«الفراشة»... رحلة لتتبع ميراث الأم تعيد اكتشاف معنى الحياة

فيلم نرويجي عُرض للمرة الأولى في «روتردام السينمائي»

ناقش الفيلم علاقة بين أختين تجتمعان بعد وفاة الأم (الشركة المنتجة)
ناقش الفيلم علاقة بين أختين تجتمعان بعد وفاة الأم (الشركة المنتجة)
TT

«الفراشة»... رحلة لتتبع ميراث الأم تعيد اكتشاف معنى الحياة

ناقش الفيلم علاقة بين أختين تجتمعان بعد وفاة الأم (الشركة المنتجة)
ناقش الفيلم علاقة بين أختين تجتمعان بعد وفاة الأم (الشركة المنتجة)

في فيلمها الروائي الطويل الثاني «الفراشة» تواصل المخرجة النرويجية إيتونجي سويمر غوتورمسن تفكيك العلاقات الإنسانية من الداخل، لا بوصفها حكايات مكتملة، بل بوصفها مساحات مشوشة من المشاعر المتناقضة، والذكريات المؤجلة، والسرديات التي نصنعها عن أنفسنا كي نواصل الحياة.

الفيلم إنتاج نرويجي مشترك مع دول أخرى، عُرض للمرة الأولى عالمياً في مهرجان «روتردام السينمائي الدولي» في نسخته الحالية، وتدور قصته حول الأختين غير الشقيقتين «ديانا» و«ليلى»، اللتين تعودان إلى جزيرة غران كناريا إحدى جزر الكناري بعد وفاة والدتهما «فيرا» في ظروف ملتبسة، العودة لا تأتي بدافع الحنين، بل بدافع الضرورة لإجراءات الميراث، وترتيب ما تركته الأم خلفها، ومواجهة مكان طالما حاولتا الابتعاد عنه.

لكن الجزيرة، التي كانت يوماً فضاء لطفولة غير مستقرة، تتحول تدريجياً إلى مرآة قاسية، تعكس لكل واحدة منهما ما حاولت تجاهله طويلاً، «ديانا» معلمة روضة الأطفال المقبلة من بلدة نرويجية صغيرة، تبدو شخصية منغلقة، مثقلة بجسدها الهش وعاطفتها المتوترة، إلى حد أنها تحتاج إلى عكاز حين يتجاوز الضغط قدرتها على الاحتمال.

وعلى النقيض، تقف «ليلى»، الفنانة الأدائية القادمة من «هامبورغ» الألمانية، بشخصية صاخبة، مستفزة، تستعرض قوتها وتمردها بوصفهما قناعاً يخفي ارتباكاً داخلياً عميقاً، بين الأختين مسافة طويلة من الصمت وسوء الفهم، مسافة صنعتها طفولة مشتركة، لكنها لم تكن متشابهة أبداً، بينما تبقي الأم، «فيرا»، هي الغائب الحاضر في أحداث الفيلم.

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام (الشركة المنتجة)

مع تقدم الرحلة، يتحول الفيلم من قصة ميراث إلى رحلة كشف بطيئة. تتبع الأختان آثار الأم، في الأماكن، والناس الذين عاشوا معها. ومع الابتعاد عن الجنوب السياحي المصقول، والدخول إلى الجبال، والكهوف، والمجتمعات البديلة التي تعيش خارج مناطق السياحة، تبدأ طبقات جديدة من الفهم في الظهور، بل إن الجزيرة نفسها تتحول إلى شخصية ثالثة، مكان يحمل تاريخاً من الاستعمار، والعزلة، والبحث عن معنى بديل للحياة.

وتقول المخرجة النرويجية إيتونجي سويمر غوتورمسن لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة فيلم «الفراشة» تعود إلى عام 2008، مباشرة بعد تخرجها من مدرسة السينما، وكان أول مشروع روائي طويل تفكر فيه، لكنه توقف مرات عديدة، واستغرق نحو 18 عاماً حتى يكتمل.

وأضافت: «أدركت مبكراً أن الفيلم أكبر من أن يكون عملي الأول، نظراً لتعدد أماكن التصوير وتنوع البلدان المشاركة فيه، وهو ما دفعني إلى تأجيل تقديمه ليكون برؤية مختلفة تماماً»، لافتة إلى أنها لم تكن ترغب في صنع فيلم روائي خالص، بل أرادت كسر الشكل التقليدي مما جعلها تمضي نحو ثلاث سنوات في العمل الميداني في جزيرة «غران كناريا»، تسافر وحدها، وتلتقي بالناس، وتبني علاقات إنسانية، وتكتشف أماكن أصبحت لاحقاً جزءاً أساسياً من نسيج الفيلم.

المخرجة النرويجية تحدثت عن كواليس صناعة الفيلم (الشرق الأوسط)

وحول عملية الإنتاج، أكدت أن التمويل كان تحدياً كبيراً، لكنه لم يكن ليتحقق لولا جهود المنتجة ماريا إيكرهوف، التي وصفتها بالمحرك الحقيقي للمشروع، موضحة أن «جزءاً من التمويل جاء من الحكومة النرويجية، بينما جُمعت بقية الميزانية من صناديق دعم وشركاء إنتاج ووكلاء مبيعات في خمس دول مختلفة، وهو ما وضع شروطاً معينة في اختيار طاقم العمل، مثل الاستعانة بمصورين أو ممثلين من دول بعينها».

وعن شخصيتي الأختين في الفيلم، قالت إيتونجي إنها تعمل دائماً انطلاقاً من الشخصيات، معتبرة أن أفلامها «مدفوعة بالشخصية وليس بالحبكة»، مما يجعلها تمضي وقتاً طويلاً في كتابة النظام العاطفي لكل شخصية، وخلفيتها النفسية، وعلاقتها بالماضي، قبل الانتقال إلى مرحلة الاختيار، فضلاً عن أن عملية اختيار الممثلين استغرقت نحو عام ونصف العام، تخللتها بروفات طويلة وحوارات معمقة مع الممثلات حول العلاقات الأخوية وتجارب الحياة.

وأوضحت أن «العمل مع الممثلتين لم يكن قائماً فقط على التمثيل، بل على بناء علاقة إنسانية، حيث قضتا وقتاً طويلاً في الحديث عن نفسيهما، وعن علاقاتهما مع أشقائهما، وعن الذكريات الشخصية، وهو ما سمح للشخصيات بأن تتشكل ببطء وعمق»، على حد تعبيرها. كما أشارت إلى أن الممثلتين وصلتا إلى غران كناريا قبل التصوير بفترة طويلة، للتجول في الأماكن التي نشأتا فيها داخل الفيلم، وبناء علاقة حسية مع البيئة، لأن المكان جزء لا يتجزأ من تكوين الشخصية.

من العرض العالمي الأول في مهرجان روتردام (إدارة المهرجان)

وعن المزج بين الدراما والكوميديا، قالت إن «الكوميديا كانت حاضرة منذ مرحلة الكتابة، لكنها نابعة من العلاقات الإنسانية، لا من السعي لإضحاك الجمهور، لأن علاقة الأخوات تحديداً تخرج أسوأ ما فينا، وأكثره طفولية، وهو ما يحمل جانباً كوميدياً طبيعياً». لافتة إلى أن ردود فعل الجمهور تختلف من عرض إلى آخر، فالبعض يضحك بصوت مرتفع، والبعض يضحك داخلياً، وآخرون قد لا يضحكون على الإطلاق، وهو أمر تراه طبيعياً تماماً.

وشددت المخرجة على أنها لا تصنع أفلامها بهدف المشاركة في المهرجانات، ولا تفكر في القبول أو الرفض أثناء الكتابة، مؤكدة: «أصنع الأفلام التي أشعر بأنها تمر عبر ذاتي إلى الخارج، فلا أفكر كثيراً حتى في الجمهور أثناء العمل، لأن الانشغال المسبق برد الفعل يقتل صدق التجربة الفنية»، وفق تعبيرها.


مقالات ذات صلة

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

يوميات الشرق بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

لم تكن هناك مفاجآت كبيرة ليلة الأحد عندما أُعلن عن الفائزين بجوائز «الأوسكار» في الحفل الـ98، فمعظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق صوَّرت المخرجة الإسبانية فيلمها في لبنان (الشركة المنتجة)

إرينه بارتولوميه: انفجار مرفأ بيروت دفعني لصناعة «حلم صيف آخر»

قالت المخرجة الإسبانية إرينه بارتولوميه إن فيلمها «حلم صيف آخر» جاء نتيجة تجربة شخصية عميقة عاشتها أثناء إقامتها في بيروت، متحدثة عن علاقتها بالمدينة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج والمنتج السينمائي الأميركي رايان كوغلر (أ.ف.ب)

«معركة بعد أخرى» يحصد ستة أوسكارات

معظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت بالفعل، وكذلك معظم المرشحين من المخرجين والممثلين وأبناء المهن المختلفة.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق الملصفق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

بيتر يان دي بوي: «ماريينكا» يعالج تأثير حرب أوكرانيا في مصائر الناس

أراد المخرج البلجيكي بيتر يان دي بوي أن يروي الحرب من خلال حياة الناس لا عبر الأخبار العسكرية أو السياسية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق  سينما «ذا كاسل» في شرق لندن. (سينما ذا كاسل)

سينما لندن واحدة «من أعظم الدور في العالم»

قد تبدو السينما للبعض وكأنها أثر من الماضي - لحظة من زمن ما قبل أن تُتاح الأفلام بضغطة زر في المنزل.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل كُشف أخيراً عن هوية بانكسي؟ جدل يتجدد وتحقيق يثير أسئلة أكثر مما يجيب

ظهرت لوحة بانكسي الشهيرة لأول مرة في أغسطس الماضي (غيتي)
ظهرت لوحة بانكسي الشهيرة لأول مرة في أغسطس الماضي (غيتي)
TT

هل كُشف أخيراً عن هوية بانكسي؟ جدل يتجدد وتحقيق يثير أسئلة أكثر مما يجيب

ظهرت لوحة بانكسي الشهيرة لأول مرة في أغسطس الماضي (غيتي)
ظهرت لوحة بانكسي الشهيرة لأول مرة في أغسطس الماضي (غيتي)

عاد الجدل حول هوية الفنان الغامض بانكسي إلى الواجهة مجدداً، بعد تحقيق حديث أجرته وكالة «رويترز»، خلص إلى ما وصفه بأنه استنتاج لا يدع مجالاً للشك بأن الشخصية التي تقف خلف هذا الاسم المستعار هي روبن غانينغهام، وهو رجل من مدينة بريستول طالما ارتبط اسمه بتكهنات سابقة.

وحسب تقرير لمجلة «نيوزويك»، استند التحقيق إلى مزيج من مقابلات مع شهود، وسجلات قضائية، إضافةً إلى تتبع تحركات مرتبطة بجداريات ظهرت في أوكرانيا عام 2022، ما عزز الرواية التي راجت لسنوات دون حسم.

غير أن هذا الطرح، على الرغم من قوته، لم ينهِ الغموض بقدر ما أعاد إشعاله. إذ لم يصدر أي تعليق من بانكسي نفسه، فيما اكتفت شركة «Pest Control» بالتأكيد أن الفنان اختار عدم التعليق. في المقابل، أبدى المحامي مارك ستيفنز اعتراضه على بعض نتائج التحقيق، معتبراً أن كشف الهوية يمثل انتهاكاً للخصوصية، وقد يعرّض الفنان للخطر.

استعادة سريعة لعمل بانكسي الأشهر (رويترز)

الغموض... جوهر الحكاية

في الواقع، لا يبدو أن المسألة تتعلق فقط بصحة ما توصل إليه التحقيق، بل بمدى قابلية كشف هوية بانكسي أصلاً ضمن سياق فني يقوم، في جوهره، على الغموض. فقد أصبحت سرية الهوية جزءاً لا يتجزأ من الأسطورة التي تحيط بأعماله، من بينها لوحة «Girl with Balloon»، وجدارياته ذات الطابع السياسي المفاجئ.

هكذا، تبدو كل محاولة لكشف هويته اكتشافاً مثيراً من جهة، وفصلاً جديداً من لعبة تخمين قديمة من جهة أخرى، لعبة لا تنتهي بسهولة.

وعلى منصات التواصل، عكست ردود الفعل هذا الانقسام. ففي تطبيق «تيك توك»، عبّر كثيرون عن شكوكهم، إذ كتب أحد المستخدمين أن هذه ليست المرة الأولى التي يُكشف فيها عن بانكسي، فيما رأى آخرون أن معرفة الحقيقة قد تنتقص من سحر الظاهرة نفسها، بل ذهب بعضهم إلى التساؤل عمّا إذا كان الأمر برمّته خدعة جديدة من الفنان.

جداريات بانكسي... رسائل احتجاج لا تهدأ (أ.ف.ب)

بين الحقيقة والأسطورة

هذا الشك ليس جديداً. فقد أعاد تقرير سابق لمجلة «نيوزويك» نشر مقابلة قديمة مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، نُقل فيها أن بانكسي أجاب بأنه روبي حين سُئل عن اسمه، ما فتح الباب مجدداً أمام موجة من التكهنات.

ورغم أن تحقيق «رويترز» أضفى مصداقية أكبر من معظم الشائعات، لاعتماده على أدلة ملموسة، فإن ردود الفعل تشير إلى أن كثيرين لا يكترثون كثيراً للاسم الحقيقي، بقدر اهتمامهم بالحفاظ على هذا الغموض بوصفه جزءاً أصيلاً من التجربة الفنية.

في المحصلة، لم يعد السؤال مجرد: من هو بانكسي؟

بل بات أقرب إلى سؤال آخر أكثر حساسية: هل معرفة الحقيقة ستُقدَّم بوصفها كشفاً صحافياً، أم ستُفقد الفن سحره تجريداً لا يرغب فيه جمهوره تعويضاً جمالياً عمّا صنعته الأسطورة؟

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


يتفوَّق على الألماس العادي... ما «الألماس السداسي»؟

بلورة استثنائية قد تدفع حدود المواد الصلبة إلى مستوى جديد (شاترستوك)
بلورة استثنائية قد تدفع حدود المواد الصلبة إلى مستوى جديد (شاترستوك)
TT

يتفوَّق على الألماس العادي... ما «الألماس السداسي»؟

بلورة استثنائية قد تدفع حدود المواد الصلبة إلى مستوى جديد (شاترستوك)
بلورة استثنائية قد تدفع حدود المواد الصلبة إلى مستوى جديد (شاترستوك)

نجح علماء صينيون في تخليق «الألماس السداسي»، وهو شكل من الألماس طال تنظيره علمياً، ويُعدّ أقوى من الألماس الحقيقي، ولم يكن يُعثر عليه حتى الآن إلا في مواقع اصطدام النيازك.

ويُعدّ الألماس «المكعب» الشائع هو أكثر المعادن صلادة على وجه الأرض، ويُستخدم على نطاق واسع في صناعة المجوهرات، وأدوات القطع الدقيقة، وأشباه الموصلات ذات الأداء العالي.

ورغم أنّ الألماس السداسي نادر ويُحتمل أن يكون أكثر متانة، فإنّ وجوده الفعلي ظلَّ محلَّ نقاش طويل.

وكتب الباحثون في الدراسة التي نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلتها «الإندبندنت»: «نظراً إلى عدم تقديم أدلة تجريبية صلبة تثبت وجوده، ظلَّت الخصائص الفيزيائية للألماس السداسي غير مستكشفة إلى حدّ كبير».

وتصف الدراسة الأخيرة عملية تخليق هذا الشكل النادر جداً من الكربون داخل المختبر، إذ أوضح باحثون من مختبر «هينان» الرئيسي للمواد وأجهزة الألماس في الصين كيفية تصنيع قطعة ضخمة من الألماس السداسي النقي باستخدام الضغط والحرارة الهائلين.

وفي إطار الدراسة، وضع العلماء شكلاً عالي التنظيم من الغرافيت بين «سندانين» مصنوعَيْن من كربيد التنجستن، وعرّضوه لضغط قدره 20 غيغاباسكال، وهو ما يعادل نحو 200 ألف ضعف الضغط الجوّي.

وأشار الباحثون إلى أنّ العملية جرت في درجات حرارة تتراوح بين 1300 و1900 درجة مئوية. ووفق الدراسة، أدَّى الضغط المُسلط من أعلى طبقات الكربون المتراصة إلى تكوين قطعة من الألماس السداسي النقي بحجم الملليمتر.

وكتب الباحثون في دراستهم: «نعلن هنا تخليق ألماس سداسي نقي الطور بمقياس الملليمتر، وذلك انطلاقاً من (غرافيت بيروليتي حراري فائق التوجيه)».

واستخدم العلماء تقنية «حيود الأشعة السينية»، وهي تقنية تعتمد على تسليط الأشعة السينية على الذرات لرسم خرائط لمواقعها، لإثبات أنّ العيّنة عبارة عن ألماس سداسي نقي من الناحية الهيكلية. كما استعانوا بمجاهر متطوّرة لرؤية أنماط التراص السداسية الفريدة لذرات الكربون بوضوح.

ثم اختبر الباحثون الخصائص الميكانيكية للمادة المبتكرة عبر ضغط طرف ألماسي داخل العينة لتقييم مدى مقاومتها للخدش أو الانبعاج.

وأظهرت النتائج أنّ عيّنة الألماس السداسي سجَّلت صلادة بلغت نحو 114 غيغاباسكال، مقارنة بعدد من قطع الألماس الطبيعي التي تبلغ صلادتها نحو 110 غيغاباسكال.

ويشير هذا إلى أنّ الباحثين ربما نجحوا في ابتكار مادة تفوق الألماس الطبيعي صلادة بشكل طفيف. وكتب العلماء: «يُظهر الألماس السداسي الكتلي صلادة أعلى قليلاً من الألماس المكعب، بالإضافة إلى استقرار حراري عالٍ».

وختم الباحثون دراستهم بالقول: «تحسم هذه النتائج الجدل الطويل الدائر حول وجود الألماس السداسي على أنه طور كربوني منفصل، وتقدّم رؤى جديدة حول عملية تحوّل الطور من الغرافيت إلى الألماس؛ الأمر الذي يُمهّد الطريق للبحوث المستقبلية والاستخدام العملي للألماس السداسي في التطبيقات التقنية المتقدّمة».


«أغنية» حوت عمرها 75 عاماً تكشف عن أسرار أصوات المحيطات

صوت الحوت الأحدب ينساب في العتمة الزرقاء (أ.ف.ب)
صوت الحوت الأحدب ينساب في العتمة الزرقاء (أ.ف.ب)
TT

«أغنية» حوت عمرها 75 عاماً تكشف عن أسرار أصوات المحيطات

صوت الحوت الأحدب ينساب في العتمة الزرقاء (أ.ف.ب)
صوت الحوت الأحدب ينساب في العتمة الزرقاء (أ.ف.ب)

تسجيل لحوت أحدب يعود لعام 1949 قد يُقدّم فهماً جديداً لكيفية تواصل هذه الحيوانات الضخمة.

ووفق باحثين، فإنّ «أغنية» حوت شجية عُثر عليها في معدات صوتية يعود عمرها لعقود مضت، قد تفتح آفاقاً جديدة لفهم كيفية تواصل هذه الحيوانات العملاقة، مؤكدين أنه أقدم تسجيل من نوعه عُرف حتى الآن.

وذكرت «الغارديان» أنّ الأغنية تعود إلى حوت أحدب، وهو عملاق بحريّ يحظى بمحبّة مراقبي الحيتان لطبيعته الوديعة وقفزاته المذهلة فوق سطح الماء. وأكد الباحثون في معهد «وودز هول» لعلوم المحيطات في فالموث بولاية ماساتشوستس، أنّ العلماء سجّلوا هذا الصوت في مارس (آذار) من عام 1949 في منطقة برمودا.

وأشار عالم الصوتيات الحيوية البحريّة والباحث الفخري في معهد «وودز هول»، بيتر تياك، إلى أنّ صوت المحيط من حول الحوت لا يقلّ أهمية عن غناء الحوت نفسه. وأوضح أنّ المحيط في أواخر الأربعينات كان أكثر هدوءاً بكثير مما هو عليه اليوم، ممّا وفر خلفية صوتية تختلف تماماً عما اعتاد العلماء سماعه في أغنيات الحيتان المعاصرة.

وقال تياك: «لا تسمح لنا التسجيلات المُستعادة بتتبُّع أصوات الحيتان فحسب، وإنما تُخبرنا أيضاً كيف كان يبدو المشهد الصوتي للمحيطات في أواخر الأربعينات، وهو أمر يصعب إعادة بنائه بأيّ وسيلة أخرى».

وأضاف أنّ وجود تسجيل محفوظ من الأربعينات يمكن أن يساعد العلماء أيضاً على فهم أفضل لكيفية تأثير الأصوات الجديدة من صنع الإنسان، مثل زيادة ضجيج الشحن البحريّ، على الطريقة التي تتواصل بها الحيتان. وتؤكد البحوث التي نشرتها الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوّي أنّ الحيتان يمكن أن تُغير سلوك النداء الخاص بها اعتماداً على الضوضاء الموجودة في بيئتها.

ويسبق هذا التسجيل اكتشاف العالم روجر باين غناء الحيتان بنحو 20 عاماً. وقالت مديرة بيانات البحوث وخدمات المكتبة في معهد «وودز هول»، أشلي جيستر، إنّ علماء المعهد كانوا على سفينة بحوث في ذلك الوقت يختبرون أنظمة «السونار»، ويجرون تجارب صوتية بالتعاون مع مكتب البحوث البحرية الأميركي عندما التقطوا هذا الصوت.

وذكرت جيستر أنّ العلماء في ذلك الوقت لم يكونوا يدركون ماهية الأصوات التي يسمعونها، لكنهم قرّروا تسجيلها وحفظها على أيّ حال.

وقالت جيستر: «لقد تملّكهم الفضول، لذا تركوا أجهزة التسجيل تعمل، بل خصّصوا وقتاً لإجراء تسجيلات تعمّدوا فيها عدم إصدار أيّ ضجيج من سفنهم، وذلك فقط لسماع أكبر قدر ممكن مما يدور في الأعماق. وقد احتفظوا بهذه التسجيلات».

واكتشف علماء معهد «وودز هول» هذه الأغنية العام الماضي خلال عملية رقمية للأرشيف الصوتي القديم. كان التسجيل محفوظاً على قرص بحالة جيدة صنعته آلة «غراي أودوغراف»، وهي نوع من أجهزة التسجيل الصوتي التي شاع استخدامها في الأربعينات، وقد نجحت جيستر في تحديد مكان هذا القرص.

وأوضحت أنه رغم أنّ معدّات التسجيل تحت الماء المُستخدمة، آنذاك، تُعدّ بدائية بمعايير اليوم، فإنها كانت تمثّل ذروة التكنولوجيا في عصرها. وأضافت أنّ تسجيل الصوت على قرص بلاستيكي يُعدّ أمراً بالغ الأهمية؛ لأنّ أغلب تسجيلات تلك الحقبة كان يجري على أشرطة مغناطيسية تدهورت حالتها بمرور الزمن.

وتُعد قدرة الحيتان على إصدار الأصوات أمراً حيوياً لبقائها على قيد الحياة، وركيزة أساسية في تفاعلها الاجتماعي وتواصلها. ووفق علماء الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوّي، تأتي هذه الأصوات في شكل نقرات وصفارات ونداءات.

ويشير العلماء إلى أنّ هذه الأصوات تسمح للحيتان أيضاً بالعثور على الطعام، والانتقال، وتحديد مواقع بعضها بعضاً، وفهم مجالها في المحيط الشاسع. وتُصدر أنواع عدّة أصواتاً تكرارية تُشبه الأغنيات، وتُعد الحيتان الحدباء، التي قد يتجاوز وزنها 25 ألف كيلوغرام، أشهر مغنية في المحيطات، وهي قادرة على إصدار أصوات معقَّدة قد تبدو أثيرية أو حتى حزينة.

وقال الباحث في مركز «أندرسون كابوت» لحياة المحيطات في حوض أسماك نيو إنغلاند، هانسن جونسون، إنّ اكتشاف أغنية حوت مفقودة منذ زمن طويل من محيط كان أكثر هدوءاً، قد يمثّل نقطة انطلاق لفهم أفضل للأصوات التي تُصدرها هذه الحيوانات اليوم.

وأضاف جونسون الذي لم يشارك في البحث: «كما تعلمون، الاستماع إليها أمر جميل جداً، وقد ألهم كثيراً من الناس للتساؤل عن المحيط والاهتمام بحياته البحريّة بشكل عام. إنه أمر استثنائي حقاً».