اكتشاف مبنى أثري يوثق بدايات «الرهبنة القبطية» في دلتا مصر

يعود إلى القرن الخامس الميلادي

الاكتشاف الأثري الجديد تضمن رسومات وزخارف مرتبطة بالحياة الرهبانية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
الاكتشاف الأثري الجديد تضمن رسومات وزخارف مرتبطة بالحياة الرهبانية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

اكتشاف مبنى أثري يوثق بدايات «الرهبنة القبطية» في دلتا مصر

الاكتشاف الأثري الجديد تضمن رسومات وزخارف مرتبطة بالحياة الرهبانية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
الاكتشاف الأثري الجديد تضمن رسومات وزخارف مرتبطة بالحياة الرهبانية (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، بمنطقة الرباعيات بالقلايا بمركز حوش عيسى في محافظة البحيرة (شمال غربي القاهرة)، الاثنين، الكشف عن مبنى أثري يُرجَّح استخدامه داراً للضيافة خلال الفترة المبكرة من الرهبنة القبطية، يرجع تاريخه إلى القرن الخامس الميلادي.

وتضمن الكشف عدداً من العناصر المعمارية التي أُضيفت إلى المبنى خلال مراحل تاريخية لاحقة، بما يعكس تطور استخدامه عبر فترات زمنية متعاقبة.

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إن هذا الكشف يمثل إضافة علمية مهمة لدراسة تطور العمارة الديرية المبكرة في مصر، وأشار في بيان لوزارة السياحة والآثار، إلى أن «منطقة القلايا تُعد ثاني أكبر تجمع رهباني في تاريخ الرهبنة المسيحية، وأن طرازها المعماري يعكس النواة الأولى لتأسيس الأديرة».

وعدّ الزخارف والتصاوير المكتشفة من أبرز المصادر لدراسة الفن القبطي المبكر في مصر؛ لما تحمله من دلالات تاريخية وأثرية تسلط الضوء على طبيعة الحياة الرهبانية وتطور الفنون في مراحلها الأولى.

وأوضح الليثي أن «هذا الكشف يُبرز تطور العمارة الرهبانية ذات الطابع النسكي البسيط، ويُظهر التدرج الوظيفي من القلاية الفردية إلى أنماط سكن شبه جماعي، وصولاً إلى منشآت مخصصة لاستقبال الزوار، سواء من كبار آباء الرهبنة أو طالبي الالتحاق بالحياة الرهبانية، فضلاً عن الزائرين».

الاكتشاف الأثري في منطقة القلايا بالبحيرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ويرى المتخصص في التراث القبطي، الدكتور إبراهيم ساويرس، أن «هذا الكشف يشير إلى أهمية المنطقة الرهبانية الكبيرة الممتدة في محافظة البحيرة غرب وادي النطرون»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه المنطقة كانت تسمى كليا ولها امتدادات أخرى، وعملت فيها كثير من البعثات الفرنسية والسويسرية منذ نحو 40 عاماً، وهناك دير قبطي حديث على مقربة من هذه المنطقة.

ويتكون المبنى المكتشف من 13 حجرة متعددة الوظائف، تشمل حجرات لسكن الرهبان بشكل فردي وجماعي، وأخرى مخصصة للضيافة والتعليم، وهي حجرات واسعة مقسمة بواسطة عقود معمارية، إلى جانب مرافق خدمية تضم مطبخاً ومخازن، وفق تصريحات صحافية لرئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بالمجلس الأعلى للآثار، الدكتور ضياء زهران.

موضحاً أن «الجزء الشمالي من المبنى تضمن صالة كبيرة تضم عناصر معمارية مميزة، من بينها مصاطب حجرية مزينة بزخارف نباتية، تستخدم لاستقبال الزوار وتقديم الخدمات لهم، كما يتوسط المبنى موضع مخصص للصلاة، يتصدر جدارها الشرقي حنية يتقدمها صليب من الحجر الجيري».

ولفت رئيس البعثة والمدير العام لآثار البحيرة، سمير رزق عبد الحافظ، إلى أن أعمال الحفر أسفرت عن الكشف عن عدد من التصاوير الجدارية التي تمثل مشاهد لشخصيات رهبانية غير مكتملة، تم التعرف عليها من خلال ملابسها، إلى جانب زخارف نباتية متنوعة، من بينها زخرفة الضفيرة بألوان الأحمر والأبيض والأسود، وزهرة ثمانية البتلات.

«كما تم الكشف عن جدارية تُصوّر غزالتين تحيط بهما زخارف نباتية، يتوسطهما شكل دائري مزدوج يحتوي على زخرفة نباتية داخلية، في نموذج فني يعكس ثراء التعبير الرمزي في الفن القبطي المبكر»، وفق بيان الوزارة.

جانب من الرسوم التي وُجدت بالموقع (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد المتخصص في التراث القبطي أن «هذه المنطقة تحتاج إلى عمل أكبر من المجلس الأعلى للآثار، ونتمنى أن يكون هناك نشر علمي يضع الاكتشافات الجديدة على خريطة فهمنا الأوسع للمنطقة لنفهم التراث القبطي الرهباني في هذه المنطقة منذ القرون المسيحية الأولى، ونحن نعرف أن عدداً كبيراً من الرهبان سكن هذه المنطقة، لكن التفاصيل يجب إبرازها وتوثيقها بالنشر العلمي».

وعثرت البعثة على عمود رخامي كامل بطول مترين، بالإضافة إلى تيجان وقواعد أعمدة، وأوانٍ فخارية، وعدد كبير من الشقفات الفخارية، بعضها يحمل زخارف نباتية وهندسية، وأخرى تتضمن حروفاً قبطية، في حين خلت بعض القطع من الزخارف أو الكتابات.

كما عُثر على بقايا عظام لطيور وحيوانات، إلى جانب عدد من أصداف المحار داخل إحدى الحجرات؛ ما يعكس طبيعة الأنشطة اليومية والغذائية داخل الموقع.

ومن أبرز المكتشفات أيضاً قطعة مستطيلة من الحجر الجيري عُثر عليها عند مدخل إحدى الحجرات، منقوش عليها نص باللغة القبطية يُرجّح أنه شاهد قبر، حيث تشير الترجمة المبدئية إلى نياحة شخص يُدعى «أبا كير بن شنودة»؛ ما يؤكد استمرار النشاط البشري بالموقع خلال فترات ازدهار الحياة الرهبانية بالمنطقة.

يُذكر أن البعثة بدأت أعمالها بالموقع منذ موسم 2023، حيث تمكنت خلال تلك الفترة من الكشف عن منشأتين من «المنشوبيات» (وهي تجمعات تضم عدداً من القلايات الخاصة بإقامة الرهبان)، إلى جانب مجموعة من الرسوم الجدارية التي تعكس طبيعة الموقع بوصفه أحد أقدم مراكز الرهبنة في مصر.


مقالات ذات صلة

آثاريون مصريون ينتفضون ضد «تشويه» بانوراما معبد كلابشة بأسوان

يوميات الشرق جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

آثاريون مصريون ينتفضون ضد «تشويه» بانوراما معبد كلابشة بأسوان

أبدى عددٌ من الآثاريين المصريين غضبهم وانتفضوا لمشاهِد مُصوَّرة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر فيه واجهة معبد كلابشة بأسوان بها مبنيان حديثان.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق من العملات التذكارية المسكوكة في مصر (فيسبوك)

عملات تذكارية وأوسمة ونياشين تحكي تاريخ مصر

ترسم العملات التذكارية وأنماط التميز والنياشين ملامح تاريخية عبر التوثيق لأحداث وشخصيات مؤثرة في التاريخ المصري الحديث.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق الآثار المصرية المغمورة بالمياه في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

مصر تتوسع في تنظيم معارض أثرية مؤقتة بالخارج

تتجه مصر للتوسع في إقامة المعارض الأثرية المؤقتة بالخارج، بعد الإعلان عن التحضير لإقامة معرض في الولايات المتحدة الأميركية للآثار المصرية المغمورة بالمياه.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

حلّ «يوم العمال العالمي» في مطلع هذا الشهر، كما جرت العادة منذ عقود، وأعادت هذه المناسبة إلى الواجهة أعمالاً فنية متنوّعة تحتفي بشكل أو بآخر بالعمال

محمود الزيباوي
يوميات الشرق تطوير ميدان السيدة عائشة (المقاولون العرب)

مصر تتوسع في ترميم مساجد ومقامات تاريخية بالقاهرة

تتوسع مصر في أعمال الترميم والتطوير بعدد من المساجد والأماكن الأثرية في منطقة السيدة عائشة بوسط القاهرة، في ضوء الاهتمام بإحياء التراث الإسلامي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

السعودية تدشن أحدث مضخات الإنسولين الذكية 

لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)
لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)
TT

السعودية تدشن أحدث مضخات الإنسولين الذكية 

لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)
لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)

وسط تسارع عالمي في معدلات الإصابة بمرض السكري، كشفت جلسات مؤتمر تدشين أحدث مضخات الإنسولين الذكية في العاصمة الرياض عن أرقام مقلقة، تضع السعودية في المرتبة التاسعة عالمياً من حيث انتشار المرض، في وقت تتجه فيه السعودية إلى توسيع استثماراتها في تقنيات الرعاية الصحية الحديثة لتحسين جودة حياة المرضى وتعزيز التحكم بالمرض.

وشهد المؤتمر الذي عُقد في «إنتركونتيننتال» تدشين جهاز «أومني بود 5» لأول مرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحضور نخبة من أطباء وخبراء السكري من مختلف دول العالم، لمناقشة أحدث التطورات التقنية والعلاجية المرتبطة بإدارة داء السكري، إلى جانب استعراض تجارب سريرية وتطبيقات عملية للتقنيات الذكية الحديثة.

وجاء المؤتمر بتنظيم «إنسوليت» الشركة المتخصصة في تطوير أنظمة توصيل الإنسولين والتقنيات الذكية الخاصة بإدارة مرض السكري، حيث افتتح الحدث المدير العام للشركة في الشرق الأوسط والأسواق الناشئة، إلى جانب مدير الشركة في السعودية، قبل انطلاق سلسلة من الجلسات العلمية والنقاشية التي تناولت مستقبل رعاية السكري في السعودية والتجارب المبكرة مع جهاز «أومني بود 5».

جانب من جلسات مؤتمر مرض السكري الذي نظّمته «إنسوليت» في «إنتركونتيننتال - الرياض» (تركي العقيلي)

وأوضح محمد آل مهذل، المدير الطبي لمركز السكري والغدد الصماء في مدينة الملك فهد الطبية، لصحيفة «الشرق الأوسط»، أن العالم يواجه اليوم وباءً عالمياً يتمثل في داء السكري والسعودية ليست استثناءً من هذا التحدي الصحي المتصاعد، فنحو 25 في المائة من البالغين في السعودية مصابون بالسكري، فيما تقترب نسبة مماثلة من مرحلة ما قبل السكري، مضيفاً أن «السعودية سجلت قرابة ربع مليون مريض بالسكري من النوع الأول، مع تزايد سنوي في معدلات الإصابة يصل إلى 10 في المائة للنوع الأول مقارنة بـ6 في المائة للنوع الثاني».

وتابع: «ارتفاع معدلات الإصابة لا يقتصر على السعودية فحسب، إنما يشهد العالم بأسره زيادة مستمرة، خاصةً في حالات السكري من النوع الأول لدى الأطفال»، مبيناً أن «الأسباب الدقيقة لا تزال غير معروفة حتى الآن بالرغم من وجود مجموعة نظريات ترتبط بالإصابات الفيروسية وبعض العوامل الغذائية والبيئية المحيطة».

ولفت آل مهذل إلى أن السكري من النوع الثاني يرتبط بعدة عوامل، في مقدمتها الاستعداد الوراثي والعادات الصحية غير السليمة. وأردف: «يسهم قلة النشاط البدني وعدم الالتزام بالغذاء الصحي واضطرابات النوم في زيادة احتمالية الإصابة بالمرض». كما أكد أن السعودية كثفت خلال السنوات الماضية من برامج التوعية والكشف المبكر للحد من تطور حالات ما قبل السكري إلى السكري، إلى جانب التوسع في توفير أحدث العلاجات والتقنيات الطبية، منوهاً بأن «المملكة كانت من أوائل الدول التي تبنت حلول السكري الحديثة، مثل حساسات قياس السكر المستمرة والمضخات الذكية». وقد أسهمت الأجهزة الحديثة بشكل كبير في تحسين التحكم بمستويات السكر، خصوصاً لدى مرضى السكري من النوع الأول، إلى جانب دورها في تحسين جودة الحياة والنوم وتخفيف الأعباء اليومية على المرضى وعائلات الأطفال المصابين.

وكشف المؤتمر أن مريض السكري من النوع الأول يضطر لاتخاذ أكثر من 180 قراراً يومياً يتعلق بصحته وإدارة حالته المرضية، فيما يلجأ نحو 50 في المائة من المرضى إلى تناول وجبات غنية بالكربوهيدرات قبل النوم خوفاً من انخفاض السكر الليلي أو ما يعرف بانخفاض مستوى السكر في الدم، وهي إحدى التحديات التي لا تزال تمثل فجوة علاجية يسعى المختصون إلى تقليصها مستقبلاً رغم التطورات الحالية.

محمد آل مهذل المدير الطبي لمركز السكري والغدد الصماء خلال حديثه لصحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)

وناقش المشاركون أحدث التقنيات القابلة للارتداء والمستخدمة تحت الماء، التي ساعدت مرضى السكري على ممارسة حياتهم اليومية بمرونة أكبر، إلى جانب أنظمة ذكية توفر سهولة التعبئة والتركيب والتحكم، وتضم حاسبات للكربوهيدرات تساعد المرضى على إدارة جرعات الإنسولين بدقة أعلى. ومن أبرز هذه التقنيات جهاز «أومني بود 5»، الذي يعمل عبر نظام آلي ذكي يراقب مستويات السكر بشكل مستمر ويعدل ضخ الإنسولين تلقائياً بناءً على قراءات الغلوكوز، بما يسهم في تحسين التحكم بالسكري وتقليل التقلبات الحادة في مستويات السكر.

وتضمنت برامج المؤتمر جلسات علمية ، من أبرزها جلسة بعنوان «مستقبل رعاية السكري في السعودية والتجارب المبكرة مع (أومني بود 5)» إلى جانب جلسة ناقشت كيفية تحويل الأدلة العلمية إلى ممارسات يومية واقعية للمرضى، كما ضم الحدث عدداً من المصابين بمرض السكري وعائلاتهم، في خطوة هدفت إلى رفع مستوى الوعي وإبراز أثره المباشر في تحسين جودة الحياة اليومية للمصابين، ومن بينهم الطفلة ياسمين الشثري، إحدى أوائل مستخدمي جهاز «أومني بود 5» في السعودية.

وعن أهمية التقنيات الحديثة في الرعاية الصحية، قالت لمى المعقيل، والدة ياسمين، لصحيفة «الشرق الأوسط»، إن « هذه الأجهزة أسهمت بشكل كبير في تقليل المخاوف المرتبطة بالمرض وتعزيز مفهوم الرعاية الذكية»، حيث أصبحت قادرة على التنبؤ بانخفاض مستوى السكر في الدم، إذ تقوم تلقائياً بإيقاف ضخ الإنسولين لتفادي حالات الهبوط، ومن بينها خصائص تعتمد على الحركة والنشاط البدني لتنظيم كمية الإنسولين المرسلة بما يتناسب مع احتياج ابنتها ومراقبة صحتها. وأشادت بدور هذه المؤتمرات المتخصصة في مجال السكري، وأن دورها مهم في رفع الوعي. وأضافت: «هذه المؤتمرات مهمة جداً للمرضى، وليس للممارسين الصحيين فقط، حيث تساعد المرضى وأسرهم على فهم الخيارات المتاحة بصورة أوضح، والتعرف على الفروقات بين أنواع المضخات والأجهزة المختلفة، ما يساعدهم على اتخاذ قرارات مبنية على معرفة ووعي حقيقيين».


آثاريون مصريون ينتفضون ضد «تشويه» بانوراما معبد كلابشة بأسوان

جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)
جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)
TT

آثاريون مصريون ينتفضون ضد «تشويه» بانوراما معبد كلابشة بأسوان

جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)
جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

أبدى عددٌ من الآثاريين المصريين غضبهم وانتفضوا لمشاهِد مُصوَّرة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك عبر وسائل إعلام محلية، تظهر واجهة معبد كلابشة بأسوان (جنوب مصر) وبها مبنيان حديثان للخدمات الخاصة بالموقع الأثري، ما عدَّه متخصصون «تشويهاً» للموقع والبانوراما الخاصة بالمعبد.

وناشدت «حملة الدفاع عن الحضارة المصرية» وزير السياحة والآثار، والأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إزالة هذه «التشوهات»، التي ظهرت في صور وصلت للحملة من مصادر عدة من آثاريين ومرشدين سياحيين وعشاق للحضارة المصرية، وكذلك معالجة آثار الطيور على الأثر، لحرصها على ظهوره بأجمل منظر، وفق بيان نشرته الحملة على «فيسبوك».

ويؤكد الخبير الآثاري الدكتور عبد الرحيم ريحان، رئيس «حملة الدفاع عن الحضارة المصرية»، أن هناك نصوصاً قانونية تجرّم تشويه الآثار، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الصور التي وصلتنا تشير إلى مبانٍ خدمية في بانوراما الأثر، وهو أمر يؤثر سلباً على صورته وشكله أمام الزائرين». وتابع: «حل المشكلات لا يأتي على حساب الأثر، فالمباني الخدمية داخل المباني الأثرية يجب أن تراعي بيئة الأثر نفسه، وألا تتنافر معه، لأنها ستكون جزءاً من بانوراما الموقع».

ولفت إلى «ضرورة التعاون بين الجهات المسؤولة عن هذا الأمر، وبين هيئة التنسيق الحضاري، وأساتذة كليات الهندسة والفنون الجميلة والتطبيقية، قبل تنفيذ أي تدخلات حديثة في محيط الأثر، خصوصاً أنَّه مُسجَّل في قائمة التراث الحضاري باليونيسكو».

صورة لمعبد كلابشة بأسوان أثارت جدلاً (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

ويعدُّ معبد كلابشة من أجمل وأكمل المعابد في النوبة السفلى، وفق وزارة السياحة والآثار. وقد بُني في عهد الإمبراطور الروماني أغسطس (30 ق.م - 14م)، وكُرِّس للمعبود النوبي ماندوليس، وكذلك للمعبودَين المصريَّين القديمَين إيزيس وزوجها أوزيريس. وقد أُدرجت آثار النوبة المصرية، من أبوسمبل إلى فيلة، على قائمة التراث العالمي لـ«اليونيسكو» عام 1979.

وتؤكد أستاذة مساعدة الآثار والتراث الحضاري، الدكتورة مونيكا حنا، أن «هذا البناء الذي انتشر لا يصح، فهو يؤدي إلى ضياع مشهد البانوراما، حتى لو كانت الجزيرة التي يوجد فيها المعبد غير أثرية، لأنَّه تمَّ نقل المعبد إليها بعد تفكيكه».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «البانوراما الخاصة بالمعبد مُشوَّهة جداً، وإن كانت هناك رغبة في بناء حمامات أو مرافق خدمية، فيمكن بناؤها في أماكن أخرى خلف المعبد، أو في المنطقة بشكل عام بطريقة لا تشوه المشهد البانورامي. ولكن ما رأيناه يدل على فقر في الخيال، وفشل في إدارة موقع مهم مُسجَّل على قائمة التراث العالمي».

إحدى لوحات المعبد الداخلية (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

ويتكوَّن معبد كلابشة من صرح يؤدي إلى الفناء المفتوح، يؤدي بدوره إلى قاعة الأعمدة. في حين تقع غرفتان مستعرضتان خلفهما، وهما بمثابة غرفتين للقرابين. وفي نهاية المعبد يوجد قدس الأقداس، حيث احتُفظ بتمثال للمعبود النوبي ماندوليس كما هو المعتاد. وشهد هذا المعبد تأثيرات مختلفة من الحضارات المتعاقبة التي تركت بصمتها عليه في العصر الروماني، وكذلك مع بدايات انتشار المسيحية في مصر، وفق الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار.

ويرى الخبير الآثاري المتخصص في المصريات، أحمد عامر، أن «وجود أبنية حديثة بالقرب من الأثر نفسه بشكل عام لا يجوز قانوناً، نظراً لأنه بمثابة تعدٍ على حرم الأثر، كما أنه يعدُّ تشويهاً بصرياً، لا يتماشى مع طبيعة الأثر والمكان، ولا يليق بالمنطقة الأثرية نفسها».

وقال عامر لـ«الشرق الأوسط»: «إن الصور المتداولة تظهر وجود مبانٍ بالقرب من معبد كلابشة أثارت سخط كثيرين من المتخصصين في علم الآثار بدافع الغيرة على آثار بلدهم، وحرصهم على ظهور آثارها بشكل يليق بمكانتها وحضارتها العظيمة»، مستدركاً: «لكني أعتقد أنَّ هذا المبنى لن يكون بالقرب من المعبد نفسه بالشكل الذي ظهر عليه في الصورة، نظراً لأنَّ الوزارة تعلم جيداً أنَّ مثل هذه الأمور لا تجوز، وتجلب انتقادات».

وتابع عامر: «هذا المبنى في الحقيقة بعيد بشكل كبير عن الأثر نفسه، كما أنه سيُطلَى بطريقة تتماشى مع طبيعة الأثر، وتراعي التناسق في الألوان، بما يتوافق مع الهوية البصرية للمكان. وأعتقد أنَّ المسؤولين عن الموقع سيحرصون على ذلك، لمعرفتهم بقيمة هذا الموقع الأثري المميز».


جاك مارون يقدم مسرحية «الوحش» من بطولة كارول عبود ودوري السمراني

مسرحية «الوحش» بطولة الثنائي كارول عبود ودوري السمراني (جاك مارون)
مسرحية «الوحش» بطولة الثنائي كارول عبود ودوري السمراني (جاك مارون)
TT

جاك مارون يقدم مسرحية «الوحش» من بطولة كارول عبود ودوري السمراني

مسرحية «الوحش» بطولة الثنائي كارول عبود ودوري السمراني (جاك مارون)
مسرحية «الوحش» بطولة الثنائي كارول عبود ودوري السمراني (جاك مارون)

في لبنان، الحرب تُشعل أزمات القطاع الفني سريعاً. المسرح، الذي كان يحجز لنفسه مساحة نابضة بالحياة قبل سنوات، شهد توقفاً واضحاً: عروض تأجَّلت، وأخرى أُلغيت، وجمهور ينتظر ظروفاً أكثر أماناً.

ومع ذلك، بدأ المسرح يستعيد نبضه بخجل. الفنانون يرفضون الاستسلام، متمسكون برسالتهم، مدفوعين بالشغف والإصرار على الاستمرار.

الكاتب والمنتج والمخرج المسرحي والممثل جاك مارون يؤكد: «المسرح مساحة للمقاومة الثقافية، والتوقف الكامل يعني الاستسلام. وجود فريق متحمّس هو الحافز الذي يجعلنا نستمر، رغم ندرة الدعم في زمن الحرب».

كارول عبود في مشهد من المسرحية (جاك مارون)

في 23 مايو (أيار) الحالي، يبدأ جاك مارون عرض عمله الجديد «الوحش» على مسرح «مونو»، من بطولة كارول عبود، ودوري السمراني. تروي المسرحية قصة شخصين منبوذين من المجتمع يلتقيان في حانة فارغة ذات ليلة، حيث يبحث كل منهما عن بعض السلام الداخلي. يبدأ اللقاء متوتراً ومشحوناً بحوارات قاسية، قبل أن تنمو بينهما تدريجياً شرارة إنسانية صغيرة وسط أوجاعهما الثقيلة.

وكان العمل قد عُرض للمرة الأولى عام 2019 في المحترف الفني الخاص بمارون، على أن يُنقل لاحقاً إلى خشبة «مونو»، إلا أنَّ توالي الأزمات في لبنان حال دون ذلك.

يمتلك جاك مارون خبرةً طويلةً في عالم المسرح، ما يجعل أعماله منتظَرة من شريحة واسعة من اللبنانيين. وحول ما إذا كانت «الوحش» تحمل لمسةً رومانسيةً وسط الظروف القاسية، يوضح: «هي في الحقيقة قصة حب عاشها شخصان خلال 16 ساعة أمضياها معاً. لا نعرف مصير هذه العلاقة، لكن الجمهور سيتابع من خلالها موضوعات متعددة، لا سيما أن البطلين يحملان تاريخاً صادماً يجعلهما يشعران بالراحة وهما يستعيدان ماضيهما».

يؤكد مارون تمسُّكه بالمسرح الحقيقي (جاك مارون)

نصُّ المسرحية من تأليف الكاتب الأميركي جون باتريك شانلي، وترجمته إلى العربية أرزة خضر. ويشير مارون إلى أن اختيار الممثلين لم يكن عشوائياً، بل نتيجة رحلة طويلة من التفكير. يقول: «تأثرت بالقصة منذ قرأتها قبل 27 عاماً، وتركت في داخلي أثراً كبيراً. وعندما تعرَّفت إلى كارول عبود عام 2011 بعد تعاون سابق، رشحتها مباشرة للبطولة. ثم انتظرت حتى عام 2015 لاختيار الممثل الذي سيشاركها العمل. فعندما أقرِّر تنفيذ مشروع مسرحي، أحتاج إلى وقت طويل كي أرسمه كاملاً في خيالي، بأسلوبي وطريقتي».

تربط مارون بالكاتب الأميركي صداقة متينة، وهو من المعجبين بأعماله، وينوي تقديم نصوص أخرى له على المسرح مستقبلاً. ويشير إلى أنَّ تنفيذ أي عمل مسرحي في لبنان أصبح يحتاج إلى رحلة شاقة؛ بسبب الأزمات المتلاحقة. ويضيف: «في الظروف الطبيعية يقدِّم الفنان مشروعه في توقيته المناسب، لكن ما مرَّ به لبنان أخَّرني كثيراً. كنت حريصاً على التحكم بوقت التحضير والتنفيذ والعرض، لأنَّ الظروف المحيطة بنا لا يمكن السيطرة عليها. واليوم اتخذنا قرار تقديم المسرحية رغم كل شيء، ونأمل ألا تعترضنا مفاجآت تمنعنا من ذلك».

يشتهر جاك مارون بأسلوبه الإخراجي البصري المتقن، القائم على تقديم صورة مسرحية مختلفة تبتعد عن المباشرة والطرح السهل. فهو يحرص على إشراك المشاهد في رحلة فكرية وعاطفية، من دون تقديم الأفكار بشكل جاهز. ويقول: «تكمن مسؤوليتي في احترام عقل الجمهور وتقديم محتوى يليق بفكره. هذه المسؤولية تبدأ من النَّصِّ نفسه. فعندما يكون المحتوى راقياً، يجد المتلقي نفسه تلقائياً في المكان المناسب. لذلك أشعر دائماً بأنَّ عليّ أن أعيش القصة التي أقدّمها وأحييها داخلياً قبل أن يراها الجمهور».

ويشير مارون إلى أنه لا يستطيع تقديم أي مادة مسرحية ما لم يفهم مضمونها بالكامل، مؤكداً أنه يسير عكس مقولة «الجمهور عايز كده». ويعلق: «في زمن وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، من الصعب التمييز بين الزيف والحقيقة. لذلك أجتهد لتقديم عمل حقيقي يترجم الحبر المكتوب على الورق، وينقل مشاعر شخصيات من لحم ودم. فإذا صدّقني الجمهور وتفاعل مع ما أقدمه، أشعر بأنني نجحت في مهمتي. فالمسرح ليس مجرد مساحة للضحك أو التسلية، بل مساحة للصدق الإنساني، مهما كان نوع العمل درامياً أو كوميدياً أو تراجيدياً. وفي زمن الذكاء الاصطناعي نحن بحاجة إلى الحقيقة أكثر من أي وقت مضى».

ويختم مارون حديثه لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «من الصعب أن تؤلف مسرحية وأنت تعيش في قلب مسرحية أخرى أكثر قسوة. فنحن اللبنانيين نتابع منذ سنوات طويلة عروضاً عبثية لا أحد يحاسب فيها أو يضع النقاط على الحروف. ومع ذلك، يبقى أملنا بلبنان الغد، وبالمواطنين الذين تشبثوا بأرضهم وما زالوا يحلمون بوطن أفضل».