عبد الوهاب أبو زيد: اخترتُ شعر الحب حين أصبحت الرومانسية تهمة

الشاعر السعودي يقول إنه يهرب للخيال من قبح الواقع

عبد الوهاب أبو زيد
عبد الوهاب أبو زيد
TT

عبد الوهاب أبو زيد: اخترتُ شعر الحب حين أصبحت الرومانسية تهمة

عبد الوهاب أبو زيد
عبد الوهاب أبو زيد

كرس الشاعر السعودي عبد الوهاب أبو زيد تجربة شعرية ناضجة، بدأها بالشعر الحديث، لكن سرعان ما عاد نحو كتابة «الشعر الرومانسي». وهو كاتب ومترجم أيضاً، صدرت له مجموعتان شعريتان: «لي ما أشاء» 2008، «ولا قبلها من نساء ولا بعدها من أحد» 2013، وكتابان مترجمان: «خزانة الشعر السنسكريتي» 2012، عن مشروع كلمة، و«لست زائراً عابراً لهذا العالم»، عن دار سما الكويتية، عام 2015.
التقينا به في الظهران، شرق السعودية، حيث يعمل في شركة أرامكو النفطية، وأجرينا هذا اللقاء:

- لماذا تأخرت ولادة ديوانك الأول «لي ما أشاء»؟
- تأخرت في نشر كتابي الأول «لي ما أشاء»، عام 2007، بسبب ترددي وتوجسي وقد تناقض موقفي حيال ما أكتبه من شعر. غير أنني حين استجمعت شجاعتي لنشر الكتاب (بدفع وإلحاح من صديقي الشاعر جاسم الصحيح)، اخترتُ أن أنشر ما كان يمثل تجربتي حينها من النصوص، وأرجأت نشر نصوصي السابقة لتلك التجربة، التي يغلب عليها الطابع الرومانسي وشعر الحب، لأنها كانت أقرب للتقليدية. وبعد ستة أعوام (2013)، نشرت ديواني الثاني الذي كان خالصاً لوجه الحب، وضم قصائد جديدة (زمنياً)، وما استبقيت عليها من قصائدي القديمة. وبفعلي هذا، ربما أكون قد خالفت ما يفعله الشعراء عادة، من نشر تجاربهم الأولى أولاً، ولعل تلك كانت ضريبة التأخر في النشر، ولكن هكذا كان.

- عادة يبدأ بالقصيدة التقليدية، أنت بدأت تكتب الشعر الحديث ثم عدتَ للأولى... كيف حدث ذلك؟
- حين كنتُ أصغر سناً وأقل وعياً، نفرتُ من كتابة القصيدة التقليدية، واتجهت لكتابة قصيدة التفعيلة الحديثة (أو هكذا أزعم وأظن)، انسياقاً مع ما كنت أتابعه وأعجب به من شعر الحداثة، ببعديها المحلي والعربي. ولكن نقطة التحول التي دفعت بي إلى الرجوع مرة أخرى لكتابة القصيدة التقليدية بين الحين والآخر، ربما كانت هي تعرفي وتعمقي في الاطلاع على تجربة الشاعر الكوني فيرناندوا بيسوا، هذا الشاعر الفريد والمتفرد في كل ثقافات وآداب العالم، فهذا الشاعر الذي نعرف الآن أنه كان يكتب بأسماء مختلفة، وبأساليب شعرية متفاوتة تتراوح ما بين الشكلين الكلاسيكي والحداثي، لم يجد غضاضة في أن يجمع في ذاته بين عدد من الشعراء، أو أن يكون شعراء عدة في آن واحد، حتى وإن بدا أحدهم مناقضاً للآخر فنياً. قد يرى بعضهم فيما أكتبه نكوصاً وتراجعاً في مسار التجربة، غير أنني أرى في ذلك غنى وتوافقاً وتعايشاً وتسامحاً مع الذات، ومع العالم.

- هل تعتبر نفسك شاعراً رومانسياً؟
- لا أدري إن كنتُ شاعراً رومانسياً أم لا، ولا يهمني أن أدري، رغم أن الرومانسية أصبحت أشبه بالتهمة الانتقاصية في زمن المد الحداثي. وحقيقة الأمر أن الشعر الرومانسي (أفضل أن أسميه شعر الحب) يحتل مساحة كبيرة من شعري، إلا أنه لا يمثل مجمل تجربتي الشعرية المتواضعة، أو لنقل إنني أزعم (أو ربما أتوهم) أن هناك مساحات وأبعاداً أخرى في شعري بعيدة عن شعر الحب.

- من هو «مثلك الأعلى» في شعر الحب؟
- ليس لي مثلٌ أعلى في شعر الحب، أو في الشعر إجمالاً، هناك شعراء أحب شعرهم كثيراً، ولكن أن يكون أحدهم مثلاً أعلى لي، فذلك يعني أن أترسم خطاه وأقلده، وأكون نسخة مكررة منه. لا أريد أن أكون تكراراً لأحد؛ أريد أن أكون ذاتي قبل وبعد كل شيء. هذا ما أتمنى وآمل وأطمح لتحقيقه.

- يبدو أن هناك «أنثى افتراضية» «لا قبلها من نساء ولا بعدها من أحد» (اسم المجموعة)... رغم أنك خضتَ «ثلاث محاولات فاشلة لوصفها» (عنوان القصيدة)؟
- لا أدري لماذا افترضت أنها أنثى افتراضية، رغم أنها أنثى واقعية، من لحم ودم، حتى وإن كنتُ قد كتبتُ قصائدَ لها / عنها قبل لقائي بها. ولكن بالطبع ليس للشاعر أن يقسر القارئ على قراءة محددة لنصوصه، فباب التأويل والتلقي سيبقى مفتوحاً، وليس لأحدٍ الحق (بما في ذلك الشاعر نفسه) في إغلاقه.
المرأة تستوطن شعرك لحد أنك تقول: (ولا قبلها من نساءٍ ولا بعدها من أحد، كأن الجمال اصطفاها له وحده، فاستوت مثل فينوس فوق سرير الزبد / تسامتْ / فما من شريكٍ لها في الجمال، بعينين مخضرتين اخضرار الجنانِ وثغرٍ تعتق فيه البرد / وخصرٍ كأن نحتته الرياح).
- المرأة تحتل مكانة واسعة من شعري، سواء أكان ذلك قبل أن أجد امرأتي التي كنت أبحث عنها، وأتخيلها وأتوهمها (سميتها «ابنة الوهم» ذات قصيدة قديمة)، أم بعد عثوري عليها، واكتفائي بها ممثلة ومجسدة لكل ما كنت أحلم بأن أجده في المرأة / الحلم.
- خيال جامح يهيمن على قصيدتك: «سأرسم باباً وأدخل / سأرسم بئراً وأنزل فيها / وأرسم نافذة وأطل على الغيبِ منها / وأرسم طائرة وأحلق عني بعيداً، وعنها / سأرسم نبعاً وأغرفُ منه / وأرسم ناياً وأنفخُ فيه / وأرسم صدراً وأبكي عليه / سأرسمُ وجهاً غريباً أحدقُ في مقلتيه».
- الخيال مملكة الشاعر ومأواه وملجؤه وجنته (وأحياناً جحيمه)، الخيال يهرب إليه الشاعر من قبح واقعه وقيوده وأغلاله، الخيال لا يكون الشعر شعراً من دونه في أغلب الأحوال، الخيال تغدو الحياة معه متعددة الأبعاد والأطياف والألوان، والخيال تكون الحياة من دونه كهفاً لا كوة فيه ولا منفذ للخروج منه.
- كثيراً ما نراك تبحر في العيون والأحداق... عن ماذا تفتش هناك؟ تقول: «عيونك كل ما ملكت يداي.. وكل ما أهوى»، وتقول: «ثملت بخمرة الأحداق»، وتقول: «أنا المنفي في عينيكِ منذ البدء لم أزل.. كفرت بكل دربِ هوى إلى عينيك لم يصلِ»، و«أتعبتني المسافةُ.. تمتد بين عيني وعينيكِ».
- يُقال إن العيون مرآة للروح، ولا أجد وصفاً أدق وأعمق من ذلك، رغم قدمه وتقليديته. العيون هي تلك النوافذ التي نطل منها على الآخرين، ويطلون علينا منها، وهي المرايا التي نبحث فيها عن ذواتنا الضائعة وأرواحنا الشريدة. العيون لغة أخرى أغنى وأعمق غوراً من أي لغة، أو لنقل إن العيون هي أبجدية الروح.

- تقول في قصيدة: «الحبُّ لكي يصبحُ حبّاً / يحتاجُ إلى قلبين والقُبلّة»... ولكنك في قصيدة أخرى، تقول: «أحبّكِ ليسَ الحبُّ لفظاً على فمي / ولكنه السّرُ المسافرُ في دمي»... أي أنواع الحبّ يشعلك؟
- الحب جوهر واحد، وإن تعددت صوره، وإن بدا أن هناك تناقضاً بين تمثلاته وتمظهراته في الواقع وفي الحياة. لذلك، لا أستطيع أن أتحدث عن نوع بعينه من الحب، يشعل ناري ويوقد لهبي. هناك حب الروح للروح، وحب القلب للقلب، وحب العقل للعقل، وحب الجسد للجسد، وأسمى أنواع الحب ما تتداخل فيه وتتماهى وتتمازج كل أنواع الحب هذه في آن واحد، فلا يعود بوسع المرء أن يفرق بينها، أو يرسم الحدود والفواصل فيما بينها.

- تقول: «يا صاحبي ما لهذا القلب من وطنٍ / سوى الجمال، سوى إيماءة الوترِ»... متى كان الجمال وطناً؟
- الجمال والفن هما وطن الإنسان الذي يلبي احتياجاته الإنسانية الأصيلة المتجذرة في تربة روحه منذ الأزل، وهما السماء التي لا تكفهر ولا ترسل صواعقها لتحرقه، أو ريحها لتجتثه من جذوره.

- حدثنا عن تجربتك مع الترجمة؟ هل يمكن للشعر أن تحمله وسائط الترجمة؟
- تجربتي مع الترجمة، إن صح الحديث عن وجود تجربة تستحق الحديث عنها، كانت ولا تزال رديفة لتجربتي في كتابة الشعر، وقد سبق لي القول إنني كنت ألجأ للترجمة كثيراً حين تجف بئر الشعر وينضب ماؤها، فكانت الترجمة بمثابة التعويض المؤقت لكتابة الشعر. وأشير هنا إلى نقطة ربما لم أتحدث عنها من قبل، وهي أنني أميل لترجمة قصيدة النثر أكثر من غيرها (ولعلي أميل لترجمة الشعر نثراً بشكل عام، وهذا حديث آخر قد يطول)، قد يكون تعبيراً عن حبي لقصيدة النثر، وتعويضاً عن فشلي في كتابتها، وأنا هنا أسجل اختلافي مع من يقولون بسهولة كتابتها، وأؤكد أنها أكثر صعوبة من القصيدة الكلاسيكية وقصيدة التفعيلة؛ طبعاً حين تكتب بشكل جيد.

- أنت أيضاً تكتب الشعر الشعبي... هل يمنحك هذا النوع من الشعر فضاءً أكثر حرية؟
- هذا صحيح، وقد لا يعرف كثير من القراء أنني أكتب النص الشعبي أيضاً، أو قصيدة اللهجة المحكية، ولي فيها تجارب، نشرت عدداً لا بأس به منها في صفحتي في «فيسبوك»، ولاقت صدى طيباً عند متذوقيها، كما أن لي محاولات خجولة، وقد لا تستحق الذكر في كتابة الشعر باللغة الإنجليزية.
ما الذي يحدد لغة القصيدة وشكلها لدي؟ الجواب هو: لا أعلم، لأن سؤال «من أين تأتي القصيدة؟» سيظل مفتوحاً، ولن نجد إجابة مقنعة ووافية له، مهما حاولنا، وكثرت مزاعمنا.



شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو
TT

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

من لسان العرب: «وقال ذو الرمة: وكائِنْ تَخَطَّتْ ناقَتي مِنْ مَفازةٍ... وكمْ زَلَّ عَنْهَا مِنْ جُحافِ المَقادِرِ... وَقِيلَ: الجُحافُ الموتُ فَجَعَلُوهُ اسْماً لَهُ»، تسمية المهلكةِ بالمفازة ليس تفاؤلاً عابراً تمارسه اللغة العربية، بل تجاوز بالخيال إلى واقعٍ موازٍ يبعث الأمن في محل الخوف، ويستردّ السكينة من قلب التهديد. ولأن المسافة بين الاسم والمسمّى لا تتغيّر في واقع الصحراء؛ ظلّ العربي يقاربها بالمجاز... بينما تستمر هي في فعلها الأبدي... أن تنأى.

هناك كتبٌ تفتح شهية الحوار حولها، كتبٌ تمتلك جرأة اجتراح المناطق الجديدة، حيث يقترح هذا الكتاب «مهاكاة ذي الرمة: أطروحة الهايكو العربي» لحيدر العبد الله، صيغةً عربية للهايكو، عبر بناء جسور: بين الشعرية العربية ونظيرتها اليابانية، وبين التصوف الإسلامي وتصوّف الزن. ومنذ اللحظة التي يقول فيها: «إذا كان الشعر ديوان العرب، فقد يكون الهايكو اليوم ديوان العالم»، يتّضح أن طموح الكتاب ليس استيراد نوعٍ شعري، بل توطينهِ، بعد أن يُستدعى ذو الرمة، عبقريّ الوصف وآخر حجّةٍ على اللغة، ليعبّد الطريق أمام ضيفٍ قادم من أقصى الشرق.

أبرز ما أستوقفني في الكتاب - وهو من 312 صفحة تجمع النظرية والتطبيق والتقويم الشعري -، تلك البراعة في التطويع العروضي لإيقاعات الهايكو اليابانية على البحور الخليلية. والتي تُضفي على الفكرة لبوساً جمالياً، وتؤكد قدرة الشعر العربي على توليد الموسيقى مرةً تلو مرة. وقيمتها العملية أنها قابلة للتنفيذ، حيث تمنح الهُكاة العرب – أي شعراء الهايكو العرب حسب تعبير الكتاب- إطاراً شكليًّا يتّكئون عليه، فيتفرّغون للمحتوى بدل الانشغال بالشكل. وأضيف إليها الفصل الأخير، المتعلق بالفلك ومواضع النجوم وقرائن المواسم، الذي ينمّ عن اطلاعٍ كبيرٍ ونظرٍ وتمحيص، ويفتح عمليًّا معجماً طبيعيًّا عربيًّا جاهزاً لمن أراد أن يكتب قصيدةً تنتمي للجزيرة العربية.

وبقدر ما وجدت نفسي أتماهى مع الكتاب في نصف المسافة، وجدتني أتوه في نصفها الآخر؛ فالشكل يُستعار والرؤية تستعصي على الاستعارة. والعروض الذي طوَّعه الكتاب بكل إتقانٍ لتوطين الهايكو هو الأداة؛ أما النظر إلى الطبيعة فمشتقٌّ من غايةٍ، والغايةُ هي ما لا يُستورد. وسأمضي إلى هذا الحوار من طريقين (التصوف، والطبيعة) وسيفضي الطريقان إلى تصور واحد.

أولاً: الغاية تصنع الأسلوب

في الفصل الأول من الأطروحة، «مصباح التصوف»، يعقد الكتاب الروابط بين التصوف الإسلامي وفلسفة الزن. والملاحظة الجوهرية ليست في التقاء الممارسات الروحية - فهي تلتقي كثيراً في أديان متعددة- بل في افتراق الغايات: توحيدٌ وتوجّهٌ نحو خالقٍ متجاوز، مقابل ذوبانٍ طبيعيٍّ محايث خالٍ من إله. وهذا الافتراق ليس تفصيلاً عقديًّا يُترك للمتكلمين، بل هو المصنع الذي تخرج منه الأساليب.

فالتصوف الإسلامي يتمتع بـ«التوق الإلهي» ويتطلع نحو الإله المتجاوز والذي يستدعي المجاز بالضرورة، لا بالاختيار. حين تكون المسافة بين الذات وغايتها مسافةً لا تُلغى، لا يبقى أمام اللغة إلا التوسّل بالمجاز مثل (التغزّل بالأنثى، والخمر، والرمز العاطفي)؛ لبناء جسورٍ إيحائية صاعدة نحو ما لا يُدرَك. وقد لخّص عبد الوهاب المسيري هذا في «اللغة والمجاز» حين جعل المجاز وسيلتنا لإدراك الإله لا الإنسان وحده؛ إذ يربط بين ما تدركه الأسماع والأبصار وما يتجاوزها؛ ومع ذلك يظل الإطار التوحيدي حاكماً: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فلا تجسّد ولا حلول ولا كمون، والمسافة باقية مهما بلغ المجاز من تركيبٍ وعمقٍ وجمال.

وبإزاء هذا، يقول ماساوكا شيكي عن الهايكو ما يشبه إغلاق الباب على المجاز: «معنى هذا الهايكو هو تماماً ما يقوله، وليس هناك أي معنًى آخر».

فالمجاز عندنا ضرورةٌ لاهوتية، إن صح التعبير، وهو في الزن عائق. اللغة الكثيفة عندنا فضيلة، وهي هناك حجاب. وليس هذا اختلافاً في الذوق يُرجى ردمه بالتمرين، بل هو اختلافٌ جوهري يترك أثراً أصيلاً على البلاغة ذاتها.

ثم إن الأنا نفسها ليست واحدة في الحالين. ففي الزن تمتزج الأنا بالطبيعة وتأخذ موقع المراقبة؛ أما في التصوف الإسلامي فهي كما عند محمد إقبال (الشاعر والفيلسوف والمتصوف الإسلامي) ليست ساكنة، بل خلقٌ وحركةٌ دؤوبة. وتجربة الاتحاد عند متصوفة الإسلام، بتعبيره، ليست إذابة الهوية في اللامتناهي، بل اجتياز اللامتناهي إلى وصال المتناهي. ومن هنا تُنحت وسائل تعبدية وجمالية حية: الحركة، الصلاة، القدر، الإخلاص، الاجتهاد. الإنسان هنا ليس مصوّراً فوتوغرافياً واقفاً في كواليس الطبيعة - كما هو في الهايكو - بل فاعلٌ يشارك بحريته في تغيير العالم. ويوضّح الفيلسوف بشير سليمان ديان مقصد إقبال بجملةٍ حاسمة: الهدف الأعلى للأنا ليس أن تشاهد شيئاً، بل أن تكون شيئاً.

وحتى استعارة الحيوان تفضح الفرق. يتخيّل الكتاب الهايكو حيواناً فيجعله ناقةً لا تعيش دون ماءٍ وكلأ، حيواناً «لا قلب لديه لأطماع الكائن البشري ومشاعره الفجّة»، غير متجاوز، في انسجامٍ كاملٍ مع الطبيعة. أما روبرت بلاي، فيتخيّل قصيدته الغربية حيواناً يعدو، تصدر عن جريها إيقاعاتٌ ملحوظة، وطاقته النفسية حرّةٌ في التحرك هنا وهناك. حيوان الهايكو مقيمٌ راضٍ؛ والغربي راكض متحرك قلق، أما حيوان القصيدة العربية فهو كما قال شاعر العربية المتنبي: «يقولون لي ما أنت في كل بلدةٍ... وما تبتغي، ما أبتغي جلَّ أن يُسمى»، وشعريّتنا تستمدّ نفسها من هذا التجاوز، السعي إلى ما جلَّ أن يُسمى.

ثانياً: محراب ميّة

في فصل «مشكاة الطبيعة» يبدأ الكتاب بقصةٍ متخيَّلة تجمع ابن قتيبة وذي الرمة، ثم يقرّر أن «تفوّق ذي الرمة يكمن في قدرته على احتواء الطبيعة احتواءً موضوعياً، غير مشروط، ولا انتقائي... دون أن يضع نفسه في مركزها، أو يجعلها فرعاً عن ذاته». ولعلي أختلف هنا تحديداً؛ فطبيعة ذي الرمة ليست موضوعية، وليست بلا مركز. بل هي مأهولة تماماً. يقول شوقي ضيف إن ذا الرمة أكثر شعراء العرب وصفاً لدموعه، وإنه مضى يتعزّى عن ميّة بمحرابها الذي كانت تعيش فيه، فإذا هو أكبر شاعرٍ تغنّى بالصحراء العربية، عشق أيامها ولياليها ورمالها وكثبانها. ويكشف الطاهر لبيب في «سيسيولوجيا الغزل العربي» عمّا هو أدقّ: أن المرأة في الكون العذري تُرفَع إلى مستوى المثال حتى تكاد تصير ميتافيزيقا؛ فيصبح الشريك بالنسبة للعذري ذاته الأخرى.

فالصحراء عند ذي الرمة ليست «ما هي عليه»؛ إنها محرابٌ واستعارةٌ كبرى لمحبوبة. والهكذائية تقتضي غياب المركز، وذو الرمة له مركزٌ اسمه ميّة، تدور حوله الرمال والأنواء والحيوان. ولا أعني أن وصفه إسقاطٌ عاطفيّ فجٌّ كما يفعل الشعراء عادة - فهو مزيجٌ فريد أخذ من أسلوب العذريين وحافظ على روح الجاهلية، حتى لا تكاد تفرّق بينه وبين محبوبه. فهو بناء خاص مركزه امرأة احتوت كل ذلك العالم الصحراوي. وهذا نقيض حياد الهايكو. والمفارقة أن الكتاب نفسه هو من نبّهَ بعبارة تحذيرية: «لن نفلح في خوض تجربة هايكو حقيقية، إذا نحن ألبسنا الهايكو ثيابنا وملامحنا، وجعلناه يتكلم عبر الأنا الخاصة بنا» والكتاب بانتباهٍ عالٍ لم يُلبِس الهايكو ثيابنا، لكنه ألبس ذا الرمة ثوب الزن.

أخيراً: الموتُ في الخلاء

ولئن كان ذو الرمة أمويًّا بانتمائه، فإن وعيه الصحراوي أقرب إلى الجاهليين منه إلى أهل عصره. ويذكر محمد إدريس قاسم في «الشاعر الجاهلي والوجود» أن الجاهلي أدرك في صحرائه أنه (وجودٌ للموت)، فقرّر مواجهته والتحدي: أخذ أناه ووجوده وجعلها في مواجهة الطبيعة/الصحراء، وقرّر بمصطلح هايدغر أن يهزم «الوجود الزائف» رغبةً في «الوجود الأصيل»، فخرج من البقاء في (حالة العالم) إلى آفاق وجوده الماهوي.

هذا الوعي هو ما يفسّر لماذا لا تكون القصيدة العربية تأمّلاً محضاً. فهي كما يقول فتحي المسكيني في «الشعراء يحرسون هشاشة العالم»، محاولةُ هروبٍ من سجنٍ ما؛ والشعراء يدفنون من إمكانات الموت بقدر ما يبدعون من خطوط الهروب نحو الإنسانية. وحين كتب محمود درويش «لا غدٌ في هذه الصحراء إلا ما رأينا أمس... فلأرفع معلقتي... لينكسر الزمان الدائري... ويولدَ الوقتُ الجميلُ»، كان يصوغ الموقف نفسه: رفضُ اللحظة لا الإقامة فيها.

وهنا يلتقي الطريقان. الغاية الدينية تدفع نحو التجاوز؛ والغاية الوجودية تدفع نحو التجاوز؛ والزن يدفع نحو السكون. والهموم التي يسمّيها إيرفين يالوم جوهريةً في «هبة العلاج النفسي» هي الموت والعزلة ومعنى الحياة والحرية، هي بعينها ما تشتغل عليه القصيدة العربية منذ امرئ القيس، بينما الهايكو يسكن اللحظة؛ أما الشاعر العربي فيفرّ منها إلى الوجود الأصيل. ولذلك؛ ليس المجاز عندنا زينةً يمكن خلعها، بل بنيةٌ تحمل المعنى، ولعل محمود درويش في «مأساة النرجس ملهاة الفضة» أراد أن يشير إلى رفاهيةٍ في الوصف الطبيعي، فقد يطمح لها الشاعر العربي ولكنه لا يمتلكها لأسباب عدّة، منها تلك الهموم الوجودية، حين قال بنبرة تراجيدية: «عادوا إلى المألوف فيهم وهو يمشي/ فوق الرصيف ويمضغ الكسَلَ اللذيذ ووقتَهُ من غير غاية/ ويرى الزهورَ كما ترى الناسُ الزهورَ... بلا حكاية»، وهكذا الهايكو يقتضي وقتاً بلا غاية، ونحن لا نملك وقتاً كهذا.

ختاماً، لا بد لي أن أعترف بأني لم أفارق ذلك الفتى الصغير الذي حضر درس الحِكم العطائية في جامع الإيمان بدمشق، للشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، حين سمع تلك العبارة التي لا تزال ترنّ في أذنه إلى الآن: «لا تنظر إلى السواقي وانظر إلى المعين»، ولا أسوق هذا دعوةً إلى الانصراف عن الهايكو، بل تحديداً لموضع المعين. فالمعين ليس التراث بوصفه ماضياً يُستعاد، ولا اليابان بوصفها نموذجاً يُستورد؛ إنه التجربة الوجودية الإنسانية نفسها، ومن ورد هذا المعين ستتطوع له كل الأشكال والنُظم اللغوية.

* شاعر سعودي


«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد
TT

«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

ظهرت فكرة كتاب «أفلام غير مشاهدة بدقة»، الصادر عن دار «ديوان» بالقاهرة بصفتها محاولة لتجاوز الإحباط الناتج من إدراك الطبيعة المؤقتة والهشة للنشر الرقمي، بالتزامن مع مرور ربع قرن من الألفية الحالية وقرن وربع القرن على بداية السينما.

يضم الكتاب دراسات ومقالات نقدية معمّقة لكثير من التجارب السينمائية في مصر والعالم العربي دون التقيد بفترة زمنية محددة، موقّعة بقلم خمسة من شباب النقاد السينمائيين في مصر، وهم: رحمة الحداد، وأحمد عزت عامر، وحسام السيد، وحسن فهمي ومحمد عوض يوسف.

ويرصد الكتاب في هذا السياق ما يقارب 60 فيلماً لم تنل حظها من التقدير الفني، رغم أن بعضها يحظى بشهرة واسعة وربما يكون حقق نجاحاً جماهيرياً لافتاً، لكن يظل الشريط السينمائي نفسه في حاجة إلى إعادة قراءة ترد إليه الاعتبار وتفتح باباً للنقاش حول نقاط مدهشة فيه لم يلتف إليها كثيرون.

ويتراوح الإطار الزمني لهذه الأفلام من أعمال تم إنتاجها في حقبتي الستينات والسبعينات، مثل: «في بيتنا رجل»، و«البوسطجي»، و«السقامات» و«زوجتي والكلب»، مروراً بأعمال صدرت في حقبتي الثمانينات والتسعينات مثل: «العوامة رقم 77»، و«عرق البلح» و«هستيريا»، وصولاً إلى أعمال أحدث مثل «إبراهيم الأبيض»، و«ميكروفون»، و«ريش» و«البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو».

تتوزع تلك القراءات النقدية عبر عشرة فصول، يشتغل كل فصل على ثيمة بعينها مثل «الضحك: صورة مشوشة للواقع» و«يقظة كافكاوية» و«صورة بديلة للذكورة» و«تحديقة نسائية» و«تأملات في العنف» و«رسائل بين الحياة والموت». وفي تقديمه للكتاب، يتوقف أحمد عزت عامر عند لحظة فارقة تهدّد مصير النقد السينمائي برمته حين نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية مقالاً بهذا العنوان الصادم «مَن يحتاج اليوم إلى النقاد السينمائيين؟»، وهو ما يطرح تحديات حول فهم مهمة ودور ناقد الأفلام وكيف تبدو مهنته حالياً محاصرة داخل الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي.

يريد ناقد اليوم أن يستعيد ثقة القارئ في النقد وأن يمنح هذا القارئ زاوية جديدة لمشاهدة الفيلم وربما رؤية العالم، فأجمل ما يمكن أن يحدث له هو أن يسمع أو يقرأ مثل هذا التعليق: «أرغب الآن في مشاهدة الفيلم مرة ثانية بعد أن قرأت مقالك».

من هنا، وفي الجلسات التحضيرية لهذا الكتاب كان الشاغل الأهم بالنسبة لمؤلفيه هو أي أفلام سيختارون، وقرارهم أن يكتبوا عن أفلام رغم جمالها وتميزها فإنها غير مُقدّرة بما يكفي أو ربما مُقدّرة للأسباب غير الصحيحة، وجاء مقترح العنوان «أفلام غير مشاهدة بدقة» نوعاً من المشاغبة مع كتاب الناقدة الأميركية البارزة مارلين فيب «أفلام مشاهدة بدقة - مدخل إلى تقنية وفن السرد السينمائي».

كان هذا هو المقصد حين وقع الاختيار على سبيل المثال على فيلم «في بيتنا رجل» للمخرج هنري بركات، إنتاج 1961 وبطولة عمر الشريف، ورشدي أباظة وزبيدة ثروت، فهو رغم حضوره في قائمة أفضل 100 فيلم عربي الشهيرة، نال تقديراً أقل من أفلام أخرى مثل «الحرام»، إنتاج 1965، و«دعاء الكراون»، 1959، أو حتى «الباب المفتوح»، 1963. وحين يشاد به يأتي ذلك دون أي اشتباك حقيقي مع جمالياته الخاصة، وبذلك فإن إبداع بركات هنا في السرد والأداء الإخراجي ظل بعيداً عن التحليل النقدي المتعمق.

وحين يُذكر محمد خان بصفته مخرجاً، فإن الأفلام التي ستتداعى إلى الذهن هي «الحريف»، و«زوجة رجل مهم» و«أحلام هند وكاميليا»، أو أفلام أكثر جماهيرية مثل «مستر كاراتيه» أو «في شقة مصر الجديدة»، في حين يركز الكتاب على تجربة أكثر أهمية لم تنل حظها من التقدير هي «مشوار عمر» بصفته أحد أفلام الظل غير المقدرة بما يكفي.

ويسعى الكتاب إلى اكتشاف زوايا جديدة للقراءة والتحليل حتى مع الأعمال الشهيرة، كما هو الحال مع فيلم «إسكندرية ليه» ليوسف شاهين الذي تتم قراءته هنا بصفته نوعاً من الاستكشاف المختلف وغير المسبوق لتمثلات الذكورة على شاشة السينما العربية، وهي الفكرة نفسها التي يتم النظر من خلالها إلى التجربة الإخراجية الأولى للمخرج عادل أديب في فيلم «هيستريا»، 1996، الذي هو - حسب الكتاب - حالة شديدة الخصوصية في تاريخ السينما المصرية.

تمتد فصول الكتاب لتشمل تجارب مميزة غير مصرية من السعودية، والسودان، وفلسطين، وتونس، ولبنان، وسوريا وتونس والأردن، مثل «وجدة» للمخرجة هيفاء المنصور و«بيروت الغربية» لزياد دويري و«نحبك هادي» لمحمد بن عطية و«وداعا جوليا» لمحمد كردفاني و«ذيب» لناجي أبو نوار.


النقد البيئي في الأدب العربي

النقد البيئي في الأدب العربي
TT

النقد البيئي في الأدب العربي

النقد البيئي في الأدب العربي

صدر أخيراً عن دار النابغة في القاهرة كتاب «إيكولوجيا النص الأدبي: دراسات نظرية وتطبيقية مترجمة في النقد البيئي المعاصر»، ترجمة وتحرير الناقد الأكاديمي المصري دكتور معتز سلامة. يقدم الكتاب نصوصاً مختارة لعدد من أبرز الدارسين الغربيين الذين أسهموا في بلورة مفاهيم النقد البيئي، وتوسيع أدواته، واختبار إمكاناته في قراءة الشعر والسرد والمسرح، بل في مساءلة الحدود التقليدية بين الأجناس الأدبية.

يشير المترجم في مقدمته إلى أن العلاقة بين الأدب والطبيعة ليست طارئة على التراث العربي، بل لها جذور عميقة في الأدب العربي القديم، لا سيما أدب الرحلات، وفي السرديات التي جعلت من الصحراء والواحة والبحر، والمدينة، فضاءات دلالية كثيفة. غير أنّ المقاربة البيئية الحديثة تتيح لنا إعادة قراءة هذا التراث، لا بوصفه تمجيداً جمالياً للطبيعة فحسب، بل بوصفه سجلاً لعلاقات القوة، وأنماط التملّك، وأشكال التكيّف مع المكان. ومن هنا، فإن تقديم النقد البيئي للقارئ العربي لا يعني استيراد حقلٍ غريب، بقدر ما يعني فتح أفق جديد لإعادة مساءلة نصوصنا القديمة والحديثة على حد سواء.

ويأتي الكتاب، حسب المترجم، استجابةً لحاجة معرفية ملحّة في المكتبة العربية، حيث لا يزال هذا الحقل النقدي، على الرغم من راهنيته، محدود الحضور نسبياً، ومجزّأ التداول بين مقالات متفرقة أو إشارات عابرة في دراسات أوسع أو بعض الكتابات العربية النقدية المحدودة، والتي بعضها لم يستوعب النقد البيئي وفلسفته بشكل صحيح؛ مما أنتج دراسات بيئية عربية مشوهة بعيدة عن الأسس الفلسفية والنقدية التي وضعها النقاد البيئيون في الخطاب النقدي الغربي المعاصر. ومن ثمَّ تسعى هذه المجموعة إلى تقديم بانوراما نظرية وتطبيقية للنقد البيئي.

يضم الكتاب خمس دراسات نقدية منشورة حديثاً باللغة الإنجليزية، تعبر عن وجهات نظر النقد البيئي المعاصرة التي تخطت موجات النقد البيئي المبكرة، الدراسة الأولى نظرية تليها أربع دراسات تطبيقية، تتناول فنون الأدب المختلفة.

وجاءت الدراسة الأولى للباحثة الهولندية «استريد براك» بعنوان «التحديات التي تواجه النقد البيئي». والدراسة الثانية «شاعر الجزيرة والشاطئ المقدس» للباحث الأميركي «م. جيمي كيلينجسورث». والثالثة «البيئات ما بعد الاستعمارية: الطبيعة والثقافة والرواية الهندية المعاصرة باللغة الإنجليزية: الماء/ الأرض: أميتاف جوش نموذجاً»، للباحث الهندي «أوبامانيو بابلو موخيرجي»، بينما الرابعة هي دراسة أخرى للباحثة الهولندية «استريد براك» وعنوانها «الرعوية في الرواية البريطانية المعاصرة». ويختتم الكتاب بدراسة «شكسبير والنقد البيئي: تحليل ثنائية الوطن والسلطة في مسرحية الملك لير»، للباحث الكندي «سايمون سي. إستوك».

وكان قد صدرت للمؤلف من قبل ترجمة لأكثر من كتاب، منها «من الشعرية الثقافية إلى الحراك الثقافي: مقالات مترجمة في النقد الثقافي» و«المادية الثقافية والتاريخية الجديدة» تأليف ستيفن جرينبلات، و«مناهج النقد الأدبي المعاصر: مقالات مختارة».