قبل 74 عاماً مع صدور قوانين الإصلاح الزراعي في مصر عام 1952، والقضاء على الإقطاع، وإعادة توزيع الأرض على الفلاحين، تغيرت النظرة النمطية للفلاح في المجتمع المصري، وجاء هذا التغيير متسقاً مع التوجه الذي أعلنته ثورة 1952، بضرورة الاهتمام بالفلاح، وإعطائه حقه، وتمكينه من أرضه، وهو التوجه الذي انبرى لمساندته ودعمه ونشره نجوم الفن في السينما، والإذاعة، والأغاني، وفيما بعد في التلفزيون.
وما زالت الأعمال الدرامية والسينمائية حتى اليوم تتناول الريف المصري، كما ظهر من قبل في أغانٍ مثل: «يا حلاوة أم إسماعيل في وسط عيالها» لـ«فنان الشعب» سيد درويش، أو «محلاها عيشة الفلاح» لأسمهان، أو أغنية «فلاح كان فايت بيغني من جنب السور» لشريفة فاضل، أو أعمال عبد الحليم حافظ مثل: «بالأحضان» و«صورة» و«إحنا الشعب»، وأغنية أنغام الشهيرة «الأرض». وهناك أيضاً كثير من الأعمال السينمائية الشهيرة التي انطلقت من مجتمع القرية، مثل: «البوسطجي»، و«الزوجة الثانية»، و«الحرام»، و«الأرض» أحد أهم أفلام يوسف شاهين. وفي الأخير ظهرت صورة أبناء الريف بطريقة تبدو كوميدية ساخرة في الفيلم الأحدث «السادة الأفاضل».

وخلال الاحتفال اليوم بالذكرى 74 لعيد الفلاح المصري، هل أنصفت الأغاني والسينما والدراما أبناء الريف، وقدمتهم بالصورة التي يستحقونها؟ سؤال يجيب عنه نقيب الفلاحين، حسين أبو صدام، بالقول: «الأغاني والأفلام التي كانت تهتم بالفلاحين، وترصد حياتهم وقضاياهم تراجعت إلى حد كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «من قبل كنا ننتظر مسلسل سر الأرض كل جمعة، وهو ما لم يعد يحدث، لكن مع التطور الجديد يجب أن تكون الرؤية مواكبة للواقع، لأن الفلاح اليوم ليس هو فلاح فيلم (الأرض)، بل أصبح متمدناً، ومتطوراً إلى حد كبير».

وأشار إلى أن «بعض الأفلام أو الدراما اعتادت تقديم صورة الفلاح باعتباره الشخص المرهق الذي يعاني دائماً، وهو أمر غير واقعي، كما أن هناك بعض النوادي أو الأماكن التي تمنع دخول الفلاح بجلبابه البلدي، رغم أنه زي مصري أصيل، وهذه الصورة النمطية يجب أن تتغير، ويجب الاهتمام برصد حياة الفلاح الجديدة، فمنذ أغنية (محلاها عيشة الفلاح) لم نسمع أغنية، أو نرى مادة بهذا الجمال عن الفلاحين».
وطالب أبو صدام بتغيير صورة الفلاح في السينما، والأغاني، والدراما، لترغيب الفلاحين، وتحفيزهم للقيام بدورهم في المجتمع، وهو الدور المركزي لحفظ الأمن الغذائي، والاعتداد بالوطن، والانتماء، لأنه يعرف قيمة الأرض التي يعيش عليها. وبمناسبة عيد الفلاح، توجه وزير الزراعة واستصلاح الأراضي المصري، علاء فاروق، بالتهنئة إلى جموع الفلاحين والمزارعين في مختلف المحافظات، مؤكداً تقدير الدولة الكامل لجهودهم، وعطائهم الممتد في إنتاج وتوفير احتياجات المواطنين من السلع، والمنتجات الغذائية الأساسية. وأضاف في بيان للوزارة، الأربعاء، أن المزارع المصري أثبت حرصه الدائم على استقرار الأسواق، واستمرار الإنتاج رغم التحديات الاقتصادية، والتقلبات المناخية المتلاحقة التي تشهدها المنطقة، والعالم.

من جانبه، يرى الناقد الفني المصري طارق الشناوي أن «هناك اهتماماً بأفلام الفلاحين، ورصد واقعهم بصور درامية مختلفة في السينما، والدراما»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن الفلاحين موجودون في الفن بصورة مناسبة، وملائمة أكثر حتى من الصعايدة، ربما المظلومون في هذا الأمر هم أهلنا من البدو»، ويتابع: «مسألة الإنصاف قد تكون كبيرة بعض الشيء، ويصعب قياسها، لكن لا أحد ينكر أن الأفلام قدمت الفلاح بطريقة جيدة، لكن الأغاني قليلة، وأشهرها (محلاها عيشة الفلاح)، ونلاحظ أنها الأغنية الوحيدة التي اجتمع فيها بيرم التونسي وعبد الوهاب».
وتظل في ذاكرة السينما المصرية أعمال راسخة، مثل أفلام: «زينب»، و«المواطن مصري»، و«شيء من الخوف»، ومسلسلات مثل: «البراري والحامول»، و«الوتد»، و«الناس في كفر عسكر»، و«الوسية»، وأغانٍ متنوعة من بينها أعمال ترصد الفولكلور الفلاحي مثل: «ماتجيب لي شيكولاته» لسعاد حسني، وأغاني فرقة الفلاحين، خصوصاً خضرة محمد خضر، وفاطمة سرحان.
ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «ثورة يوليو (تموز) عام 1952 أنصفت الفلاح إلى حد كبير، ومن هذا الإنصاف ركزت عليه القوى الناعمة ممثلة في السينما، والأغاني، ومن بعد ذلك التلفزيون، فوجدنا كثيراً من الأعمال المهمة التي تحتفي بالفلاحين، وترصد واقعهم، ومجتمع أبناء الريف بصورة إيجابية، واحتفالية، كما رأينا عند شريفة فاضل وأغنيتها الشهيرة (فلاح كان فايت بيغني من جنب السور)، وغيرها من الأعمال المشابهة التي انتصرت للفلاح، ووضعته في صدارة المشهد»، ويضيف سعد الدين لـ«الشرق الأوسط»: لكن مع الوقت تراجع حضور الفلاح في الأعمال الفنية، وإن كان بدأ يظهر بشكل عابر، مثل أوبريت الليلة الكبيرة الذي تغنى للفلاحين، والصعايدة، ومثل بعض الأعمال القليلة في السينما، أو الدراما، لكنها لم ترصد تطورات صورة أبناء الريف، ولم تركز عليهم مثلما كان الأمر مع بدايات ثورة 1952».





