الولد العراقي الذي صار وزيراً إسرائيلياً

ران كوهين يصدر سيرته الذاتية... من بغداد إلى تل أبيب

ران كوهين
ران كوهين
TT

الولد العراقي الذي صار وزيراً إسرائيلياً

ران كوهين
ران كوهين

كان لقضية اليهود الذين هاجروا أو هربوا إلى إسرائيل من البلدان العربية بعد عام 1948 تداعيات كثيرة على تشكيل المبنى الاجتماعي والسياسي، فالفجوة الثقافية والاقتصادية في العقود الثلاث الأولى للدولة العبرية مهدت السبل لصعود اليمين إلى الحكم عام 1977 وتراجع اليسار القديم ذا الأخطاء الدوغمائية. في تلك المحطات المفصلية كان هناك من أعاد صياغة اليسار الحديث الذي يؤمن بحقوق الإنسان وأن السلام مع الفلسطينيين والعالمين العربي والإسلامي أمر ممكن من جهة، ومن جهة أخرى ناضل لأجل المساواة الاقتصادية وتكافؤ الفرص والمواطنة ومحاربة العنصرية والمطالبة، ولم شمل العائلات كحل وسط في حال عدم إيجاد حل كامل لحق العودة إلى فلسطين. من تلك الشخصيات البارزة التي أبحرت عكس التيار كان المثقف والسياسي ران كوهين ابن مدينة بغداد الذي هرب إلى إسرائيل عام 1950.
في كتاب سيرته الذاتية الذي يحمل اسم طفولته «سعيد» يفصح عن كثير من وعثاء السياسة التي أدمت وجهه في أكثر من مناسبة في أسلوب قصصي تتداخل فيه الأزمنة والأشخاص والأحداث.
بعد أحداث الفرهود عام 1941 والتنكيل العشوائي بالأحياء اليهودية بسبب انتشار الدعاية النازية وفقاً للمؤرخين العراقيين، التي وثقها إسحق بار موشيه في كتابه «يومان في حزيران»، يستعيد «سعيد» الصور البعيدة لطفولته الجميلة وحياة العائلة حيث عمل والده موظفا بسيطا في السكة الحديدية ووالدته أدارت شؤون المنزل. وتبدأ رحلته اليومية إلى المدرسة بقطع نهر دجلة إلى الضفة الأخرى ليصل إلى مدرسة «إليانس» الفرنسية التي درس فيها مبادئ القراءة والكتابة، ليحدثنا بعد ذلك الأعياد والدفء العائلي والخبز العراقي وأنواع المأكولات والحلويات التقليدية العراقية التي ظلت محببة إليه، وأشجار النخيل التي عاشت في مخيلته. يسرد قصة ذهابه لبيع المسابح في أحد بازارات بغداد لتمكين والدته من شراء معطف شتوي له نظرا لفقر العائلة.
بعد أن ألقت السلطات العراقية القبض على أخيه يعقوب بسبب الانتماء لحلقة مؤيدة للصهيونية انتقلت العائلة إلى أكثر من منزل خوفا من الملاحقة، لكن في أحد أيام 1950 يفاجأ بقرار والدته التي أعطته دينارا وطلبت منه أن يرافق شخصا ما سيأتي لأخذه كي يهرب معه إلى فلسطين ليلتقي شقيقه إيتان الذي سبقه إلى هناك.
من هنا تبدأ رحلة «سعيد» ابن العاشرة إلى عالم الكبار. وتشكل تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر والخوف مدخلا إلى الدور السياسي الذي لعبه لاحقا. بدأت الرحلة من محطة القطار في بغداد مع مجموعة من اليهود إلى البصرة حيث استقبلوا على يد عائلة يهودية للمبيت وبعد عدة أيام تابعوا مسيرهم ليلا مشيا على الأقدام إلى شط العرب بمساعدة مجموعة من البدو حيث قطعوا النهر على قارب بدائي في ظروف غير آمنة. ومن هناك واصلوا مسيرهم في الصحراء حتى بلوغهم الحدود الإيرانية، وأوصلتهم أول ناقلة عسكرية صادفتهم إلى مخيم تركيز لليهود الوافدين من العراق. وبعد عدة أيام تم نقلهم من هناك إلى العاصمة طهران تمهيدا لسفرهم بطائرة كونستاليشن إلى مطار اللد الذي سمي لاحقا مطار بن غوريون.
في إسرائيل بنت الوكالة اليهودية (معباراه) مخيماً انتقالياً فيه شروط حياتية متواضعة أقام فيه اللاجئون اليهود خاصة من لجأوا من البلدان العربية كالعراق والمغرب وتونس وليبيا. بعد وصوله إلى المعبرة التقى أخاه إيتان الذي أخذه إلى كيبوتس «غان شموئيل»، وهناك بدأت حياته الجديدة واستبدل اسم سعيد باسم «ران» الذي يعني سعيدا بالعبرية، ووصل والده ووالدته وإخوته بعد عدة شهور والتأم شمل العائلة.
بدأ الفصل الجديد في حياة «سعيد» من خلال تعرفه على أفكار الكيبوتس وهو قرية زراعية اشتراكية تنادي بالمساواة وتستند إلى الفكر الماركسي الذي بدا مثاليا في الخمسينات والستينات، فعمل في المنجرة وفي البساتين. وفي الكيبوتس كان عضوا في «الخلية البابلية» للفتيان الذين قدموا من العراق، وفي غضون ذلك تعرف أيضاً على الأولاد الناجين من المحرقة النازية وعلى لغة لم تكن مألوفة له هي الايدش التي رفض ديفيد بن غوريون قبولها، وهي لغة تتكلمها غالبية يهود أوروبا قبل الهولوكوست.
بعد إنهائه المرحلة الثانوية والتحاقه بالعمل السياسي كان أول من نادى بإلغاء الحكم العسكري على القرى الفلسطينية في الداخل وبادر مع أصدقائه للقاء القيادي محمد وتد في باقة الغربية، فالحكم العسكري الذي فرضه الحزب الحاكم «مباي» على الأقلية العربية في إسرائيل حتى عام 1966 كان يهدف إلى مصادرة أصواتهم الانتخابية واستغلالهم في أعمال البناء مقابل أجور. أما عزلهم عن المجتمع اليهودي فلم يكن له سبب مقنع.
بعد عام 1967 اتخذت السياسة الإسرائيلية منحى أكثر خطورة فاحتلال مدن وقرى الضفة الغربية لنهر الأردن زاد الانقسام بين المعسكرات الحزبية في إسرائيل خصوصاً بعد رفض الحكومة الإسرائيلية مبادرة السلام البريطانية مع الأردن وتبلور فكرة «أرض إسرائيل الكبرى» التي رفضتها القوى اليسارية. في الوقت نفسه صعدت إلى منصة السياسة أسماء عسكرية جديدة قلبت المعادلات لصالحها بموازاة تصاعد التأييد العربي والعالمي للقضية الفلسطينية.
إلى ذلك كان هناك نهضة لليسار في أوروبا والولايات المتحدة خصوصا بعد حرب فيتنام ومظاهرات الطلبة في فرنسا التي أيدها جان بول سارتر، فوصلت إلى إسرائيل مجموعة من اليساريين اليهود معارضة للفكر الصهيوني «ماتسبن»، أي البوصلة، كان من بين أفرادها شاب فرنسي يدعى «ايلان هليفي» الذي ترك كيبوتس «غان شموئيل» والتحق بالثورة الجزائرية وفيما بعد بمنظمة التحرير الفلسطينية ولعب دورا في العلاقات الدولية فيها.
قاد ران كوهين أول مظاهرة ضد المستوطنات التي بدأ تخطيطها من قبل «حنان بورات» والراب «لافينغر» في الضفة الغربية، وانتقلت المظاهرات بقيادته من الضفة الغربية إلى القدس بعد أن رفضت غولدا مائير بشدة الفكرة أن يلتقي «نحوم غولدمان» الذي شغل في حينه منصب رئيس الكونغرس الصهيوني العالمي مع الرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة في أبريل (نيسان) 1970 لإتاحة فرصة للحوار السلمي وأثناء المظاهرة في شارع بن ميمون في القدس أمام بيت غولدا مائير تعرض ران كوهين للضرب من قبل الشرطة الإسرائيلية.
عارض ران كوهين اجتياح لبنان وشاركت حركة «شيلي» أي «السلام الإسرائيلي» التي نظمها خلال دراسته في جامعة تل أبيب مع قوى معارضة من «الفهود السود» وهي حركة شكلها قسم من اليهود المغاربة في الضواحي قامت بمظاهرات احتجاجية على الأوضاع الاقتصادية كما استوعب ناخبين خائبي الرجاء من اليسار القديم والحزب الشيوعي بقناعاتهم التي تماشت مع تطلعات حركة «السلام الآن»، اندمجت حركة «شلي» مع حركة «راتس» بقيادة شولاميت الوني ويوسي ساريد. في عام 1984 دخل ران كوهين إلى الكنيست، استطاع تحالف الحزب الموحد (ميرتس) مع إسحق رابين وشيمعون بيريس في حكومة ائتلاف برلماني واسع إبرام اتفاقية أوسلو عام 1993 وفي عام 1999 أصبح ران كوهين وزيرا للصناعة والتجارة.
كان كوهين رمزا للمعارضة والدفاع عن حقوق الفلسطينيين في الداخل هو أول من طرح قانون الحد الأدنى للأجور والمساكن الشعبية، ويروي كيف استعاد لغته العربية خلال خطبته التاريخية في قرية بيت ساحور المجاورة لبيت لحم حيث استضاف الفلسطينيون عائلات يهودية تقدمية احتجاجا على تقييدات الحكم العسكري.
ويروي المؤلف أيضاً قصة «تسفيا» الشابة اليهودية التي طردت هي ورضيعتها من الخضيرة في الستينات بسبب زواجها من عامل بناء فلسطيني اسمه رشيد وكيف ساند هذه العائلة بموقفه الإنساني وإيجاده لهم مسكنا في كيبوتس «دور» الذي أقيم على أنقاض الميناء الفينيقي قرب حيفا، واعتبر اختياره من قبل الأعضاء الأشكيناز ليصبح السكرتير العام للكيبوتس في «غان شموئيل» أهم إنجاز في حياته.
ونقرأ في مكان آخر من الكتاب فشله في إقناع الشرقيين من اليهود في وادي الصليب في حيفا عندما كان ناشطا في حزب «مباي»، كما لا يخفي المواقف السياسية المحرجة والمواجهات الكلامية الحادة واعتزاله السياسة عندما فقد القدرة على إيجاد دور قيادي يلائم مبادئه.
لم ينس كوهين كابوس هربه من بغداد طفلا، وظل فخورا بكونه عراقيا كغالبية يهود العراق الذين أجلتهم السياسة عن بلاد كانوا جزءا من حضاراتها ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة.



«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».