دارين أرونوفسكي في «البحر الأحمر»: جبل قارة موقع سينمائي

علّق على صفقة «نتفليكس» و«وارنر براذرز»: وجود مشترٍ واحد ليس أمراً جيداً

‎⁨المخرج دارين أرونوفسكي خلال الجلسة (تصوير: إيمان الخطاف)
‎⁨المخرج دارين أرونوفسكي خلال الجلسة (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

دارين أرونوفسكي في «البحر الأحمر»: جبل قارة موقع سينمائي

‎⁨المخرج دارين أرونوفسكي خلال الجلسة (تصوير: إيمان الخطاف)
‎⁨المخرج دارين أرونوفسكي خلال الجلسة (تصوير: إيمان الخطاف)

أبدى المخرج الأميركي دارين أرونوفسكي انبهاره بمدينة الهفوف (شرق السعودية)، وذلك خلال زيارته الأخيرة لها، خصوصاً أمام التكوينات الصخرية البديعة لجبل قارة، كاشفاً في جلسة حوارية ضمن «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» عن أنه راودته فكرة تصوير فيلم داخل هذا الموقع الطبيعي اللافت، وأردف ممازحاً الجمهور: «المكان هناك مذهل! هل تعرفون أماكن سرية في جدة أيضاً؟».

الجملة التي جاءت بعفوية خلقت موجة تفاعل داخل القاعة، مع وضع الجبل السعودي على خريطة مواقع التصوير المحتملة في مخيّلة أحد أبرز المخرجين الأميركيين المعاصرين، حيث لا يكتفي أرونوفسكي بصناعة الأفلام، بل يصنع تجارب نفسية وروحية تبقى عالقة في الذاكرة، منذ ظهوره الأول بفيلم «باي» أواخر التسعينات، مروراً بأفلامه الكبرى مثل «مرثية حلم»، و«البجعة السوداء»، التي رسخت مكانته صوتاً سينمائياً متفرداً، لا يشبهه أحد.

ورغم شدة الأمطار التي هطلت على مدينة جدة صباح الثلاثاء، فإنه وصل في الوقت المحدد، ودخل بعفوية مرحباً بالجمهور: «هاي... أنا دارين أرونوفسكي»، ثم تبعته مديرة الجلسة؛ عالِمة الأعصاب الأميركية هيذر برلين، التي قدمت الجلسة بوصفها حواراً بشأن العلاقة بين السينما والذهن، لكنها تحوّلت إلى نقاش متعدد الطبقات، امتد من علم النفس إلى الفلسفة، ومن الوعي الإنساني إلى الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى علاقة المكان بتشكيل الخيال السينمائي.

السينما... وسيلة لتصوير الداخل

ومن اللحظات الأولى، بدا أرونوفسكي حريصاً على توضيح أن اهتمامه الأساسي ليس بالحبكة ولا بالمشهد الخارجي، بل بحالة الشخصية الداخلية، وقال: «أحد الفوارق الكبرى بين السينما والمسرح هو قدرة الكاميرا على خلق تجربة ذاتية... يمكنك أن تضع الجمهور داخل رأس الشخصية، لا فقط أمامها».

واستعاد أرونوفسكي لحظة مبكرة شكّلت طريقه نحو هذه المقاربة، حين لفت أحد زملائه نظره، خلال مشاهدة فيلم في سنوات الدراسة، إلى أول لقطة موضوعية في العمل، مضيفاً: «كانت لحظة اكتشاف... فهمت أن زاوية الكاميرا ليست محايدة، بل هي اختيار نفسي وفلسفي.. هذه الفكرة جعلتني أبحث عن لغة تُشعر الجمهور بما تشعر به الشخصية».

بين الفلسفة والعلم

وعن شراكته الطويلة مع آري هاندل، الذي يحمل دكتوراه في علوم الأعصاب، قال أرونوفسكي إن وجوده جزء أساسي من البنية المفاهيمية للأفلام. وأضاف: «آري يفتح أمامنا باب الحديث مع كبار المفكرين والعلماء.. يمكنه التواصل مع أي باحث في الفلسفة أو علم الأعصاب أو الأنثروبولوجيا، ويطلب مشاركته في تطوير المشروع... نحن نحتاج هذه الروح البحثية».

هذا التداخل بين العلم والفلسفة لا يظهر فقط في بنية الحكايات، بل في الطريقة التي يبني بها أرونوفسكي أسئلة أفلامه، بما يشمل حدود الوعي، ومعنى الألم، وأشكال الهوس، والصراع بين السيطرة والفوضى.

وأحد أعلى الأجزاء إثارة في الجلسة كان حديثه بشأن علاقته بـ«التحكم» خلال صناعة الفيلم، فبعد 6 سنوات من التطوير الدقيق لفيلمه «النافورة»، وجد نفسه محاصراً بمنهجية لا تترك مجالاً للتجريب، ثم إن التخلي الجزئي عن «السيطرة» قد يكون مفتاحاً لحرية أكبر في السرد البصري.

عالمة الأعصاب الأميركية هيذر برلين التي أدارت الجلسة (المهرجان)

أفلام تُقلق الجمهور

عندما سألته برلين عن سبب ميله إلى المشاهد التي تضع الجمهور في حالة توتر أو عدم ارتياح، أجاب ضاحكاً: «ربما لأني كنت الطفل الذي يزعج أخته دائماً... والآن أزعج العالم!». وأضاف: «الأمر لا يتعلق بالصدمات، بل بالحقيقة... نشأت في جنوب بروكلين، والحياة لم تكن ناعمة، حيث انجذبت دائماً إلى الجانب الذي يفضّل الناس عدم النظر إليه».

وأكد أن عدم انتماء أفلامه إلى نوع سينمائي واحد جعلها أحياناً خارج التصنيفات التقليدية، قائلاً: «لا أفكر في النوع.. أبدأ من الإنسان».

عصر الذكاء الاصطناعي

كان محور الذكاء الاصطناعي من أكثر الأجزاء التي لاقت اهتماماً من الجمهور، خصوصاً مع إطلاق أرونوفسكي استوديو «Primordial Soup» المختص في تطوير أدوات بصرية تعتمد على تقنيات توليد الفيديو، وأكد هنا أن الصور التي تنتجها «النماذج» الآن مذهلة، «لكنها بلا معنى»، ومع ذلك، يرى أن الذكاء الاصطناعي سيصبح جزءاً أساسياً من أدوات المخرجين، قائلاً: «لا أعتقد أنه قادر على صناعة فيلم مؤثر في المدى القريب، لكنه سيكون أداة قوية».

صفقة «نتفليكس»... المثيرة للاهتمام

ولم يغب الحدث الجديد الذي يشغل الناس حول العالم هذه الأيام بشأن صفقة استحواذ «نتفليكس» على «وارنر براذرز»، التي أثارت قلقاً في قطاعي السينما والتلفزيون، إلا إن أرونوفسكي رد بإيجاز: «لم أقرأ التفاصيل بعد... لكن وجود مشترٍ واحد ليس أمراً جيداً... نحن أصلاً نعمل في سوق محدودة، كلما قل عدد المشترين، تقل فرص خلق منافسة تساعد الفن».

وخلال فقرة الأسئلة، تلقى أرونوفسكي سؤالاً عمّا تردد عن احتمال إخراجه فيلماً يتناول رجل الأعمال إيلون ماسك، فاكتفى بالرد بطريقة ساخرة أثارت ضحك القاعة: «مَن؟ إيلون ماسك؟ لا أعرف مَن يكون!». ولم يكن رده نفياً قاطعاً بقدر ما كان التفافاً فكاهياً على سؤال لا يرغب في الخوض فيه، خصوصاً في ظل تداول الشائعات بشكل واسع.

وهذا الأسلوب المرح بدا جزءاً من شخصية أرونوفسكي على المسرح، الذي فضّل إبقاء تركيز الجلسة على الأسئلة الفكرية والسينمائية، لا على التكهنات المتعلقة بمشروعات مستقبلية تحفّظ عن الإعلان عنها.


مقالات ذات صلة

اليمن لمجلس الأمن: انتهاكات الحوثيين تخدم مصالح إيران في المنطقة

المشرق العربي مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة السفير عبدالله السعدي (سبأنت)

اليمن لمجلس الأمن: انتهاكات الحوثيين تخدم مصالح إيران في المنطقة

قال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة السفير عبدالله السعدي، إن الميليشيات الحوثية وسّعت اعتداءاتها على السعودية مستهدفةً المطارات والمنشآت والأعيان المدنية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الخليج الدكتور عبد العزيز الواصل خلال جلسة مجلس الأمن بحضور المبعوث الأممي هانس غروندبرغ (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة)

السعودية لمجلس الأمن: لن نسمح بتحويل اليمن إلى منصة لتهديد أمننا

أكدت السعودية، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، أنها لن تسمح بتحويل اليمن إلى منصة لتهديد أمنها أو حرية الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)

بمقترح سعودي... 4 مارس يوماً للمرأة الخليجية

أقرَّت دول مجلس التعاون، اعتماد 4 مارس من كل عام يوماً للمرأة الخليجية، بما يعكس الاهتمام المشترك بتعزيز حضورها، وإبراز إسهاماتها في الأسرة والمجتمع والتنمية.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
يوميات الشرق جانب من منطقة الصقور ضمن «معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026» (تصوير: تركي العقيلي) p-circle 02:01

«معرض الصقور والصيد»... من شباك الصيد إلى ميادين الرماية والسيارات

يستقطب معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026 المهتمين بالصقارة والصيد والمغامرات من داخل السعودية وخارجها مقدماً مزيجاً من الموروث التقليدي والأنشطة الميدانية.

فاطمة القحطاني (الرياض)
الخليج لحظة تدمير منصة إطلاق صواريخ للميليشيا الحوثية (التحالف) p-circle 00:34

«التحالف»: تدمير منصات إطلاق صواريخ حوثية

أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن تدمير 3 منصات إطلاق للصواريخ تستخدمها الميليشيا الحوثية لتهديد الأمن الإقليمي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مصر لإعلان «كهف الجارة» محمية طبيعية لتعزيز السياحة البيئية

تكوينات فريدة في كهف الجارة (وزارة التنمية المحلية والبيئة)
تكوينات فريدة في كهف الجارة (وزارة التنمية المحلية والبيئة)
TT

مصر لإعلان «كهف الجارة» محمية طبيعية لتعزيز السياحة البيئية

تكوينات فريدة في كهف الجارة (وزارة التنمية المحلية والبيئة)
تكوينات فريدة في كهف الجارة (وزارة التنمية المحلية والبيئة)

تتجه مصر لإعلان منطقة «كهف الجارة» بمحافظة الوادي الجديد بالصحراء الغربية محميةً طبيعيةً لتعزيز السياحة البيئية، لما تمتلكه المنطقة من مقومات جيولوجية وطبيعية فريدة من نوعها، لتصبح المحمية الطبيعية رقم 32 في مصر والمحمية الرابعة في محافظة الوادي الجديد، وفق بيان لوزارة التنمية المحلية والبيئة، السبت.

تأتي هذه الخطوة في إطار جهود رسمية لإبراز المقومات الطبيعية الفريدة التي تزخر بها مصر، وتعزيز فرص السياحة البيئية، بما يضمن صون قيمتها الجيولوجية والطبيعية والحفاظ عليها للأجيال المقبلة، وفقما أوضحت وزيرة التنمية المحلية والبيئة المصرية الدكتورة منال عوض خلال زيارتها الميدانية للمحافظة لتفقد عدد من المشروعات التنموية والخدمية والتعرف على المقومات الطبيعية والبيئية التي تتمتع بها الوادي الجديد.

واطلعت وزيرة التنمية المحلية والبيئة على المقومات الطبيعية والجيولوجية التي يتميز بها الكهف، وما يضمه من تكوينات كلسية فريدة، تشمل الهوابط والصواعد وغيرها من التكوينات الجيولوجية التي تشكلت عبر فترات زمنية طويلة، إلى جانب الرسوم والنقوش الصخرية التي يضمها الموقع، بما يعكس قيمته الجيولوجية والأثرية والإنسانية.

منطقة كهف الجارة تستعد للانضمام لمحميات مصر الطبيعية (وزارة التنمية المحلية والبيئة)

ووجهت منال عوض بإجراء مسح بيئي لكامل المنطقة المحيطة بالكهف لمعرفة إمكانية وجود كهوف أخرى مشابهة بالمنطقة وتتمتع بالخصائص نفسها، ووضع خطة إدارة وحماية متكاملة للحفاظ على كهف الجارة، وتمهيد الطريق المؤدية إليه، حيث يعتبر رابع محمية بالوادي الجديد، كما تمثل محميات المحافظة ثلث محميات مصر الطبيعية.

وأكدت الوزيرة أن إعلان المنطقة محمية طبيعية، يتم وفقاً للضوابط والإجراءات القانونية والفنية المعمول بها، بما يحقق التوازن بين حماية التكوينات الجيولوجية الفريدة وإتاحة الفرصة أمام المواطنين والزائرين لاكتشافها والاستمتاع بها بطريقة مسؤولة.

وقالت في البيان إن «كهف الجارة يمثل نموذجاً متميزاً للثراء الطبيعي والجيولوجي الذي تزخر به الصحراء الغربية»، لافتة إلى أن تنوع المقومات التي تتمتع بها المحميات الطبيعية يتيح فرصاً واعدةً لتعزيز السياحة البيئية والجيولوجية.

وتشغل المحميات الطبيعية التي يصل عددها إلى 31 محمية نحو 15 في المائة من مساحة مصر، وتتوزع في مختلف المحافظات، من بينها محميات «وادي الحيتان» و«سانت كاترين» و«أبو جالوم» و«رأس محمد» و«جزر نهر النيل» و«وادي العلاقي» و«كهف سنور» و«الغابة المتحجرة» و«بركة قارون» و«سيوة».

وأوضحت وزيرة التنمية المحلية والبيئة أن التكوينات الجيولوجية داخل الكهوف تتسم بحساسيتها، وهو ما يتطلب تطبيق أساليب مناسبة للإدارة والحماية، بما يحافظ على طبيعتها ويحد من أي ممارسات قد تؤثر على مكوناتها، مشيرة إلى أن مثل هذه المواقع لا تمثل مجرد مشاهد طبيعية خلابة، بل تعد ثروة وطنية تحمل قيمة علمية وبيئية وتراثية، وتستحق الحماية والإدارة المستدامة.

ودعت المواطنين ومحبي الطبيعة والسياحة إلى زيارة كهف الجارة والتعرف على ما يضمه من مشاهد وتكوينات طبيعية استثنائية، مؤكدة أن اكتشاف كنوز مصر الطبيعية لا يقتصر على المواقع السياحية التقليدية، بل يمتد إلى مناطق تحمل تفرداً جيولوجياً وجمالاً طبيعياً قادراً على تقديم تجارب سياحية مختلفة ومميزة.

تفقد كهف الجارة تمهيداً لإعلانه محمية طبيعية (وزارة التنمية المحلية والبيئة)

ووصف الخبير السياحي المصري، محمد كارم، كهف الجارة، بأنه «كنز جيولوجي في الصحراء الغربية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذا الكهف يمثل واحدة من أروع الصور التي صنعتها وشكلتها الطبيعة عبر ملايين السنين وإدراجه ضمن المحميات الطبيعية يفتح آفاقاً جديدة للسياحة البيئية في مصر والوادي الجديد تحديداً».

وأشار إلى أن إدراج كهف الجارة كمحمية طبيعية يجعلنا نؤكد على زاوية النظر لهذا المكان ليس بوصفه معلماً طبيعياً فقط وإنما بوصفه فرصة واعدة لدعم السياحة البيئية.

من جانبها أكدت حنان مجدي، محافظ الوادي الجديد، على أن إدراج منطقة كهف الجارة ضمن المحميات الطبيعية يعكس ما تتمتع به المحافظة من مقومات طبيعية وجيولوجية فريدة، ويعزز جهود مصر في صون ثرواتها الطبيعية والحفاظ على المواقع ذات القيمة البيئية والجيولوجية، مشيرةً إلى أهمية الاستفادة من المقومات التي تزخر بها المنطقة في دعم السياحة البيئية والجيولوجية.

وأوضح كارم أن «الموقع الزاخر بالتكوينات الجيولوجية الفريدة يعد فرصة لجذب المهتمين بالجيولوجيا وتصوير الطبيعة والسياحة الاستكشافية في مصر، بعيداً عن الأنماط السياحية التقليدية»، مؤكداً أن «إدراج الموقع ضمن منظومة المحميات الطبيعية توجه مهم للحفاظ على التراث الطبيعي مع ازدياد الاهتمام العالمي بالسياحة البيئية والطبيعية».


سرّ ذكاء الأخطبوطات المذهل... العلم يقترب من فكّ اللغز

في طيّات الحمض النووي... سرّ العقل ذي الأذرع الثماني (جامعة شيكاغو)
في طيّات الحمض النووي... سرّ العقل ذي الأذرع الثماني (جامعة شيكاغو)
TT

سرّ ذكاء الأخطبوطات المذهل... العلم يقترب من فكّ اللغز

في طيّات الحمض النووي... سرّ العقل ذي الأذرع الثماني (جامعة شيكاغو)
في طيّات الحمض النووي... سرّ العقل ذي الأذرع الثماني (جامعة شيكاغو)

أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة فيينا في النمسا أن سرّ التطوّر المذهل لأدمغة الأخطبوطات والحبار وأجهزتها العصبية قد لا يكمن في تفرّد جيناتها فحسب، وإنما أيضاً في كيفية تنظيم هذه الجينات ضمن بنية ثلاثية البُعد.

ووجد الباحثون أنّ عملية قديمة وواسعة النطاق لإعادة تنظيم الجينوم غيّرت ترتيب الحمض النووي داخل خلايا هذه الكائنات البحرية، إذ قرّبت مناطق منه كانت متباعدة سابقاً، وجعلتها تتلامس، مما غيّر آليات تنظيم الجينات.

ووفق الدراسة المنشورة، الجمعة، في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز»، فإنّ فهم هذه العملية قد يغيّر نظرتنا إلى كيفية ظهور سمات جسدية وعصبية جديدة خلال تطور هذه الكائنات البحرية.

ومن المعروف أن الأخطبوطات والحبار والسبيدج، وهو أحد أنواع الحبار، تنتمي إلى مجموعة تُعرف باسم «رأسيات الأرجل الكولويدية»، وقد طوّرت أجهزة عصبية ضخمة وشديدة التعقيد، تمنحها القدرة على ممارسة سلوكيات متقدّمة، مثل حلّ المشكلات والتمويه السريع والانقضاض على الفرائس والهرب من المفترسات.

وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة، الدكتورة ثيا روجرز: «إن الجينوم ليس مجرّد تسلسل للجينات، فهو مطويّ ضمن بنية وظيفية معقّدة ثلاثية البُعد».

وأضافت، في بيان صدر الجمعة: «أصبح فهم كيفية تطوّر هذه البنية أمراً شديد الأهمية لتفسير نشوء أشكال جديدة من التعقيد البيولوجي».

وأوضحت أنه قبل مئات الملايين من السنوات، شهدت رأسيات الأرجل عملية واسعة النطاق لإعادة تنظيم الجينوم، أدّت إلى إعادة ترتيب شاملة لمكوّناته، وقرّبت مناطق من الكروموسومات كانت متباعدة سابقاً.

ووجد الباحثون أن تلامس مناطق الحمض النووي يتيح لها التفاعل والتأثير في نشاط بعضها بعضاً. ومع الوقت، قد تترسّخ هذه التفاعلات، فتشكّل شبكات تنظيمية مترابطة على نحو فريد.

التشابُك التنظيمي

وقد تتيح هذه العملية، التي أطلق عليها الباحثون اسم «التشابك التنظيمي»، للجينومات إنتاج أنماط جديدة من التعبير الجيني، مع الحفاظ على الوظائف الأساسية لهذه الكائنات.

وأظهرت النتائج أنّ الوحدات البنيوية الكبيرة للجينوم ظلّت مستقرة إلى حدّ بعيد عبر الزمن التطوري، في حين كانت الروابط الأصغر حجماً أكثر تغيّراً؛ إذ تُقرّب هذه الحلقات مناطق متباعدة من الحمض النووي، وتتيح تلامسها.

وتبيّن أنّ هذه العناصر تختلف بدرجة كبيرة بين الأنواع والأنسجة ومراحل النمو، وغالباً ما تقع بالقرب من جينات مرتبطة بسمات رئيسية لدى هذه الكائنات، بما فيها السمات المتعلّقة بالدماغ والجهاز العصبي. ويشير ذلك إلى أنّ المناطق الأكثر مرونة قد تكون أشدّ تأثّراً بالتغيّرات واسعة النطاق في تنظيم الحمض النووي.

وتتحدَّى النتائج الاعتقاد بأن بنية الجينوم مجرّد نتاج سلبي للتطور، إذ تشير إلى أن التنظيم ثلاثي البُعد للحمض النووي يؤدي دوراً فاعلاً في توجيه مساره. وربما أسهم هذا التنظيم بدور محوري في نشوء الأدمغة والأجهزة العصبية شديدة التعقيد لدى الأخطبوطات والحبار.


بعد 235 يوماً في المدار... رائدة فرنسية: «أعيدوني إلى الفضاء»

لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)
لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)
TT

بعد 235 يوماً في المدار... رائدة فرنسية: «أعيدوني إلى الفضاء»

لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)
لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)

قالت رائدة الفضاء الفرنسية صوفي أدونو، السبت، من ألمانيا، عقب عودتها إلى الأرض، إنها اختبرت «جميع المشاعر الإنسانية، من الأكثر فرحاً إلى الأشدّ صعوبة»، خلال الأشهر الثمانية التي أمضتها في مدار الأرض.

وكانت مركبة «دراغون»، التي تقلّ أدونو وطاقم مهمة «كرو - 13»، قد هبطت الخميس في المحيط الهادي قبالة سواحل كاليفورنيا، عائدةً من محطة الفضاء الدولية.

وبذلك تكون أدونو قد أمضت 235 يوماً على متن المحطة، محطّمةً الرقم القياسي لأطول إقامة متواصلة في المدار لرائد أو رائدة فضاء من أوروبا.

رحلة انتهت على الأرض ولم تنتهِ في داخلها (أ.ف.ب)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن أدونو قولها السبت، من مركز التدريب التابع لوكالة الفضاء الأوروبية في مدينة كولونيا الألمانية، والدموع تغالبها بين الحين والآخر، أن الأرض تبدو من ارتفاع 400 كيلومتر «بلا انقسامات ولا حدود»، بل مجرّد «كوكب ثمين يتشاركه الجميع».

وبدا الإرهاق واضحاً على رائدة الفضاء البالغة 44 عاماً لدى وصولها إلى ألمانيا، برفقة طبيبين من وكالة الفضاء الأوروبية.

وفي الفضاء، يتكيَّف الجسم مع انعدام الجاذبية، ممّا يؤدي إلى هشاشة العظام، وفقدان الكتلة العضلية، وتدهور صحة القلب، ومشكلات في الرؤية. وستخضع أدونو خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة لبرنامج خاص لاستعادة عافيتها.

وقالت في مؤتمر صحافي: «انتابني مزيج من المشاعر المدهشة. إنه لأمر مذهل. من الرائع العودة إلى الأرض، لكن هذه العودة ترافقها مجموعة من التحديات، لا سيما الجسدية منها».

دموع عند الهبوط وحنين إلى ما فوق الغيوم (إ.ب.أ)

وأشارت إلى أن عملية الهبوط، الخميس، كانت «صعبة»، إذ اضطرت الكبسولة التي تقلّ رواد الفضاء الأربعة إلى «مواجهة الأمواج العاتية مدّة 25 دقيقة».

وأضافت: «عندما أخرجني أفراد فرق الإنقاذ من الكبسولة كانت أول عبارة قلتها لهم: (أعيدوني إلى الفضاء أرجوكم. الأمور أسهل بكثير هناك)».

وخلال المهمّة أصبحت أدونو أول رائدة فضاء فرنسية تنفّذ طلعة خارج المحطة لإجراء إصلاحات فيها. ونفّذت ثلاث طلعات في المجموع، في 18 و25 أغسطس (آب)، والأول من سبتمبر (أيلول).