من الغيتار إلى التمساح... توابيت في غانا تروي قصص أصحابها في مثواهم الأخير

دانيال أوبلي (أ.ف.ب)
دانيال أوبلي (أ.ف.ب)
TT

من الغيتار إلى التمساح... توابيت في غانا تروي قصص أصحابها في مثواهم الأخير

دانيال أوبلي (أ.ف.ب)
دانيال أوبلي (أ.ف.ب)

قررت عائلة الموسيقي الغاني فريدريك تيكو أوفوري، الذي توفي عن 40 عاماً إثر حادث سير، تشييع جثمانه في تابوت صُمّم على شكل غيتار، آلته الموسيقية المفضلة التي لازمته طوال سنوات من حياته.

تجمّع أقارب أوفوري متّشحين الأسود، وزوجته حاملة طفلهما المولود قبل أسبوع واحد من وفاته، لوداعه للمرة الأخيرة السبت، أمام تابوت خشبي كبير على شكل غيتار مطلي بطبقة لامعة وتتوسطه أوتار باللون الفوشي، في أدجين كوتوكو أمواما، إحدى ضواحي العاصمة الغانية أكرا.

توابيت في غانا تروي قصص أصحابها (أ.ف.ب)

تولّى إنجاز هذا النعش الاستثنائي دانيال أوبلي منساه، المعروف باسم «هيللو»، الذي دأب على مدى 35 عاماً على تصميم توابيت مستوحاة من مهن الناس وشغفهم ومكانتهم الاجتماعية.

في غانا، خصوصاً بين أبناء مجتمع «غا» في المناطق المحيطة بالعاصمة، تتخذ التوابيت أشكالاً مستوحاة من كل ما يرتبط بالمتوفى.

قد يُدفن الصيادون مثلاً داخل نعوش على شكل أسماك أو زوارق، والمزارعون في توابيت على شكل ثمار الكاكاو، والسائقون في توابيت شكلها كالسيارات، والشخصيات الدينية في نعوش شكلها كالأناجيل.

يقول منساه في مشغله الواقع في ضواحي أكرا: «في كل مرة يطلب منّي أحدهم نعشاً يرمز إلى مهنة المتوفى، أشعر بسعادة غامرة»، مضيفاً: «يساعدني ذلك على تقديم تحية فعلية للمتوفى وعائلته».

ظهرت تقاليد التوابيت المنحوتة لدى حرفيي مجموعة «غا» في المناطق المحيطة بالعاصمة أكرا خلال منتصف القرن العشرين، وقد استلهموا عملهم من المحفات (المنصات المحمولة) ذات التصاميم الفريدة التي كان يستخدمها الزعماء التقليديون.

واليوم، تحتل هذه القطع التي تُعرف محلياً باسم «أبيبو أديكاي» (صناديق الأمثال)، مكانة فريدة بين فنون الجنائز والفن المعاصر.

ولا تزال تُدفن مع الموتى، لكن بعض النسخ يطلبها هواة الجمع أو تُعرض في متاحف تبعد آلاف الكيلومترات عن غانا.

توابيت في غانا تروي قصص أصحابها (أ.ف.ب)

يُعرض تابوت على شكل غيتار للفنان الغاني با جو في متحف متروبوليتان للفنون في مدينة نيويورك.

قبل أيام قليلة من دفن فريدريك تيكو أوفوري، حضرت وكالة الصحافة الفرنسية مراسم تأبين أخرى، هذه المرة للمعلّم صمويل كومي تيتي، الذي توفي عن 83 عاماً. عُرف تيتي بلقب «الأستاذ» في مجتمعه في بانور، وكان نعشه على شكل قلم عملاق.

توابيت في غانا تروي قصص أصحابها (أ.ف.ب)

أمضى دانيال منساه نحو أسبوعين في تصنيع التابوت، وهو على شكل قلم أبيض وأزرق. وبعد لحظات من التأمل والموسيقى والطقوس، لم يستغرق الأمر سوى دقائق معدودة لدفن النعش وصاحبه.

في مشغل كين كوي للنجارة، نشأ لورانس أوكوي أنانغ (26 عاماً) محاطاً بهذه الإبداعات. بدأ بتعلّم الحرفة في سن العاشرة، ويدير حالياً المشغل التابع لعائلته مع شقيقه.

يتذكر أنانغ أحد أصعب التوابيت التي صنعها، وكان على شكل تمساح صُنع خصيصاً لكاهن في منطقة فولتا في جنوب شرقي غانا قبل أكثر من 10 سنوات.

صمّم والده التابوت، بينما تولّى هو مساعدته لأنه كان لا يزال يتعلّم الحرفة آنذاك.

يقول أنانغ: «يبلغ سعر التابوت المخصص للدفن ما يعادل نحو 900 دولار».

لكن القطع المخصصة للمعارض قد تُباع بضعف هذا المبلغ، لأن الحرفيين يستخدمون مواد أكثر متانة وتقنيات تصنيع أكثر قوة، ما يجعل هذه الأعمال تتحمل ظروف النقل والتبادل المتكرر.

ويشير أنانغ إلى أنّ «بعض الإبداعات تُصدَّر، والبعض الآخر يُشترى كقطع للديكور أو كتذكارات».

شهدت هذه الحرفة تطوراً كبيراً منذ المرحلة التي كانت تُستخدم خلالها الأدوات اليدوية فقط. فقد ساهمت المعدات الحديثة في تسريع الإنتاج، وأصبح توفير الأخشاب أكثر انتظاماً، كما ساهمت الطلبات الخارجية في توسيع السوق.

ويقول أنانغ: «أنا لست مجرد نجّار عادي»، مبدياً أمله في أن يسير ابنه على خطاه.

ويضيف: «أعتبر نفسي نجّاراً وفناناً في آنٍ، لأنني أبتكر شيئاً من لا شيء، وهذا ما يفعله الفنان».



الكوميدي الليبي «كافو» يترك ضحكة أخيرة... ويرحل

المخرج الليبي أسامة رزق يتوسط الفنانين كافو (إلى اليسار) ومحمد عثمان خلال تصوير مسلسل «زنقة الريح» عام 2019 (الشرق الأوسط)
المخرج الليبي أسامة رزق يتوسط الفنانين كافو (إلى اليسار) ومحمد عثمان خلال تصوير مسلسل «زنقة الريح» عام 2019 (الشرق الأوسط)
TT

الكوميدي الليبي «كافو» يترك ضحكة أخيرة... ويرحل

المخرج الليبي أسامة رزق يتوسط الفنانين كافو (إلى اليسار) ومحمد عثمان خلال تصوير مسلسل «زنقة الريح» عام 2019 (الشرق الأوسط)
المخرج الليبي أسامة رزق يتوسط الفنانين كافو (إلى اليسار) ومحمد عثمان خلال تصوير مسلسل «زنقة الريح» عام 2019 (الشرق الأوسط)

خيّم الحزن على الوسطين الفني والثقافي في ليبيا عقب رحيل الفنان خالد كافو، عن عمر ناهز 61 عاماً، إثر أزمة قلبية ألمّت به ونُقل على إثرها إلى المستشفى، لتُطوى برحيله صفحة بارزة من تاريخ المسرح والدراما الليبية، حافلة بابتسامة حُفرت في ذاكرة الجمهور.

توفى كافو إثر أزمة قلبية ألمّت به ونُقل على إثرها إلى المشفى (صفحات موثقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

وترك الراحل بصمة جليّة في الوجدان الفني الليبي عبر مسيرة حافلة، قدّم خلالها تجسيداً لافتاً لشخصيات كوميدية ودرامية؛ خصوصاً في مسلسلي «هي هكي» و«زنقة الريح»، وصولاً إلى أحدث تجاربه الدرامية في «أعراض انسحاب» و«القرار».

وعبّر المخرج الليبي أسامة رزق عن صدمته الشديدة لفقدان كافو، وقال إن الراحل «سيظل راسخاً في ذاكرة الليبيين، بالنظر إلى ما تركه من إرث فني متنوع، خصوصاً في الأعمال الكوميدية التي قدّمها إلى جانب الفنان عبد الباسط بوقندة ضمن ثنائي مدهش، تمكنا من خلاله من تطوير مجال المنوعات المرئية، الذي كان سائداً في ذلك الوقت».

وأوضح رزق، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن هذا النوع من الأعمال كان يجمع بين المشاهد التمثيلية والاسكتشات الغنائية، مشيراً إلى أن كافو وبوقندة أسهما في تطوير هذا اللون الفني ونقله إلى مستوى مختلف، إذ لم يعد يقتصر على الاسكتشات والمونولوج الغنائي، بل أصبح يتضمن مشاهد من «البلاك كوميدي» تتسم بقدر أكبر من الرمزية وتوظف أدوات تمثيلية أكثر تطوراً. وكانت هذه الأعمال تعرض خلال شهر رمضان، مباشرة بعد الإفطار.

وتحدث عن أن الفقيد كان محبوباً جداً ويتمتع بشعبية كبيرة، لما اتسم به من خفة دم ودماثة أخلاق، مضيفاً: «عمل معي في الجزء الأول من مسلسل (زنقة الريح) عام 2019، وقدم من خلاله دوراً بعيداً عن الكوميديا، ليقدم لوناً مختلفاً. كان يتجاوب معي بشكل كبير، وكان ظهوره رائعاً».

كما قدّم كافو أعمالاً فنية وسينمائية متنوعة، من بينها أفلام «السوق» و«المتسول» و«ليلة في القمر»، فضلاً عن تقديم أعمال تلفزيونية ومسرحية متعددة.

ونعى عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، كافو، وقال في بيان، الخميس، إن «الساحة الفنية الليبية فقدت برحيله أحد الوجوه التي ارتبطت بأعمال وحضور، تركا أثراً لدى الجمهور، وستبقى مسيرته حاضرة في ذاكرة من عرفوه وتابعوا أعماله».

كما نعى ليبيون عديدون على مواقع التواصل الاجتماعي الفنان كافو وودّعوه وداعاً حاراً، معربين عن حزنهم لفقدانه واستذكارهم لما تركه من أثر في ذاكرة الجمهور الليبي.

ليبيون عديدون ينعون كافو الذي أضحكهم وأبكاهم (صفحات موثقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

وقالت الناشطة والمدونة الليبية أحلام بن طابون: «رحل الفنان الذي ضحّك الليبيين في ليالي رمضان، وخلّف في بيوتنا ذكريات حلوة وضحكات عمرنا ما ننسوها. كافو كان فناناً قريباً من الناس، دخل بيوتنا بفنّه وخفة دمه، واليوم نفقد واحداً من الوجوه التي تركت بصمة في ذاكرة الليبيين».

وقال الكاتب ورئيس تحرير «بوابة الوسط» الليبية، بشير زعبيه، إن الساحة الفنية الليبية فقدت «أبرز فناني الكوميديا برحيل الفنان خالد كافو الذي داهمته أزمة قلبية مفاجئة أدخل على أثرها غرفة العناية، لكن القلب لم يصمد طويلاً فانتقل إلى جوار ربه».

وأضاف زعبيه أن الراحل المحبوب كافو «كانت له شخصيته المميزة ذات القدرة الكبيرة على التقمص والأداء المقنع غير المتكلف، وله جمهوره العريض الذي كان يتابع بشغف أعماله المنوعة بين مسلسلات واسكتشات وبرامج تلفزيونية وإذاعية، وقد ترك إرثاً مهماً من الأعمال الكوميدية، تثري وتعزز المكتبة الفنية الليبية».

من بين الأفلام التي قدمها كافو «السوق» و«المتسول» و«ليلة في القمر» (صفحات موثقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

وذهبت صفحات ليبية عديدة على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها «ليبيا فقط»، إلى أن «الموجع أن بعض الراحلين لا يأخذهم الموت وحدهم، بل يأخذ معهم شيئاً من أيامنا؛ نودّع لقطات من ذكرياتنا في رمضان وضحكات ومشاهد وكلمات حفظناها دون أن نشعر».

وانتهت قائلة: «كبرنا نحن، وبقي هو في ذاكرتنا كما عرفناه بوجهه البشوش وضحكته وروحه الخفيفة حتى قبل موته بدقائق؛ اليوم حين يُوارى الثرى، نشعر وكأن صفحة من طفولتنا تُطوى معه إلى الأبد».


تفاعل واسع مع اسم المولود الجديد لمحمد صلاح

محمد صلاح مع ابنتَيه مكة وكيان (صفحته على «فيسبوك»)
محمد صلاح مع ابنتَيه مكة وكيان (صفحته على «فيسبوك»)
TT

تفاعل واسع مع اسم المولود الجديد لمحمد صلاح

محمد صلاح مع ابنتَيه مكة وكيان (صفحته على «فيسبوك»)
محمد صلاح مع ابنتَيه مكة وكيان (صفحته على «فيسبوك»)

«ليل ينضم رسمياً إلى عائلة محمد صلاح»... بهذه العبارة تصدَّر اسم قائد منتخب مصر لكرة القدم مؤشرات البحث على «غوغل» ومنصة «إكس» في مصر، الخميس، وسط تفاعل واسع مع خبر استقباله مولوده الثالث، الذي سمَّاه «ليل».

وهنّأت رباب صلاح شقيقها بقدوم مولوده الجديد عبر حسابها على «فيسبوك»، وأرفقت منشورها بصورة قبعة كُتب عليها: «حبيب قلب عمتو... نوّرت الدنيا، ليل محمد صلاح».

وأعلن رئيس نادي طرابزون التركي، الذي انضم إليه صلاح أخيراً، أن اللاعب رُزق بمولود ذكر، مشيراً إلى سفره إلى لندن عقب مباراة فريقه الأخيرة ليكون في استقبال ابنه، الذي ينضم إلى ابنتَيه مكة وكيان.

وطوال فترة حمل زوجته لم يعلن صلاح انتظار مولود جديد. وكانت علامات الحمل قد ظهرت على ماجي صادق في آخر ظهور لها، خلال وداعه فريق ليفربول في مايو (أيار) الماضي، قبل أن تغيب عن الظهور في أثناء مشاركته في كأس العالم، وبعد انتقاله إلى طرابزون.

ولم يعلن صلاح أيضاً ولادة ابنه؛ إذ انطلقت التهاني والتعليقات عقب منشور لشقيقته رباب كشفت فيه عن المولود.

وتوالت التهاني لصلاح وأسرته، في حين أبدى بعض المتابعين استغرابهم من اسم «ليل»، ودافع عنه آخرون، مؤكدين أنه اسم يُطلق على الذكور، ووصفه بعضهم بأنه «جميل».

ويُعدُّ محمد صلاح (34 عاماً) أحد أشهر لاعبي كرة القدم المصريين بفضل إنجازاته مع المنتخب الوطني وفريقه السابق ليفربول، وصولاً إلى انتقاله أخيراً إلى طرابزون. وتحظى أخباره باهتمام واسع لدى الرأي العام وملايين من محبي كرة القدم، لا سيما أنه يحرص على مشاركة أسرته لحظات الفرح في الملاعب والمناسبات العامة.

ويرى الخبير في شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي معتز نادي، أن «التفاعل الواسع مع اسم (ليل) لا يمكن تفسيره بغرابة الاسم وحدها، ولا بنجومية محمد صلاح فقط»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «نحن أمام عامِلَين اجتمعا في لحظة واحدة: اسم غير مألوف نسبياً، وشخصية عامة تتحول تفاصيل حياتها الخاصة، مهما بدت بسيطة، إلى مادة للنقاش والمشاركة».

محمد صلاح مع أسرته قبل المولود الجديد (صفحته على «فيسبوك»)

وتابع: «الاسم هو الشرارة، وشهرة صلاح هي الوقود. فلو اختار أب غير معروف الاسم نفسه، ربما أثار فضولاً محدوداً في محيطه، ثم انتهى الأمر. لكن عندما يصدر الاختيار عن لاعب بحجم محمد صلاح، يتعامل الجمهور معه بوصفه حدثاً قابلاً للتأويل والتداول، والظهور على قوائم أكثر الموضوعات رواجاً، وسط تساؤلات: ما معنى الاسم؟ ولماذا اختاره؟ وهل سيصبح موضة؟ وهل يعكس ميلاً إلى الأسماء القصيرة والمختلفة؟».

ورأى أن خبر المولود الجديد يمتلك «عناصر مثالية للانتشار؛ فهو يرتبط بنجم عالمي، وتفصيلة عائلية إنسانية، واسم قصير يثير التساؤلات، فضلاً عن مساحة مفتوحة للتعليقات». وأكد أن «غرابة الاسم النسبية صنعت الفضول الأول، في حين ضاعفت نجومية صلاح حجم التفاعل».


أدمغة الموسيقيين أكثر قدرة على توقع الأحداث

يوفر التدريب الموسيقي ميزة قوية في تعزيز القدرة على توليد حركات استباقية (إي ستوك)
يوفر التدريب الموسيقي ميزة قوية في تعزيز القدرة على توليد حركات استباقية (إي ستوك)
TT

أدمغة الموسيقيين أكثر قدرة على توقع الأحداث

يوفر التدريب الموسيقي ميزة قوية في تعزيز القدرة على توليد حركات استباقية (إي ستوك)
يوفر التدريب الموسيقي ميزة قوية في تعزيز القدرة على توليد حركات استباقية (إي ستوك)

لا يقتصر الأمر على تعلم الموسيقيين أداء تسلسلات الحركات الموسيقية بسرعة أكبر، بل إنهم يتوقعون ما سيحدث لاحقاً بشكل أسرع أيضاً، وفق نتائج بحث جديد وجد أن الذاكرة الحركية المتكونة حديثاً لدى الموسيقيين قد تتأثر بمجرد رؤية تسلسلات بصرية مختلفة بعد فترة وجيزة من تعلمها.

بحثت الدراسة، التي أجراها فريق مشترك من جامعة «إديث كوان» (ECU) وجامعة كورتين وجامعة ديكين في أستراليا، في كيفية تعلم الناس أنماط الحركة وتذكرها. كما استكشف الباحثون ما إذا كان من الممكن تعطيل التسلسلات المتعلمة حديثاً برؤية أو سماع تسلسلات أخرى مختلفة عنها بعد فترة وجيزة.

وأظهرت الدراسة أن التدريب الموسيقي يوفر ميزة قوية وشاملة في القدرة على توليد حركات استباقية، وأن مسار هذا التحول الاستراتيجي يتوافق مع الممارسة ومستويات الخبرة. تخيّل أنك تشاهد عازف بيانو يعزف. سترى إصبعاً يضغط على مفتاح، ويتبع ذلك مباشرةً الصوت المميز الذي يُصدره هذا المفتاح. بمجرد أن تتعلم العلاقة بين المفاتيح والأصوات، يمكنك التنبؤ بأحدهما من الآخر: أي مفتاح أصدر الصوت، وما الصوت الذي سيصدره هذا المفتاح. من خلال عملية التعلم هذه، يستطيع الموسيقيون المحترفون توجيه تسلسلات متتالية من الحركات بناءً على توقع المدخلات الحسية.

وقالت الدكتورة لي آن ليو، محاضرة علم النفس في جامعة إديث كوان، والمؤلف الأخير الأستاذ المشارك ويلبر مارينوفيتش (جامعة كورتين)، إن الأبحاث السابقة لاحظت «ميزة للموسيقيين» في تعلم تسلسلات الحركات بسرعة، لكن الباحثين الآن يفهمون السبب بشكل أفضل. وأضافا في بيان الأربعاء: «يبدو أن الموسيقيين أكثر قدرة على توقع ما سيحدث لاحقاً في التسلسلات الحركية الجارية».

وتشير النتائج المنشورة في مجلة «البحوث النفسية» إلى أن الخبرة تُحسّن القدرة على التنبؤ وتوقع الأحداث، وليس الذاكرة القوية؛ فهما أمران منفصلان.

وشملت الدراسة 151 مشاركاً، نصفهم تقريباً تلقوا تدريباً موسيقياً. وتعلّم المشاركون تسلسلاً من عشر خطوات باستخدام مزيج من الإشارات البصرية على الشاشة والأصوات المطابقة. بعد استراحة قصيرة، عُرض عليهم تسلسل مختلف قبل إعادة اختبارهم على التسلسل الأصلي.

وتأثر الأداء سلباً لدى كل من الموسيقيين وغير الموسيقيين عندما تضمن التسلسل الجديد معلومات بصرية مختلفة. مع ذلك، لم يكن لسماع تسلسل صوتي مختلف وحده تأثير يُذكر.

ووفق نتائج الدراسة يمكن للمشتتات البصرية أن تُؤثر سلباً على الذاكرة الجديدة. وقال ليو: «يُظهر هذا أن الذاكرة الحركية يُمكن أن تتأثر سلباً بمجرد مشاهدة تسلسل بصري مختلف غير متوقع. وهذا أمر بالغ الأهمية لكيفية تنظيم التدريب في تعلم المهارات وإعادة التأهيل».

والذاكرة الحركية، أو ما يُعرف أيضاً بذاكرة العضلات، هي نوع من الذاكرة طويلة الأمد تمكّن الدماغ والجهاز العصبي من تخزين أنماط الحركات والمهارات الجسدية وأدائها تلقائياً دون تفكير واعٍ بعد تكرارها.

ويستخدم الباحثون حالياً قياسات الدماغ، بما في ذلك تخطيط كهربية الدماغ (EEG)، لفهم كيفية تأثير التدريب الموسيقي على معالجة التنبؤ بالأحداث اللاحقة في الدماغ.

وقال ليو إن النتائج لها آثار محتملة على إعادة التأهيل والتدريب الرياضي والتعليم الموسيقي؛ إذ غالباً ما تتبع جلسات التدريب أنشطة أخرى تتطلب جهداً كبيراً.