«حماس» تطوي الذكرى الثانية لـ«طوفان الأقصى» بخسارة حكم غزة

حافظت على هيكلها التنظيمي وانتظام الرواتب

فتى فلسطيني وطائرته الورقية قرب خيام نازحين في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتى فلسطيني وطائرته الورقية قرب خيام نازحين في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«حماس» تطوي الذكرى الثانية لـ«طوفان الأقصى» بخسارة حكم غزة

فتى فلسطيني وطائرته الورقية قرب خيام نازحين في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتى فلسطيني وطائرته الورقية قرب خيام نازحين في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تواجه حركة «حماس» وضعاً استثنائياً منذ هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. فخلال سنتين من الحرب المدمّرة على قطاع غزة، تمكنت الحركة من الحفاظ على حياة عدد لا بأس به من المختطفين الإسرائيليين، الأمر الذي أنجح مهام الوسطاء بالتوصل إلى عمليتي وقف إطلاق نار، كانت إحداها قصيرة لعدة أيام، والأخرى امتدت لأكثر من شهرين فاعتقدت «حماس» لنهاية الحرب، لتعود إسرائيل وتستأنف هجماتها مركزة الاستهداف على قيادات الحركة ونشطائها.

سعت إسرائيل منذ بداية الحرب لاغتيال قيادات «حماس» وجناحها العسكري «كتائب القسام»، خصوصاً المسؤولين عن هجوم السابع من أكتوبر، وقد نجحت في ذلك، فقتلت الغالبية العظمى من المشرفين عن الهجوم، وقيادات أخرى من المستوى السياسي لا علاقة لهم بالهجوم، ولم يكونوا على اطلاع مباشر بكل تفاصيله أو يعرفون حجمه وتوقيته.

وأبرز القادة الذين قامت إسرائيل بتصفيتهم هم محمد السنوار، ومحمد شبانة، وحذيفة الكحلوت الملقب بـ«أبو عبيدة» الناطق باسم الكتائب وأحد قادة مجلسها العسكري باعتباره المسؤول عن ملفها الإعلامي، إلى جانب قيادات من مختلف الصفوف.

فلسطينيون في خان يونس فوق مركبة عسكرية إسرائيلية جرى الاستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023 (د.ب.أ)

«نجاحات» حماس

طوال فترة الحرب، يمكن أن يحسب لـ«حماس» أنها حافظت حتى الآن على هيكلية عملها التنظيمي والعسكري، على عكس ما كانت تدعيه إسرائيل من أنها فككت ألوية وكتائب وغيرها. فقد أثبت ذلك عدم صحته من خلال الهجمات التي نفذتها الحركة معتمدةً أسلوب «حرب العصابات» في مواجهة القوات الإسرائيلية.

ويُحسب للحركة أيضاً أنها حافظت على حياة عدد كبير من المختطفين الإسرائيليين، الأمر الذي ساعدها في لي ذراع إسرائيل في عديد المرات، بعدما فشلت المؤسسة الأمنية في تل أبيب في تحقيق إنجاز كبير باستعادة عدد بسيط من المختطفين الأحياء، فيما نجحت باستعادة العديد من الجثث.

عناصر من «كتائب القسام» الذراع العسكرية لحركة «حماس» خلال تسليم رهائن إسرائيليين في قطاع غزة (أرشيفية - إ.ب.أ)

كذلك، حافظت «حماس» على قوتها الاقتصادية خلال الحرب، ونجحت في صرف رواتب موظفيها الحكوميين، وعناصرها وناشطيها في المستويين السياسي والعسكري، رغم أنها كانت في بعض الفترات تتأخر الرواتب وتتفاوت نسب صرفها، إلا أنها بقيت مستمرة.

ولا شك أن الحركة تأثرت اقتصادياً بفعل قصف إسرائيل لأماكن أموالها، ومقرات شركاتها ومؤسساتها الاقتصادية، ولاقت صعوبات أكبر في عملية نقل الأموال من الخارج، سواء بفعل التضييق على الحوالات المالية أو بقصف إيران وقطع شريان الإمداد الأساسي، إلا أن الرواتب بقيت ثابتة إلى حد بعيد.

ونجحت «حماس» أمنياً في محاربة من تقول إنهم متخابرون مع إسرائيل، وأعدمت عدداً كبيراً منهم، كما أنها نصبت عدة كمائن لمجموعات مسلحة ونفذت ضدها هجمات أيضاً في مواقع تتحصن بها بحماية القوات الإسرائيلية.

وعلى المستوى الإعلامي، ما زالت «حماس» تملك زخماً إعلامياً كبيراً في ما يتعلق بتوثيق هجماتها العسكرية ضد القوات الإسرائيلية، إلى جانب تصوير المختطفين الإسرائيليين وبث مواد إعلامية عنهم، الأمر الذي يشير إلى أنها ما زالت متماسكة تنظيمياً إلى حد بعيد، وتستطيع إدارة صفوفها بدون عوائق كبيرة.

تسببت الحرب الإسرائيلية رداً على «طوفان الأقصى» في خسائر كبيرة بصفوف قيادات حركة «حماس» العسكرية والسياسية (الشرق الأوسط)

خسارة القادة والدعم

على مستوى القيادة، خسرت «حماس» كبار قادتها السياسيين والعسكريين، من بينهم إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي للحركة، ونائبه صالح العاروري، ثم يحيى السنوار قائد الحركة بغزة الذي أصبح رئيساً للمكتب العام بعد اغتيال هنية، وقيادات أخرى، من بينهم روحي مشتهى وسامح السراج وغيرهما من أعضاء المكتب السياسي، فيما فقدت القيادة العليا لـ«القسام»، محمد الضيف، ومحمد السنوار، ومروان عيسى، وغيرهم من قادة المجلس العسكري.

كما فقدت «حماس» قيادات من الصفوف المختلفة، من بينهم قادة كتائب وسرايا وفصائل داخل «كتائب القسام»، وقيادات دعوية ومجتمعية وسياسية من صفوف مختلفة في المستوى السياسي.

مقاتلان من حركة «الجهاد الإسلامي» و«كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس» في خان يونس بقطاع غزة (أرشيفية - د.ب.أ)

وعلى المستوى السياسي، فقدت «حماس» الكثير من الدعم الذي كانت تحاول فتح آفاق بشأنه من خلال علاقات مع جهات عربية وأوروبية، لكن بعد هجوم السابع من أكتوبر تغيرت نظرة الكثيرين تجاه الحركة وإمكانية انفتاحها لتكون في المستقبل صورة الجهة الفلسطينية الحاكمة، وهو ما كانت تسعى له من خلال إيجاد نفسها بديلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفق اتهامات علنية كانت توجهها لها حركة «فتح».

فلسطينية تأكل حفنة أرز من وعاء معدني بعدما حصلت على القليل منه من تكية خيرية في النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وعلى رغم التعاطف الشعبي الكبير مع الفلسطينيين في قطاع غزة، خلال الحرب وفي ظل الجرائم الإسرائيلية، فإن نظرة الكثيرين في العالم تجاه «حماس» بقيت على ما هي عليه إضافة إلى خسارة رصيد شعبي في الداخل.

فعلى المستوى الشعبي، خصوصاً داخل قطاع غزة، تراجع الدعم الذي كانت تتلقاه الحركة حتى في صفوف المؤيدين لها، بفعل ما لحق بالسكان من دمار طال كل نواحي الحياة، حيث يرى كثيرون أن «حماس» لم تأخذ بالحسبان نتائج هجومها المدمر بالنسبة لهم.

لافتة لـ«حماس» تحمل شعار «نحن الطوفان... نحن اليوم التالي» خلال تسليم دفعة من الأسرى الإسرائيليين (أ.ف.ب)

ما مصير «جمهور» حماس؟

مع إمكانية التوصل لاتفاق يوقف الحرب بشكل نهائي، تواجه حركة «حماس» الكثير من المعضلات بشأن مستقبلها، أهمها فقدان حكم قطاع غزة، وهو أمر كانت الحركة أكدت قبولها به وتسليم الحكم لهيئة فلسطينية يتم التوافق عليها من قبل جميع الفصائل بما فيها حركة «فتح».

وفي وقت تؤكد فيه الحركة استعدادها لمثل هذا الخيار، يتساءل الكثير من موظفيها الحكوميين ممن هم أصلاً ناشطين ومؤيدين لها، إذا كانوا سيتركون لمواجهة مصيرهم بأنفسهم.

كذلك، لا يعرف الكثيرون من عناصر «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس» مصيرهم، ومصير أسلحتهم الخفيفة المتبقية معهم، وسط توقعات بأن تصدر لهم أوامر واضحة بحسب مصير الاتفاق الذي قد يتم التوصل إليه في أي لحظة.

 

بحثاً عن اتفاق شامل

أمام تحديات كثيرة قد تواجه «حماس»، ومنها خروج بعض قياداتها من داخل القطاع إلى خارجه ضمن الاتفاق المرتقب، فإن الحركة باتت تحاول تحسين موقفها المتعلق بمشاركتها في مستقبل الوضع الفلسطيني على الأقل من ناحية سياسية، وهذا ما ستسعى إليه خلال المفاوضات، ولذلك نقلت في ردها بعض التعديلات التي تتيح للرد فلسطينياً أن يكون موحداً بمشاركة جميع الفصائل في قضايا مصيرية مثل السلاح ومستقبل القطاع، والمستقبل السياسي برمته.

ولا تريد «حماس» أن يحسب عليها أنها هي من سلمت السلاح لوحدها، مع اشتراطها أن يكون لجهة فلسطينية، ولذلك دفعت بأن يكون هناك اتفاق وطني شامل بهذا الشأن، وبشأن المرحلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

«قادتها يتحركون بين 3 دول»... ما الملاذات المتبقية لحركة «الجهاد»؟

خاص المرشد الإيراني الراحل على خامنئي يستقبل زعيم «حماس» الراحل إسماعيل هنية وقائد حركة «الجهاد» زياد النخالة في طهران يوليو 2024 (أ.ف.ب)

«قادتها يتحركون بين 3 دول»... ما الملاذات المتبقية لحركة «الجهاد»؟

فرضت الحرب الأميركية- الإسرائيلية ضد إيران متغيرات كبيرة على مستوى الفصائل الفلسطينية المدعومة من طهران، وأبرزها «الجهاد الإسلامي» التي تضررت أمنياً ومالياً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص خيام نازحين فلسطينيين في مدينة غزة (رويترز)

خاص «حماس» تحبط هجوماً لـ«عصابة مسلحة» في مدينة غزة

كشفت مصادر أمنية في قطاع غزة عن إحباط مخطط لعصابة مسلحة حاولت تنفيذه في عمق غرب مدينة غزة، بالمناطق الواقعة تحت سيطرة حركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مبانٍ وسيارات متضررة في أعقاب الغارات الجوية الإسرائيلية على بيروت (رويترز) p-circle

مقتل قيادي في «حماس» بضربة إسرائيلية في شمال لبنان

أفاد الإعلام الرسمي اللبناني بمقتل قيادي في «حماس» بضربة نفّذتها مسيّرة إسرائيلية في شمال لبنان، اليوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري حريق في مبنى متضرر بعد غارة جوية إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت فجر الاثنين (أ.ف.ب)

تحليل إخباري اتساع جبهات الحرب الإيرانية يهدد «اتفاق غزة» ويوسع الخروقات

دخلت جبهة لبنان دائرة الحرب الإيرانية، بعد تبادل إسرائيل و«حزب الله» الموالي لطهران الضربات، بينما لا يزال اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تحت الخروقات.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي دخان يتصاعد بعد غارة جوية إسرائيلية على برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت لبنان 2 مارس 2026 (إ.ب.أ)

مقتل قائد الجناح العسكري ﻟ«الجهاد الإسلامي» في لبنان بضربة إسرائيلية

أعلنت حركة «الجهاد الإسلامي» الفلسطينية، الحليفة لحركة «حماس» و«حزب الله»، مقتل أدهم عدنان العثمان، قائد جناحها العسكري «سرايا القدس» في لبنان، بضربة إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مقتل 6 فلسطينيين في غارة إسرائيلية على مدينة غزة

فلسطينيات يبكين أقارب لهن قُتلوا في غارات إسرائيلية على مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)
فلسطينيات يبكين أقارب لهن قُتلوا في غارات إسرائيلية على مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)
TT

مقتل 6 فلسطينيين في غارة إسرائيلية على مدينة غزة

فلسطينيات يبكين أقارب لهن قُتلوا في غارات إسرائيلية على مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)
فلسطينيات يبكين أقارب لهن قُتلوا في غارات إسرائيلية على مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)

قال مسؤولون في قطاع الصحة، إن غارةً جوية إسرائيلية وقصفاً بالدبابات أسفرا عن مقتل 6 فلسطينيين، ​بينهم امرأتان وفتاة في مدينة غزة، أمس (الأحد)، في أعنف هجمات على القطاع منذ أن شنت إسرائيل والولايات المتحدة حربهما على إيران قبل أسبوع.

وقال محمد أبو سلمية، مدير مستشفى «الشفاء» في مدينة غزة، إن 3 من القتلى سقطوا في غارة جوية قرب جامعة الأزهر، غرب مدينة غزة، ومن بينهم المسعف محمد حمدونة، والآخران هما محمد أبو شدق وأحمد لافي.

وذكر مسعفون أن الغارة استهدفت منطقة قرب مخيمات مكتظة يحتمي فيها سكان غزة، ما أسفر أيضاً عن إصابة عدد من الأشخاص.

وانخفضت وتيرة هذه الهجمات منذ ‌بدء الحملة الأميركية الإسرائيلية ‌على إيران، ولكن القوات الإسرائيلية قتلت عدداً من الفلسطينيين ​خلال ‌الأسبوع الماضي.

وقال الجيش ​الإسرائيلي، في بيان بشأن الغارة، أمس (الأحد)، إنه قتل اثنين من عناصر حركة «حماس» كانا يستعدان لمهاجمة جنود إسرائيليين، دون أن يقدم أدلة على ذلك. ولم تعلن أي جماعة مسلحة انتماء أي من الرجلين إليها.

وأحجم الجيش الإسرائيلي عن التعليق على طلب من وكالة «رويترز» لتقديم أدلة تربط الرجلين بهجوم محتمل.

أقارب المسعف عبد الرحمن حمدونة الذي قُتل في قصف إسرائيلي يبكون خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

وقال مسؤولون صحيون في مستشفى «العودة» بمخيم النصيرات، إنه بعد منتصف الليل بقليل في وسط قطاع غزة، أسفر قصف دبابات إسرائيلية عن مقتل امرأتين، إحداهما صحافية محلية، وفتاة، فضلاً عن إصابة 10 آخرين بينهم أطفال.

وأفاد مسعفون بأن ‌قذائف الدبابات أصابت مخيماً يضم عائلات نازحة في منطقة ‌النصيرات الغربية.

ودمرت الحرب التي استمرت عامين معظم القطاع، وتسببت ​في نزوح معظم سكانه البالغ عددهم ‌أكثر من مليوني نسمة.

وقال مسؤول أمني إسرائيلي، لوكالة «رويترز»، اليوم (الاثنين)، إن الجيش ليس على ‌علم بأي واقعة أسفرت عن مقتل طفلة أو صحافية جراء قصف إسرائيلي.

أغطية ملطخة بالدماء

وأظهرت لقطات لوكالة «رويترز» فلسطينيين يتفقدون الخيام والأضرار التي لحقت بها، ويعرضون بطانيات ملطخة بالدماء، بينما يجلس بعض النساء يبكين بجوار جثة ملفوفة بكفن أبيض.

وقالت نسرين أبو شلوف التي قُتلت زوجة ابنها في الغارة: «قاعدين في ‌خيامنا ما شوفنا إلا شيء مثل النار الحمراء يتطاير حولنا، مرة ومرتين وتلاتة، وأصبحنا نجري ما ندري».

وأضافت: «نظرت خلفي. كنت في خيمة وحدي فوجدت زوجة ابني مخها طالع في خيمتها. عروس جديدة. والله عروس جديدة». وأصيب بعض أبناء نسرين بجروح.

وتوصلت إسرائيل وحركة «حماس» إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة بوساطة أميركية، دخل حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، غير أن أعمال العنف استمرت بشكل شبه يومي. ويتبادل الطرفان الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار.

مسعفون فلسطينيون يشاركون في تشييع جثمان زميل لهم قُتل في قصف إسرائيلي على قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقالت وزارة الصحة في غزة، إن 640 فلسطينياً على الأقل قُتلوا بنيران إسرائيلية منذ أكتوبر. وفي المقابل، تقول إسرائيل إن 4 جنود قتلوا على أيدي مسلحين في غزة خلال الفترة نفسها.

وتعرض قطاع غزة لدمار هائل جراء الحرب الإسرائيلية، التي تقول السلطات الصحية في غزة إنها أسفرت عن مقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني.

واندلعت الحرب بعد أن قادت «حماس» هجوماً على إسرائيل في السابع من ​أكتوبر 2023، وهو الهجوم ​الذي تشير إحصاءات إسرائيلية إلى أنه أسفر عن مقتل 1200 شخص، واقتياد أكثر من 250 رهينة إلى قطاع غزة.


أنقرة تعلن اعتراض صاروخ إيراني ثان

عناصر من الدرك التركي يعاينون موقع سقوط شظايا الصاروخ الإيراني في ضواحي غازي عنتاب يوم الاثنين (إعلام تركي)
عناصر من الدرك التركي يعاينون موقع سقوط شظايا الصاروخ الإيراني في ضواحي غازي عنتاب يوم الاثنين (إعلام تركي)
TT

أنقرة تعلن اعتراض صاروخ إيراني ثان

عناصر من الدرك التركي يعاينون موقع سقوط شظايا الصاروخ الإيراني في ضواحي غازي عنتاب يوم الاثنين (إعلام تركي)
عناصر من الدرك التركي يعاينون موقع سقوط شظايا الصاروخ الإيراني في ضواحي غازي عنتاب يوم الاثنين (إعلام تركي)

أعلنت وزارة الدفاع التركية، الاثنين، اعتراض صاروخ باليستي أُطلق من إيران، بعد دخوله الأجواء التركية، في ثاني حادثة من هذا النوع خلال 5 أيام. وقالت الوزارة إن أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي التابعة لـ«حلف شمال الأطلسي (ناتو)» المنتشرة في شرق البحر المتوسط تمكنت من تحييد صاروخ باليستي أُطلق من إيران، بعد دخوله المجال الجوي التركي. وأضافت الوزارة، في بيان الاثنين عبر حسابها على «إكس»، أن بعض شظايا الصاروخ سقطت بحقول خالية في قضاء غوني شهير بولاية غازي عنتاب (جنوب تركيا)، دون وقوع أي إصابات أو خسائر بشرية.

وطوّقت فرق الدرك المنطقة، وتجري عمليات بحث مكثفة للعثور على الشظايا.

ويعدّ هذا الحادث الثاني خلال أسبوع، حيث أسقطت دفاعات الـ«ناتو» الأسبوع الماضي صاروخاً باليستياً أطلقته إيران وعبر أجواء العراق وسوريا وسقط جزء منه في بلدة دورت يول التابعة لولاية هطاي في جنوب تركيا، لكن القوات المسلحة الإيرانية نفت أن تكون تركيا هي الهدف.

وجاء في بيان وزارة الدفاع التركية أن «تركيا تولي أهمية بالغة لعلاقات حسن الجوار والاستقرار الإقليمي، ومع ذلك، فإننا نؤكد مجدداً أن جميع الإجراءات اللازمة ستُتخذ بحزم ودون تردد، ضد أي تهديد موجه إلى أراضينا ومجالنا الجوي، ونُذكّر الجميع بأن الاستجابة لتحذيرات تركيا في هذا الشأن تصب في مصلحة الجميع».

وكانت تركيا قد وجّهت تحذيرات إلى إيران الأسبوع الماضي؛ عقب سقوط الصاروخ الأول، خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية هاكان فيدان ونظيره الإيراني عباس عراقجي. كما استدعت وزارة الخارجية التركية السفير الإيراني في أنقرة وأبلغته استياءها من الحادث، محذرة من تكراره.

أسقطت دفاعات حلف الـ«ناتو» صاروخاً باليستياً إيرانياً في ولاية هطاي التركية (أ.ف.ب)

ونفت طهران، الاثنين، أن تكون القوات الإيرانية نفذت أي هجمات على تركيا أو أذربيجان أو قبرص.

وأعلنت وزارة الدفاع التركية، في وقت سابق الاثنين، نشر 6 مقاتلات من طراز «إف16» ومنظومات دفاع جوي في جمهورية شمال قبرص التركية لضمان أمنها، لافتة إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن تخطيط تدريجي لضمان وتعزيز أمن قبرص التركية، على خلفية التطورات الأخيرة بمنطقة الشرق الأوسط.

وذكرت الوزارة، في بيان عبر «إكس»، أنه بناء على التقييمات التي ستُجرى وفقاً لمستجدات الأوضاع، فسيجري الاستمرار في اتخاذ تدابير إضافية عند الحاجة.

وجاءت هذه الخطوة على خلفية هجوم إيراني بطائرة مسيّرة على القاعدة البريطانية في «أكروتيري» بقبرص ليلة الأحد 1 مارس (آذار) الحالي، وإخلاء السلطات القبرصية، الاثنين الماضي، القاعدة التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني ومطار «بافوس» المدني، إثر اعتراض مسيّرتين جديدتين، في ظل اتساع رقعة المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل.

وقال فيدان، خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع غير رسمي لـ«منظمة الدول التركية» في إسطنبول السبت، إن استهداف تركيا وأذربيجان هذا الأسبوع أظهر مرة أخرى مدى الخطر الذي نواجهه. وأضاف: «نُذكّر الجميع بضرورة عدم تكرار حوادث مماثلة، وأن مهاجمة البنية التحتية المدنية والبنية التحتية للطاقة في الدول التي لا تسمح للدول الأخرى باستخدام مجالها الجوي أو استخدام قواعدها العسكرية، ليس استراتيجية سليمة».

ولفت فيدان إلى أن الهجمات التي تستهدف السعودية وقطر والكويت والإمارات والبحرين تُعرّض حياة المدنيين الأبرياء للخطر وتزيد من احتمال اتساع رقعة الحرب.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مؤتمر صحافي عقب «اجتماع الدول التركية» في إسطنبول السبت الماضي (الخارجية التركية)

وقال فيدان: «أود التأكيد مرة أخرى على أننا ندين بأشد العبارات أي هجمات تستهدف دولاً ثالثة ليست طرفاً في الحرب».

في غضون ذلك، طلبت الولايات المتحدة، الاثنين، من موظفيها الدبلوماسيين غير الأساسيين مغادرة جنوب تركيا. كما رفعت السفارة الأميركية في أنقرة مستوى التحذير من السفر إلى مناطق في جنوب شرقي تركيا إلى «المستوى الرابع»، محذرة مواطنيها من السفر إلى هذه المناطق.

وذكرت السفارة، في بيان: «في جنوب شرقي تركيا، رُفع التحذير إلى (المستوى الرابع). ينصح بعدم السفر. بينما لا يزال التحذير لبقية تركيا عند (المستوى الثاني). ينصح بتوخي الحذر الشديد». ولفت البيان إلى أنه لم يطرأ أي تغيير على مستوى التحذير العام أو مؤشرات المخاطر المتعلقة بتركيا، إلا إنه جرى تحديث «منطقة الخطر المتنامي» في جنوب شرقي البلاد، ليعكس التغيرات الأخيرة في عمليات البعثة الأميركية.


«أرامكو» تعزز مرونة السوق العالمية وسط تصاعد التوترات الإقليمية

رافعات مضخات النفط المطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (رويترز)
رافعات مضخات النفط المطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (رويترز)
TT

«أرامكو» تعزز مرونة السوق العالمية وسط تصاعد التوترات الإقليمية

رافعات مضخات النفط المطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (رويترز)
رافعات مضخات النفط المطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (رويترز)

في ظل التحديات اللوجيستية الراهنة التي تواجه قطاع الطاقة، تبرز التحركات التشغيلية لشركة «أرامكو السعودية» بوصفها عاملاً مؤثراً في استقرار المعروض العالمي. فقد بادرت الشركة إلى طرح شحنات إضافية في السوق الفورية، في خطوة تُقرأ في أوساط المحللين بوصفها إجراءً لامتصاص صدمات الإمداد، وضمان استمرارية التدفقات في الممرات الحيوية. هذا التحرك، الذي يتماشى مع الدور التاريخي للمملكة بصفتها منتجاً رئيسياً، يهدف إلى الحد من تقلبات الأسعار والحفاظ على توازن العرض والطلب، وهو ما يجعله ركيزة جوهرية في استجابة سوق الطاقة العالمية للظروف الجيوسياسية الحالية.

وكانت «رويترز» ذكرت أن «أرامكو» عرضت أكثر من 4 ملايين برميل من النفط الخام السعودي في مناقصات نادرة، في ظل تداعيات الصراع الأميركي الإيراني الذي يعيق صادرات الشرق الأوسط.

وفي قراءة تحليلية تضع هذه التحركات في سياقها الصحيح، أوضح كبير مستشاري وزير الطاقة السعودي سابقاً، الدكتور محمد الصبان، أن القفزات الحالية في أسعار النفط ليست بالضرورة نتاجاً لنقص حاد ومباشر في الكميات المتاحة في الأسواق، بل هي مدفوعة بشكل رئيسي بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية».

وأكد الصبان في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن استمرار الأسعار فوق مستويات الـ 100 دولار للبرميل يعكس حالة القلق العالمي من احتمال توسع نطاق الحرب وتأثيراتها المستقبلية على أمن الإمدادات.

وأشار الصبان إلى بُعدٍ تحليلي مهم غالباً ما يتم تجاهله؛ إذ يرى أن الإيرادات النفطية الناتجة عن هذه الارتفاعات، وإن كانت تعزز الفوائض المالية على المدى القصير، إلا أنها تُقابل بتكاليف إضافية غير منظورة. وتتمثل هذه التكاليف في الأعباء المترتبة على إجراءات الحماية والتدابير الأمنية الموجهة للمنشآت النفطية، التي تزداد في ظل بيئة إقليمية مضطربة، حيث تواجه دول الخليج ضغوطاً أمنية تتطلب جهوداً استثنائية لحماية بنيتها التحتية.

وفي سياق تحليله للسوق، لفت الصبان إلى أن «السوق الفورية» تشهد حالياً مكاسب أكبر بكثير مقارنة ببيع النفط وفق العقود الآجلة. وعزا ذلك إلى حالة الضبابية وعدم اليقين التي تفرضها الحرب، حيث يفضل المشترون دفع علاوات سعرية مقابل الحصول على شحنات فورية ومضمونة، مما يجعل آليات البيع الفوري أداة أكثر فاعلية وربحية في هذه المرحلة الاستثنائية.

حقل نفط تابع لشركة «أرامكو» في الربع الخالي (رويترز)

مضيق هرمز: دروس التاريخ

تظل الملاحة في مضيق هرمز نقطة الارتكاز في هذه الأزمة؛ حيث يمر عبره نحو 20 في المائة من العرض العالمي للنفط. وفي هذا الإطار، أوضح الصبان أن إغلاق هذا الممر الحيوي لفترات قصيرة يؤدي حتماً إلى انحسار الكميات المتاحة، مما يخلق حالة من الهلع في الأسواق تستدعي السحب من المخزونات الاستراتيجية.

واستحضر الصبان تجارب التاريخ، مشيراً إلى أنه خلال الحرب العراقية - الإيرانية في أواخر السبعينات، تحولت أسواق الطاقة إلى ساحة للمضاربات، وهي النتائج التي لم تظهر آثارها السلبية إلا في مراحل لاحقة.

وفي المحصلة، عندما يُسأل عما إذا كانت الحرب تمثل فرصة اقتصادية قصيرة الأجل لدول المنطقة أم أنها تحمل مخاطر أكبر على اقتصاداتها، أكد الصبان أن الواقع هو مزيج من الاثنين: قد تكون فرصة ما دام استمرت الأسعار فوق 100 دولار، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر أكبر على اقتصادات المنطقة إذا طال أمد الحرب أكثر مما هو متوقع نظراً لارتباط ذلك بتكاليف لوجيستية وأمنية متصاعدة.

مرونة عالية

من جهته، أوضح المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس لـ«الشرق الأوسط» أن خطوة «أرامكو السعودية» بطرح شحنات نفط في السوق الفورية تعكس مرونة عالية في إدارة الإمدادات، كما تشير إلى محاولة الاستجابة السريعة لمتغيرات السوق في ظل ارتفاع الطلب، وازدياد المخاوف من نقص الإمدادات.

ولفت إلى أن هذه الخطوة تحمل رسالة مهمة للأسواق العالمية، مفادها أن السعودية ما زالت تلعب دور المنتج المرجّح القادر على التدخل للحفاظ على توازن السوق، وتهدئة المخاوف المتعلقة بأمن الإمدادات، وهو الدور الذي اعتادت المملكة القيام به تاريخياً في فترات الاضطراب في أسواق الطاقة.

وأوضح العطاس أن الارتفاع الحالي في أسعار النفط يرتبط بدرجة كبيرة بما يسمى في أسواق الطاقة «علاوة المخاطر الجيوسياسية»، إذ إن أي تصعيد عسكري في منطقة تعد القلب النابض لإمدادات النفط العالمية ينعكس مباشرة على توقعات السوق.

ويرى العطاس أن بقاء خام برنت فوق مستوى 100 دولار ممكن في المدى القصير إذا استمرت حالة القلق بشأن أمن الإمدادات أو الملاحة في المنطقة. لكنه أشار إلى أن تاريخ السوق النفطية يبين أن الأسعار المرتفعة الناتجة عن التوترات السياسية غالباً ما تكون مؤقتة ما لم يحدث انقطاع فعلي وطويل الأمد في الإمدادات.

لذلك فإن استمرار الأسعار عند هذه المستويات يعتمد بشكل أساسي على تطور مسار الأزمة، ومدى تأثيرها الفعلي على تدفقات النفط العالمية.

مكاسب محتملة

من الناحية المالية، قال العطاس إن ارتفاع أسعار النفط يعني تلقائياً زيادة الإيرادات النفطية للدول المصدرة، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على الفوائض المالية وعلى قدرة الحكومات على تمويل الإنفاق والمشروعات التنموية.

وأضاف أن دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، يمكن أن تستفيد مالياً على المدى القصير من ارتفاع الأسعار.

لكنه أكد أن هذه المكاسب غالباً ما تكون ظرفية وليست هيكليّة، لأن ارتفاع أسعار الطاقة لفترة طويلة قد ينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي عبر زيادة التضخم وتباطؤ النمو، ما قد يؤدي لاحقاً إلى تراجع الطلب على النفط. لذلك يمكن وصفها بأنها فرصة مالية مؤقتة أكثر من كونها تحولاً دائماً في الإيرادات.

انعكاسات الأزمة

يمكن القول إن الأزمة تحمل وجهين متناقضين. فمن جهة، قد تستفيد دول الخليج مالياً في المدى القصير من ارتفاع أسعار النفط وزيادة العوائد. لكن من جهة أخرى، فإن أي توسع للصراع في المنطقة قد يخلق مخاطر أكبر على الاستقرار الاقتصادي والتجاري، وفق العطاس.

ولهذا «رغم استفادة دول الخليج المالية من ارتفاع الأسعار، تظل مصلحتها الاستراتيجية مرتبطة باستقرار أسواق الطاقة العالمية واستمرار تدفق الإمدادات بشكل طبيعي، لأن الاستقرار هو العامل الأهم لضمان استدامة الطلب على النفط ودعم النمو الاقتصادي».