أصبح في حكم المعتاد أن ترى الشباب دون العشرين من العمر وما فوقها، يصطفون في طوابير طويلة في أروقة معرض القاهرة الدولي للكتاب في مشهد لافت. ولكن الجديد الذي حملته الدورة الـ57 من المعرض، والتي فتحت أبوابها للجمهور منذ الخميس الماضي، هو أن هؤلاء الشباب لم يكونوا هذه المرة في انتظار توقيع مؤثر شهير على مواقع التواصل أصدر رواية تنتمي لفئة الرعب، أو مطرب «راب» معروف أصدر ديواناً باللهجة المحلية يتضمن أشعاراً في الحب، وإنما كانوا يحملون روائع الأدب العالمي وكنوز التراث العربي التي تباع هنا بأسعار زهيدة.
يحدث ذلك في جناح «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة» التي تبيع كثيراً من المؤلفات البارزة بأسعار تبدأ من 6 جنيهات، ولا تتجاوز 35 جنيهاً (الدولار يعادل نحو 47 جنيهاً مصرياً).
وقال حسن منصور (شاب في الفرقة الثالثة بكلية الطب، جامعة عين شمس، القاهرة) إن «القراءة في الأدب مهمة جداً لي لعمل توازن مع طبيعة دراستي العملية والعلمية»، لافتاً -في حديثه لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه يعتقد بشدة أن «القراءة مهمة جداً في تلك الفترة من حياتي، قبل أن أنشغل بعد التخرج ولا أجد وقتاً لأي كتاب، كما يحدث مع كثير من أقاربي وأصدقائي الأطباء الأكبر سناً».

ويبلغ سعر رواية «منزل الأموات» للكاتب الروسي فيودور دستويفيسكي (1821– 1881) 25 جنيهاً، ورواية «مدام بوفاري» ذائعة الصيت للكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير (1821- 1880) 20 جنيهاً، أما كتاب «حديقة أبيقور» لمواطنه أناتول فرانس (1844- 1924) فبلغ سعره 15 جنيهاً، وهو السعر ذاته لرواية «بيدرو بارامو» أحد أشهر نماذج أدب «الواقعية السحرية» في أميركا اللاتينية، للكاتب المكسيكي خوان رولفو (1986 –1917).
وتكتسب رواية «منزل الأموات» أهميتها من كونها تعد أشبه بسيرة ذاتية لفترة السنوات الأربع التي قضاها الكاتب العالمي دستويفيسكي في معسكر للأشغال الشاقة بسيبيريا، في حين تأتي «مدام بوفاري» ضمن الأعمال الرائدة التي تستكشف تناقضات وخبايا النساء، من خلال زوجة طبيب ريفي تعاني من الملل، وتتورط في الخيانة الزوجية، ثم تنهي حياتها بالانتحار، بينما يكتسب كتاب «حديقة أبيقور» شهرته من المزج بين السخرية الأدبية والتأمل الفلسفي في مقالاته وخواطره حول الحياة والموت والعلم والوجود الإنساني.

وعلى صعيد كنوز الفكر العربي، تباع 5 مؤلفات للكاتب محمود عباس العقاد بأقل من 125 جنيهاً. وهي: «الإسلام والحضارة الإنسانية»، و«أثر العرب في الحضارة الأوروبية»، و«مطالعات في الكتب والحياة»، و«مراجعات في الآداب والفنون»، و«جحا الضاحك المضحك».
أما الكتاب الشهير للمفكر أحمد أمين «زعماء الإصلاح في العصر الحديث»، الذي يتعرض لدور كل من: عبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، وعبد الله النديم، وعلي مبارك، وإسهاماتهم ما بين الفكر والسياسة، فيباع بـ35 جنيهاً.
وكانت المفاجأة أن واحداً من المراجع الكبرى في التراث العربي وهو كتاب «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي، تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين، والذي يضم خلاصة الفلسفة والحكمة في تأمل الحياة والبشر، عبر قالب قصصي ترفيهي، يباع بـ45 جنيهاً فقط، رغم أنه يقع في 600 صفحة من القطع الكبير.

وعلَّقت ميادة البشير (طالبة بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة)، على تلك الأسعار بقولها: «أصبح بإمكاني تكوين نواة مكتبة من المؤلفات الرائعة، بثمن بعض ملابس الخروج والإكسسوارات النسائية، وهو ما أفعله كل عام منذ أن كنت بالمرحلة الثانوية»، مشيرة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «أسعار الكتب في دور النشر الخاصة غالباً ما توازي أكثر من عشرة أضعاف نظيرتها في الأروقة الحكومية».






