«حماس» تقتل فلسطينيين وتثير ردود فعل غاضبة مع عودة ملاحقة الغزيين

الآمال بتغيير حكمها تبقى حبيسة الانتظار

عناصر من شرطة «حماس» في أحد شوارع مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)
عناصر من شرطة «حماس» في أحد شوارع مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)
TT

«حماس» تقتل فلسطينيين وتثير ردود فعل غاضبة مع عودة ملاحقة الغزيين

عناصر من شرطة «حماس» في أحد شوارع مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)
عناصر من شرطة «حماس» في أحد شوارع مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)

يشهد قطاع غزة حالة من التوتر الأمني، في ظل إجراءات عادت أجهزة أمن حماس الحكومية إلى اتخاذها ضد فلسطينيين، شملت استدعاءات واعتقالات وغيرها، طالت بعض من يُوصَفون بـ«النشطاء» أو المعارضين لسياساتها. وتزايدت حالة الاحتقان بعد مقتل اثنين من سكان غزة في حادثين منفصلين وقعا وسط القطاع.

وقبيل أذان المغرب بوقت قصير من مساء الأحد الماضي، أطلق عناصر من «حماس» كانوا ينتشرون على حاجز أمني، النار تجاه مركبة تعود للغزي أسعد أبو مهادي (49 عاماً)، في منطقة مفترق أبو صرار في مخيم النصيرات وسط القطاع، ما أدى إلى إصابته بجروح حرجة وأعلن لاحقاً عن وفاته.

عنصران من حركة «حماس» في مدينة غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وحسب عائلة أبو مهادي، وهو تاجر مركبات، فإن عناصر ملثمة خارجة عن القانون هي مَن ارتكبت الجريمة بحقه دون أي مسوغ قانوني، كما جاء في بيان لها، واصفةً ما جرى بأنه «فعل إجرامي، وانتهاك صارخ للأعراف والقيم الاجتماعية والقانونية، وتهديد مباشر للسلم الأهلي، واعتداء سافر على حالة الاستقرار التي بدأت تسود خلال الأشهر الأخيرة».

وطالبت العائلة، وهي من العائلات التي تنتمي لعشائر بدوية معروفة وكبيرة في قطاع غزة، بتشكيل لجنة تحقيق محايدة ومستقلة للتحقيق فيما جرى وتقديم الجناة للعدالة، داعيةً الجهات الحكومية المختصة، لإصدار تعليمات صارمة بحصر حالات استخدام الرصاص الحي، وجعلها في أضيق الحدود الممكنة، ووضع ضوابط مشددة لمنع تكرار مثل هذه المآسي، مؤكدةً الاحتفاظ «بحقها العشائري والقانوني لمحاسبة الجناة، سواء عبر القانون أو بنفسها، في حال تقاعست الجهات الرسمية عن اتخاذ إجراءاتها اللازمة».

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر في عائلة أبو مهادي، أن حركة «حماس» أرسلت وفداً من الوجهاء والمخاتير لمحاولة التوصل إلى حل، إلا أن العائلة رفضت ذلك، وطالبت بتسليم الجناة الذين باتوا معروفين لديها.

وأكد المصدر، أن الضحية أبو مهادي لا علاقة له بأي جهة، وأن الوفد الذي وصل بطلب من «حماس» أكد أنه «قتل بالخطأ ولمجرد الاشتباه بمركبته». فيما قال مصدر أمني من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن أبو مهادي «طلب منه التوقف على الحاجز، لكنه لم يتوقف وتم إطلاق النار عليه»، مؤكداً، أنه «لم يكن هناك أي مبرر مطلقاً لإطلاق النار تجاهه، وأن هناك إجراءات اتخذت فوراً بحق عناصر الأمن ممن تم تجنيدهم حديثاً لسد الفراغ الأمني، بعد أن فقدت الأجهزة الأمنية آلاف العناصر خلال الحرب».

ضابط من شرطة «حماس» يُنظّم حركة المرور في مدينة غزة 28 يناير 2026 (رويترز)

وأوضح المصدر «أن هذه الحواجز تُنشر بهدف منع تسلل أي قوات إسرائيلية أو مسلحين يعملون ضمن عصابات، خصوصاً بعد محاولات عدة شهدها قطاع غزة في الأيام الأخيرة لتنفيذ عمليات إجرامية».

وقبل أيام، كشفت «الشرق الأوسط» عن إحباط عناصر أمن «حماس» محاولة تنفيذ هجوم من قبل عناصر إحدى العصابات المسلحة في مدينة غزة، كما نجحت في اعتقال أحد المنتمين لتلك العصابات. وفي وقت لاحق، تبيّن تنفيذ عصابة أخرى هجوماً قرب حي الزيتون، واختطاف أحد الموظفين الحكوميين في «حماس»، ومصادرة أسلحة من تاجر سلاح.

حادثة أخرى

ولم يمضِ سوى يومين على حادثة مقتل أبو مهادي، حتى قتلت عناصر أمنية الشاب محمد أبو عمرة، مساء الثلاثاء، في دير البلح وسط قطاع غزة. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر عائلية وأخرى مستقلة، أن أبو عمرة كان قد عمل، خلال إحدى الفترات، مسؤولاً عن تأمين المساعدات الإنسانية في الأيام التي كانت تتعرض فيها شاحنات المساعدات للسرقة خلال فترة الحرب. ولفتت المصادر إلى أن عمه، الذي كان مسؤولاً عنه، قُتل أيضاً قبل أشهر قليلة على يد عناصر مسلحة من «حماس».

مسلحون من حركة «حماس» في دير البلح بوسط قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولم تقدم «حماس» تفسيراً لما جرى، فيما قالت مصادر أمنية «إن الحادث قيد التحقيق للوقوف على تفاصيله كاملةً».

خطف وضرب...

ووقعت هذه الحوادث في ظل تزايد الاتهامات للأجهزة الأمنية التابعة لـ«حماس» بالعودة لفرض إجراءات أمنية مشددة، واستدعاء واعتقال بعض مَن يوصفون بـ«الناشطين» عبر شبكات التواصل الاجتماعي، أو مَن يصنفون بأنهم «معارضون» لسياساتها.

وندد ناشطون قبل أيام، باختطاف مجموعة مسلحة الشاب أشرف نصر، الذي ينشر باستمرار عبر صفحاته في شبكات التواصل الاجتماعي، منشورات منددة بواقع الحال في قطاع غزة والسياسات المتبعة من حركة «حماس»، ومن بينها رفضه الزج باسمه في أي اصطفاف سياسي أو إقليمي.

مقاتلون من «حماس» خلال تشييع قيادي بالحركة في غزة (أرشيفية - رويترز)

وتعرّض نصر للاختطاف والضرب أمام عائلته من خيمة تنزح فيها بالقرب من حي الشجاعية شرق مدينة غزة. وقال ناشطون، إنه تم التحقيق معه حول المنشورات التي ينشرها عبر «فيسبوك» وغيره، وأنه خلال التحقيق معه، تعرّض لاعتداءات متكررة بالضرب، الأمر الذي استدعى نقله للعلاج، وهو أمر لم تستطع أي مصادر مستقلة تأكيده، فيما رفضت أي مصادر من «حماس» التعليق.

ووفقاً لبعض النشطاء الغزيين، فإن هناك حملة استدعاءات واعتقالات بدأت تطول بعضهم، لأسباب تتعلق بانتقادهم المؤسسات الخيرية، أو أصحاب المبادرات الشبابية والذين لا يقدمون الدعم الذي يتلقونه بالشكل المناسب لمستحقيه.

وقالت مصادر من أمن «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لا توجد أي حملات من هذا القبيل، وما يجري يعد محاولة لضبط الأمن والاستقرار، في ظل محاولات بعض الجهات نشر معلومات مغلوطة عن بعض الأحداث أو الواقع الحياتي، كما يتم استدعاء البعض بسبب شكاوى تقدم من مواطنين آخرين أسيء لهم»، نافيةً أن يكون هناك «أي اعتداءات بالضرب أو غيره خلال التحقيق مع المواطنين الذين يتم التعامل معهم بكل احترام». وفق تعبيرها.

من أحد شوارع غزة (رويترز)

وكان كثيرون في قطاع غزة يتوقعون بعد الحرب الإسرائيلية التي استمرت عامين أن تتغير الظروف الأمنية، في ظل الحديث الأميركي - الإسرائيلي المتكرر عن ضرورة رحيل «حماس» عن الحكم، وأن تنتهي إجراءات الملاحقة وغيرها، خصوصاً بعد الاتفاق على تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة القطاع عملت هي الأخرى مؤخراً على استقبال طلبات لتشكيل قوتها الأمنية، وفتح آفاق حول إمكانية تغيير الوضع، إلا أنها فعلياً ما زالت تواجه مصيراً مجهولاً حول مستقبلها، في ظل تجميد ملف غزة لدى الولايات المتحدة وبعض الدول الوسيطة، تبعاً للتطورات بالمنطقة والحرب المستمرة مع إيران.

ولأول مرة، لوحظ أن شخصية محسوبة على حركة «حماس» تعلق على ما يجري حالياً داخل القطاع. وكتب المحلل السياسي وأحد نشطاء «حماس» البارزين، إبراهيم المدهون عبر صفحته على «فيسبوك»، أنه «مع الحرية وحق الإنسان في قول ما يريد، وأنه ضد الاعتداء على أي شخص بسبب موقفه مهما كان رأيه، سواء أكان في غزة أم الضفة، أم أي مكان آخر في العالم»، وأنه يرفض «أي اعتداء أو إيذاء حتى لو بكلمة من أي حكومة كانت ضد أي إنسان»، داعياً الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة وغزة، إلى «احترام المواطنين والحفاظ على حقوقهم، وفي مقدمتها حرية الكلمة، ومنحهم مساحة واسعة من حرية الرأي».


مقالات ذات صلة

قافلة مساعدات سعودية جديدة تصل إلى غزة

الخليج حملت قافلة المساعدات السعودية الجديدة على متنها كميات كبيرة من السلال الغذائية (واس)

قافلة مساعدات سعودية جديدة تصل إلى غزة

وصلت إلى قطاع غزة الفلسطيني قافلة مساعدات إنسانية سعودية جديدة، تحمل على متنها كميات كبيرة من السلال الغذائية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي «اتفاق غزة»... 6 أشهر من التعثر ومستقبل مهدد

«اتفاق غزة»... 6 أشهر من التعثر ومستقبل مهدد

مرّ نحو 6 أشهر على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، شهدت 2400 خرق إسرائيلي و754 قتيلاً فلسطينياً، بحسب إحصائية للمكتب الإعلامي للحكومة في القطاع.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي صبية فلسطينيون في مخيم أقيم في خان يونس (أ.ف.ب)

بيوت من الألياف الزجاجية في غزة توفر بعضاً من كرامة للنازحين

ينهمك عناصر إغاثة في جنوب قطاع غزة في تركيب بيوت من الألياف الزجاجية لإيواء آلاف الفلسطينيين الذين ما زالوا نازحين بعد ستة أشهر من وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

خاص ملادينوف و«حماس» في القاهرة من أجل تفاهمات «حاسمة» بشأن «نزع السلاح»

أفادت مصادر لـ«الشرق الأوسط»، بأنَّ وفداً من «حماس» يصل إلى القاهرة، الجمعة؛ لعقد اجتماعات مع الممثل الأعلى لقطاع غزة في مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف والفصائل.

محمد محمود (القاهرة)

المفوض الأممي للاجئين يدعو المجتمع الدولي لتقديم «دعم عاجل» إلى لبنان

أشخاص فروا من الضاحية الجنوبية لبيروت بسبب الحرب يلجأون إلى شاطئ في بيروت... 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص فروا من الضاحية الجنوبية لبيروت بسبب الحرب يلجأون إلى شاطئ في بيروت... 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

المفوض الأممي للاجئين يدعو المجتمع الدولي لتقديم «دعم عاجل» إلى لبنان

أشخاص فروا من الضاحية الجنوبية لبيروت بسبب الحرب يلجأون إلى شاطئ في بيروت... 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص فروا من الضاحية الجنوبية لبيروت بسبب الحرب يلجأون إلى شاطئ في بيروت... 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

دعا المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح، الأربعاء، من بيروت المجتمع الدولي إلى توفير دعم «عاجل» للبنان الذي يواجه أزمة نزوح «غير مسبوقة» بعدما شرّدت الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل خُمس إجمالي السكان.

وقال صالح، عقب لقائه رئيس الحكومة نواف سلام في اليوم الثاني من زيارته لبنان: «أدعو المجتمع الدولي إلى تقديم الدعم والإغاثة العاجلة للبنان... وأن نقدّم إليه ما تيسّر من الإمكانيات من أجل معالجة هذه المعاناة الإنسانية»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف أن «التداعيات الإنسانية لهذه الحرب كبيرة، وأؤكد ضرورة تجنيب المدنيين والمنشآت المدنية ويلات الهجمات»، موضحاً أن «لبنان لا يستحق أن يكون في دوامة متكررة من العنف، بل يستحق الدعم ويستحق الاستقرار».

وأطلقت الأمم المتحدة خلال الشهر الماضي نداء تمويل عاجل بقيمة 308 ملايين دولار، من أجل الاستجابة لأزمة النزوح «غير المسبوقة». ودعت مفوضية شؤون اللاجئين إلى تأمين 61 مليون دولار. وأوضح صالح: «حصلنا على قسم من هذه المساعدات، ونوزعها الآن».

ومنذ اندلاعها في الثاني من مارس (آذار)، شرّدت الحرب أكثر من مليون شخص من منازلهم خصوصاً من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت التي تُعدّ معقلاً رئيسيا لجماعة «حزب الله». ويقيم أكثر من 140 ألفاً منهم في مراكز إيواء حكومية.

ومنذ عام 2019، تعصف بلبنان أزمة مالية غير مسبوقة، فاقمتها الحرب السابقة التي خاضها «حزب الله» وإسرائيل عام 2024، وأسفرت عن دمار واسع.

إقليمياً، أعلنت الولايات المتحدة، الأربعاء، أن الجيش أوقف تماماً حركة التجارة البحرية من وإلى إيران، على الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ​قال إن المحادثات مع طهران بشأن إنهاء الحرب قد تُستأنف هذا الأسبوع.


البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تلعب دوراً مركزياً في استقرار أسواق الطاقة

سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تلعب دوراً مركزياً في استقرار أسواق الطاقة

سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

في وقتٍ تتقاذف فيه أمواج التوترات الجيوسياسية استقرار الممرات المائية الحيوية، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة الطموحات الاقتصادية الكبرى في منطقة الخليج على الصمود أمام اختبار مضيق هرمز، الذي يمثل «شريان حياة» لا غنى عنه للاقتصاد العالمي، وفق رئيسة الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان في البنك الدولي، روبرتا غاتي. وحذّرت، في حديث مع «الشرق الأوسط»، من أن التوترات الجيوسياسية الراهنة تضع طموحات التنوع الاقتصادي في المنطقة أمام اختبار حقيقي، مشددة، في المقابل، على الدور المركزي الذي تلعبه السعودية في أسواق الطاقة العالمية، من خلال تدابيرها لتعزيز موثوقية سلاسل الإمداد. وأوضحت أن جهود المملكة لا تخدم المُصدّرين فحسب، بل تمتد آثارها الإيجابية لتشمل التضخم والتجارة والنمو العالمي.

كان البنك الدولي قد أصدر، الأسبوع الماضي، تقريراً، قبيل اجتماعات الربيع للبنك وصندوق النقد الدوليين، ثبّت فيه اقتصاد السعودية عند موقع الصدارة بنمو متوقع قدره 3.1 في المائة خلال 2026، ليبرز بوصفه أكثر اقتصادات الخليج قدرةً على التعايش مع تداعيات الأزمة الجيوسياسية الراهنة، وذلك رغم المراجعة الحادة التي طالت تقديرات المنطقة. كما أظهرت البيانات الواردة في التقرير أنه من المتوقع أن يتقلص عجز المالية العامة بمقدار النصف إلى 3 في المائة، من 6 في المائة خلال 2025، بالتزامن مع تحول ميزان الحساب الجاري من المنطقة السالبة إلى تحقيق فائض ملموس من -2.7 في المائة إلى 3.3 في المائة.

رئيسة الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان في البنك الدولي (البنك)

وابتداءً من يوم الاثنين الماضي، فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية؛ في محاولة لتصعيد الضغط على إيران من أجل إعادة فتح الممر النفطي الحيوي بعد انهيار مفاوضات السلام في باكستان، خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي. ويُتوقع أن تستأنف هذه المفاوضات خلال الأيام المقبلة.

وشددت غاتي على أن المملكة «تلعب دوراً مركزياً، الدور المركزي للمملكة يبرز، اليوم، في أسواق الطاقة العالمية»، وعَدَّت أن جهودها لتعزيز المرونة «تكتسب أهمية خاصة في وقت تزداد فيه حالة عدم اليقين حول مضيق هرمز». وقالت: «إن التدابير التي تُعزز موثوقية سلاسل إمدادات الطاقة - سواء من خلال الاستثمار في البنية التحتية، أم طرق التصدير البديلة، أم الطاقة الاحتياطية - يمكن أن تساعد في الحد من مخاطر تحوُّل مثل هذه الصدمات إلى اضطراب عالمي أوسع نطاقاً. وتكتسب هذه الجهود أهمية؛ ليس فقط للحد من التقلبات لصالح المصدّرين، بل أيضاً بالنسبة للتضخم والتجارة والنمو العالميين».

التنوع الاقتصادي واختبار الصمود

وقالت غاتي إن الصراع الحالي سلّط الضوء، بشكل مباشر، على الأهمية الاستراتيجية للتنويع الاقتصادي، وهو الهدف الجوهري الذي تتبناه خطط التنمية الوطنية ودول مجلس التعاون الخليجي. وأشارت إلى أن البيانات المسجّلة، منذ 28 فبراير (شباط) الماضي مع بدء حرب إيران، تعكس هذا التفاوت بوضوح، «حيث شهدت الاقتصادات الأكثر تنوعاً نسبياً، مثل الإمارات المتحدة والبحرين، انخفاضاً في توقعات نموّها بنسب أقل بكثير، مقارنة بالاقتصادات الأقل تنوعاً مثل قطر والكويت». وردَّت التراجع الحاد في توقعات الأخيرتين إلى «اعتمادهما الكبير على مضيق هرمز كمسار وحيد للتجارة وصادرات الطاقة، في ظل غياب أي طرق تصدير بديلة قادرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية».

ويتوقع البنك الدولي أن يسجل اقتصاد قطر انكماشاً بواقع 5.7 في المائة، وهو ما يعني تراجعاً من توقعات البنك السابقة بمقدار 11 نقطة مئوية، نتيجة الأضرار التي لحقت إمدادات الغاز المُسال. كما يتوقع أن يواجه الاقتصاد الكويتي انكماشاً أكبر بواقع 6.4 في المائة؛ نظراً لاعتماده بنسبة 100 في المائة على هرمز لتصدير النفط، مما يجعل إغلاق المضيق بمنزلة توقف كامل لشريان الحياة المالي للدولة. في المقابل، يتوقع أن تسجل اقتصادات الإمارات وسلطنة عُمان نمواً متوقعاً 2.4 في المائة لكل منهما، والبحرين ما نسبته 3.1 في المائة.

في هذا السياق، تؤكد غاتي أن استراتيجيات «الرؤية» الوطنية تظل خياراً مناسباً وحيوياً؛ نظراً لاستكمالها أهداف تقليل الاعتماد الهيكلي على الهيدروكربونات وتعزيز دور القطاع الخاص في قيادة النمو. إلا أن الأحداث الأخيرة أظهرت أن تنفيذ هذه الاستراتيجيات يظل «حساساً» تجاه الصدمات الخارجية، مع ظهور آثار متفاوتة عبر المنطقة؛ فالاقتصادات الأكثر تنوعاً تميل إلى أن تكون أكثر مرونة بفضل امتلاكها احتياطات مالية أقوى وقطاعات غير نفطية أكثر عمقاً.

وتُنبه غاتي إلى أن نوعية القطاعات التي يشملها التنويع تلعب دوراً حاسماً في مستويات الصمود؛ فبينما أبدت قطاعات مثل الخدمات المصرفية والمالية مناعة أكبر، فإن استمرار حالة عدم الاستقرار قد يؤدي إلى إضعاف شهية الاستثمار وزيادة الاضطراب في قطاعات السياحة والطيران والخدمات اللوجيستية، وهي المجالات التي كانت تشهد توسعاً سريعاً ومحورياً في خطط التنويع الاقتصادي بالمنطقة.

ميناء ينبع التجاري أحد المنافذ البحرية المهمة للسعودية في الفترة الراهنة (موانئ)

«فقر الطاقة»

تنتقل روبرتا غاتي، في تحليلها، إلى الجانب الأكثر قتامة لتقلبات أسواق الطاقة، موضحة أن ارتفاع أسعار النفط يفرض ضغوطاً مركبة على الدول النامية المستوردة؛ إذ يُترجم فوراً إلى ارتفاع في تكاليف الكهرباء والنقل العام، وصولاً إلى زيادة أسعار المواد الغذائية المرتبطة بارتفاع تكلفة الأسمدة. وتؤكد أن هذه الضغوط تؤدي حتماً إلى اتساع العجز التجاري وزيادة استنزاف الموازنات العامة، خاصة في الدول الفقيرة ذات الاحتياطات المحدودة، والتي تضطر لتحمُّل تكاليف مالية باهظة إذا حاولت دعم أسعار الطاقة لتخفيف العبء عن مواطنيها.

وتُنبه غاتي إلى أن الطاقة الموثوقة والميسورة ليست مجرد خدمة، بل هي عصب الحياة للأُسر والشركات على حد سواء، لذا فإن تقلبات أسواق الوقود والغاز تُسدد «ضربة مزدوجة» لهذه الاقتصادات؛ فبينما تكافح الأُسر لتأمين احتياجاتها الأساسية، تواجه الشركات طاقة مكلفة وغير موثوقة، مما يجعل التوسع الصناعي عملية أبطأ، وأكثر خطورة، وأقل تنافسية. وبموجب هذا المنطق، فإن الارتفاعات الحادة في الأسعار على المدى القصير لا تكتفي بآثارها اللحظية، بل قد تؤدي إلى تعطيل «التحول الهيكلي» طويل الأمد في الاقتصادات الفقيرة طاقياً.

وخلصت إلى أن قدرة أي اقتصاد على الصمود أمام صدمات النفط والغاز ترتبط طردياً بمدى انكشاف هياكله الاقتصادية؛ حيث تلعب درجة الاعتماد على الطاقة المستوردة، وكثافة استهلاك القطاعات الإنتاجية، ومدى مرونة استجابة المستهلكين والحكومات لارتفاع الأسعار، الدور الحاسم في تحديد حجم الضرر أو القدرة على التعافي.

«فاتورة» المسارات البديلة لتأمين الطاقة

عند الحديث عن ضرورة الاستثمار في ممرات برية أو خطوط أنابيب تتجاوز المضائق البحرية الضيقة، تؤكد غاتي أن القرار يتطلب توازناً دقيقاً بين الكفاءة الاقتصادية والقدرة على الصمود. فمن منظوريْن جغرافي وفني، يظل تصدير النفط والغاز عبر مضيق هرمز هو «الخيار الأكثر كفاءة» من حيث التكلفة، لكن الصدمات الراهنة تفرض تنويع طرق التجارة كضرورة لا مفر منها لتوفير المرونة.

وتستعرض غاتي أمثلة متباينة لهذا الصمود في المنطقة؛ حيث تبرز السعودية نموذجاً رائداً بقدرتها على تحويل جزء من صادراتها إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، عبر خط أنابيب «شرق -غرب» بسعة تصل إلى 7 ملايين برميل يومياً. وبالمثل، تمتلك الإمارات خط أنابيب «حبشان-الفجيرة» بسعة تُقارب 1.8 مليون برميل يومياً. وفي المقابل، تظهر التحديات في حالات أخرى مثل خط أنابيب «كركوك-جيهان» الرابط بين العراق وتركيا، والذي لا يعمل إلا بكسر من طاقته الإجمالية (0.4 مليون برميل يومياً من أصل 1.5 مليون) بسبب تأخر الإصلاحات داخل الأراضي العراقية، مما يحدّ من خيارات بغداد الاستراتيجية.

نهاية عصر «الكفاءة وحدها»

وفيما يخص مرونة سلاسل التوريد، تشير غاتي إلى أن العالم يمر باختبار قاسٍ بدأ بجائحة «كوفيد-19»، وصولاً إلى صراعات المنطقة، وهي أحداث كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على شبكات إنتاج مركزة جغرافياً. وتؤكد غاتي أن الدرس الأهم من هذه الأزمات هو أن «الكفاءة وحدها لم تعد كافية»؛ إذ باتت الحكومات والشركات بحاجة ماسة إلى بناء احتياطات، وتنويع المصادر، وزيادة المخزونات للسلع الحيوية، وتطوير أنظمة لوجستية أكثر مرونة.

وكشفت كبيرة اقتصاديي البنك الدولي عن وجود أُطر عمل وأبحاث مكثفة لدعم الدول في هذا التحول؛ مُحيلةً إلى «تقرير التنمية العالمية 2020»، الذي رصد تحديات البلدان النامية في عصر سلاسل القيمة العالمية. كما أعلنت ترقب صدور تقرير جديد ومهم بعنوان «الموارد من أجل المرونة: التنويع الاقتصادي لمصدّري النفط والغاز»، والذي سيقدّم خريطة طريق للمصدّرين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ حول كيفية تنويع قدراتهم الاقتصادية لتجاوز تقلبات الممرات المائية والاضطرابات المفاجئة.


الإقصاء القاري يضع برشلونة أمام مراجعة فنية شاملة

الإقصاء القاري يضع برشلونة أمام مراجعة فنية شاملة (رويترز)
الإقصاء القاري يضع برشلونة أمام مراجعة فنية شاملة (رويترز)
TT

الإقصاء القاري يضع برشلونة أمام مراجعة فنية شاملة

الإقصاء القاري يضع برشلونة أمام مراجعة فنية شاملة (رويترز)
الإقصاء القاري يضع برشلونة أمام مراجعة فنية شاملة (رويترز)

يطرح خروج برشلونة من ربع نهائي دوري أبطال أوروبا تساؤلات عدة حول مستقبل الفريق ومدربه هانز فليك، في ظل استمرار معاناة النادي في البطولة التي لم يتوّج بلقبها منذ عام 2015، وذلك وفقاً لشبكة «The Athletic».

وكان لويس إنريكي آخر من قاد برشلونة إلى منصة التتويج القاري، آنذاك، بقيادة الثلاثي الهجومي الشهير ليونيل ميسي، ولويس سواريز، ونيمار، ضمن فريق حقق الثلاثية التاريخية. وفي الموسم الماضي، بلغ الفريق نصف النهائي، وكان التقدم خطوة إضافية للهدف الأبرز هذا الموسم.

غير أن فريق فليك ودّع المنافسات مجدداً على يد أتلتيكو مدريد، الذي أقصاه أيضاً من كأس ملك إسبانيا، ليبقى أمام برشلونة هدف وحيد يتمثّل في حسم لقب الدوري الإسباني، حيث يتصدر الترتيب بفارق تسع نقاط عن ريال مدريد قبل سبع جولات من النهاية، من بينها مواجهة «الكلاسيكو» المرتقبة على أرضه في 10 مايو (أيار) التي قد تحسم اللقب.

وفي تقييم حجم الخسارة، يرى الصحافي بول بالوس أن «دوري الأبطال» كان «الحلم الأكبر» لهذا الجيل من برشلونة، وأن الإخفاق في تحقيق التقدم المنشود مؤلم، رغم أن الفريق قدم مستويات جيدة في البطولات الأخرى، ويبدو في طريقه للاحتفاظ بلقب الدوري. كما أشار إلى أن الفريق كان قريباً من تحقيق عودة لافتة أمام أتلتيكو في الكأس رغم خسارة الذهاب.

من جانبها، عدّت لايا سيرفيو الخروج القاري لا يمثل ضربة قاصمة للمشروع، مشيرة إلى وجود حالة من التفاؤل داخل النادي وبين الجماهير بشأن المستقبل، على عكس المواسم السابقة تحت قيادة رونالد كومان أو تشافي هيرنانديز، حيث كانت مثل هذه الإخفاقات تهزّ الاستقرار. وأوضحت أن المشكلة لا تكمن في نقص الموهبة، بل في حداثة سن الفريق وقلة عمق التشكيلة، بالإضافة إلى الإرهاق والإصابات.

وعلى صعيد مستقبل فليك، تشير التوقعات إلى استمرار الثقة به، إذ جاء إلى النادي في مايو (أيار) 2024 خلفاً لتشافي، وسط قناعة بأن المشروع طويل الأمد، لكنه حقق نتائج سريعة رغم محدودية الإنفاق، من بينها ثلاثية محلية، مع اقترابه من الحفاظ على لقب الدوري. كما جدّد عقده حتى عام 2027، وأبدى رئيس النادي خوان لابورتا رغبته في تمديده مجدداً.

وأكد فليك، في وقت سابق، أن تجربته مع برشلونة قد تكون الأخيرة في مسيرته التدريبية، معرباً عن سعادته داخل النادي. وفي هذا السياق، يشير المتابعون إلى أن «دوري الأبطال» كثيراً ما يُحسم بتفاصيل دقيقة، مثل طرد باو كوبارسي أو عدم احتساب ركلة جزاء محتملة بعد لمسة يد على مارك بوبيل.

وحول خطط التعاقدات، لم تتغير الأولويات كثيراً بعد الخروج، إذ يظل التعاقد مع مهاجم وقلب دفاع هدفاً رئيسياً، مع احتمال إضافة عناصر أكثر خبرة لدعم فريق شاب.

أما أسباب الإخفاق فيرى بالوس أن الحظ لعب دوراً في مواجهة الذهاب لصالح أتلتيكو، إلى جانب غيابات مؤثرة مثل رافينيا، فيما ظهرت مشكلات كامنة في التشكيلة، خصوصاً على الصعيد الهجومي، حيث يعاني كل من روبرت ليفاندوفسكي وفيران توريس من عدم الجاهزية الكاملة، في حين وجد الشاب لامين يامال نفسه معزولاً في الخط الأمامي.

كما اضطر الفريق إلى إجراء تعديلات اضطرارية، مثل إشراك إريك غارسيا في خط الوسط، في حين لا يزال بيدري في طور استعادة مستواه بعد الإصابة، مع الاعتماد على جيرارد مارتين في قلب الدفاع.

من جانبها، شددت لايا على أن الإرهاق البدني يمثّل عاملاً رئيسياً، مشيرة إلى أن مباراة الذهاب بدت وكأنها «يامال في مواجهة العالم»، في ظل تراجع الجاهزية البدنية لبقية اللاعبين، مما أدى إلى قلة التدوير واستنزاف التشكيلة الأساسية.

ورغم امتلاك برشلونة تشكيلة أساسية قوية، فإنه يفتقر إلى عمق كافٍ على مستوى الدكة، وهو عنصر حاسم للمنافسة على لقب دوري الأبطال.

وعلى صعيد المرحلة المقبلة، يستحضر بالوس تجربة الموسم الماضي، حين خرج برشلونة من نصف النهائي أمام إنتر ميلان، قبل أن يحقق فوزاً مهماً على ريال مدريد ويُسهم في حسم لقب الدوري. ويرى أن تكرار هذا السيناريو ممكن، خصوصاً مع اقتراب مواجهة «الكلاسيكو» التي قد تمنح الفريق اللقب.

بدورها، ترى لايا أن الموسم الحالي، رغم صعوبته، يمثّل مرحلة طبيعية في تطور مشروع كبير، مؤكدة أن الفريق قدّم أداءً جيداً قياساً بالتحديات، وأنه لا يزال قادراً على تحقيق موسم مميز عبر التتويج بالدوري، خصوصاً مع الدعم الجماهيري الكبير الذي شهده في مباريات الكأس.

وختمت بالإشارة إلى أن هذا الموسم قد يكون محطة مهمة في نضوج المشروع، حتى وإن غاب التتويج الأوروبي، في ظل مؤشرات إيجابية لمستقبل واعد للفريق الكتالوني.