طفل تونسي يخطف الأنظار في «القاهرة السينمائي» عبر «الجولة 13»

هادي بن جابورية يجسد دور مريض سرطان

الطفل هادي بطل الفيلم التونسي (إدارة المهرجان)
الطفل هادي بطل الفيلم التونسي (إدارة المهرجان)
TT

طفل تونسي يخطف الأنظار في «القاهرة السينمائي» عبر «الجولة 13»

الطفل هادي بطل الفيلم التونسي (إدارة المهرجان)
الطفل هادي بطل الفيلم التونسي (إدارة المهرجان)

خطف الطفل التونسي هادي بن جابورية، بطل فيلم «الجولة 13»، الأنظار في «مهرجان القاهرة السينمائي» عقب عرض الفيلم، بفضل موهبته وحضوره الواثق في العمل الذي يجسّد من خلاله شخصية طفل يصارع مرض السرطان.

ويشارك الفيلم في مسابقة «آفاق السينما العربية» خلال الدورة الـ46 من المهرجان. وتدور أحداثه حول بطل الملاكمة التونسي «كمال» الذي يُنهي مسيرته الاحترافية، لكنه لا يُنهي تعلقه بهذه الرياضة، بل ينقل شغفه بها إلى ابنه الوحيد «صبري». ويستمد الفيلم عنوانه «الجولة 13» من عالم مباريات الملاكمة، غير أن مأساة تقع في حياة البطل، تشكّل إحدى أقسى هزائمه.

عُرض الفيلم مساء الاثنين بحضور نقاد وسينمائيين تونسيين وعرب، إضافة إلى طاقم العمل الذي يضم مخرجه محمد علي النهدي، ووالده الفنان التونسي الأمين النهدي الذي يشارك في مشهد واحد بالفيلم، والفنانة عفاف بن محمود، والطفل هادي. وقد أُنتج الفيلم بدعم من وزارة الثقافة التونسية، كما حاز دعم «مهرجان البحر الأحمر السينمائي» و«الدوحة للأفلام» وقناة «ART».

وفي المشاهد الأولى للفيلم، يدرب الأب «كمال» طفله «صبري» على رياضة الملاكمة في المنزل، ويتابعان معاً المباريات. يتعلق الطفل بالرياضة، ويصبح حلمه أن يكون ملاكماً في المستقبل مثل والده.

الأب والابن في لقطة من الفيلم (إدارة المهرجان)

يخوض «صبري» مباراة في ساحة المدرسة مع أحد زملائه، فيتعرّض لإصابة في ذراعه. يحمله والداه إلى المستشفى، وبعد سلسلة من التحاليل والأشعة يفاجئهما الطبيب بتشخيص إصابة ابنهما بمرض السرطان. تهتزّ العائلة لهذا الخبر، ويتحوّل استقرارها إلى صراع قاسٍ مع مرض لا يرحم. ويتتبع الفيلم تفاصيل هذا الصراع بكل مآسيه، وما يمرّ به الطفل من أوجاع خلال مراحل العلاج، وانقطاعه عن المدرسة، وسقوط شعره، وتشبث الأسرة كلها بالأمل. إلا أنّ الأب يبدو الأقل تماسكاً والأكثر تأثراً وتشتتاً، فيعود إلى ممارسة الملاكمة ويقع في أزمات تنتهي بدخوله السجن.

وبعد فترة علاج شاقة، يصارح الطبيب الوالدين بخطورة حالة ابنهما، فتنقله الأم إلى المنزل ليعيش أيامه الأخيرة بين أفراد أسرته، في حين يحتفلون بعيد ميلاده التاسع وهو يصارع الموت.

ويقدم الطفل هادي حضوراً لافتاً في الفيلم، مستقطباً الأنظار إلى موهبته الفطرية ووجهه البريء وقدرته على تجسيد الشخصية بصدق، متنقلاً من لحظات السعادة الأولى إلى صدمة المرض، حيث تختفي ابتسامته وحيويته، وتبدو معاناته من الآلام المبرحة بوضوح مؤثر.

المخرج يتحدث خلال جلسة نقاشية عقب العرض (إدارة المهرجان)

وكشف المخرج محمد علي النهدي، خلال جلسة نقاشية أعقبت عرض الفيلم، أن اكتشاف هادي جاء بالصدفة، إذ اختير من بين 300 طفل ترشحوا لأداء الدور. وقال: «كنا نبحث عن منزل نصوّر فيه في أحد أحياء تونس، فالتقينا هادي بالصدفة، حيث توجه إلينا وسأل: هل ستصورون مسلسلاً؟ فأجبناه بأننا نصوّر فيلماً، فقال: أريد التمثيل معكم. وقد لفت نظري فوراً، فأجرينا له اختبارات أداء اكتشفت خلالها أنه طفل موهوب وذكي. وخلال التصوير أثبت إرادة لافتة، فكان ملتزماً بمواعيده، ويصل جاهزاً وقد حفظ دوره، ولا يملّ، خلافاً لمعظم الأطفال، من ساعات التصوير الطويلة».

من جانبها، أكدت الفنانة عفاف بن محمود أن هادي موهوب بالفطرة، وكان شديد الالتزام والأكثر جاهزية طوال فترة التصوير. وتحدث هادي مؤكداً رغبته في مواصلة عمله في التمثيل إلى جانب دراسته.

وأضافت عفاف أن السيناريو جذبها منذ القراءة الأولى، وأن شخصية الأم كانت صعبة لأنها تعتمد على المشاعر وتتضمن مشاهد صامتة. وأوضحت أنها اعتادت أن تمنح الشخصية التي تؤديها من قلبها وروحها حتى تصل بصدق إلى المشاهد.

طاقم الفيلم على «الرد كاربت» في مهرجان القاهرة (إدارة المهرجان)

ولفت المخرج إلى أنه قدّم فيلماً برؤية واقعية، رافضاً النظرة الغربية التي تتعمّد تصوير العنف والفقر المدقع في الأفلام العربية وفرض أسلوب سرد معيّن كي تنال الأعمال إعجابهم في المهرجانات الكبرى، رافضاً في الوقت نفسه انسياق بعض المخرجين خلف هذه التوجهات. وقال: «أرفض تشويه واقعنا وثقافتنا، وقدّمت عملاً أبطاله ينتمون إلى الطبقة الشعبية من دون أي مزايدة».

وأعرب الفنان التونسي الأمين النهدي عن سعادته بالفيلم، قائلاً: «أنا فخور بهذا الفيلم، ليس من باب الانحياز لنجلي مخرج العمل، بل لأنه بالفعل فيلم مختلف في إيقاعه عن معظم الأفلام التونسية».

وردّ المخرج قائلاً إن «والده الفنان الكبير هو المدرسة الأولى التي تعلّم فيها منذ طفولته، حيث تعرّف على السيناريو وقيمة العمل الفني وأهمية الثقافة، ورافقه إلى مواقع التصوير».

وعدّ الناقد خالد محمود الفيلم واحداً من الأعمال التونسية اللافتة في دورة العام الحالي من «مهرجان القاهرة السينمائي»، مشيراً إلى أنه يطرح قضية اجتماعية مهمة بصياغة فنية مميزة، وأنه يمثل تجربة واعدة لمخرجه في ثاني أفلامه الطويلة. وأوضح أن المخرج استطاع أن يجعل المتفرج شريكاً في قلب الأزمة خلال رحلة المعاناة التي تخوضها الأسرة مع مرض طفلها.

وأشار محمود إلى أنّ المخرج أدار الصراع في الفيلم على «نار هادئة»، مضيفاً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن اختيار فريق التمثيل كان موفقاً، وأن منح الطفل الموهوب هذه الفرصة كان في محلّه نظراً لأدائه البارع وتجسيده المؤثر لشخصية طفل مصاب بالسرطان، متوقعاً أن ينافس الفيلم على الجوائز.


مقالات ذات صلة

«سينما القضية» تخسر رهان شباك التذاكر في مصر

يوميات الشرق الملصق الترويجي لفيلم «الملحد» (الشركة المنتجة) ‫‬

«سينما القضية» تخسر رهان شباك التذاكر في مصر

يرى النقاد أن «سينما القضية» لها جمهور ومواسم محددة، فيما تبقى الأفلام الخفيفة أو التجارية الأكثر تحقيقاً للإيرادات.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق ناقش الفيلم العلاقات الأسرية بمعالجة مغايرة - الشركة المنتجة

«كانتو» فيلم تركي يرصد هشاشة الروابط الأسرية

لا يذهب الفيلم التركي «كانتو» إلى الدراما العائلية من باب الصدام المباشر أو المبالغات العاطفية، بل يختار الاقتراب الهادئ من التفاصيل اليومية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الممثلة الأميركية جينيفر لورانس (أ.ف.ب)

جينيفر لورانس تكشف: خسرت دوراً لصالح مارغوت روبي بعد وصفي بـ«القبيحة»

كشفت الممثلة الأميركية جينيفر لورانس أنها خسرت دوراً في أحد الأفلام لصالح زميلتها مارغوت روبي بعد أن وصفها النقاد بالقبح.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «إشاعة حب» (الشركة المنتجة)

كلاسيكيات الأفلام المصرية تجتذب جمهوراً جديداً بالسينمات السعودية

جذبت أفلام كلاسيكية مصرية جمهوراً جديداً لمشاهدتها بعد عقود طويلة من إنتاجها مع بدء عرضها بالسينمات السعودية.

انتصار دردير (القاهرة)

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
TT

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)

لم يكن «كلود» كثير الكلام، وكان بالكاد يتحرّك، ولم يرتدِ قط أزياء لإغراء جمهوره، لكن يوم الأحد تجمّع المئات في سان فرانسيسكو للاحتفال بحياة التمساح الأبيض المحبوب في المدينة وإرثه.

وبوجود فرقة نحاسية على طراز نيو أورلينز، وخبز أبيض مُنكَّه بطول 8 أقدام على شكل تمساح، وجلسة حكايات قدّمها مؤدّو «دراغ كوين»، وحتى شارع يحمل اسمه رسمياً «كلود ذا أليغاتور واي»، جاء هذا التكريم فريداً من نوعه، وفق «بي بي سي».

من المؤكّد أن هذا الزاحف فاز بمحبة ملايين القلوب عندما كان على قيد الحياة، لكنه اشتهر أيضاً بحادثة سرق فيها حذاء باليه لفتاة تبلغ 12 عاماً.

يتذكّر بارت شيبرد، من أكاديمية كاليفورنيا للعلوم التي كانت موطن «كلود» لمدة 17 عاماً قبل نفوقه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنّ التمساح الأبيض، البالغ طوله 10 أقدام ويزن 300 رطل، وله عيون وردية وبصر ضعيف، سرق ذات مرة حذاء الباليه الخاص بالفتاة ثم التهمه.

قال شيبرد لجمهور من معجبي «كلود» في «غولدن غيت بارك»: «إن استخراج حذاء من تمساح ليس بالأمر اليسير».

استلزم الأمر كثيراً من التخدير، وأدوات متخصّصة، وعدداً من الأطباء البيطريين والموظفين لاستخراج الحذاء من داخل «كلود»، وهي مهمّة أُنجزت بنجاح، رغم انطلاق إنذار الحريق في جميع أنحاء المبنى خلال ذلك الوقت، وفق شيبرد.

من جهتها، قالت مديرة الاتصالات في الأكاديمية جانيت بيتش: «كان من المشجّع حقاً رؤية سان فرانسيسكو تخرج للاحتفال بهذه الأيقونة المحبوبة في أرجاء المدينة كافّة».

وأضافت أنّ أحد أسباب محبة الناس لـ«كلود» هو أنه «يجسّد ما نعدّه مثالاً حقيقياً لسان فرانسيسكو، وهو ليس فقط قبول الناس على اختلافاتهم، وإنما الترحيب بهم».

وأوضحت أنّ البهاق الذي كان يعانيه «كلود»، وهو أمر نادر جداً في التماسيح، منح رؤية واضحة للأشخاص الذين يشعرون بأنهم منبوذون بعض الشيء.

ثم قالت: «ها هو هذا الحيوان الرائع الذي يختلف بعض الشيء عن بقية أفراد جنسه، لكنه محبوب ومقدَّر وله قيمة».

وكتبت الأكاديمية على موقعها الإلكتروني أن «كلود» قد «أسعد وألهم قلوب أكثر من 22 مليون زائر، وأظهر لنا قوة الحيوانات السفيرة في ربط الناس بالطبيعة والعلوم».

وكان هذا الزاحف الذي نفق بسبب سرطان الكبد عن 30 عاماً، قد وُلد عام 1995 في مزرعة تماسيح في لويزيانا، قبل أن يأتي للعيش في معرض المستنقعات التابع للأكاديمية عام 2008.

ومنذ نفوقه، تلقّت الأكاديمية آلاف الرسائل من معجبي «كلود»، يكتبون فيها عن مدى أهمية هذا التمساح بالنسبة إليهم.

كتب أحد زوار كلود في رسالة: «شكراً لك على إلهامك لعدد من الصغار على مرّ السنوات. لقد ذكّرتنا بأن اختلافاتنا هي ما تجعلنا فريدين ومميّزين، وأنها شيء يستحق الاحتفاء به».

وكتب آخر: «ستبقى في قلبي إلى الأبد. سأفتقدك كثيراً وأشكرك على كونك جزءاً من طفولتي».

بدورها، قالت الطبيبة البيطرية الرئيسية في الأكاديمية، لانا كرول، إنّ «كلود» كان «الأكثر هدوءاً» من بين جميع التماسيح التي عملت معها.

وختمت: «أستطيع القول بثقة إنني لن ألتقي تمساحاً آخر مثل (كلود) في حياتي. سأفتقده بشدة».


لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
TT

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لا يحبّذ أحد أن يفعل الأشياء أو المَهمّات التي لا تروق له. فكثيرون منا يحاولون تأجيل أداء المَهمّات الثقيلة على النفس، مثل تنفيذ تكليف صعب في إطار الوظيفة، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض مناقشة مضنية. ولعلّ السبب الذي يدفعنا إلى التسويف عندما نجابه هذه النوعية من المَهمّات لا يتعلّق –فحسب- بافتقار العزيمة أو الإرادة الحقيقية للتحرُّك، وإنما ثمة أسباب علمية يمكن تفسيرها في إطار علوم الطبيعة المعنيّة بدراسة الجهاز العصبي للجسم.

ويرى العلماء أنّ الحافز هو القوّة التي تحرّك الكائنات الحيّة للإتيان بسلوكيات معيّنة لتحقيق أهداف تصبّ في مصلحتها. وفي الحياة اليومية، تتأثّر هذه السلوكيات بمؤثّرات أخرى قويّة، مثل الشعور بالنفور من عمل ما.

ورغم أنّ النظريات الكلاسيكية في مجال علم النفس تؤكّد أهمية «الهدف» في تعزيز الحافز لدى الإنسان، فإنّ بحوثاً حديثة تعتمد على نماذج حسابية ترى أنّ التحرك للإتيان بسلوك بعينه يتأثّر بآليات أخرى بعيدة عن قيمة الهدف في ذاته، ولا سيما في المواقف السلبية التي قد يترتّب عليها أن يتكبّد الشخص تكلفة إضافية نظير هذا السلوك، مثل المجهود الزائد، سواءً أكان عضلياً أم ذهنياً أم نفسياً، وهو ما قد يدفعه إلى التأجيل أو التسويف أو التأخّر في تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

وفي إطار دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «البيولوجيا المعاصرة»، المعنيّة بالبحوث العلمية في مجال الأحياء، توصّل فريق بحثي ياباني إلى وجود دائرة عصبية في أمخاخ قرود المكاك تؤدّي دور «مكابح التحفيز»، وأنّ هذا الاكتشاف قد يضيء على الأسباب التي تدفع البعض إلى التردّد قبل اتخاذ قرارات معيّنة.

ويقول الباحث كين إيشي أميموري -وهو أستاذ مساعد في معهد البحوث المتقدّمة في مجال بيولوجيا الإنسان، التابع لجامعة كيوتو اليابانية، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات نقلها موقع علمي: «استطعنا الربط بين مسار عصبي معيّن داخل المخ وبين تقييد التحفيز لدى البشر، عندما يواجهون مَهمّات لا يفضّلون القيام بها في الحياة اليومية».

وخلال الدراسة، كان الباحثون يكلّفون القرود بأداء مَهمّات معيّنة، مع إعطائها مكافآت في حال إنجاز العمل، إلى جانب توجيه نفثة مزعجة من الهواء إلى وجوهها. ولاحظ الفريق البحثي أنّ القرود تستغرق وقتاً أطول في أداء المَهمّات التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة الهواء. وأُجريت سلسلة التجارب في أماكن معزولة صوتياً ومظلمة، لتقليل تأثير الضوضاء الخارجية والمؤثّرات البصرية في النتائج. ودرَّب الباحثون القرود على إمعان النظر في مكعّبات تظهر في منتصف شاشة، وكلّما زادت مدّة نظر القرود إلى الأشكال التي تظهر على الشاشة، والتي تختلف من تجربة إلى أخرى، ازداد حجم المكافأة التي تحصل عليها. وبعد حصول القرد على المكافأة التي تتباين ما بين الماء ومشروبات رياضية محلَّاة، كانت تُوجَّه نفثة من الهواء إلى وجه القرد وفق قراراته خلال التجربة. وفي المرّات التي كان يمتنع فيها عن خوض التجربة، كان الباحثون يحرصون على إعطائه مكافأة أقلّ قيمة، حتى لا يفقد اهتمامه بالمشاركة من الأساس.

وعن طريق علوم الكيمياء الوراثية، استخدم الباحثون مواد دوائية معيّنة للتحكّم في خلايا محدّدة في أمخاخ القرود، من أجل كبح المسارات العصبية التي تربط بين جزأين من المخ، وهما «المخطّط البطني» و«الجسم البطني الشاحب»، وكلاهما يقع في منطقة العقد القاعدية بالدماغ، ويلعب دوراً رئيسياً في آليات التحفيز والمكافآت لدى الحيوانات التي تنتمي إلى عائلة الرئيسيات.

وتوصَّل الباحثون -بعد دراسات تشريحية على المخ- إلى أنّ المخطّط البطني يبعث بإشارات عصبية ترتبط بآليات الحافز والمكافأة إلى الجسم البطني الشاحب، وأنّ التدخّل في المسارات العصبية بين الجزأين يترتّب عليه تغيّرات سلوكية تتعلّق بفتور أو تعزيز الإرادة نحو القيام بمَهمّات معيّنة.

واختبر الباحثون في إطار التجربة ما إذا كان من الممكن وقف الشعور بالنفور أو الرغبة في التسويف تجاه عمل ما، عن طريق تعطيل هذا المسار العصبي. ونجحوا -باستخدام أدوية بعينها- في تعطيل تلك الإشارات العصبية خلال تكليف القرود بأداء مَهمّات معيّنة لا ترغب في تنفيذها. ووجدوا أنه في حال تعطيل عمل الدائرة العصبية، تُبدي القرود تردّداً أقلّ في أداء المَهمّات المطلوبة منها، بما في ذلك التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة هواء مزعجة. وبمعنى آخر، نجح الفريق البحثي في تعطيل تلك المكابح التي تؤثّر في التحفيز لدى الحيوانات.

ويقول الباحث أميموري: «نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعزيز فهمنا لمفهوم الحافز، في المجتمعات العصرية التي تنطوي على صعوبات». ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج يوماً ما في ابتكار أدوية لبعض المشكلات النفسية والعقلية المرتبطة بالتحفيز، مثل الاكتئاب والفصام. ويرى أميموري ضرورة التعامل بحذر مع آليات التدخّل التي تستهدف إضعاف «مكابح التحفيز»؛ لأن هذا التدخّل قد يأتي بنتائج عكسية، مثل دفع الشخص إلى الاتجاه المعاكس، وتحفيزه على القيام بأفعال غير آمنة تنطوي على خطورة.


«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
TT

«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)

جددت فاجعة وفاة 5 أشقاء نتيجة انفجار سخان الغاز وحدوث تسريب بمنزل في إحدى قرى مدينة بنها (شمال القاهرة)، الحديث عن ضرورة التصدي لحوادث تسرب الغاز، في وقت شُيّع فيه الأشقاء الخمسة في جنازة حاشدة، الأحد، بعد تصريح النيابة بدفن الجثامين عقب الانتهاء من التحقيقات في الواقعة.

وحظيت عائلة الأشقاء الخمسة بتعاطف كبير بعد وقت قصير من الإعلان عن الحادث الذي عرف إعلامياً بـ«فاجعة بنها»، بعدما انفجر سخان الغاز خلال استحمام إحدى الفتيات بالمنزل وانفجار السخان بها، بينما توفي باقي الأشقاء نتيجة الاختناق بالغاز.

الأشقاء الذين يقيمون في الشقة بمفردهم لسفر والدَيهم للعمل بالخارج، تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عاماً فيما كانت ترعاهم خالتهم المقيمة بالعقار نفسه، والتي أبلغت عن الحادث وتعرضت للاختناق ونقلت للمستشفى لتلقي العلاج.

وهذه ليست الواقعة الأولى التي يؤدي فيها انفجار الغاز بالمنازل لوفيات وإصابات، فسبق أن انهار عقار في منطقة إمبابة بالجيزة الشهر الماضي، بعد انفجار غاز، مما أدى لوفاة شخص وسقوط 3 مصابين آخرين، بينما توفي شقيقان الأسبوع الماضي، بعد تسرب الغاز داخل المنزل خلال نومهما بمنطقة أبو النمرس، فيما توفي شخصان آخران بعدها بساعات قليلة نتيجة تسرب غاز في المنزل بمنطقة العمرانية بالجيزة أيضاً.

سخانات مياه تعمل بالغاز تسببت في حدوث فواجع بمصر (الشرق الأوسط)

وأطلقت «الشركة القابضة للغازات الطبيعية» المسؤولة بشكل أساسي عن توصيل الغاز الطبيعي في الجزء الأكبر من المنازل الشهر الماضي، حملة إرشادية متضمنة إرشادات لتجنب عمليات التسريب، مع التأكيد على أن مواسير شبكات الغاز الطبيعي المنفذة من جانب الشركات المختلفة، تطابق اشتراطات الأمان والمواصفات القياسية، بما يجعلها تتحمل ضغوط تشغيلية كبيرة.

وحذرت الحملة التي تضمنت فيديوهات ومنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من العبث أو التعديل في المواسير بالاستعانة بأشخاص غير مؤهلين، بالإضافة إلى ترك الموقد وشعلة الغاز سهواً مفتوحين دون اشتعال، مؤكدة أن التسريب ينتج عنه تجمع خليط من الهواء مع الغاز في المكان، وإذ وجدت شرارة أو مصدر اشتعال تحدث موجة انفجارية لحظية تختلف شدتها حسب كمية الغاز المسرب.

آثار انفجار الغاز على المنازل المحيطة بالمنزل المنهار في إمبابة - محافظة الجيزة

وطالب عضو مجلس النواب (البرلمان) عمرو درويش عبر حسابه على «إكس»، شركات الغاز، بتركيب «جهاز ذاتي الغلق نتيجة استشعار خطورة تسرب الغاز»، مؤكداً اعتزامه التقدم بطلب إحاطة لإلزام الوزارات المعنية بتركيب هذه المنظمات عند تركيب العدادات المنزلية والخدمية، للحد من تسرب الغاز سواء في المنازل أو الأماكن العامة، مع تحويل الأمر ليكون بشكل إلزامي.

وأكد خبير الحماية المدنية أيمن سيد الأهل، لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة العمل من أجل نشر ثقافة الوعي بالمخاطر، للتعامل مع أخطار حوادث الغاز التي تحدث عادة بسبب غياب منافذ التهوية السليمة، واستخدام وصلات أو قطع غيار غير مطابقة للمواصفات، مشيراً إلى أن هذا الأمر يتطلب إنشاء هيئة وطنية للسلامة تتواصل مع مختلف الجهات وتضع المعايير اللازمة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

وأضاف أن احتمالات الوفاة تزيد عند حدوث التسريب أثناء النوم لعدم شعور النائمين بتسريب الغاز، مما يؤدي إلى حدوث عملية استنشاق تزيد من ترجيح حالات الوفاة على خلفية تشديد إغلاق النوافذ، خصوصاً في فصل الشتاء وعدم وجود مجال لخروج الغاز المسرب خارج المنزل.

وأوضح أن لجوء بعض الفنيين لاستخدام وصلات وقطع غير مطابقة للمواصفات لانخفاض سعرها، أحد أسباب المشكلة بشكل أساسي، معتبراً أن التساهل لتوفير مبالغ مالية محدودة قد يؤدي إلى كارثة تودي بحياة عائلات بأكملها.