الخوف والذعر يسيطران على الإيرانيين بعد هجوم أميركي إسرائيلي

زحمة سير في إحدى الطرق السريعة وسط طهران (أ.ف.ب)
زحمة سير في إحدى الطرق السريعة وسط طهران (أ.ف.ب)
TT

الخوف والذعر يسيطران على الإيرانيين بعد هجوم أميركي إسرائيلي

زحمة سير في إحدى الطرق السريعة وسط طهران (أ.ف.ب)
زحمة سير في إحدى الطرق السريعة وسط طهران (أ.ف.ب)

قال شهود إن محطات الوقود في إيران شهدت طوابير طويلة، مع شروع كثير من الإيرانيين في مغادرة المدن بحثاً عن الأمان، بعدما أدى الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل إلى انتشار الخوف والذعر في أنحاء البلاد.

ودعت الحكومة الإيرانية، سكان طهران، السبت، إلى مغادرة العاصمة «مع الحفاظ على الهدوء»، حسبما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية. وجاء في رسالة نصية أرسلتها السلطات إلى الهواتف الإيرانية وتلقتها وكالة الصحافة الفرنسية أنه «نظراً للعمليات المشتركة التي تنفذها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد طهران وبعض المدن الكبرى، يُرجى، إذا أمكن ومع الحفاظ على الهدوء، التوجه إلى مدن أخرى».

وهزّت انفجارات العاصمة طهران، وارتفعت أعمدة الدخان في السماء، صباح السبت، في مستهل أسبوع العمل في البلاد. وقال رجل من طهران لـ«رويترز»، إنه كان يسارع إلى اصطحاب أطفاله من المدرسة.

وقالت مينو، وهي أم لطفلين تبلغ 32 عاماً من مدينة تبريز في الشمال، إحدى المناطق التي أُبلغ عن وقوع انفجارات فيها: «نحن خائفون، نحن مرعوبون. أطفالي يرتجفون، ليس لدينا مكان نذهب إليه، سنموت هنا». وأضافت وهي تبكي عبر الهاتف: «ماذا سيحدث لأطفالي؟».

وأعلنت أعلى هيئة أمنية في إيران أنها تتوقع استمرار الهجمات في طهران ومدن أخرى، وحثّت السكان على «السفر إلى مدن أخرى حيثما أمكن للبقاء في مأمن من أذى أعمال العدوان». كما أُغلقت المدارس والجامعات حتى إشعار آخر.

ويمثل هذا الهجوم أحدث صدمة يواجهها الإيرانيون، بعد أسابيع من مقتل آلاف الأشخاص في حملة قمع حكومية للاحتجاجات التي عمت البلاد، كما يأتي بعد ثمانية أشهر فقط من حرب استمرت 12 يوماً مع إسرائيل، العام الماضي، قصفت خلالها الولايات المتحدة مواقع نووية إيرانية.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إن العملية تهدف إلى إنهاء التهديد الأمني للولايات المتحدة ومنح الإيرانيين فرصةً للإطاحة بحكامهم. وأعلن البنتاغون أن الضربات الأميركية حملت اسم «ملحمة الغضب».

وقال مواطن من مدينة يزد في وسط البلاد إنه يأمل أن تؤدي الهجمات إلى إسقاط نظام الحكم الذي يحكم إيران منذ ثورة 1979، مضيفاً: «دعهم يقصفون».

لكن سميرة مهيبي، من مدينة رشت في الشمال، عارضت هذا الرأي، وقالت: «أنا ضد هذا النظام، فليذهبوا إلى الجحيم. لكنني لا أريد أن تتعرض بلادي لهجوم من قوات أجنبية، لا أريد أن تتحول إيران إلى العراق»، في إشارة إلى ما شهده البلد المجاور من فوضى وسفك دماء بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة وأطاح صدام حسين.

«خدعونا مجدداً»

قال شهود إن قوات الأمن أغلقت طرقاً في طهران، التي تضم مكاتب المرشد علي خامنئي والرئيس مسعود بزشكيان ومبنى البرلمان.

وجاءت الهجمات بعد فشل الجولة الأخيرة من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف، يوم الخميس، في إحراز تقدم بشأن البرنامج النووي الإيراني، رغم حديث وسطاء عُمانيين عن تقدم.

وقال أحد سكان طهران: «قالوا إن المحادثات النووية تسير على ما يرام. لقد خدعونا مجدداً».

وتبدي الحكومات الغربية منذ سنوات شكوكاً بشأن سعي إيران إلى امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفيه طهران باستمرار.

وأفاد شهود بأن المواطنين اندفعوا لشراء العملات الأجنبية، فيما قال سكان في أصفهان، التي شهدت أيضاً هجمات، إنهم لم يتمكنوا من سحب أموال من أجهزة الصراف الآلي.

وقال رضا سعداتي (45 عاماً) إنه كان ينقل عائلته إلى مدينة أورميا، قرب الحدود التركية، مضيفاً: «إذا كانت الحدود مفتوحة، فسنعبرها ثم نسافر جواً إلى إسطنبول».

كما قال محمد إسماعيلي (63 عاماً) من مدينة إيلام، الواقعة على بعد نحو 500 كيلومتر من طهران، إنه سيغادر المدينة مع أسرته، وأضاف: «الله وحده يعلم ماذا سيحدث لنا. ادعوا لنا».

وقالت أم لثلاثة أطفال من طهران: «الناس مصدومون وخائفون. ماذا سيحدث لنا؟ أنقذونا من فضلكم».

وقالت إحدى سكان طهران، كانت تقود سيارتها عبر وسط العاصمة، إن الضجيج الصاخب لحركة المرور، بينما كان الناس يتدافعون لمغادرة المدينة، خفّ ليحل محله صمت مريب، حسب صحيفة «نيويورك تايمز».

وأضافت مهسا (39 عاماً)، التي طلبت عدم الكشف عن اسمها الكامل خوفاً من التعرض لأي إجراءات انتقامية، أن الشوارع كانت في وقت سابق مكتظة إلى درجة أن بعض الأشخاص تركوا سياراتهم في الطرقات وغادروها سيراً على الأقدام. وأوضحت أن طهران باتت الآن شبه خالية، يسودها صمت تام وحالة من السكون التام.


مقالات ذات صلة

هل تقيد واشنطن يد إسرائيل في لبنان؟

الولايات المتحدة​ عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)

هل تقيد واشنطن يد إسرائيل في لبنان؟

لم تعد صورة الخلاف بين إدارة الرئيس دونالد ترمب وحكومة بنيامين نتنياهو قابلة للاختزال في أن واشنطن تنحاز إلى إيران على حساب إسرائيل.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية مدير عام ​الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي (د.ب.أ) p-circle

غروسي: تفتيش المنشآت الإيرانية «سيحدث لا محالة»

قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأربعاء، إن مفتشي الوكالة سيزورون المواقع النووية الإيرانية في إطار الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية رجل يستخدم صرافاً آلياً تابعاً لبنك «ملي» أمام أحد البنوك في طهران 17 يونيو 2026 (رويترز)

هجوم سيبراني يضرب بنوك إيران الحكومية

تعرّضت الخدمات المصرفية الإلكترونية لتعطيل شديد بعد هجوم سيبراني جديد على عدة بنوك حكومية في إيران، وفق ما ذكرت وسائل إعلام إيرانية، يوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية صورة ظِلّية لإيلون ماسك تظهر إلى جانب شعار «ستارلينك» (رويترز)

رئيس وزراء سابق: إسرائيل هرّبت أجهزة «ستارلينك» إلى إيران

اعترف رئيس وزراء إسرائيلي سابق، الثلاثاء، بأن إسرائيل هرّبت أجهزة لاستقبال خدمة «ستارلينك» للإنترنت إلى إيران؛ ​لمساعدة المتظاهرين المناهضين الحكومة...

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية قاليباف يتوسط غريب آبادي وهتمي أثناء قراءة وثيقة على هامش محادثات سويسرا (البرلمان الإيراني) p-circle

أربع مجموعات عمل لتنفيذ تفاهم إسلام آباد

أعلنت إيران اختتام المحادثات الفنية مع الولايات المتحدة في سويسرا، فيما قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إن المفاوضات أسفرت عن «إنجازات جيدة».

«الشرق الأوسط» (لندن)

«دبلوماسية المخابرات» تتقدم واجهة التفاهمات الإقليمية حول ليبيا

المنفي في لقاء مع رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن بالعاصمة الليبية طرابلس أمس الثلاثاء (مكتب المنفي)
المنفي في لقاء مع رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن بالعاصمة الليبية طرابلس أمس الثلاثاء (مكتب المنفي)
TT

«دبلوماسية المخابرات» تتقدم واجهة التفاهمات الإقليمية حول ليبيا

المنفي في لقاء مع رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن بالعاصمة الليبية طرابلس أمس الثلاثاء (مكتب المنفي)
المنفي في لقاء مع رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن بالعاصمة الليبية طرابلس أمس الثلاثاء (مكتب المنفي)

فرضت «دبلوماسية الاستخبارات» نفسها على المشهد الليبي خلال الأيام الأخيرة، مع انتقال المشاورات الإقليمية المرتبطة بمستقبل الأزمة من القنوات الدبلوماسية التقليدية إلى مستوى رؤساء أجهزة الاستخبارات. وقد بدا ذلك واضحاً في تحركات استخباراتية مصرية وتركية وإيطالية متسارعة في كل من طرابلس وبنغازي، ترافقت مع تصاعد الحديث عن مبادرة أميركية لإنهاء الانقسام الليبي.

حراك استخباراتي

يرى خبراء أمنيون ودبلوماسيون أن تصدر الأجهزة الاستخباراتية للدول الثلاث لهذا الحراك، بدلاً من القنوات الدبلوماسية المعتادة، يعكس حساسية التفاهمات المطروحة مع الأفرقاء الليبيين، وحاجة الأطراف المعنية إلى تبادل رسائل وضمانات، يصعب تمريرها عبر المسارات العلنية.

صدام حفتر في لقاء مع رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن الاثنين (إعلام القيادة العامة)

وحتى مساء الثلاثاء، كانت طرابلس تشهد لقاءات مكثفة لرئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، الذي عقد لقاءات مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، ووزير الداخلية عماد الطرابلسي، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، وذلك بعد يوم من لقائه بنائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر في بنغازي.

وبدا التحرك الدبلوماسي الاستخباراتي التركي المكثف من وجهة نظر المحلل السياسي التركي، جواد جوك، «انعكاساً لرغبة أنقرة في تثبيت حضورها داخل أي ترتيبات سياسية مقبلة، خصوصاً مع تزايد المؤشرات على وجود مبادرة أميركية لإعادة ترتيب المشهد الليبي، بما يحفظ مصالح القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف».

وأوضح جوك لـ«الشرق الأوسط» أن تركيا، التي دعمت السلطات في غرب ليبيا لسنوات، وسّعت خلال الفترة الأخيرة قنوات التواصل مع الجيش الوطني في شرق البلاد، بقيادة المشير خليفة حفتر، انطلاقاً من إدراكها بأن النقاشات الجارية تتعلق بإعادة صياغة التوازنات السياسية في البلاد، وأن أي تفاهمات مستقبلية ستتطلب حضور جميع الأطراف المؤثرة.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية مع تزايد الحديث عن مبادرة منسوبة إلى مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، تقوم على إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، عبر إسناد رئاسة المجلس الرئاسي إلى صدام حفتر، مع الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة، وقد قوبلت هذه المبادرة بترحيب من «الجيش الوطني» في بنغازي، بينما لم تصدر سلطات غرب ليبيا موقفاً معلناً منها حتى الآن.

ويرى مراقبون أن حساسية هذه الترتيبات وما تتطلبه من تفاهمات وضمانات متبادلة بين أطراف محلية وإقليمية ودولية تفسر تصاعد دور ما يُعرف بـ«دبلوماسية الاستخبارات»، وهو نمط دبلوماسي عدَّه معهد «السياسة الاستراتيجية الأسترالي» أداة فعالة لدعم الدبلوماسية التقليدية، وفتح قنوات اتصال أكثر دقة في الأزمات المعقدة.

الدور الاستخباراتي في إدارة الملفات الخارجية

وفق هذا التقدير، كان لافتاً أيضاً الحضور المصري من خلال الزيارة غير المسبوقة لرئيس جهاز الاستخبارات العامة حسن رشاد إلى طرابلس ولقائه الدبيبة، من دون الكشف عن تفاصيل المباحثات، بالتزامن مع تداول صورة للقاء جمع رشاد وصدام حفتر ومسعد بولس في القاهرة.

وهنا يرى اللواء محمد رشاد، وكيل جهاز الاستخبارات المصرية الأسبق، أن ليبيا تمثل عمقاً استراتيجياً للأمن القومي المصري، بالنظر إلى طول الحدود المشتركة بين البلدين واتساع الجغرافيا الليبية، ما يجعل أي تطورات سياسية أو أمنية داخلها موضع اهتمام مباشر من القاهرة، أخذاً في الاعتبار الدور الاستخباراتي في إدارة ملفات خارجية أخرى، مثل المفاوضات بشأن ترتيبات المستقبل في قطاع غزة.

الدبيبة ورئيس الاستخبارات المصرية حسن رشاد في لقاء بالعاصمة الليبية طرابلس يوم الأحد (مكتب الدبيبة)

وأوضح المسؤول الاستخباراتي السابق لـ«الشرق الأوسط» أن المبادرة الأميركية المطروحة بشأن ليبيا تستحق الدراسة والاستكشاف، لكنه شدد على أن نجاح أي تسوية سياسية سيظل مرهوناً بمعالجة الملفين الأمني والعسكري، خصوصاً في ظل استمرار وجود التشكيلات المسلحة في غرب البلاد، إلى جانب ضرورة إشراك القبائل الليبية، باعتبارها أحد المكونات المؤثرة في المشهد الداخلي.

ويذهب الخبير الأمني المصري، اللواء خالد عكاشة، إلى الربط مباشرة بين هذا الحراك الاستخباراتي ومبادرة بولس، معتبراً أن المشاورات الجارية تستهدف إنهاء حالة الانسداد السياسي، والاستفادة من مخرجات الحوار الليبي المهيكل، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة خلال الأشهر الماضية.

وقال عكاشة لـ«الشرق الأوسط» إن زيارة رشاد إلى طرابلس جاءت في إطار استطلاع مواقف القوى السياسية في غرب ليبيا، ومدى استعدادها للتفاعل مع ترتيبات سياسية جديدة، مشيراً إلى أن اللقاءات التي تجمع بولس وصدام حفتر ومسؤولين إقليميين تعكس جدية المساعي، الرامية إلى بناء توافق سياسي يحظى بقبول الأطراف الرئيسية.

وعزا عكاشة غياب المواقف الرسمية المصرية المعلنة من المبادرة الأميركية إلى ما وصفه بـ«التحفظ الإعلامي المقصود»، في ظل رغبة الأطراف المعنية في اختبار فرص النجاح قبل الانتقال إلى بلورة رؤية متكاملة، والانتقال لمرحلة الإعلان السياسي.

في سياق ذلك، كان لافتاً دخول إيطاليا على خط الاتصالات عبر لقاء جمع رئيس جهاز الاستخبارات والأمن الخارجي الإيطالي، الجنرال جيوفاني كارافيلي، برئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، في مؤشر على اتساع دائرة اهتمام روما بالملف الليبي، وخصوصاً ما يرتبط بملف الهجرة غير النظامية في ظل أي تغييرات محتملة قد تلحق بالمشهد السياسي الليبي.

تساؤلات ليبية واسعة

داخل ليبيا، أثارت هذه «التحركات الدبلوماسية الاستخباراتية» تساؤلات واسعة داخل الأوساط السياسية حول دلالاتها وانعكاساتها على السيادة الوطنية، وهو ما عبّر عنه عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، والكاتب الليبي المقرب من النظام السابق مصطفى الفيتوري، في ظل تصاعد دور الأجهزة الأمنية في إدارة الاتصالات المرتبطة بمستقبل الأزمة.

بدوره، يعزو الباحث في شؤون الأمن القومي، فيصل أبو الرايقة، هذا المسار إلى طبيعة الانقسام الليبي نفسه، موضحاً أن وجود حكومتين ومؤسسات متوازية، بينها وزارتا خارجية وأجهزة تنفيذية متنافسة، جعل القنوات الاستخباراتية والأمنية أكثر قدرة على استكشاف المواقف، وتمرير الرسائل وتبادل الضمانات بين الأطراف المختلفة.

وتوقع أبو الرايقة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن المشاورات الاستخباراتية في طرابلس وبنغازي لم تقتصر على ترتيبات السلطة، بل شملت أيضاً ملفات الحدود والأزمة السودانية والهجرة غير النظامية وأمن شرق المتوسط، بما يعكس تشابك المصالح الإقليمية والدولية في الملف الليبي.

أما في تقدير الدبلوماسي الليبي، عادل عيسى، فإن تصاعد «دبلوماسية الاستخبارات» يؤكد أن ليبيا لا تزال ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، حيث تسعى القوى المنخرطة في الملف إلى حماية نفوذها، وضمان موقعها في أي ترتيبات سياسية جديدة قد تعيد رسم المشهد الداخلي.


ليبيا: بنغازي لاحتواء «مخاطر الهجرة» بحظر دخول مواطني 4 دول أفريقية

جانب من مظاهرة نظمها ليبيون مطلع الشهر الجاري رفضاً لما سموه «توطين» المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة نظمها ليبيون مطلع الشهر الجاري رفضاً لما سموه «توطين» المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)
TT

ليبيا: بنغازي لاحتواء «مخاطر الهجرة» بحظر دخول مواطني 4 دول أفريقية

جانب من مظاهرة نظمها ليبيون مطلع الشهر الجاري رفضاً لما سموه «توطين» المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة نظمها ليبيون مطلع الشهر الجاري رفضاً لما سموه «توطين» المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)

أعادت السلطات في شرق ليبيا ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة الجدل مجدداً، بعد قرار يقضي بحظر دخول مواطني أربع دول أفريقية إلى البلاد عبر المنافذ البرية، والجوية، والبحرية، في خطوة قالت إنها تستهدف الحد من تدفقات المهاجرين غير النظاميين، غير أن هذا القرار أثار تساؤلات حقوقية حول جدواه، وانعكاساته الإنسانية.

رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا أسامة حماد (الصفحة الرسمية للحكومة)

وفي بلد تتقاسم إدارته حكومتان في شرق البلاد وغربها، أصدر رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا، أسامة حماد، قراراً بحظر دخول مواطني السودان وإريتريا والصومال وإثيوبيا إلى الأراضي الليبية، لكنه استثنى الحاصلين على موافقات رسمية، أو عقود عمل سارية في قطاعي الصحة، والتعليم، إلى جانب العاملين في السفارات، والبعثات الدبلوماسية المعتمدة، وأفراد أسرهم.

كما نص القرار، الذي صدر في وقت متأخر أمس الثلاثاء، على تكليف وزارة الداخلية التابعة للحكومة باتخاذ إجراءات فورية لترحيل الموجودين من حملة هذه الجنسيات، الذين لا يحملون إقامات قانونية سارية.

ويأتي القرار بعد أسابيع من تصاعد احتجاجات ومواقف شعبية في مناطق متفرقة من شرق وغرب ليبيا ضد ما يُعرف بـ«توطين المهاجرين غير النظاميين»، وهي القضية التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى أحد أكثر الملفات حساسية في البلاد، في ظل تزايد أعداد الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، واستمرار الحرب في السودان المجاور.

وباتت ليبيا خلال السنوات الماضية إحدى أبرز نقاط العبور نحو أوروبا للمهاجرين الفارين من النزاعات المسلحة، والأزمات الاقتصادية، مستفيدين من حدود صحراوية شاسعة، وصعوبة ضبطها بشكل كامل، وهو الأمر الذي جعل ملف الهجرة محوراً دائماً في العلاقات بين ليبيا والدول الأوروبية، خصوصاً إيطاليا.

جثث مهاجرين سريين تم العثور عليها بأحد شواطئ شرق ليبيا (رويترز)

وفي جنوب ليبيا تتحدث السلطات المحلية بصورة متكررة عن ضغوط متزايدة على الخدمات الأساسية، نتيجة ارتفاع أعداد الوافدين. وقال عميد بلدية الكفرة، محمد بومريز، في تصريحات سابقة، إن تزايد أعداد اللاجئين السودانيين تسبب في أعباء إضافية على المرافق، والخدمات العامة في المدينة التي تعد إحدى أبرز نقاط استقبال الفارين من الحرب السودانية.

كما حذر عميد بلدية تازربو، حسين صالح، من «أزمة مركّبة» تواجهها البلدية، وذلك بسبب تكدس أعداد كبيرة من اللاجئين السودانيين، بينهم نساء، وأطفال، مشيراً إلى محدودية الإمكانات المتاحة لتقديم المساعدات والخدمات لهم.

ورغم الترحيب بقرار حكومة حماد من جانب ما يعرف بـ«حراك نشطاء طرابلس ضد التوطن والتوطين»، الذي تصدر مشهد المظاهرات الأخيرة، لكن ناشطين وخبراء في ملف الهجرة شككوا في قدرة القرار على تحقيق أهدافه المعلنة.

وفي هذا السياق قال طارق لملوم، مدير مركز بنغازي لدراسات الهجرة والنزوح، إن إغلاق المنافذ الرسمية أمام بعض الجنسيات «لن يغير بصورة جوهرية من واقع الهجرة غير النظامية في ليبيا».

وأوضح لملوم لـ«الشرق الأوسط» أن غالبية المهاجرين القادمين من إريتريا وإثيوبيا والصومال يصلون إلى ليبيا عبر شبكات تهريب، ومسارات غير نظامية ممتدة منذ سنوات طويلة، الأمر الذي يجعل تأثير إغلاق المنافذ الرسمية محدوداً، ما لم يترافق مع إجراءات أكثر شمولاً تستهدف شبكات الاتجار بالبشر، والجهات المستفيدة من نشاطها.

ورأى لملوم أن القرار يحمل أيضاً أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب الأمني، معتبراً أنه يوجه رسائل إلى الشركاء الأوروبيين، وفي مقدمتهم إيطاليا، والاتحاد الأوروبي، بشأن استعداد سلطات شرق ليبيا للتعاون في ملف مكافحة الهجرة غير النظامية، وتعزيز الرقابة على الحدود.

وحذر الناشط الحقوقي من أن التداعيات المحتملة للقرار قد تشمل تشديد الإجراءات الأمنية على البوابات الداخلية، والمنافذ الحدودية، خصوصاً في حق السودانيين الذين يشكلون النسبة الأكبر من الوافدين إلى ليبيا منذ اندلاع الحرب في بلادهم في أبريل (نيسان) 2023.

وأضاف الناشط الحقوقي أن السلطات في شرق ليبيا كانت قد تبنت في مراحل سابقة خطاباً مرحباً بالفارين من النزاع السوداني، ما يجعل الحديث حالياً عن ترحيل من لا يحملون إقامات قانونية يثير تساؤلات حول كيفية الموازنة بين الاعتبارات الإنسانية والمتطلبات الأمنية.

في سياق متصل، أعلن جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا، فجر الثلاثاء، عن ترحيل 41 مهاجراً من مدينة سرت، بينهم 29 من بنغلاديش، و12 من باكستان، بعد نقلهم إلى مركز إيواء بنغازي الكبرى لاستكمال إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم عبر مطار بنينا الدولي.

مهاجرون غير نظاميين قبل ترحليهم من مدينة سرت الليبية الأربعاء (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)

وتقول السلطات إن هذه الخطوات تأتي ضمن خطة لتنظيم أوضاع الوافدين، ومكافحة الهجرة غير النظامية، بينما يرى مراقبون أن نجاح أي إجراءات جديدة سيظل مرتبطاً بقدرة الأجهزة الأمنية على ضبط الحدود الجنوبية الشاسعة، ومعالجة الأسباب التي تجعل ليبيا محطة رئيسة للمهاجرين، والنازحين القادمين من أفريقيا نحو الضفة الشمالية للمتوسط.


المنطقة التجريبية لنشر الجيش اللبناني في الجنوب مرهونة بتدخل واشنطن

جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن في 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن في 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

المنطقة التجريبية لنشر الجيش اللبناني في الجنوب مرهونة بتدخل واشنطن

جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن في 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن في 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

توقف مصدر دبلوماسي غربي بارز أمام الأجواء التي سادت اجتماع اليوم الأول من الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، برعاية أميركية، الذي عقد على المستويين السياسي والعسكري، وقال إنه لم يحقق أي تقدّم وكاد يراوح مكانه، كاشفاً عن أن السبب الأول والأخير يكمن في أن تصاعد وتيرة الخلاف بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو حول مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية حضر بامتياز من خلال المداخلات التي جرت بين الوفد الأميركي بشقيه العسكري والسياسي وسفير إسرائيل لدى أميركا يحيئيل ليتر الذي تحدث بلغة عالية السقوف؛ احتجاجاً على ضم إيران للخلية المكلفة بتثبيت وقف إطلاق النار ومراقبة تنفيذه بين «حزب الله» وإسرائيل، في مقابل عدم إلحاق بلاده بها.

ومع أن المصدر الدبلوماسي أكد أمام أصدقائه أن الخلية، كما أُبلغ لبنانياً، لم تشكَّل بصورة نهائية، وأن ما يتم تناقله حول تركيبتها يتراوح بين ثلاثية تضم الولايات المتحدة، ولبنان وإيران، ورباعية بانضمام قطر إليها، وخماسية بإلحاق باكستان بها، ما يعني أن حسم مَنْ تضم من الدول يبقى رهن المشاورات، ما يفسر عدم تبلُّغ لبنان رسمياً بأسماء الدول الأعضاء فيها ليكون في وسعه بأن يبني على الشيء مقتضاه، رغم أن لبنان يؤيد أي جهد لتثبيت وقف النار كمدخل للبحث في وضع جدول زمني لانسحاب إسرائيل، في مقابل نشر الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها تدريجياً.

نازحون عائدون إلى مدينة النبطية حيث الدمار يلف المكان (أ.ب)

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» من مصدر مواكب للأجواء التي سادت الاجتماع التفاوضي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، بأن السفير ليتر، الذي يرأس وفد بلاده إلى المفاوضات أبدى تشدداً باعتراضه على استبعاد بلاده من الخلية التي انبثقت عن بدء المفاوضات الأميركية - الإيرانية حول مذكرة التفاهم في سويسرا برعاية باكستانية - قطرية، في مقابل ضم إيران إليها، وهذا يخالف ما تعهّدت به الإدارة الأميركية بإخراجها من الملف اللبناني ونزع سلاح «حزب الله».

وقال المصدر إن رئيس الوفد الأميركي اضطر للتدخل مرات للرد على السفير الإسرائيلي في محاولة لتنعيم موقفه بطمأنته بأن إشراك إيران ضروري في الخلية لتضغط على «حزب الله» لإلزامه بالتقيد بما ورد في مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية بالحفاظ على وحدة لبنان وسيادته على كافة أراضيه.

ونقل عن لسان مصدر دبلوماسي أميركي في بيروت قوله إنه لا مجال للربط بين المسارين: اللبناني والإيراني، وقد حُسم ولا عودة عن القرار في هذا الخصوص. وهذا ما أكده الرئيس ترمب مراراً ويردده باستمرار وزير خارجيته ماركو روبيو، وبالتالي لا داعي للقلق ولا مبرر للتشدد من قبل إسرائيل، إفساحاً في المجال أمام التوافق على المنطقة التجريبية التي يفترض أن ينتشر فيها الجيش اللبناني بغياب أي سلاح غير شرعي التزاماً من الحكومة بحصريته بالدولة، على أن تكون النموذج الذي سينسحب تلقائياً على المناطق الأخرى التي يُفترض أن ينتشر فيها الجيش تدريجياً بعد انسحاب إسرائيل على دفعات من الجنوب حتى الحدود الدولية.

وكشف المصدر اللبناني عن أن الوفد العسكري حضر إلى واشنطن ولديه خطة متكاملة لانتشار الجيش في الجنوب في المنطقة التي تنسحب منها إسرائيل تباعاً، على أن يأتي انسحابها ضمن جدول زمني يتم الاتفاق عليه في مفاوضات واشنطن، في مقابل إخلاء «حزب الله» لجنوب الليطاني واستعداده للبحث في تسليم سلاحه بوصفه شأناً داخلياً، شرط أن يتعهّد بعدم استخدامه أو التنقل به وصولاً لاحتوائه بحسب الخطة التي كانت وضعتها قيادة الجيش وتبنّاها مجلس الوزراء لتطبيق حصرية السلاح.

وبالنسبة للمنطقة التجريبية التي طُرحت في جولة المفاوضات السابقة، فإن الأجواء المشحونة التي سيطرت على الاجتماع الأول من الجولة الخامسة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي على المستويين السياسي والعسكري حالت، كما يقول المصدر، دون التوافق على المنطقة التي ستكون نموذجاً مبدئياً لنشر الجيش، وإنما ضمن خطة تنسحب تدريجياً على المناطق الأخرى التي يفترض على إسرائيل أن تنسحب منها حتى الحدود الدولية.

مواطنة لبنانية تتفقد منزلها المدمر نتيجة القصف الإسرائيلي في مدينة النبطية (أ.ب)

ورداً على سؤال، لفت المصدر إلى أن لبنان اقترح قبل اندلاع المواجهة بين «حزب الله» وإسرائيل، على امتداد الحافة الأمامية لشمال نهر الليطاني المطل على جنوبه، أن تضم المنطقة التجريبية الأولى قلعة الشقيف والبلدات المحيطة بها بهدف تحييد النبطية وجوارها عن الحرب المشتعلة بينهما، لكن بسبب احتلال إسرائيل قلعة الشقيف والبلدات المحيطة بها ومحاولتها السيطرة على تلة علي الطاهر قد نضطر لاختيار منطقة تجريبية بديلة ما دامت إسرائيل لن تنسحب من القلعة، فيما يرفض «حزب الله» إخلاء التلة؛ لما تتمتع به من موقع استراتيجي يطل على شمال إسرائيل.

ورأى أن عدم استعداد إسرائيل للانسحاب من الشقيف ودفاع «حزب الله» المستميت عن التلة قد يعطي الأولوية لاختيار البلدات الواقعة في قضاء صور؛ نظراً لأن القضاء أقل اشتعالاً من قضاء النبطية الذي يضم قرى تقع على الحافة الأمامية لشمال النهر المطل على جنوبه، إضافة إلى أن «حزب الله» يقاوم بشدة محاولات إسرائيل للسيطرة على تلة علي الطاهر كونها تشكل له خط الدفاع الأول والأخير عن مواقعه في شمال النهر.

وعليه، فإن اليوم التالي من الجولة الخامسة سيفتح الباب مجدداً أمام البحث بالمنطقة التجريبية وتحديد حدودها، وهذا يبقى رهن تدخل واشنطن الضاغط على تل أبيب لإقناعها بتسهيل انتشار الجيش في المنطقة النموذجية الأولى كبديل عن قلعة الشقيف وجوارها. فهل يتجاوب نتنياهو مع ترمب أم أنه يصر بالرد عليه في لبنان؟