«الآثاريون العرب» يدعو لتحركات دولية تحمي آثار غزة والسودان ولبنان

في مواجهة ما عدّه الاتحاد «محاولات طمس الهوية»

مؤتمر اتحاد الآثاريين العرب أصدر توصيات لحماية الآثار (اتحاد الآثاريين العرب)
مؤتمر اتحاد الآثاريين العرب أصدر توصيات لحماية الآثار (اتحاد الآثاريين العرب)
TT

«الآثاريون العرب» يدعو لتحركات دولية تحمي آثار غزة والسودان ولبنان

مؤتمر اتحاد الآثاريين العرب أصدر توصيات لحماية الآثار (اتحاد الآثاريين العرب)
مؤتمر اتحاد الآثاريين العرب أصدر توصيات لحماية الآثار (اتحاد الآثاريين العرب)

دعا «اتحاد الآثاريين العرب» إلى ضرورة التحرك دولياً لحفظ الآثار وحمايتها في المناطق العربية التي تشهد حروباً وصراعات، من بينها قطاع غزة ولبنان والسودان، وأوصى الاتحاد في ختام مؤتمره العام رقم 28، بمقره في مدينة الشيخ زايد (غرب القاهرة)، الأحد، بتشكيل وفد من خبراء ترميم الآثار للوقوف على المخاطر التي لحقت بآثار غزة.

وشهد المؤتمر الذي أقيم برئاسة الدكتور محمد الكحلاوي، رئيس اتحاد الآثاريين العرب، وتحت رعاية جامعة الدول العربية، مناقشة 120 ورقة بحثية خلال يومَي 22 - 23 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، تناولت قضايا الآثار والمخاطر التي تتعرض لها في الوطن العربي، وفق بيان للاتحاد.

وقال الدكتور محمد الكحلاوي إن «توصيات المؤتمر تتوافق مع متطلبات الواقع الذي نعيشه»، مؤكداً في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «الآثار العربية في المناطق التي تشهد صراعات ومخاطر في حالة خطيرة يرثى لها، والاتحاد منوط به التنبيه؛ لأننا لسنا جهة تنفيذ، فقط نرفع توصياتنا القائمة على رؤية علمية للجهات المختصة».

وأضاف: «لا بد على الجهات المعنية وكل من له باع سواء في قضية غزة أو السودان أو لبنان، من تمكين الآثاريين العرب بوصفهم جهة متخصصة للوقوف على المواقع والمباني الأثرية التي تأثرت نتيجة الحروب والصراعات، حتى نستطيع أن نضع خطة متكاملة لترميمها وصيانتها وحفظها، بالتوازي مع خطط إعادة الإعمار التي يجري العمل عليها».

وأنشئ الاتحاد العام للآثاريين العرب عام 1997، في إطار المجلس العربي للدراسات العليا والبحث العلمي لاتحاد الجامعات العربية، وحمل في البداية اسم «جمعية الآثاريين العرب»، ويتبع الاتحاد سياسة ترمي إلى «لمّ الشتات الأثري في وطننا العربي، واستطاع في سنوات قليلة أن يحقق منظومة فريدة من خلال اعتماد استراتيجية تعتمد على إيجاد رؤية عربية شاملة تخدم الباحثين في مجال الآثار، والدراسات الآثارية وأعمال الترميم والمتاحف»، وفق موقع الاتحاد.

وفي ما يتعلق بغزة، قال الكحلاوي إنه «يجب الحفاظ على الآثار والتراث؛ لأنها تمثل الهوية الحقيقية والأصيلة لغزة وغيرها من المناطق التي تشهد صراعات وحروباً، ونرجو ممن في يده القرار تمكين الآثاريين العرب لإجراء زيارة ميدانية للوقوف على الضرر الذي تعرضت له المواقع الأثرية في غزة».

وتابع: «أما بالنسبة للسودان فالكارثة أعظم؛ لأنه يشهد صراعاً سودانياً - سودانياً، مما يمثل خطورة داهمة على أرواح البشر وعلى مقدرات السودان وتراثه، فحين تُنهب أكثر من 30 ألف قطعة من المتاحف السودانية لا يبقى شيء بعد ذلك؛ لذلك أوصينا دول الجوار بتشديد الرقابة على الحدود حتى لا تكون ممرات لتهريب الآثار».

وعن الجهات المعنية بالتحرك دولياً وعملياً لتنفيذ هذه التوصيات، قال الكحلاوي: «نرفع الأمر إلى اتحاد الجامعات العربية وجامعة الدول العربية ومنظمة (الألكسو)، وعلى الجامعة العربية أن تخاطب (اليونيسكو) بشكل مباشر».

اتحاد الآثاريين العرب بالجيزة (صفحة الاتحاد على «فيسبوك»)

وأكد الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، أن «المؤتمر أوصى الحكومات العربية والإسلامية بضرورة وقف أعمال القتل بين أبناء الشعب الواحد في السودان، ويناشد المنظمات المعنية بالتراث بضرورة الحفاظ على متاحف السودان وآثاره من التخريب والتهريب، وتشديد الرقابة على الحدود الدولية. وطالب المجلس بحقن دماء أهالينا في غزة ولبنان، وتمكين مجلس الآثاريين العرب من تشكيل وفد من خبراء ترميم الآثار للوقوف على المخاطر التي لحقت بآثار غزة، وذلك من خلال زيارة ميدانية مؤمّنة من قبل منظمة الأمم المتحدة و(اليونيسكو)، ووضع خريطة دقيقة للمواقع المتضررة».

وأعلن «تخصيص المنح الدراسية المقدمة من مجلس الآثاريين العرب للباحثين من الدول العربية المتضررة من الحروب، وتشمل فلسطين والسودان ولبنان واليمن والعراق، وتخصيص مكتب للطوارئ لتلقي بلاغات انتهاكات وجرائم الحروب وآثارها على التراث ببلدان الوطن العربي».

وكان الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، استقبل في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، رئيس المجلس العربي للاتحاد العام للآثاريين العرب، الدكتور محمد الكحلاوي، للبحث في حماية التراث والآثار العربية وصونهما، ومناقشة مقترح إنشاء إدارة متخصصة للآثار العربية داخل جامعة الدول العربية، تهدف إلى توحيد الجهود العربية في مواجهة التحديات التي تتعرض لها الآثار في المنطقة، مثل عمليات التخريب والسرقة والاعتداءات التي تعرضت لها مواقع أثرية عربية.


مقالات ذات صلة

 مصر: جدل بشأن إنشاء كافتيريا حول «البحيرة المقدسة» بمعابد الكرنك

يوميات الشرق جانب من إنشاءات الكافتيريا الجديدة  (الشرق الأوسط)

 مصر: جدل بشأن إنشاء كافتيريا حول «البحيرة المقدسة» بمعابد الكرنك

أثارت صور متداولة لإنشاءات حول البحيرة المقدسة بمعابد الكرنك بالأقصر (جنوب مصر) جدلاً على منصات التواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق ما كشفته المجارف أكبر من حجارة وزخارف (وزارة الثقافة الإيطالية)

اكتشاف فيلا مفقودة منذ 18 قرناً قرب روما

اكتشف علماء الآثار فيلا فاخرة تعود إلى القرن الأول الميلادي، زارها 3 أباطرة، وذلك في منطقة كاستيل دي غويدو الواقعة على مشارف روما...

«الشرق الأوسط» (روما)
ثقافة وفنون قصر هشام في أريحا

قصر هشام في أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر

محمود الزيباوي
يوميات الشرق أعمال التطوير الجارية في ميدان السيدة عائشة (الشرق الأوسط)

ملامح تطوير محيط قلعة صلاح الدين بالقاهرة ضمن مسار «آل البيت»

يخضع محيط قلعة صلاح الدين وميدان السيدة عائشة بالعاصمة المصرية القاهرة لعملية تطوير وتغييرات كبيرة وجذرية منذ نحو عام.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)

«فتاة الصحراء تخرخوري» تستقر في المتحف الليبي

لحين عرضها للجمهور الليبي في 30 يوليو المقبل، قالت وزارة الثقافة بغرب البلاد إن هيئة الآثار تسلمت مومياء الفتاة «تخرخوري» بعد رحلة ترميم في إيطاليا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أبطال «إذما» من الرياض: فيلم عن الشغف حين يضيع والطريق إلى استعادته

بوستر «إذما» خلال العرض الأول للفيلم في الرياض (تصوير: تركي العقيلي)
بوستر «إذما» خلال العرض الأول للفيلم في الرياض (تصوير: تركي العقيلي)
TT

أبطال «إذما» من الرياض: فيلم عن الشغف حين يضيع والطريق إلى استعادته

بوستر «إذما» خلال العرض الأول للفيلم في الرياض (تصوير: تركي العقيلي)
بوستر «إذما» خلال العرض الأول للفيلم في الرياض (تصوير: تركي العقيلي)

شهدت الرياض، مساء الثلاثاء، العرض الأول للفيلم المصري «إذما» بحضور أبطاله، وذلك قبل انطلاق عرضه الرسمي في دور السينما بالسعودية والخليج وعدد من الدول العربية، بدءاً من 18 يونيو (حزيران) الحالي.

ويأتي الفيلم ضمن الأعمال العربية المنتظرة خلال الموسم الحالي، مُقدِّماً قصة إنسانية تدور حول الأحلام والشغف والقرارات التي ترسم مسارات الحياة، في قالب درامي يتناول مشاعر فقدان الحلم والبحث عن الذات واستعادة الشغف. وهو من إخراج الكاتب محمد صادق في أولى تجاربه الإخراجية السينمائية، ويشارك في بطولته أحمد داود، وسلمى أبو ضيف، وحمزة دياب، وجيسيكا حسام الدين، وبسنت شوقي، إلى جانب عدد من ضيوف الشرف؛ وذلك من إنتاج شركة «ذا بروديوسرز فيلمز»، فيما تولَّت شركة «قنوات» توزيعه في السعودية ودول الخليج وعدد من الأسواق العربية.

كاتب «إذما» ومخرجه محمد صادق خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)

وكشف محمد صادق لـ«الشرق الأوسط» عن تجربته الإخراجية الأولى، قائلاً: «كانت صعبة وممتعة، وآمل أن يترك الفيلم أثراً لدى المشاهدين، ويدفعهم إلى التمسُّك بأحلامهم، وعدم التحوّل إلى أشخاص فقدوا شغفهم».

وأشار إلى التحدّيات التي واجهته في إخراجه: «خلال تحويل رواية (إذما) إلى فيلم، كان لا بدَّ من التعامل مع المساحة الواسعة التي يتركها النص المكتوب لخيال القارئ. ويتمثَّل التحدّي الأكبر في تقديم عالم بصري يوازي ما تخيَّله الجمهور خلال القراءة، والحفاظ في الوقت عينه على المشاعر التي حملتها الرواية».

وأشاد صادق بأداء فريق العمل، قائلاً: «جميع المشاركين تعاملوا مع الفيلم بحبّ وإيمان كبيرَيْن، وقدَّم أحمد داود أداءً مميزاً، وأدت سلمى أبو ضيف دورها بطريقة جميلة». كما وصف اكتشاف موهبة جيسيكا حسام الدين وحمزة دياب بالمفاجأة الجميلة، إلى جانب بسنت شوقي وضيوف الشرف، إذ جمعت الفريق حالة من الانسجام خلال التصوير.

بطل فيلم «إذما» أحمد داود خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)

من جهته، أوضح أحمد داود لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل بطولته «إذما»، والدور الذي جسَّده، قائلاً: «تعيش شخصية البطل (عيسى) حالة من مراجعة الذات والندم، وعملتُ على المحافظة على إظهارها بشكل متوازن بعيداً عن المبالغة في المشاعر». وأشار إلى أن الصعوبة تضاعفت مع تقديم الشخصية في مرحلتين عمريتين مختلفتين، فيشعر المشاهد بأنّ النسختين تنتميان إلى الشخص نفسه. وسعى داود إلى تقديم أداء صادق يلامس الجمهور، إذ يحمل الفيلم قدراً كبيراً من المشاعر.

وبيَّن أنّ العمل يوجّه رسالة إلى مَن فقد حلمه كي يستعيده، وإلى مَن لا يزال في بداية الطريق كي يتمسَّك به. وأضاف: «(إذما) من الأعمال القريبة إلى قلبي، وسأعود إلى مشاهدته كلّما مررتُ بمحطّات صعبة»، إذ تتطرَّق موضوعاته إلى اللحظات التي تتكلّل بالملل وفقدان الشغف بالأحلام والطموحات. وجاء طرح «إذما» في السعودية بعد نجاحه في مصر خلال موسم العيد، إذ حقَّق إيرادات مستقرّة رغم المنافسة، وواصل تحقيق إيرادات جيدة حتى الآن.

أحد نجوم «إذما» حمزة دياب خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)

وعلَّق الممثّل المصري الشاب حمزة دياب، لـ«الشرق الأوسط»، على مصدر فهمه العميق للشخصية، قائلاً: «أسهمت قراءتي للرواية قبل المشاركة في الفيلم في تكوين فهم مبكر ونقطة انطلاق ساعدتني في بناء الدور»، موضحاً أنه يُجسّد شخصية «عيسى» في مرحلة الشباب، وهي شخصية طموحة ومفعمة بالحياة تتمسّك بحلمها وترفض فقدان الشغف مع التقدُّم في السنّ وظروف الحياة، قبل أن تدفعها بعض الأحداث الخاصة إلى الابتعاد عن أحلامها، ثم محاولة استعادة نفسها بطريقة مختلفة.

نجمة فيلم «إذما» جيسيكا حسام الدين خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)

بدورها، قالت جيسيكا حسام الدين لـ«الشرق الأوسط» إنها تؤدّي شخصية «سلمى» في مرحلة الشباب، ووصفتها بأنها عفوية ومتمسّكة بأحلامها، وتسعى خلف ما تحبّ، مضيفةً: «كان اهتمام المخرج محمد صادق بأدق التفاصيل أمراً مبهراً بالنسبة إليّ، وفي الوقت نفسه دفعني ذلك إلى تقديم أفضل ما لديّ». وأعربت عن سعادتها بالتجربة وبالشخصية، مشيرة إلى أن قصة الفيلم تتقاطع مع تجارب عاشها كثير من الناس، وهو ما تأمل بأن يشعر به الجمهور عند المشاهدة.

ونالت الحملة الترويجية للفيلم تفاعلاً واسعاً خلال المدّة الماضية، خصوصاً بعد طرح الأغنية الرسمية «سر وجعنا» بصوت الفنانة رحمة محسن والفنان نوردو، التي تجاوزت مشاهداتها 10 ملايين عبر المنصات الرقمية، وتصدَّرت قوائم الأكثر تداولاً في عدد من الدول العربية.

وتزامناً مع موعد عرض الفيلم في السعودية والخليج وعدد من الدول العربية، طُرحت أغنية جديدة بعنوان «بكلم نفسي» بصوت الفنان بهاء سلطان، لتصبح الإصدار الغنائي الرابع المرتبط بالعمل. وجاءت في قالب فيديو كليب يضمّ أبطال الفيلم، ويُقدّم لمحات من أحداثه وشخصياته.


«بدايات جديدة»... لقاء الروح بالحب في معرض ترايسي شمعون

معرض «بدايات جديدة» يستمر لغاية 27 يونيو الحالي (الشرق الأوسط)
معرض «بدايات جديدة» يستمر لغاية 27 يونيو الحالي (الشرق الأوسط)
TT

«بدايات جديدة»... لقاء الروح بالحب في معرض ترايسي شمعون

معرض «بدايات جديدة» يستمر لغاية 27 يونيو الحالي (الشرق الأوسط)
معرض «بدايات جديدة» يستمر لغاية 27 يونيو الحالي (الشرق الأوسط)

بريشة تحلّق في فضاءات الحب والحرية والحدائق المعلّقة، تترجم ترايسي شمعون مشاعرها تجاه الإنسان وصلته بالطبيعة. وتعرض، تحت عنوان «بدايات جديدة»، مجموعة من لوحاتها المنفّذة بالأكريليك في غاليري «آرت ميشن» في شارع مار مخايل.

وترايسي، التي اختارت أن تقيم وسط غابة في بلدة بيت الدين، وجدت في أحضان الطبيعة السكينة والطمأنينة. هناك نسجت علاقة استثنائية مع الأشجار والحيوانات، فكلما اقتربت منها ازدادت فهماً للغتها الخفية. ومن هذا القرب وُلد تناغم عميق بينها وبين الغابة، حتى باتت تتحاور معها بطريقتها الخاصة، وتنصت إلى همساتها وأسرارها.

اللوحة التحية للطفولة المعذبة (الشرق الأوسط)

وأنت تتجوَّل في المعرض، تستوقفك لوحات ترايسي شمعون المشبعة بمشاعر دفينة، أرادت لها أن تبصر النور تحت عنوان «بدايات جديدة». وفي أسلوبها التشكيلي تمزج الفنانة بين الألوان الذهبية وتدرّجات دافئة أخرى، فلا تغيب الألوان الحمراء والبرتقالية والخضراء والصفراء عن أعمالها، في حين يحتفظ الأزرق بحضور رمزي يطغى على سواه.

وتقول في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الألوان هي أداتي للتعبير عن تنوُّع الموضوعات التي أتناولها. أتعامل معها كباقة من الورود لا أستغني عن أي زهرة فيها. أما الشخصيات التي تظهر في لوحاتي فهي انعكاس لما أراه في مرآة خيالي. ولذلك قد يشعر المتأمل بأن بعض النساء المرسومات يحملن شيئاً من ملامحي. فالرسّام يستعير من الواقع صوره الأولى، ثم يعيد صياغتها عبر مخيِّلته الخاصة».

تستغرق لوحاتها وقتاً طويلاً لإنجازها، وقد يتجاوز العمل على بعضها 80 ساعة. فهي تحب أن تغوص بريشتها كمن يغوص في أعماق المحيط، وتنهل منها كل الأفكار والصور التي تراودها. «أستطيع عبر لوحتي القيام برحلات طويلة بين الكواكب والنجوم، كما بين الطبيعة وأشجارها الكثيفة والمثمرة. جميع هذه الصور لا شك أنها تسكنني منذ ولادتي، لا سيما أنني عشت حياتي على مستويات عدة. أمزج بين يومياتي والحلم، مما يسمح لي بالتخلص من هواجس وأفكار لا أحبذها. ومع فرشاة الرسم أقترب أكثر من الجمال والحلم والخيال. وهي وسيلة أغذي بها روحي وتشفيني من أوجاعي».

في إحدى لوحاتها المعنونة «سحر الثعلب»، تقدِّم ترايسي شمعون عالماً أقرب إلى حكايات «ألف ليلة وليلة». وهي لوحة تزخر برسائل وإشارات خفية تدفع الناظر إلى الاكتشاف والتأمل، يبرز فيها ثعلبان يحدّقان بالمشاهد بعيون زجاجية لامعة، بينما تطلُّ خلفهما امرأة جميلة بشعر أحمر، وكأنها تحرسهما في قلب غابة كثيفة.

ترايسي شمعون أمام إحدى لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

توضح الفنانة التشكيلية: «هذه اللوحة عزيزة جداً على قلبي، لأنها تختصر الآفاق الرحبة التي فتحتها أمامي الغابة التي أسكنها. ففي الليالي الهادئة أسمع أصوات الثعالب وأستأنس بها، وكثيراً ما أخرج لإطعامها بيدي. إن هذا العالم الساحر، المؤلف من الطبيعة والحيوان، يمنحني الدفء ويغمرني بالإلهام».

أما لوحة «ساتورنا»، التي تتصدرها امرأة يغطي وجهها نسيج يشبه شباك الحياة، فلها حكاية خاصة ترويها ترايسي قائلة: «رأيت هذه المرأة في المنام، وكانت بشرتها الرمادية تبعث في نفسي شيئاً من الرهبة. وعندما سألتها عن اسمها أجابت: ساتورنا. وفي اليوم التالي بحثت عن الاسم لأكتشف أنها شخصية مرتبطة بالأساطير الرومانية، وتظهر رمزاً للطبيعة التي تستعيد عافيتها بعد الحروب والدمار. لذلك رسمتها كما تراءت لي في الحلم، وأحطتها بالورود والزهور والثمار، في مشهد يحتفي بالحياة وتجددها».

وفي لوحات أخرى، تتناول ترايسي شمعون موضوعات أكثر جدية، من بينها لوحة «لحظة البراءة الأخيرة». وتُصوّر فيها فتاة صغيرة من الخلف، تحدّق في البحر فيما تلتفُّ حول جسدها منشفة زرقاء. وتشرح الفنانة قائلة: «تعكس هذه اللوحة معاناة ضحايا العنف الجسدي، وقد استوحيتها من الجرائم المرتبطة بجيفري إبستين. أردتها تحيةً إلى الطفولة المعذّبة. أحطت الطفلة بزهور الأقحوان، وجعلت الآفاق الممتدة أمامها مفعمة بالألوان، في إشارة إلى رموز ذلك العمر الجميل وما يحمله من براءة وأمل. كما نثرت اللون الأبيض في أنحاء اللوحة ليجسِّد الأحلام التي لا تزال تراودها رغم كل شيء».

لوحة «ساتورنا» التي رأتها في منامها (الشرق الأوسط)

وتكمل جولتك في المعرض فتطالعك لوحتا «سيتوس» و«بولاريس». الأولى كلمة لاتينية مشتقة من اليونانية تعني «وحش البحر»، فيما ترتبط الثانية بعلم الفلك وتشير إلى «النجم القطبي». وتستحضرهما ترايسي شمعون عبر وجوه نسائية ودوائر متشابكة لا تنتهي، تزينها زخرفات شرقية تضفي على المشهد مزيداً من الغموض والسحر.

ومع لوحات «ملاذ بعيد» و«حديقة معلّقة» و«قرن الوفرة» و«اللبوة»، تأخذنا شمعون في رحلة بصرية غنية بالألوان والرموز، فتتنقّل بين الطبيعة بوصفها مساحة للسكينة، والهروب بوصفه رحلةً للبحث عن الذات. وفي كل لوحة تفتح نافذة على عالمها الداخلي، حيث تتقاطع الأحلام مع الواقع. وتتحوّل الألوان إلى لغة تروي حكايات عن الحرية والجمال والتجدّد.


«عامل M» يكشف أزمة الذكورة والعنف والتمييز ضد النساء… دراسة جديدة تُثير الجدل

بيّنت الدراسة أن نحو 20 في المائة من الرجال الذين شملهم الاستطلاع حصلوا على درجات مرتفعة في مقياس «عامل M» (بكسلز)
بيّنت الدراسة أن نحو 20 في المائة من الرجال الذين شملهم الاستطلاع حصلوا على درجات مرتفعة في مقياس «عامل M» (بكسلز)
TT

«عامل M» يكشف أزمة الذكورة والعنف والتمييز ضد النساء… دراسة جديدة تُثير الجدل

بيّنت الدراسة أن نحو 20 في المائة من الرجال الذين شملهم الاستطلاع حصلوا على درجات مرتفعة في مقياس «عامل M» (بكسلز)
بيّنت الدراسة أن نحو 20 في المائة من الرجال الذين شملهم الاستطلاع حصلوا على درجات مرتفعة في مقياس «عامل M» (بكسلز)

كشفت دراسة جديدة عن ظهور ما يُعرف بـ«عامل M (M factor)»، وهو مفهوم علمي يصف مجموعة من المواقف المرتبطة بالذكورة المتطرفة، وتفوق الرجل، والميول المعادية للمساواة بين الجنسين. ويشير الباحثون إلى أن هذه الاتجاهات لم تعد محصورة في الفضاء الرقمي، بل بدأت تنعكس بشكل متزايد في الواقع الاجتماعي والسلوكيات اليومية، ما يُثير مخاوف متصاعدة بشأن تأثير «المانوسفير» على الشباب والعلاقات داخل المجتمع.

وقال قائد الدراسة، دينيس ريبود، عالم الجريمة وعلم الاجتماع في مركز «جاكوبس» لتطوير الشباب بجامعة زيورخ، في تقرير نشرته صحيفة «نيويورك بوست»، إن «عامل (M) يعكس موقفاً يرى أن الذكورة الحقيقية مهددة»، مضيفاً أنه يرتبط بأفكار تفوق الرجل، والميل إلى العنف، وازدراء الميول الجنسية المختلفة، ومعارضة المساواة بين الجنسين.

استطلاع واسع يشمل أكثر من 6 آلاف شخص في سويسرا

وأجرى باحثون من جامعة زيورخ، بالتعاون مع منظمة «Mencare» السويسرية المعنية بالرجال والآباء، دراسة شملت أكثر من 6 آلاف شخص تتراوح أعمارهم بين 16 و64 عاماً في سويسرا.

وتناول الاستطلاع مواقف المشاركين من الذكورة، والأدوار الجندرية، والجنس، والحياة الأسرية، والعلاقات، وتجارب العنف.

وكان الهدف من الدراسة فهم كيفية تطور مفاهيم الذكورة مع توسع «المانوسفير»، وهو شبكة من المؤثرين والمجتمعات والمنصات الرقمية التي تُروج لنماذج من الذكورة المتطرفة وهيمنة الرجل.

نتائج الدراسة: ترابط قوي بين أفكار الذكورة المتطرفة

وأظهرت الدراسة، وهي الأولى من نوعها في سويسرا، أن عدداً من هذه المواقف مترابطة بشكل وثيق، وأنها تنبع من توجه فكري مشترك.

وقال الباحثون: «بياناتنا تُظهر أن كل هذه الآراء مترابطة، ويمكن إرجاعها إلى موقف أساسي واحد».

20 % من الرجال أظهروا مستويات مرتفعة من «عامل M»

وأوضحت النتائج أن نحو 20 في المائة (أي 1 من كل 5 رجال) من الرجال الذين شملهم الاستطلاع حصلوا على درجات مرتفعة في مقياس «عامل M»، ما يجعلهم أكثر عرضة للسلوكيات العنيفة أو الإشكالية.

وكان الانقسام أوضح بين فئة الشباب؛ حيث إن واحداً من كل ثلاثة رجال تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً سُجل ضمن الفئة المرتفعة.

وقال نصف هؤلاء الشباب إنهم قلقون من أن «الرجال الحقيقيين يتم تهميشهم في المجتمع».

في المقابل، كانت النساء أكثر ميلاً إلى تبني مواقف داعمة للمساواة، وكنّ أقل بكثير في تبني أفكار الهيمنة الذكورية في جميع الفئات العمرية.

التعليم والدخل يؤثران في «عامل M»

ووجدت الدراسة علاقة واضحة بين مستوى «عامل M» والوضع الاجتماعي والاقتصادي، إذ كان الرجال ذوو التعليم المنخفض والدخل الأقل والمكانة المهنية الأضعف أكثر عرضة للحصول على درجات مرتفعة.

كما تبين أن هؤلاء الرجال أكثر ميلاً لتأييد العنف في التربية، والأدوار التقليدية داخل الأسرة؛ حيث يتولى الرجل دور المعيل في حين تتولى المرأة مسؤوليات الرعاية.

تأثير البيئة الجغرافية والخلفية العائلية

كما أشارت النتائج إلى أن الخلفية العائلية تلعب دوراً أيضاً، إذ كان الرجال الذين وُلد آباؤهم خارج سويسرا، خصوصاً في دول ذات أنظمة أبوية تقليدية، أكثر ميلاً لدرجات مرتفعة.

كما كانت النتائج أعلى في المناطق الناطقة بالألمانية مقارنة بالمناطق الناطقة بالفرنسية أو الإيطالية، وأكثر انتشاراً في الضواحي والمناطق الريفية مقارنة بالمدن.

ارتباط «عامل M» بالعنف والعلاقات غير الصحية

وأظهرت الدراسة أن الرجال ذوي الدرجات المرتفعة في «عامل M» أكثر احتمالاً لتعريف أنفسهم بوصفهم «عزّاباً قسريين» (incels)، واستهلاك المواد الإباحية العنيفة، واستخدام خدمات جنسية، إضافة إلى تورطهم أو تعرضهم للعنف داخل العلاقات.

وقال ريبود: «عامل (M) هو عامل خطر ثابت للعنف بين الشريكين، سواء في ارتكابه أو التعرض له».

وأضاف: «من يعدّون هيمنة الرجل والسلوك المسيطر أمراً طبيعياً، يكونون أكثر عرضة للوقوع في كلا الجانبين من العنف».

توصيات الدراسة: إعادة التفكير في مفهوم الذكورة

ودعا الباحثون إلى فتح نقاش مجتمعي أوسع حول مفهوم الذكورة، بدءاً من المدارس.

وأكدوا أهمية تعزيز دور الأب في تربية الأطفال، لما لذلك من أثر إيجابي على التطور العاطفي والاجتماعي والتحصيل الدراسي.

وقال الباحث ماركوس ثوينرت: «الرجولة ليست نموذجاً واحداً صحيحاً، بل يمكن أن تتشكل بأشكال متعددة، والذكورة قابلة للتغيير».