هجوم برشلونة: مقتل 5 من المشتبه بهم ومنفذ «الدهس» قد يكون بين القتلى

3 أيام حداداً في جميع أنحاء إسبانيا - خلية ضالعة في الهجمات تضم 8 إلى 12 مهاجماً

أعلام وأكاليل من الورود وحداد على أرواح الضحايا وسط برشلونة أمس (أ.ب)
أعلام وأكاليل من الورود وحداد على أرواح الضحايا وسط برشلونة أمس (أ.ب)
TT

هجوم برشلونة: مقتل 5 من المشتبه بهم ومنفذ «الدهس» قد يكون بين القتلى

أعلام وأكاليل من الورود وحداد على أرواح الضحايا وسط برشلونة أمس (أ.ب)
أعلام وأكاليل من الورود وحداد على أرواح الضحايا وسط برشلونة أمس (أ.ب)

شرعت إسبانيا في عملية واسعة النطاق لمكافحة الإرهاب أمس وقتلت 5 مهاجمين محتملين بعدما قاد من يشتبه بأنه متشدد سيارة «فان» ودهس بها حشودا في برشلونة فقتل ما لا يقل عن 14 شخصا وأصاب العشرات. وقال تنظيم «داعش» إن منفذي الهجوم كانوا يلبون دعوته لشن هجمات من خلال تنفيذ هجوم في أشهر شوارع برشلونة أمس بينما كان مكتظا بالسائحين في ذروة الموسم السياحي.
وأطلقت السلطات الإسبانية عملية بحث واسعة عن مشتبه به يدعى موسى أوكابير في هجوم برشلونة الذي أسفر عن مقتل 14 شخصا وإصابة نحو 130 آخرين من 34 دولة.
وقالت شرطة إسبانيا أمس إن المشتبه بهم في اعتداءي برشلونة وكمبريلس كانوا يعدون لاعتداء أكبر ولكن مخططهم أحبط فاضطروا للتحرك بسرعة. وقال المسؤول في شرطة كتالونيا جوزيب لويس ترابيرو: «كانوا يخططون لارتكاب اعتداء أو أكثر في برشلونة وتفجير في ألكانار، ولكنهم عدلوا عن ذلك عندما لم يعثروا على المواد التي يحتاجونها لتنفيذ اعتداءات على نطاق أوسع». وكان يشير إلى تفجير في منزل بمدينة ألكانار مساء الأربعاء قالت الشرطة إنه أوقع قتيلا ونجم عن محاولة صنع عبوة ناسفة.
وقال قائد شرطة الإقليم خلال مؤتمر صحافي إن 3 من الأشخاص الذين اعتقلوا حتى الآن فيما يتصل بالهجوم مغاربة بينما الرابع إسباني. وليس لأي منهم سجل في ممارسة أنشطة مرتبطة بالإرهاب، وتتراوح أعمارهم بين 21 و34.
وأفادت شرطة كتالونيا أمس أن سائق الشاحنة الصغيرة التي صدمت المشاة في برشلونة قد يكون بين المشتبه بهم الخمسة الذين قتلتهم قوات الأمن الليلة الماضية في المنتجع الساحلي القريب. وقال المسؤول في شرطة كتالونيا جوزيب لويس ترابيرو ردا على سؤال عما إذا كان السائق بين القتلى، إن «التحقيق يسير في هذا الاتجاه». وأضاف: «هناك مؤشرات» على أن هذا ما حصل، ولكن ليست هناك «أدلة مادية».
وشهدت إسبانيا أمس وقفة لمدة دقيقة حدادا على أرواح ضحايا الهجوم بالشاحنة على منطقة «لاس رامبلاس» السياحية الشهيرة في برشلونة، وأعلن رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي الحداد لمدة 3 أيام في جميع أنحاء البلاد. وأفادت خدمات الطوارئ في إقليم كتالونيا أن القتلى والمصابين في هجمات برشلونة ينتمون إلى 34 جنسية بناء على تقييم أولي، ونشرت خدمات الطوارئ جنسيات الأشخاص الذين تأثروا بالهجمات؛ ومن بينهم مغاربة وجزائريون وكويتيون ومصريون وأتراك.
وبينما تعقبت قوات الأمن سائق السيارة الـ«فان»، الذي شوهد وهو يفر على قدميه، قالت الشرطة إنها قتلت 5 مهاجمين أول من أمس في بلدة كامبريلس إلى الجنوب من برشلونة خلال عملية لإحباط «هجوم إرهابي» باستخدام أحزمة ناسفة. ولا تزال واقعة كامبريلس، التي ربطتها الشرطة بهجوم برشلونة، غامضة. لكن الشرطة قالت إن 6 مدنيين وشرطيا واحدا أصيبوا في كامبريلس عندما دهسهم المهاجمون بسيارة قبل أن تقتلهم الشرطة بالرصاص وتشرف على عملية تفجير للمواد الناسفة.
وقالت السلطات لاحقا إن الأحزمة الناسفة كانت زائفة.
وقبل أن تدهس السيارة الـ«فان» الحشود في شارع لاس رامبلاس قالت الشرطة إن شخصا واحدا قتل في انفجار بمنزل في بلدة أخرى جنوب غربي برشلونة.
وقالت الشرطة إنها ألقت القبض على رجلين أحدهما مغربي والآخر إسباني من جيب مليلية، لكن أيا منهما لم يكن السائق. وشوهد السائق وهو يلوذ بالفرار على قدميه ولا يزال هاربا. واعتقل رجل ثالث في بلدة ريبوي أمس.
وقال مصدر قضائي إن المحققين يعتقدون أن 8 أشخاص على الأقل، وقد يصل عددهم إلى 12 شخصا، ربما شكلوا خلية إرهابية نفذت هجوم برشلونة ومؤامرة كامبريلس وخططت لاستخدام أسطوانات غاز.
وفي لاس رامبلاس عاد السكان والسائحون إلى الموقع الشهير حيث دهست سيارة «فان» بيضاء حشود المشاة وراكبي الدراجات لتتناثر الجثث خلفها.
وسار السكان والسياح في الشارع مع أطقم وسائل الإعلام على الرغم من أن السائق لا يزال هاربا. ولا تزال الشرطة تغلق بعض المناطق. وقال سيباستيانو بالومبو (47 عاما) وهو مهندس معماري إيطالي يعمل في برشلونة: «أولئك الذين يعيشون هنا لا يمكنهم أن يصدقوا ذلك لأننا نعيش هنا ونسير هنا وهذا حيّنا... أعتقد أن أفضل شيء هو مواصلة القيام بما نفعل».
وذكرت حكومة كتالونيا أن المصابين والقتلى قدموا من أكثر من 34 دولة مختلفة مثل فرنسا وألمانيا وباكستان والفلبين. وقالت وسائل إعلام إسبانية إن عددا من الأطفال ضمن القتلى. وأعلنت وكالة «أعماق» التابعة لـ«داعش» مسؤولية التنظيم عن الهجوم، وقالت إن منفذي «هجوم برشلونة هم من جنود (داعش) ونفذوا العملية استجابة لنداءات استهداف دول التحالف» في إشارة للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد التنظيم المتشدد. ولإسبانيا بضع مئات من الجنود في العراق يدربون القوات المحلية في الحرب على «داعش». ولا يوجد مؤشر على أن «داعش» وجه أو نظم الهجوم رغم أن بعض المسؤولين عن هجمات مماثلة في أوروبا استلهموا فكر التنظيم المتطرف. ونفذ متشددو «داعش» سلسلة هجمات في مناطق متفرقة من أوروبا على مدى 13 شهرا مضت، مما أسفر عن مقتل أكثر من مائة شخص في نيس وبرلين ولندن واستوكهولم. وأسقط الهجوم أكبر عدد من القتلى في إسبانيا منذ مارس (آذار) 2004 عندما وضع متشددون قنابل في قطارات ركاب في مدريد مما أسفر عن مقتل 191 شخصا وإصابة أكثر من 1800 آخرين. وأعلن رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي الحداد لثلاثة أيام جراء ما وصفه بأنه «هجوم متشدد».
وقال في مؤتمر صحافي في برشلونة: «الحرب ضد الإرهاب هي اليوم الأولوية الأولى للمجتمعات الحرة والمنفتحة مثل مجتمعاتنا. إنه تهديد عالمي، والرد يجب أن يكون عالميا».
وقالت العائلة المالكة في إسبانيا على «تويتر»: «هم قتلة... لا شيء أكثر من مجرمين. لن يرهبونا». وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب: «الولايات المتحدة تستنكر الهجوم الإرهابي في برشلونة بإسبانيا، وستفعل أي شيء ضروري للمساعدة». وأضاف: «كونوا أشداء وأقوياء... نحن نحبكم».
وقالت الشرطة إن الرجلين اللذين اعتقلا أول من أمس ألقي القبض عليهما في بلدتي ريبوي وألكانار في إقليم كتالونيا وعاصمته برشلونة.
كما وقع انفجار في ألكانار. وذكرت الشرطة أن شخصا واحدا قتل وأصيب آخر في ذلك الحادث. وفي واقعة أخرى، قتلت الشرطة بالرصاص رجلا صدم بسيارته نقطة تفتيش تابعة للشرطة في برشلونة، لكن ليس لديها دليل على أن هذه الواقعة أيضا مرتبطة بهجوم السيارة الـ«فان».
وأظهرت مشاهد التقطتها كاميرات الهواتف الجوالة كثيرا من الأشخاص متمددين على الأرض في شارع لاس رامبلاس وبعضهم فاقد الحركة. وانحنى عليهم المسعفون والمارة في محاولة لعلاجهم ومواساة من لا يزال في وعيه.
وكان الشارع حولهم مهجورا ومغطى بالقمامة والأشياء التي تركها أصحابها في غمرة الهجوم.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية أمس إنه يعتقد أن 13 ألمانياً ضمن المصابين في واقعة الدهس.
وأوضح كارليس بيجديمونت رئيس حكومة إقليم كتالونيا أن الناس يتدفقون على المستشفات في برشلونة للتبرع بالدم.
وقالت سوزانا إلفيرا كارولينا (33 عاما) التي تعمل في متجر في لاس رامبلاس إنها كانت دخلت لتوها المبنى الذي تعمل فيه عندما هاجمت السيارة الحشود.
وأضافت: «لدينا نافذة، ويمكنك مشاهدة الجثث متمددة على الأرض. يمكنك مشاهدة كيف كان يركض الأشخاص... أغلقنا الستائر، لكن الناس ظلت تأتي، واضطررنا لإبقائها مفتوحة كي يتمكنوا من دخول المتجر».
وقع الهجوم في ذروة الموسم السياحي في برشلونة، وهي من أكبر مقاصد السفر في أوروبا حيث يزورها ما لا يقل عن 11 مليون شخص كل عام.
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي شهدت بلاده بعضا من أدمى هجمات المتشددين في أوروبا في السنوات القليلة الماضية، على تويتر: «فكري وتضامن فرنسا مع ضحايا الهجوم المأساوي في برشلونة». وقالت السلطات في بلدة (فيك) الصغيرة خارج برشلونة إنه جرى العثور على سيارة «فان» هناك، فيما له صلة بالهجوم. وكانت وسائل الإعلام الإسبانية ذكرت في وقت سابق أن سيارة «فان» ثانية استؤجرت للهروب. وبرشلونة عاصمة إقليم كتالونيا الغني في شمال شرقي إسبانيا، الذي يعتزم إجراء تصويت شعبي في 1 أكتوبر (تشرين الأول) بشأن ما إذا كان يجب أن ينفصل عن إسبانيا. وتقول الحكومة المركزية إن التصويت لا يمكن أن يمضي قدما لأنه غير دستوري.
وقبل هجوم أول من أمس أظهرت بيانات الحكومة أن الشرطة ألقت القبض على 11 مشتبها بأنهم متشددون في منطقة برشلونة منذ بداية العام، وهو ما يزيد على أي مكان آخر في إسبانيا.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».