع أطيافها.
في هذا السياق، يقول مدير المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية الدكتور ديدي ولد السالك إن «الأزمة السياسية التي تعيشها موريتانيا بدأت منذ انقلاب 2008، ورغم المحاولات المستمرة لجمع الأطراف حول طاولة الحوار للخروج من الأزمة، فإن كل تلك المحاولات فشلت في وضع حد للأزمة، حيث إن النظام متمسك بالآليات التي تضمن فوزه المريح وبالتالي بقاءه في السلطة؛ بينما تصر المعارضة على المطالبة بضمانات تفرض شفافية الانتخابات لتكون نتائجها مقبولة وتخرج البلاد من الأزمة، وطبعا النظام لن يقبل بتنازلات تهدده». وأشار ولد السالك في حديث مع «الشرق الأوسط» إلى أن «النظام قدم تنازلات مهمة خلال انتخابات 2009 بضغط من المجموعة الدولية، لكن هذه التنازلات لم تجد الوقت الكافي لتؤثر على العملية الانتخابية، وبالتالي فاز ولد عبد العزيز في الشوط الأول من الانتخابات وتنكر لبقية (اتفاق دكار) الذي ينص في بعض بنوده على مواصلة الحوار بعد الانتخابات ومناقشة علاقة المؤسسة العسكرية بالسياسة وأمور كثيرة مهمة».
وشدد مدير المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية الدكتور ديدي ولد السالك، على أن «الانتخابات الرئاسية التي تستعد لها موريتانيا في 21 يونيو المقبل، تواجه مأزقا حقيقيا بسبب أزمة ثقة متجذرة بين النظام والمعارضة الراديكالية، فالمعارضة تعتقد أنها مضطرة لمقاطعة الانتخابات لأن ضمانات الشفافية غير متوافرة، ومشاركتها لن تكون سوى تشريع ثان لنظام ولد عبد العزيز بعد أن شرعته في انتخابات 2009، وقد لا تكون المعارضة مستعدة لتقديم هذه الهدية بلا ثمن لأن نظام ولد عبد العزيز حصل بعد انتخابات 2009 على شرعية دستورية، لكنه لم يستطع خلال السنوات الماضية الحصول على المشروعية وبالتالي بقي البلد في الأزمة».
وأكد ولد السالك أنه «للخروج من الأزمة التي تعيشها موريتانيا لا بد أن يحصل توافق بين الفرقاء السياسيين، والمفروض في الحالة العادية أن تكون مسؤولية النظام القائم أكبر من مسؤولية المعارضة، لأنه الطرف القوي ولديه كل الضمانات، وكان من المفروض أن يقدم هذه الضمانات في الحوارات السابقة لتكون انتخابات توافقية قادرة على إنهاء الأزمة».
من جهتها، بذلت الحكومة الموريتانية خلال الشهرين الماضيين جهودا كبيرة لتنظيم حوار مع المعارضة يفضي إلى توافق سياسي يسبق الانتخابات الرئاسية، وفي كل مرة يتعثر الحوار ويتبادل الطرفان الاتهامات ويتدافعان مسؤولية إفشاله، وتعليقا على هذه الوضعية قال الباحث الموريتاني المقيم في الولايات المتحدة أبو العباس ولد أبراهام، في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط»، إن «النضال الديمقراطي في موريتانيا، وفي إطاره نضال المعارضة، يُريد تكسير العوائق التي تقف في وجه العملية الديمقراطية. لقد تمّ القيام في هذا الإطار بمشاريع حوار كبيرة، لكنها كانت تتكسّر في كل مرة أمام تصلّب النظام أو قوله بعدم معقولية الشروط المقدمة له.. إنه في مرحلة من التسلطية أو الخوف من السباحة بعيدا عن الحاجز».
ويضيف ولد أبراهام أنه «في الأجواء الحالية المتسمة بعدم تنازل النظام بما يسمح بمنافسته لا يبدو أن مرشح السلطة سيواجه منافسة كبيرة. يجب ألا ننسى أن الديمقراطية تتعلّق بإتاحة هامش استقلال عن السلطة والمجموع من أجل أن يقدر الأفراد على اتخاذ قرارات حرة. هذه القرارات مستحيلة الحدوث في ظل نظام يدفع فيه الموظفون والعشائر والممثليات النقابية والتابعة للمجتمع المدني أثمانا باهظة نتيجة اتخاذهم لقرارات لا تريدها السلطة».
في غضون ذلك، أغلق الباب أمام استقبال ملفات الترشح للانتخابات الرئاسية، في ظل مقاطعة المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة، وهو أكبر كتلة سياسية معارضة تضم عددا من أبرز الأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني والنقابات العمالية؛ كما قاطع الانتخابات حزب التحالف الشعبي التقدمي الذي يرأسه مسعود ولد بلخير، الرئيس السابق للبرلمان وأحد أبرز الزعامات المعارضة، والذي كان وإلى وقت قريب يوصف بأنه على علاقة حسنة بنظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز. كما انسحب من السباق الرئاسي المترشح أحمد سالم ولد بوحبيني، نقيب المحامين السابق وأحد أبرز الأسماء التي قررت الأسبوع الماضي خوض السباق الانتخابي.
ومع اتساع خندق مقاطعي الانتخابات، ينحسر السباق الرئاسي بين خمسة مترشحين، يتقدمهم الرئيس المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز، مرشح حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم والساعي نحو الفوز بمأمورية رئاسية ثانية هي الأخيرة له وفق ما ينص عليه الدستور الموريتاني؛ وينافسه في ذلك أربعة مترشحين بعضهم قادم من خارج الحقل السياسي ولم يعرف عنه أي نشاط أو عمق انتخابي يذكر. ومن أبرز منافسي ولد عبد العزيز رئيس حزب الوئام الديمقراطي الاجتماعي بيجل ولد هميد، الذي يخوض السباق الرئاسي للمرة الأولى، ويعد أحد الوجوه المعروفة إبان حكم الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد ولد الطايع، وطالما اتهم ولد هميد بالتورط في ملفات فساد على غرار من تولوا مناصب سامية خلال حكم ولد الطائع، دون أن يكون محل متابعة أمام القضاء الموريتاني.
ثالث المترشحين رئيس حزب التحالف من أجل العدالة والديمقراطية - حركة التجديد، إبراهيما مختار صار، النائب البرلماني الذي يعد أحد زعماء القومية الزنجية، وهذه هي المرة الثالثة التي يقدم فيها أوراق اعتماده كمنافس على منصب رئيس الجمهورية، حيث سبق أن شارك في انتخابات 2007 وحصل آنذاك على نسبة 7.9 في المائة، كما شارك في انتخابات 2009 ليحصل على نسبة 4.5 في المائة، ويسعى في ترشحه الثالث على التوالي إلى الاستفادة من تذمر الزنوج من نظام ولد عبد العزيز، ومحاولة الحصول على أصوات عدة آلاف من الزنوج العائدين إلى أرض الوطن بعد عقدين من الزمن قضوهما لاجئين في السنغال عقب الأحداث العرقية التي شهدتها موريتانيا مطلع تسعينات القرن الماضي.
من خارج الحقل السياسي برزت المرأة الوحيدة التي قررت خوض غمار المنافسة على أعلى منصب في البلاد، مريم بنت مولاي إدريس، الحاصلة على درجة الدكتوراه في الهندسة المالية، وتتولى حاليا رئاسة مجلس إدارة وكالة الأنباء الموريتانية (الوكالة الرسمية)؛ بالإضافة إلى بيرام ولد أعبيدي، أحد أبرز الناشطين الحقوقيين ورئيس حركة مناهضة للعبودية. وقد حصل ولد أعبيدي العام الماضي على جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وأبدى منذ أشهر ميولا نحو خوض غمار السياسة حين حاول تأسيس حزب سياسي رفضت السلطات الموريتانية الترخيص له، قبل أن يقرر الترشح بصفة مستقلة لمنصب رئيس الجمهورية، معتبرا أن فوزه سيمكن من القضاء بشكل نهائي على العبودية في موريتانيا.
وحول السباق الرئاسي قال الباحث الموريتاني المقيم في الولايات المتحدة أبو العباس أبراهام، في اتصال مع «الشرق الأوسط»، إنه «بغض النظر عن كون انسحاب الأستاذ أحمد سالم ولد بوحبيني من السباق الرئاسي مناورة معدّة عن سبق إصرار أم نتيجة حساب ميداني؛ وهنالك فرق كبير في الحالتين؛ فإنه يعد محرجا لبعض المترشحين لأنه يضع ولد عبد العزيز في تقاليده الانتخابية الحقيقية ما بين انتخابات 1997 الأوتوقراطية وانتخابات 2009/6/6 الفاشلة. باختصار إن انسحاب ولد بوحبيني من السباق الرئاسي يكشف القناع عن بعض المترشحين الساعين إلى مكاسب انتخابية قد لا توفرها هذه الانتخابات التي تبدو غير جدية، لكن هذه الانتخابات لن تحرج مريم بنت مولاي إدريس، لأن غايتها وضع اسمها الأنثوي في القائمة».
من جهته، أكد وزير الإعلام الموريتاني سيدي محمد ولد محم، في رده على سؤال لـ«الشرق الأوسط» الأسبوع الماضي، أن «الدولة رفعت يدها عن تنظيم العملية الانتخابية، وأصبحت في يد لجنة مستقلة يختارها أطرف المشهد السياسي، ونحن من الدول النادرة في العالم التي لا تتم فيها العملية الانتخابية تحت إشراف وزارة الداخلية أو أي جهاز رسمي آخر، وإنما تتم عبر جهاز مستقل تشارك فيه الأغلبية والمعارضة ولديه قانونه المنظم». واتهم وزير الإعلام المعارضة «بعدم الجدية في الحوار لأنها غير جاهزة للانتخابات، وأحزابها غير قادرة على تقديم مرشح جدي، لأنهم قاطعوا الانتخابات البلدية والبرلمانية الأخيرة، لكن ذلك لم يمنع مستوى المشاركة من الوصول إلى 75 في المائة وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الانتخابات في موريتانيا منذ أن أصبحت تتوفر على أدنى مستويات الشفافية».
في غضون ذلك، تكثف اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات من جهودها لتهيئة الظروف الفنية قبل موعد الانتخابات الرئاسية، في يونيو المقبل، وهي اللجنة التي واجهت انتقادات واسعة من طرف أغلب الطيف السياسي بما في ذلك أحزاب في الأغلبية الرئاسية، بعد إشرافها على الانتخابات البلدية والنيابية الأخيرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، وهي الانتخابات التي قاطعتها أحزاب منسقية المعارضة احتجاجا على ما سمته نقص ضمانات الشفافية.
وفي تصريح مع «الشرق الأوسط»، قال رئيس الشبكة الموريتانية لمراقبة الانتخابات (الرقيب) محمد الأمين ولد الكتّاب، إن «الانتخابات البلدية والنيابية في نوفمبر الماضي شابتها نواقص كثيرة، ورغم أن اللجنة الانتخابية تحاول تلافي بعض هذه النواقص خلال الانتخابات الرئاسية فإن هذه المحاولات والاستعدادات لا تزال دون ما هو متوقع ومرتقب منها». وأشار ولد الكتّاب إلى أن «أبرز ما تعانيه اللجنة هو عدم كفاءة طواقمها، المكونة من أشخاص غير مؤهلين ولم يسبق أن تلقوا تكوينا ملائما يكفي لأن يعطيهم الحد الأدنى من الخبرة المطلوبة».
وخلص ولد الكتّاب إلى أنه لحد الساعة لا يرى مخرجا أو يلمس رغبة أكيدة لدى الأطراف السياسية من أجل تخطي الانسداد القائم «فهناك خطاب جيد يظهر الاستعداد للحوار والوفاق، لكن هذا الخطاب لا يتماشى مع الواقع، إذ إن هناك تناقضا بين ما يقال وما يفعل، وهذا أمر مربك ويجعلنا نخاف أن نقبل على انتخابات أحادية لا تكون ذات مصداقية، وبالتالي فعلى الجميع أن يفهم أن انتخابات تعددية يشارك فيها الجميع هي أحسن وأكثر مصداقية وأكثر نفعا للبلد وسمعته وتجربته الديمقراطية».
وبالنظر إلى حالة القطيعة بين النظام والمعارضة، وتوعد الأخيرة بإفشال الانتخابات من خلال بعض الأنشطة الاحتجاجية، يبقى الحديث عن أدوات الصراع الانتخابي مؤجلا، وفي هذا السياق يقول مدير المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية الدكتور ديدي ولد السالك، إن «المفارقة في التاريخ الموريتاني أنه منذ انتخابات 1946 إبان حقبة الاستعمار، ظهر عاملان ظلا هما أبرز مؤثر في الانتخابات: العلاقة بالسلطة القائمة والمال؛ عدا هذين العنصرين هنالك عناصر أخرى متغيرة كالقبيلة والطائفة والجهة والانتماء العرقي، قد تؤثر لكن تأثيرها ليس حاسما؛ لكن كل هذه الأمور لن يحتاجها النظام الحالي في انتخابات يونيو في ظل غياب المعارضة».

* المرأة تشارك.. شرط ألا تفوز
* بدأ الحضور السياسي للمرأة الموريتانية يزداد خلال العقدين الأخيرين، حيث ترشحت عيشة منت جدان، كأول سيدة للانتخابات الرئاسية عام 2003، لتنافس الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع وعددا من أبرز السياسيين في البلد، وهي ترفع شعار «جربتم الرئيس فلم لا تجربون الرئيسة؟».
وفي السباق الانتخابي الحالي يظهر اسم مريم بنت مولاي إدريس (57 عاما)، وهي تعيد تجربة منت جدان في منافسة الرجال على أعلى منصب في البلاد. وتتولى بنت مولاي إدريس حاليا رئاسة مجلس إدارة وكالة الأنباء الموريتانية الرسمية، وهي أم لأربعة أطفال وتحمل شهادة عليا في الهندسة المالية.
حضور المرأة في لوائح المترشحين للانتخابات الرئاسية يعيد إلى الأذهان الجدل الفقهي الذي ما فتئ يظهر بين الفينة والأخرى في الساحة الموريتانية، وعلى الرغم من عجز المرأة الموريتانية عن تحقيق مكاسب انتخابية في السابق الرئاسي فإنها دوما تنجح في إثارة الجدل الفقهي والحقوقي، وكانت آخر محطات هذا الجدل منذ أقل من عامين حين أفتى إسلمو ولد سيدي المصطف، وهو فقيه كان مستشارا للرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، بجواز ترشح المرأة لمنصب رئيس الجمهورية، لكنه أكد وجوب منعها من مواصلة الترشح إذا غلب الظن أنها ستفوز.
وقال ولد سيدي المصطف في تصريحات بثها التلفزيون الرسمي إنه «يمكن للمرأة المشاركة في الانتخابات ما لم يجري التأكد من نجاحها، لكن إذا كان الأمر لعبة فيمكن السماح للمرأة بالمشاركة فيها لتزيين اللوائح المترشحة أو بطاقات التصويت»، وقد أثارت هذه التصريحات انتقادات واسعة داخل أوساط الحركات النسائية والحقوقية، واعتبرت «رابطة النساء معيلات الأسر» أن هذه الفتوى «تصادر حقوق المرأة وتستهزئ بالإرادة الشعبية والقوانين المعمول بها في موريتانيا».
وبين الجدل الفقهي والصخب السياسي، ظل ترشح المرأة الموريتانية لمنصب رئيس الجمهورية مجرد ديكور انتخابي لا يترتب عليه أي تغيير في المعادلة السياسية في البلد الذي لا تزال المرأة فيه تعاني من تهميش في المجتمع والسياسة والتشغيل، ويعاني أغلب النساء الموريتانيات من الأمية والفقر.
وخلال السنوات الأخيرة انتهجت السلطات الموريتانية سياسة تمييز إيجابي تجاه المرأة، حيث سنت قوانين تمنح المرأة الحق في نسبة 20 في المائة من المجالس البلدية والنيابية، مما مكنها من الحصول على 30 مقعدا تحت قبة البرلمان من أصل 147 مقعدا.



«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».