الولد العراقي الذي صار وزيراً إسرائيلياً

ران كوهين يصدر سيرته الذاتية... من بغداد إلى تل أبيب

ران كوهين
ران كوهين
TT

الولد العراقي الذي صار وزيراً إسرائيلياً

ران كوهين
ران كوهين

كان لقضية اليهود الذين هاجروا أو هربوا إلى إسرائيل من البلدان العربية بعد عام 1948 تداعيات كثيرة على تشكيل المبنى الاجتماعي والسياسي، فالفجوة الثقافية والاقتصادية في العقود الثلاث الأولى للدولة العبرية مهدت السبل لصعود اليمين إلى الحكم عام 1977 وتراجع اليسار القديم ذا الأخطاء الدوغمائية. في تلك المحطات المفصلية كان هناك من أعاد صياغة اليسار الحديث الذي يؤمن بحقوق الإنسان وأن السلام مع الفلسطينيين والعالمين العربي والإسلامي أمر ممكن من جهة، ومن جهة أخرى ناضل لأجل المساواة الاقتصادية وتكافؤ الفرص والمواطنة ومحاربة العنصرية والمطالبة، ولم شمل العائلات كحل وسط في حال عدم إيجاد حل كامل لحق العودة إلى فلسطين. من تلك الشخصيات البارزة التي أبحرت عكس التيار كان المثقف والسياسي ران كوهين ابن مدينة بغداد الذي هرب إلى إسرائيل عام 1950.
في كتاب سيرته الذاتية الذي يحمل اسم طفولته «سعيد» يفصح عن كثير من وعثاء السياسة التي أدمت وجهه في أكثر من مناسبة في أسلوب قصصي تتداخل فيه الأزمنة والأشخاص والأحداث.
بعد أحداث الفرهود عام 1941 والتنكيل العشوائي بالأحياء اليهودية بسبب انتشار الدعاية النازية وفقاً للمؤرخين العراقيين، التي وثقها إسحق بار موشيه في كتابه «يومان في حزيران»، يستعيد «سعيد» الصور البعيدة لطفولته الجميلة وحياة العائلة حيث عمل والده موظفا بسيطا في السكة الحديدية ووالدته أدارت شؤون المنزل. وتبدأ رحلته اليومية إلى المدرسة بقطع نهر دجلة إلى الضفة الأخرى ليصل إلى مدرسة «إليانس» الفرنسية التي درس فيها مبادئ القراءة والكتابة، ليحدثنا بعد ذلك الأعياد والدفء العائلي والخبز العراقي وأنواع المأكولات والحلويات التقليدية العراقية التي ظلت محببة إليه، وأشجار النخيل التي عاشت في مخيلته. يسرد قصة ذهابه لبيع المسابح في أحد بازارات بغداد لتمكين والدته من شراء معطف شتوي له نظرا لفقر العائلة.
بعد أن ألقت السلطات العراقية القبض على أخيه يعقوب بسبب الانتماء لحلقة مؤيدة للصهيونية انتقلت العائلة إلى أكثر من منزل خوفا من الملاحقة، لكن في أحد أيام 1950 يفاجأ بقرار والدته التي أعطته دينارا وطلبت منه أن يرافق شخصا ما سيأتي لأخذه كي يهرب معه إلى فلسطين ليلتقي شقيقه إيتان الذي سبقه إلى هناك.
من هنا تبدأ رحلة «سعيد» ابن العاشرة إلى عالم الكبار. وتشكل تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر والخوف مدخلا إلى الدور السياسي الذي لعبه لاحقا. بدأت الرحلة من محطة القطار في بغداد مع مجموعة من اليهود إلى البصرة حيث استقبلوا على يد عائلة يهودية للمبيت وبعد عدة أيام تابعوا مسيرهم ليلا مشيا على الأقدام إلى شط العرب بمساعدة مجموعة من البدو حيث قطعوا النهر على قارب بدائي في ظروف غير آمنة. ومن هناك واصلوا مسيرهم في الصحراء حتى بلوغهم الحدود الإيرانية، وأوصلتهم أول ناقلة عسكرية صادفتهم إلى مخيم تركيز لليهود الوافدين من العراق. وبعد عدة أيام تم نقلهم من هناك إلى العاصمة طهران تمهيدا لسفرهم بطائرة كونستاليشن إلى مطار اللد الذي سمي لاحقا مطار بن غوريون.
في إسرائيل بنت الوكالة اليهودية (معباراه) مخيماً انتقالياً فيه شروط حياتية متواضعة أقام فيه اللاجئون اليهود خاصة من لجأوا من البلدان العربية كالعراق والمغرب وتونس وليبيا. بعد وصوله إلى المعبرة التقى أخاه إيتان الذي أخذه إلى كيبوتس «غان شموئيل»، وهناك بدأت حياته الجديدة واستبدل اسم سعيد باسم «ران» الذي يعني سعيدا بالعبرية، ووصل والده ووالدته وإخوته بعد عدة شهور والتأم شمل العائلة.
بدأ الفصل الجديد في حياة «سعيد» من خلال تعرفه على أفكار الكيبوتس وهو قرية زراعية اشتراكية تنادي بالمساواة وتستند إلى الفكر الماركسي الذي بدا مثاليا في الخمسينات والستينات، فعمل في المنجرة وفي البساتين. وفي الكيبوتس كان عضوا في «الخلية البابلية» للفتيان الذين قدموا من العراق، وفي غضون ذلك تعرف أيضاً على الأولاد الناجين من المحرقة النازية وعلى لغة لم تكن مألوفة له هي الايدش التي رفض ديفيد بن غوريون قبولها، وهي لغة تتكلمها غالبية يهود أوروبا قبل الهولوكوست.
بعد إنهائه المرحلة الثانوية والتحاقه بالعمل السياسي كان أول من نادى بإلغاء الحكم العسكري على القرى الفلسطينية في الداخل وبادر مع أصدقائه للقاء القيادي محمد وتد في باقة الغربية، فالحكم العسكري الذي فرضه الحزب الحاكم «مباي» على الأقلية العربية في إسرائيل حتى عام 1966 كان يهدف إلى مصادرة أصواتهم الانتخابية واستغلالهم في أعمال البناء مقابل أجور. أما عزلهم عن المجتمع اليهودي فلم يكن له سبب مقنع.
بعد عام 1967 اتخذت السياسة الإسرائيلية منحى أكثر خطورة فاحتلال مدن وقرى الضفة الغربية لنهر الأردن زاد الانقسام بين المعسكرات الحزبية في إسرائيل خصوصاً بعد رفض الحكومة الإسرائيلية مبادرة السلام البريطانية مع الأردن وتبلور فكرة «أرض إسرائيل الكبرى» التي رفضتها القوى اليسارية. في الوقت نفسه صعدت إلى منصة السياسة أسماء عسكرية جديدة قلبت المعادلات لصالحها بموازاة تصاعد التأييد العربي والعالمي للقضية الفلسطينية.
إلى ذلك كان هناك نهضة لليسار في أوروبا والولايات المتحدة خصوصا بعد حرب فيتنام ومظاهرات الطلبة في فرنسا التي أيدها جان بول سارتر، فوصلت إلى إسرائيل مجموعة من اليساريين اليهود معارضة للفكر الصهيوني «ماتسبن»، أي البوصلة، كان من بين أفرادها شاب فرنسي يدعى «ايلان هليفي» الذي ترك كيبوتس «غان شموئيل» والتحق بالثورة الجزائرية وفيما بعد بمنظمة التحرير الفلسطينية ولعب دورا في العلاقات الدولية فيها.
قاد ران كوهين أول مظاهرة ضد المستوطنات التي بدأ تخطيطها من قبل «حنان بورات» والراب «لافينغر» في الضفة الغربية، وانتقلت المظاهرات بقيادته من الضفة الغربية إلى القدس بعد أن رفضت غولدا مائير بشدة الفكرة أن يلتقي «نحوم غولدمان» الذي شغل في حينه منصب رئيس الكونغرس الصهيوني العالمي مع الرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة في أبريل (نيسان) 1970 لإتاحة فرصة للحوار السلمي وأثناء المظاهرة في شارع بن ميمون في القدس أمام بيت غولدا مائير تعرض ران كوهين للضرب من قبل الشرطة الإسرائيلية.
عارض ران كوهين اجتياح لبنان وشاركت حركة «شيلي» أي «السلام الإسرائيلي» التي نظمها خلال دراسته في جامعة تل أبيب مع قوى معارضة من «الفهود السود» وهي حركة شكلها قسم من اليهود المغاربة في الضواحي قامت بمظاهرات احتجاجية على الأوضاع الاقتصادية كما استوعب ناخبين خائبي الرجاء من اليسار القديم والحزب الشيوعي بقناعاتهم التي تماشت مع تطلعات حركة «السلام الآن»، اندمجت حركة «شلي» مع حركة «راتس» بقيادة شولاميت الوني ويوسي ساريد. في عام 1984 دخل ران كوهين إلى الكنيست، استطاع تحالف الحزب الموحد (ميرتس) مع إسحق رابين وشيمعون بيريس في حكومة ائتلاف برلماني واسع إبرام اتفاقية أوسلو عام 1993 وفي عام 1999 أصبح ران كوهين وزيرا للصناعة والتجارة.
كان كوهين رمزا للمعارضة والدفاع عن حقوق الفلسطينيين في الداخل هو أول من طرح قانون الحد الأدنى للأجور والمساكن الشعبية، ويروي كيف استعاد لغته العربية خلال خطبته التاريخية في قرية بيت ساحور المجاورة لبيت لحم حيث استضاف الفلسطينيون عائلات يهودية تقدمية احتجاجا على تقييدات الحكم العسكري.
ويروي المؤلف أيضاً قصة «تسفيا» الشابة اليهودية التي طردت هي ورضيعتها من الخضيرة في الستينات بسبب زواجها من عامل بناء فلسطيني اسمه رشيد وكيف ساند هذه العائلة بموقفه الإنساني وإيجاده لهم مسكنا في كيبوتس «دور» الذي أقيم على أنقاض الميناء الفينيقي قرب حيفا، واعتبر اختياره من قبل الأعضاء الأشكيناز ليصبح السكرتير العام للكيبوتس في «غان شموئيل» أهم إنجاز في حياته.
ونقرأ في مكان آخر من الكتاب فشله في إقناع الشرقيين من اليهود في وادي الصليب في حيفا عندما كان ناشطا في حزب «مباي»، كما لا يخفي المواقف السياسية المحرجة والمواجهات الكلامية الحادة واعتزاله السياسة عندما فقد القدرة على إيجاد دور قيادي يلائم مبادئه.
لم ينس كوهين كابوس هربه من بغداد طفلا، وظل فخورا بكونه عراقيا كغالبية يهود العراق الذين أجلتهم السياسة عن بلاد كانوا جزءا من حضاراتها ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة.



فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون
TT

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

رحل الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه عن عالمنا في 1900، وتزامن رحيله مع انطواء صفحة القرن التاسع عشر. لكن تأثيره ما زال ممتداً حتى اليوم في مجالات الفلسفة وعلم النفس والفكر السياسي. تشهد بذلك عشرات الدراسات الصادرة عنه بمختلف اللغات خلال القرن الماضي، وفي هذه الألفية الثالثة. وأحدث هذه الدراسات كتاب صادر في 2025 عن دار «أركتوروس للنشر»، في لندن، عنوانه «فردريك نيتشه: المفكر الذي شق درباً جديداً وأحدث ثورة في الفلسفة»

Friedrich Nietzsche: The Ground - Breaking Thinker who Revolutionized Philosophy

من تأليف توني لي مورال Tony Lee Moral.

كان لنيتشه حضور في حقلنا الثقافي منذ العقود الأولى من القرن العشرين؛ فقد كتب الرواد، من أمثال عباس محمود العقاد وعلي أدهم، مقارنين فلسفته في القوة بفلسفة المتنبي. وأخرج عبد الرحمن بدوي كتاباً عنه، وكذلك فعل فؤاد زكريا في مرحلة لاحقة. وترجم فيلكس فارس كتابه «هكذا تكلم زرادشت»، كما تجد لنيتشه ذكراً، يطول أو يقصر، في تواريخ الفلسفة، والفلسفة الوجودية خاصة، في عديد من الكتب لمؤلفين عرب.

أهم معالم الطريق في حياة نيتشه هي مولده في 1844، التحاقه بجامعة بون ليدرس اللاهوت وفِقْه اللغتين اليونانية واللاتينية، ثم التحاقه بجامعة لايبتسغ حيث تعرف على فكر أرتور شوبنهاور، أداؤه الخدمة العسكرية لعام واحد في الجيش البروسي، صداقته للموسيقار ريتشارد فاغنر (تحطمت علاقتهما فيما بعد كما تحطمت علاقته بأصدقاء آخرين)، اشتغاله أستاذاً لفقه اللغة بجامعة بازل في سويسرا، بدء مسيرته في التأليف بإصدار كتابه «مولد التراجيديا من روح الموسيقى» في 1872، هجرته إلى إيطاليا وانهيار قواه العقلية حتى وفاته بالتهاب رئوي وجلطة في سن الخامسة والخمسين. وقد تولت أخته إليزابيث إصدار مؤلفاته بعد وفاته، ولكنها للأسف تلاعبت في نصوصه بما زيَّف حقيقته، إرضاء للسلطات النازية التي تبنَّته (كما تبنت فاغنر) مع أن نيتشه من النازية براء.

وفي حياته الخاصة كان نيتشه معذّباً؛ عانى طيلة عمره من عدد من الأمراض: نوبات صداع عنيف، وآلام في العينين، واضطرابات معدية، ودفتيريا ودوسنتاريا، ونوبات اكتئاب. ولم يعرف السعادة في الحب، ولا هو تزوج. وكانت في حياته قصة حب بلا أمل للو أندرياس سالومي، وهي شابة روسية لامعة مهتمة بالفلسفة وعلم النفس والأدب كانت (مثل مي زيادة) أنثى فريدة انجذب إليها كثير من مفكري العصر وأدبائه. لقد كان نيتشه نموذجاً للمفكر المنعزل (عاش في إيطاليا بين ثلوج جبال الألب، ووصف الفلسفة بأنها طريقة للعيش بين «الجليد والجبال العالية»). وزاده انعزالاً أن أفكاره الجريئة كانت صادمة لمعاصريه، وموضع هجوم من أغلب المشتغلين بالفلسفة.

وفلسفة نيتشه في القوة رد فعل إزاء معاناته الشخصية؛ فهو من ناحية يؤكد الجانب التراجيدي في الوجود. ومن ناحية أخرى يبذل محاولة بطولية لتجاوز المعاناة وارتقاء قمم فكرية ووجدانية عالية رغم أوجاع البدن والنفس. ومن أقواله: «إن ما لا يقتلني يقويني».

بلغ من نبوغ نيتشه أنه تعلَّم أبجدية اللغة اليونانية القديمة والعزف على البيانو في سن الثالثة. وفي سنوات دراسته أُولِع بالأدب ونظم شعراً وانجذب إلى موسيقى موزار وبيتهوفن. كان أدباؤه المفضلون هم شعراء المأساة الإغريقية، إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديز، وشعراؤه الأثيرون هم بايرون وهولدرلين. وكان قارئاً نهماً يقضي الليل كله في القراءة، وقد غمس قدميه في دلو مليء بماء مثلّج كي يظل صاحياً!

تناول نيتشه في كتاباته قضايا جوهرية، مثل معنى الحياة والحرية الفردية والمواضعات الاجتماعية. وأشاد بما دعاه الإنسان الأعلى (السوبرمان) قائلاً إنه سيعلو على الإنسان الحالي، كما علا الإنسان الحالي على القردة. وفلسفته إيجابية تقدس القوة والغلبة ولا تخلو من تعالٍ ذكوري على المرأة (له في ذلك أقوال سيئة السمعة مثل: «أذاهب أنت إلى المرأة؟ لا تنس إذن سوطك»). وهو لا يقدم إجابات جاهزة قدر ما يطرح أسئلة تحث على التفكير.

ولا يملك المرء إلا أن يشعر بالأسى؛ إذ يرى هذا الذهن الجبار ينحدر في أواخر أيامه إلى هاوية الجنون. ومن مظاهره شعور مفرط بالعظمة يجعل نيتشه يكتب أشياء من قبيل: «لماذا كنتُ حكيماً إلى هذا الحد؟»، و«لماذا كانت كتبي جيدة هكذا؟».

ويوقع رسائله باسم «دويو نيزوس» أو «المصلوب» (متقمِّصاً شخصية المسيح). ويرى بعض الباحثين أنه كان مصاباً بالزهري، مما أدى إلى شلل تدريجي وتدهور للنسيج المخي.

لكن التراث الذي خلفه يبقى من بعده. لقد تلقف منه الناقد والفيلسوف الدنماركي جورج براندز فكرة الإنسان الأعلى. واهتم به الكاتب المسرحي السويدي سترندبرغ. ورسم المصوِّر إدوارد مونج لوحته المسماة «الصرخة» من وحي كتاباته.

وعلى الصعيد الفكري، ألقى هايدغر سلسلة محاضرات عن نيتشه في جامعة فرايبورغ. وأعاد الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتبه عن تاريخ الجنس ومؤسسات السجن والمدرسة والمستشفى أفكار نيتشه عن إرادة القوة والتنافس على السيطرة والعقوبة. أما الفلاسفة الوجوديون (مثل سارتر وكامو)، فقد طوروا أفكار نيتشه ومضوا بها إلى آفاق أبعد.

ونظريات فرويد عن اللاشعور تدين بالكثير لنيتشه، وكذلك الشأن مع يونغ الذي اقتبس من كتاب «هكذا تكلم زرادشت» مفهوم الفردية والتميُّز ومجاوزة الذات.

وامتد تأثيره إلى مفكري ما بعد الحداثة، مثل جاك دريدا وجول ديلوز، وذلك في نظرياتهم عن الصدق والتفسيرات وديناميات المعرفة.

ومن الأدباء الذين اهتموا بنيتشه جويس وكافكا وهرمان هسه، وتوماس مان في روايته «الجبل السحري»، ود. ه. لورنس في «نساء عاشقات»، وويليام فوكنر في «الصخب والعنف»، وصمويل بكيت في «في انتظار غودو»، ونابوكوف في «لوليتا».

هكذا يظل فكر نيتشه المثير للخلاف ولا يخلو من متناقضات قوة حيوية في الفكر المعاصر واستكشافاً راديكالياً لقضايا الأخلاق والدين والثقافة والفن، ومنصة وثب نقفز منها (سواء وافقناه أو خالفناه) إلى فهم أعمق لمعنى وجودنا ولدوافعنا ومحركات السلوك لدى الآخرين.


مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية
TT

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

طرح العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (السابع - يوليو/ تموز 2026)، مجموعة من الملفات الثقافية، بالإضافة إلى بانوراما فكرية تجمع بين قضايا الثقافة واللغة، والتعليم، والعلوم، والتراث، والفلسفة.

وأبرزُ ملفات العدد ملفُ «اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية»، الذي تناول قضايا اللغة والهوية وتعريب العلوم. فعبر مقالات عدة تتناول العلاقة بين اللغة وإنتاج المعرفة، والتحديات التي تواجه العربية في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وآفاق تجديد حضورها في البحث العلمي والتعليم والثقافة؛ يؤكد هذا الملف أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، وإنما وعاء للهوية.

وبمناسبة تجديد ولاية الأمين العام لمنظمة «الإيسيسكو»، الدكتور سالم بن محمد المالك، فقد أجرت معه رئيسة التحرير الشاعرة روضة الحاج، مقابلة، تحدث فيها عن أهم عناوين المرحلة الجديدة للمنظمة، وهو «تعظيم الأثر وترسيخ الشراكات».

حمل غلاف العدد صورة مدينة قازان «عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026»، احتفاءً بمدينة استطاعت أن تقدم نموذجاً فريداً للتفاعل الخلاق بين الحضارات، وأن تجمع بين أصالة التراث وروح العصر، لتبدو فضاءً رحباً للتعايش والتنوع الثقافي.

وفي كلمتها بافتتاحية العدد، ذكرت رئيسة التحرير أن صدور المجلة ابتداءً من هذا العدد سيكون بثلاث لغات: العربية، والفرنسية، والإنجليزية.

اللغة العربية: ثراءٌ وتغريب

تحت عنوان: «اللغة العربية... بين واقع مُغْنٍ وتغريب مُضْنٍ»، كتب أحمد سليم بن أحمد الأرمي، الأمين العام لـ«الرابطة الموريتانية لحماية اللغة العربية»، مقالاً ناقش فيه واقع اللغة العربية في العالم من زاويتين متقابلتين؛ الأولى تؤكد المكانة الدولية المتنامية للعربية، والثانية ترصد مظاهر التراجع داخل المجتمعات العربية نفسها.

مقالٌ آخر، في الملف ذاته، حمل عنوان: «تعريب التعليم الطبي: بين استعادة الهوية وتعزيز جودة التعلم»، للدكتور خالد آل عبد الرحمن، أستاذ طب الأسرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في السعودية.

في هذا المقال، يطرح الكاتب رؤية استراتيجية وتربوية غاية في الأهمية، تُفكك إشكالية لغة التدريس في كليات الطب العربية. ينطلق الكاتب من رؤية مفادها بأن اللغة هي وعاء التفكير العميق وليست مجرد أداة تواصل؛ وبالتالي؛ فإن التعليم باللغة الأم هو الركيزة الأساسية للفهم الإبداعي والتفكير النقدي وتجنب تلقين الحفظ.

وضمن الملف، جاء مقال: «تعليم العلوم لماذا بالعربية بعيداً عن الهوية؟»، للكاتبة الدكتورة ندى نور الدائم، الأستاذة المساعدة في قسم اللغة العربية بكلية الآداب - جامعة الخرطوم.

في هذا المقال، تقدم الكاتبة طرحاً تربوياً وعلمياً جريئاً يتجاوز الخطاب التقليدي المرتبط بالهوية، ليركز على «كفاءة التعلم وجودة التعليم» معياراً وحيداً لاختيار لغة التدريس.

وكتب الدكتور يوسف إسماعيلي، الخبير في «مركز الإيسيسكو للغة العربية للناطقين بغيرها» في المغرب، مقالاً بعنوان: «الدبلوماسية اللغوية وتعليم العربية عالمياً».

يقدم الكاتب تأصيلاً لمفهوم «الدبلوماسية اللغوية» بوصفها أداة استراتيجية فاعلة وصامتة في فضاء العلاقات الدولية المعاصرة وقوتها الناعمة. ويطرح المقال رؤية حديثة للعلاقة بين اللغة والسياسة الدولية، إذ يؤكد أن اللغة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل أو وعاء للتراث، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لبناء نفوذها وتعزيز حضورها العالمي.


التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»
TT

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

في أزقة مدينة نابولي الإيطالية، حيث تتدلى الزهور من الشرفات وتختلط رائحة البحر بدخان الأفران، وُلدت البيتزا كوجبة سريعة تسد جوع العمال والفقراء، وضرورة عملية فرضها الأمر الواقع، وليست كطبق فاخر يكتسب شهرة عالمية ويوحد بين مختلف الثقافات والشعوب، ويكتب قصة مشوقة عن الهجرة والطبقات الاجتماعية والذوق الشعبي وتحولات العالم الحديث.

في كتابه «البيتزا: تاريخ وحكايات»، الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة آلاء أحمد جاد، يتتبع الباحث الإيطالي لوكا تشيزاري رحلة هذا الطعام، بعيداً عن الحكايات المكررة التي تختزلها في قصة ملكة إيطالية تسمى «مارغريتا» حملت أشهر أنواع تلك الوجبة اسمها.

ويوضح المؤلف أن البيتزا ليست اختراعاً مفاجئاً، بل ثمرة تاريخ طويل من الخبز المسطح الذي عرفته شعوب البحر المتوسط منذ قرون، فقد عرف الإغريق والرومان وغيرهم أشكالاً متعددة من العجين المخبوز الذي يُضاف إليه الزيت والأعشاب والجبن، غير أن نابولي هي التي منحت هذه الفكرة شخصيتها الحديثة.

واللافت أن الطماطم، التي تبدو اليوم عنصراً لا يمكن فصلها عن البيتزا، لم تكن جزءاً أصيلاً من المطبخ الإيطالي، فقد وصلت إلى أوروبا بعد اكتشاف القارة الأميركية، وظلت لفترة طويلة موضع شك؛ إذ اعتقد بعض الناس أنها نبات ضار غير صالح للأكل.

ومع الوقت، وجدت طريقها إلى مطابخ جنوب إيطاليا، خصوصاً بين الفقراء الذين رأوا فيها مكوناً رخيصاً ومشبعاً، هنا بدأت ملامح البيتزا «النابولية» تتشكل: خبز دائري ساخن، وطماطم، وزيت، وثوم أو جبن، يؤكل باليد في الشارع دون أطباق أو مراسم.

كانت نابولي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مدينة مكتظة، تعج بالعمال والحرفيين والباعة والبحارة، فظهرت الحاجة إلى طعام يمكن شراؤه بثمن زهيد، وتناوله أثناء العمل أو في الطريق، بل إن بعض الباعة كانوا يبيعونها بنظام الدفع المؤجل للفقراء. ولهذا ارتبطت البيتزا في بدايتها بالطبقات الشعبية، ونظر إليها كثير من أبناء الطبقات الميسورة باعتبارها طعاماً بسيطاً لا يليق بالموائد الراقية.

ومن أشهر القصص المرتبطة بها حكاية «بيتزا مارغريتا»، التي يُقال إنها صُنعت تكريماً للملكة مارغريتا عام 1889 بألوان العلم الإيطالي: الأحمر للطماطم، والأبيض للموزاريلا، والأخضر للريحان، لكن لوكا تشيزاري يدعو إلى التعامل بحذر مع هذه الرواية، فالكثير من تفاصيلها اكتسبت شهرتها لاحقاً، حين احتاجت البيتزا إلى أسطورة وطنية تمنحها مكانة أكثر رفعة، فالحقيقة الأهم أن هذا الطبق كان موجوداً قبل القصة، وأن شهرته لم تأتِ من القصور، بل من الشوارع.

التحول الأكبر حدث مع موجات الهجرة الإيطالية إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث حمل المهاجرون معهم وصفاتهم وحنينهم إلى نابولي، فظهرت مطاعم البيتزا في أحياء الإيطاليين بنيويورك وشيكاغو ومدن أخرى.

هناك تغيرت البيتزا لتلائم المكونات الجديدة والشهية الأميركية، فكبرت أحجامها، وتنوعت إضافاتها، وصارت جزءاً من ثقافة المدن الحديثة، قبل أن تعود إلى أوروبا والعالم في صورة مختلفة وأكثر انتشاراً.

وهكذا أصبحت البيتزا مرآة لثقافة الشعوب: في نابولي تحكي عن الفقر والابتكار اليومي، وفي أميركا تروي قصة الهجرة والاندماج، وفي العالم المعاصر تعكس سرعة الحياة والعولمة وقدرة الطعام على عبور الحدود.