رحلة في ذاكرة الحجيج… من دروب الرمال إلى «قطار الحرمين»

«دارة الملك عبد العزيز» ترسم رحلة الحج بـ«مائة عام من العناية بالحرمين»

الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)
الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)
TT

رحلة في ذاكرة الحجيج… من دروب الرمال إلى «قطار الحرمين»

الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)
الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)

في صالة تفيض برائحة التاريخ وصور الملوك والرحالة، تفتح «دارة الملك عبد العزيز» بوابة على قرن من الزمان، لتُعيد رسم ملامح رحلة الحج كما لم تُروَ من قبل.

المعرض الذي يحمل عنوان: «100 عام من العناية بالحرمين الشريفين» ليس مجرد توثيق، بل سردٌ بصري يحكي قصة العطاء والخدمة منذ عام 1925 وحتى يومنا هذا، مروراً بمائة عام من رعاية ضيوف الرحمن والعناية بهم.

صورة خلال مرور الحجاج بقصر المعابدة عام 1931 تُظهر تنوع وسائل السفر حينها (دارة الملك عبد العزيز)

تتوزع أركان المعرض في مسار زمني حيّ، يروي كيف تحوّل الحج في ظل الدولة السعودية من رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر، إلى تجربة روحانية آمنة تُدار بأحدث التقنيات... إنها حكاية وطن جعل من خدمة الحرمين مشروعاً حضارياً، ومن راحة الحاج رسالةً مستمرة عبر الأجيال.

من دروب القوافل إلى أجنحة الطائرات

في المحور الأول من «مؤتمر ومعرض الحج والعمرة»، في نسخته الخامسة بجدة، يستقبل الزائر مشهد سينمائي بالأبيض والأسود يعود إلى عام 1928، يظهر فيه الحجاج على ظهور الرواحل تتهادى فوق رمال صبورة، والشقادف تُظلِّلهم في طريق طويلة نحو الحجاز.

تسود القاعة أجواءُ رهبة ممزوجة بالإعجاب؛ فكل صورة هنا ليست مجرد لقطة، بل شهادة على زمن كانت فيه رحلة الحج امتحاناً للصبر والإيمان.

إحدى الوثائق النادرة المعروضة تعود إلى عام 1926، تكشف عن متابعة الملك المؤسس، عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، الدقيقة لشؤون الحجاج، وحرصه على أمنهم وسلامتهم خلال أداء المناسك.

إلى جوارها، صور التقطها الرحالة عبد الله فيلبي عام 1930 تُظهر قوافل الحجاج عند مِنى، تليها لقطات دخول السيارات إلى مكة المكرمة أول مرة، ومن ثَمَّ صور الحافلات المخصصة لنقل الحجاج في خمسينات القرن الماضي، وصولاً إلى «قطار الحرمين الشريفين» في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي اختصر المسافات وجسَّد حداثة خدمة الحج.

هنا يتحوَّل الزمن من مشهد القوافل البطيئة إلى صرير الحديد المُسرع، في قصة نقل بدأت على ظهور الإبل وانتهت على سكك التكنولوجيا.

قصر منى... مقر إقامة الملك عبد العزيز (دارة الملك عبد العزيز)

في حضرة الملوك... إشرافٌ وتفانٍ

يُفضي «الممر التالي» إلى شاشة تُعرض عليها مشاهد من موكب الملك عبد العزيز وهو يشرف بنفسه على موسم الحج عام 1928... يحيي الوفود ويشرف على التنظيم. كما توجد صورة لقصر الملك في مِنى عام 1931، وبجانبها وثيقة نادرة تشير إلى وصوله إلى مشعر مزدلفة عام 1945 بعد أن أتم الحجاج مناسكهم في طمأنينة وسلام.

وثيقة تشير إلى وصول الملك عبد العزيز إلى مزدلفة (دارة الملك عبد العزيز)

تتوالى السلسلة الزمنية لتوثِّق إشراف الملوك على مواسم الحج؛ من الملك المؤسس إلى الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، الذي يُشرف، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين، على استقبال كبار الشخصيات في قصر منى.

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد في قصر منى (دارة الملك عبد العزيز)

تُظهر الصور كيف تحوّل الإشراف من مشهد رمزي إلى منظومة مؤسسية تُدار بتخطيط دقيق؛ إذ صارت لكل موسم خطة متكاملة تتجاوز التنظيم إلى التخطيط الحضري والذكاء المكاني والإدارة الرقمية.

إنه تسلسل ملكي لا ينقطع، جعل من خدمة الحجاج مسؤولية سيادية تتوارثها القيادة جيلاً بعد جيل.

وثيقة مرسلة في عهد الملك عبد العزيز من أحد الحجاج إلى أسرته (دارة الملك عبد العزيز)

الأمن الشامل... من البرقية إلى الذكاء الاصطناعي

في زاوية خافتة، تتدلّى وثيقة صغيرة بخط اليد... هي برقية أرسلها أحد الحجاج عام 1927 إلى أسرته، يخبرهم فيها أنه «أدَّى النسك في يسر وأمان»... جملة قصيرة، لكنها تختصر فلسفة المملكة في بناء منظومة أمن شاملة للحج منذ أيامها الأولى.

تتجاور الصور على الجدار: رجال الأمن ينظّمون رمي الجمرات في الثلاثينات، وجنود الحرس الوطني يحيطون بالمشاعر في الثمانينات، ومن ثم مشهد حديث لشاشات القيادة والتحكم في المشاعر المقدسة، حيث تُدار حركة ملايين الحجاج عبر كاميرات وخرائط حرارية وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي ترصد كل خطوة في لحظتها.

تبدو المقارنة مذهلة: من البرقية التي حملها ساعي بريد على جمل، إلى شبكة مراقبة رقمية تربط المشاعر بالأقمار الاصطناعية. إنه تطوّر أمني من الثقة إلى الذكاء، ومن الحراسة إلى التنبؤ؛ يجسّد رؤية المملكة في جعل الحج تجربة آمنة دون ازدحام أو مخاطرة.

قبو زمزم يظهر بصحن المطاف عام 1970 (دارة الملك عبد العزيز)

زمزم... من سبيل الحرم إلى منظومة الاستدامة

في زاوية مضاءة بلون أزرق مائل إلى صورة النور، تتدلّى خريطة قديمة لـ«عين زبيدة»، وتحتها وثيقة ممهورة بأمر ملكي من الملك عبد العزيز بإنشاء سبيل داخل المسجد الحرام لسقيا الحجاج والمعتمرين.

أسبلة زمزم التي أمر الملك عبد العزيز بإنشائها عام 1927 (دارة الملك عبد العزيز)

تتوالى المشاهد لتروي كيف تحوّلت «سقيا زمزم» من عمل وقفي بسيط إلى مشروع وطني ضخم. تُظهر وثيقة عام 1952 تأمين مكعَّبات الثلج للمشاعر، وصورة أخرى عام 1930 تظهر أحد الأسبلة في منى.

مشروع تأهيل بئر زمزم بتوجيه الملك سلمان وإطلاقه عام 2017 (دارة الملك عبد العزيز)

ثم يعرض الجناح فيلماً عن «مشروع الملك عبد الله بن عبد العزيز لسقيا زمزم»، أعقبه «مشروع تأهيل بئر زمزم» الذي وجّه به الملك سلمان عام 2017.

تحت الزجاج، يظهر مجسّم حديث يبرز خزانات التبريد والضخ الذكية التي تغذي المسجد الحرام بأكثر من 350 صنبوراً، بطاقة استيعابية تتجاوز نصف مليون حاج يومياً.

إنها رحلة الماء في خدمة الحجيج؛ من دَلو يُغرف منه يدوياً، إلى منظومة ذكية تُدار بمعايير استدامة دقيقة، لتبقى «زمزم» نبعاً يتجدد كما تتجدد رسالة المملكة في خدمة ضيوف الرحمن.

حجاج قبالة المحجر الصحي بجدة عام 1928 (دارة الملك عبد العزيز)

الصحة والرعاية... من المحجر إلى العيادة الذكية

في ممر آخر، تتوالى الوثائق لتروي كيف بدأ اهتمام المملكة بصحة الحجاج قبل قرن من الزمان. تُعرض وثيقة صادرة عن الملك عبد العزيز عام 1925 تأمر بإجراء الفحص الطبي الفوري للحجاج الآتين عبر الموانئ، وصورة أخرى تُظهر المحجر الصحي في جدة عام 1928.

توجيه الملك عبد العزيز بإجراء الفحص الطبي الفوري للحجاج الوافدين عبر المنافذ (دارة الملك عبد العزيز)

كانت تلك البدايات نواة لتأسيس «مصلحة الصحة العامة» ثم «جمعية الإسعاف الخيري» التي تحوّلت لاحقاً إلى منظومة طبية متكاملة داخل المشاعر.

يتقدّم الزائر فيرى صورة «مستشفى الملك عبد العزيز» بعد افتتاحه عام 1372هـ، وأخرى لمستشفى ميداني حديث في موسم حج 2020م خلال «جائحة كورونا»، حين تحوّلت إدارة الصحة إلى نموذج عالمي في التوازن بين الشعيرة والحماية.

«مستشفى الملك عبد العزيز» بعد افتتاحه عام 1952 (دارة الملك عبد العزيز)

وعلى الشاشة المقابلة، يظهر تطبيق «صحتي» الذي أُطلق عام 1442هـ، ليجسّد التحول الرقمي في الرعاية الطبية المقدمة لضيوف الرحمن، حيث أصبح التشخيص والاستشارة والخدمة في متناول اليد.

حجاج قبالة المحجر الصحي بجدة عام 1928 (دارة الملك عبد العزيز)

هكذا تمتد منظومة الصحة في الحج من «دار الجرافين» إلى «الطب الذكي»، ومن «التطعيمات الورقية» إلى «التطبيقات الرقمية»، في تجسيد واضح لمسيرة قرن من الرعاية والعطاء.

يقف الزائر طويلاً أمام باب الكعبة المشرفة، الذي أمر بصناعته الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود عام 1363هـ، مكسوّاً بالذهب والفضة، ومن إنجاز أيادٍ سعودية صاغت تفاصيله بإتقان وإيمان.

باب الكعبة المشرفة صُنع بأمر الملك عبد العزيز على يد شيخ الصاغة محمود يوسف بدر (دارة الملك عبد العزيز)

ومن هذا الباب المهيب تمتد الحكاية إلى مشروعات التوسعة السعودية للحرم الشريف عبر 3 عهود: الأولى في عهد الملك سعود، موثقة بصور تُظهر اكتمال أعمالها، والثانية شكّلت نقلة عمرانية في تطوير ساحات الحرم، وصولاً إلى التوسعة السعودية الثالثة عام 1436هـ، التي شملت مبنى التوسعة الرئيسي، والساحات والأنفاق ومحطة الخدمات المركزية.

مشهد جوي يظهر تقدم أعمال التوسعة الثانية للمسجد الحرام (دارة الملك عبد العزيز)

مشاهد متتابعة تختصر قرناً من إعمار جمع بين الإيمان والهندسة، ليبقى الحرم الشريف شاهداً على مسيرة بناء لا تنتهي.

الكسوة المشرّفة... خيوطٌ من ذهب وسيرة وطن

في القاعة الأخيرة، يهبط الضوء على حرير أسود تتلألأ عليه خيوط الفضة والذهب. هنا تُعرض ستارة باب الكعبة المشرفة التي أمر الملك عبد العزيز بصناعتها عام 1356هـ على أيدي الصناع السعوديين، إيذاناً ببدء عهدٍ جديد في صناعة الكسوة داخل المملكة.

فنيون سعوديون مختصون في صناعة الكسوة المشرفة خلال تطريزها يدوياً (دارة الملك عبد العزيز)

وإلى جوارها الكسوة الداخلية التي صُنعت في عهد الملك خالد، ثم أحزمة الكعبة المطرزة بأسماء الملوك؛ من الملك سعود إلى الملك فيصل، وصولاً إلى الكسوة التي نُسجت عام 1441هـ في مصنع «أم الجود» بمكة المكرمة.

كل خيط من حريرها يروي فصلاً من تاريخ دولة جعلت قداسة البيت العتيق جزءاً من هويتها الوطنية، وكل نقش ذهبي هو عهد متجدد بين القيادة والقبلة المشرفة.

أحزمة الكسوة المشرفة في عهود الملك سعود والملك فيصل والملك سلمان بن عبد العزيز (دارة الملك عبد العزيز)

مائة عام من الخدمة... مئوية جديدة من الريادة

وفي المشهد الختامي، يعود الصمت ليسود القاعة، في حين تتوالى على الشاشة صور تختصر قرناً من العطاء؛ من قوافل الإبل إلى قطار الحرمين، ومن سبيل زمزم إلى شبكات المياه الذكية، ومن رعاية الملك المؤسس إلى رؤية وطن يواصل الرسالة.

هنا، يدرك الزائر أن معرض «100 عام من العناية بالحرمين الشريفين» ليس مجرد أرشيفٍ للذاكرة، بل وثيقة حيّة تروي رحلة الحج كما صاغتها المملكة عبر مائة عام من البناء والخدمة، وتفتح باب المستقبل على وعد لا يزال مستمراً: «يبقى الحرم الشريف وقاصدوه في قلب الاهتمام، ما دام في هذه الأرض وطن اسمه المملكة العربية السعودية».


مقالات ذات صلة

السعودية: بدء حجز الباقات لحجاج الداخل

الخليج إتاحة استعراض الباقات واختيار الأنسب منها لحجاج الداخل (تصوير: بشير صالح)

السعودية: بدء حجز الباقات لحجاج الداخل

أعلنت السعودية، الأربعاء، بدء مرحلة حجز باقات الحج للراغبين في أداء الفريضة من المواطنين والمقيمين ممن لديهم إقامة سارية، لموسم هذا العام، إلكترونياً.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج وزارة الحج والعمرة السعودية أكدت أن حقوق ضيوف الرحمن أولوية قصوى وأن جودة الخدمات المقدمة تمثل خطاً أحمر لا يُسمح بتجاوزه (واس)

السعودية: إيقاف «شركتَي عمرة» لمخالفة التزامات السكن للمعتمرين

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية، السبت، إيقاف شركتَي عمرة، بعد رصد مخالفة تمثلت في عدم الالتزام بتوفير خدمات السكن للمعتمرين وفق البرامج التعاقدية المعتمدة.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج مكة المكرمة (الشرق الأوسط)

السعودية: «الحج والعمرة» توقف التعاقد مع 1800 وكالة سفر خارجية لقصور الأداء

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية إيقاف التعاقدات القائمة مع 1800 وكالة سفر خارجية تعمل في مجال العمرة، من أصل نحو 5800 وكالة، لقصور الأداء.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
رياضة سعودية يتضمن برنامج رحلة المشاعر المقدسة زيارات ميدانية إلى المشاعر المقدسة (الشرق الأوسط)

«رحلة المشاعر المقدسة»... مبادرة سعودية لتعريف الشباب بمنظومة خدمة ضيوف الرحمن

انطلق الثلاثاء برنامج «رحلة المشاعر المقدسة» في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة الذي تنظمه وزارة الرياضة ويستمر حتى 29 يناير الجاري

عبد الله الزهراني (جدة)
شمال افريقيا معتمرون مصريون يتأهبون لرحلة جوية لأداء المناسك (وزارة السياحة المصرية)

ملاحقة مصرية مستمرة لـ«شركات الحج الوهمية»

تلاحق الداخلية المصرية «شركات الحج والعمرة الوهمية» في حين أكدت وزارة السياحة على أهمية الالتزام الكامل بحصول حجاج السياحة على «شهادة الاستطاعة الصحية»

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
TT

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

جاء المتحف المصري الكبير ضمن الأماكن التي اختارها تقرير عالمي للزيارة خلال 2026، وفقاً لما نشرته مجلة «Time»، مسلطة الضوء على أفضل المعالم السياحية والأثرية على مستوى العالم التي يُنصح بزيارتها خلال عام 2026، وكان المتحف ضمن هذه القائمة.

ووفق بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أشاد التقرير بالمجموعات الأثرية التي تُعرض بالمتحف، ووصفها بـ«الاستثنائية التي تجسّد عراقة الحضارة المصرية عبر آلاف السنين»، مشيراً إلى أن هذا الصرح الثقافي يمثّل إضافة نوعية وداعماً رئيسياً لقطاع السياحة في مصر.

وأضاف التقرير الذي نشرته «تايم»، أن المتحف يُجسّد نقلة نوعية في أساليب حفظ الآثار وصونها، حيث تم تزويد قاعاته بأحدث تقنيات التحكم البيئي بما يضمن الحفاظ الأمثل على القطع الأثرية، لافتاً إلى كنوز الملك توت عنخ آمون التي تُعدّ من أبرز ما يميّز المتحف.

وأشار التقرير إلى أن جاذبية المتحف بالنسبة للعديد من الزائرين تكمن في تقديم تجربة فريدة تجمع بين البساطة والعمق، حيث يتيح لهم فرصة مشاهدة أشهر كنوز الحضارة المصرية في موطنها الأصلي.

افتتاح المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

ويُعدّ المتحف المصري الكبير أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة «حضارة مصر القديمة»، ويمتد على مساحة 490 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تروي تاريخ مصر عبر العصور، وتعود أقدم قطعة أثرية فيه إلى 700 ألف عام قبل الميلاد، في حين يرجع تاريخ أحدث قطعة إلى عام 394 ميلادياً. ويضم بهواً رئيسياً به تمثال للملك رمسيس الثاني، بالإضافة إلى الدرج العظيم الذي يمتد على مساحة نحو 6 آلاف متر مربع، بارتفاع يعادل 6 طوابق، وفق بيان سابق لرئاسة مجلس الوزراء المصري.

كما يضم المتحف 12 قاعة عرض رئيسية بمساحة نحو 18 ألف متر مربع، وقاعات عرض مؤقتة بمساحة نحو 1700 متر مربع، وكذلك قاعات لعرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون على مساحة تقارب 7.5 ألف متر مربع، وتشمل أكثر من 5 آلاف قطعة من كنوز الملك تُعرض مجتمعة لأول مرة، بالإضافة إلى متحف الطفل بمساحة نحو 5 آلاف متر مربع، ومن المتوقع أن يجذب المتحف نحو 5 ملايين زائر سنوياً.

وعدّ الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، المتحف المصري الكبير «صرحاً متكاملاً يجمع بين الآثار والحضارة والتاريخ والعراقة والتصميم الحديث»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن المتحف «يمثّل نقلة حضارية لعرض الآثار به، ويتفرد ويتميز بأسلوب العرض المتحفي. كما يضم المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى ما يقرب من 20 ألف قطعة أثرية تُعرض لأول مرة».

وأشار عامر إلى أن المتحف قد حصد العديد من الجوائز منها جائزة «فيرساي» العالمية في عام 2024، إذ تم تصنيفه ضمن أجمل 7 متاحف في العالم خلال احتفالية نظمتها «اليونيسكو» في باريس، تقديراً لتميزه المعماري الذي يدمج التراث المصري بالمعايير البيئية العصرية، بالإضافة إلى جائزة الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك) عام 2024، وأحدث انتعاشة كبيرة للسياحة الثقافية في مصر منذ افتتاحه.

وافتتح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 في حفل أسطوري حضره 119 وفداً دولياً تضمّن رؤساء وملوك وأمراء عدد من الدول، وشهدت الأيام الأولى لافتتاح المتحف أمام الجمهور زخماً كبيراً في الحضور، بمعدل نحو 19 ألف زائر يومياً، وفق ما أعلنه في ذلك الوقت الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف. في حين توقعت وزارة السياحة والآثار أن يزور المتحف يومياً نحو 15 ألف زائر.


رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
TT

رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)

عن عمر يناهز 72 عاماً، غيّب الموت في القاهرة مؤرخ السريالية المصرية، وأحد أبرز قيادات وزارة الثقافة المصرية سابقاً الكاتب سمير غريب، صاحب البصمات الواضحة ومؤسس العديد من المؤسسات الثقافية المصرية مثل صندوق التنمية الثقافية الذي شهدت فترة إدارته ازدهاراً، كما أسس جهاز التنسيق الحضاري ووضع إطار عمله، ولم يتمكن من تفعيل دوره بسبب قلة الإمكانات، وفق قول الفنان التشكيلي محمد عبلة، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «سمير غريب أول من كتب عن السريالية في مصر، ووضعها في بؤرة الاهتمام. فحين كان في باريس تعرف على أعمال عدد من فنانيها، وكتب مجموعة من المقالات أصدرها في كتاب فيما بعد، كان وقتها ما زال عدد من فناني السريالية المصريين على قيد الحياة مثل أنور كامل، وكامل التلمساني، وهو ما ساعده في سبر أغوار كثير من الأمور لإصدار كتاب (السريالية في مصر) الذي يعد أهم وثيقة عن السريالية المصرية».

وقام سمير غريب بتنظيم معرض خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) من عام 1987 بعنوان كتابه «السريالية في مصر» في المركز المصري للتعاون الثقافي الدولي بوزارة الثقافة بالقاهرة. وكان هذا المعرض هو الوحيد الذي جمع أعمالاً فنية ووثائق ومتعلقات شخصية لرواد السريالية في مصر، حصل عليها غريب من أُسر الفنانين رمسيس يونان، وفؤاد كامل، وكامل التلمساني، وسمير رافع، وإنجي أفلاطون، وبن بهمان، وإيمي نمر.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الكاتب سمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري، وقالت في بيان أصدرته الوزارة، السبت، إن مسيرة الكاتب الراحل حافلة بالعطاء الثقافي والفكري. وكان أحد القامات الثقافية البارزة، وصاحب إسهامات مهمة في دعم الحركة الثقافية في مصر، وأسس وأدار صندوق التنمية الثقافية، وتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، قبل أن يُكلَّف برئاسة الأكاديمية المصرية في روما، وصولاً إلى تأسيسه ورئاسته لجهاز التنسيق الحضاري.

وأشارت وزيرة الثقافة إلى أن «سمير غريب كان مثقفاً متفرداً جمع بين الفكر والنقد والعمل المؤسسي، وأثرى الثقافة بعدد كبير من المؤلفات، وكرّس جهده لخدمة الثقافة المصرية، والدفاع عن الهوية الحضارية، ما يجعله واحداً من الرموز التي ستظل حاضرة في الوجدان الثقافي».

سمير غريب خلال مناقشة كتابه «السريالية في مصر» (صفحته على «فيسبوك»)

ولد سمير غريب عام 1954 بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط، وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن يلتحق بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس الصحافة في مايو (أيار) 1975، وبدأ حياته العملية صحافياً في جريدة الأخبار، وفي منتصف الثمانينات كتب مقالات نقدية في الفن التشكيلي عن السريالية في مصر بمجلة الكواكب، ثم أصدرها في كتاب، قبل أن ينتقل للعمل بوزارة الثقافة التي تقلد فيها مناصب عديدة منها وكيل وزارة الثقافة ورئيس قطاع مكتب الوزير، ثم أسس صندوق التنمية الثقافية وتولى رئاسته في أهم فترات ازدهاره، وتولى خلال مسيرته منصب رئيس دار الكتب والوثائق القومية، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ومدير الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر في مجلس الكاتب الكبير سعد الدين وهبة 1997.

وقال مدير مهرجان الإسكندرية السينمائي، الأمير أباظة، إنه عرف الراحل سمير غريب في منتصف الثمانينات عندما كان يكتب مقالاته عن «السريالية في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «التقينا خلال هذه المرحلة وتوثقت علاقتنا إلى أن جاء الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق وعينه وكيلاً للوزارة، ثم رئيساً لصندوق التنمية الثقافية، وقتها بدأ اهتمامه الحقيقي بدعم السينما حيث أسس أرشيفاً للصور السينمائية، وقام بشراء نيجاتيف هذه الصور، ودعم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط».

و«أعاد سمير غريب مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والروائية القصيرة بعد توقف سنوات، وعين الناقد السينمائي سمير فريد رئيساً له، كما أشرف على طباعة بانوراما السينما المصرية الروائية التي كانت حجر الأساس في حفظ تاريخ السينما المصرية والتي قام بها الناقد والمؤرخ السينمائي أحمد الحضري والناقد محمد عبد الفتاح، كما أنه قام بإعادة المهرجان القومي للسينما ودمجه مع المهرجان القومي للأفلام القصيرة»، وفق قول أباظة.

وأصدر الكاتب الراحل العديد من المؤلفات النقدية خلال مشواره انصب معظمها على الفن التشكيلي منها «السريالية في مصر» 1986، و«راية الخيال» 1993، و«نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي» 1997، و«في تأريخ الفنون الجميلة» 1998، و«كتاب الفن» 2003.


هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
TT

هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

بينما يرى البعض في الصحراء مجرّد رمال شاسعة، يُنقّب أستاذ علم الحفريات الفقارية ومؤسِّس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، الدكتور هشام سلام، وفريقه في «سلام لاب»، عن صفحات مطوية من تاريخ الأرض، يعود بعضها إلى أكثر من 300 مليون سنة.

ولم يكن سلام، العائد من جامعة أكسفورد عام 2010، يحمل معه مجرّد شهادة دكتوراه، بل كان يحمل رؤية واضحة لتوطين علم الحفريات في مصر، وتحويل البلاد من «ميدان للبعثات الأجنبية» إلى موطن للباحثين المصريين؛ لذلك أسَّس مركز دراسة الحفريات الفقارية، الأول من نوعه في الشرق الأوسط، المعني بدراسة التراث الطبيعي والكائنات التي عاشت قبل ظهور الإنسان.

هشام سلام وأعضاء من فريقه في معمل مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

وأثبت سلام أنّ النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تُحققه وحدك، وإنما بما تتركه في عقول الآخرين، ومن قلب جامعة المنصورة، انطلقت تجربة «سلام لاب» لتكسر القواعد التقليدية للبحث العلمي، مُغلَّفة بروح الإصرار بأن العودة من الخارج ليست نهاية المطاف، بل بداية لبناء مدرسة علمية مصرية خالصة في علم الحفريات الفقارية، قادرة على منافسة المؤسّسات الكبرى عالمياً.

وعلى مدار السنوات الماضية، أنجز فريق «سلام لاب» سلسلة من الاكتشافات البارزة في الحفريات الفقارية بمصر، أبرزها اكتشاف نوع جديد من الحيتان البرمائية التي عاشت قبل نحو 43 مليون سنة، وبقايا ثدييات عمرها 30 مليون سنة، وديناصور «منصوراسورس»، أول ديناصور من العصر الطباشيري في أفريقيا عاش قبل 75 مليون سنة، بالإضافة إلى حفريات أسماك قديمة تعود إلى 56 مليون سنة. كما توَّج الفريق جهوده باكتشاف «مصريبثيكس»، الذي يعيد رسم خريطة تطور القردة العليا، ويضع مصر على خريطة تطوّر الرئيسيات عالمياً.

هشام سلام واثنان من أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يقول سلام إنّ اكتشاف «مصريبثيكس» يُعد محورياً، لأنه يمثل أقرب الأسلاف المشتركة للقردة العليا الحالية، مثل الشمبانزي وإنسان الغاب، ويقترح أنّ أصول هذه القردة قد تعود إلى شمال أفريقيا والمنطقة العربية، ممّا يعيد تشكيل فهم تطوّر الرئيسيات عالمياً.

ويضيف أنّ أهمية الاكتشاف لم تقتصر على القيمة العلمية فقط، بل تضاعفت بنشره في مجلة «ساينس»، إحدى أكثر المجلات العلمية تنافسية، إذ لا تتجاوز نسبة قبول البحوث فيها 6 في المائة. كما يحمل الاسم «مصريبثيكس» دلالة وطنية واضحة، إذ استُلهم من اسم مصر ليعكس الارتباط العميق لهذا الاكتشاف بهويتنا الوطنية.

بالنسبة إليه، يمثّل هذا الإنجاز فخراً على المستويين الشخصي والوطني، فهو تتويج لحلم بدأ منذ سنوات ببناء مدرسة علمية مصرية في مجال الحفريات الفقارية، قادرة على المنافسة عالمياً.

ويؤكد أنّ أي نجاح فردي يظلّ محدوداً، بينما المدرسة العلمية الحقيقية تستمر وتكبر عبر الأجيال، ومنذ وقت مبكر، وضع هدفاً واضحاً يتمثّل في بناء جيل جديد من الباحثين يحمل الشغف والمسؤولية نفسيهما، وينقل الخبرة، ويخلق بيئة تدعم تطورهم العلمي، لأنّ الاستدامة الحقيقية لأي إنجاز علمي تعتمد على استمرارية الأجيال وتكاملها.

رسم تخيّلي لـ«مصريبثيكس» (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ فكرة «سلام لاب» نشأت من إيمانه العميق بأنّ العمل الجماعي هو أساس أي إنجاز حقيقي، وما يميّز الفريق هو وضوح هدفه: العمل من أجل العلم، ومن أجل بعضهم البعض، ولرفع اسم مصر في المحافل العلمية الدولية، وهذه الروح المشتركة تجعل كلّ عضو يشعر بأنه جزء من رسالة أكبر، وليست وظيفة أو مشروعاً بحثياً.

ويشير سلام إلى أنه استطاع من خلال عمل الفريق إعادة تشكيل حضور مصر في علم الحفريات، بعدما كان هذا المجال يعتمد لمدّة طويلة على بعثات أجنبية، واليوم أصبح للباحثين المصريين دور قيادي، ويبرز اسم مصر بقوة في البحوث والمنشورات العلمية العالمية، ويُعترف بهذا الدور في المؤتمرات والمحافل الدولية.

من احتفالية جامعة المنصورة بإنجاز فريق هشام سلام بعد نشر بحثه الأخير في «ساينس» (سلام لاب)

ويصف سلام «سلام لاب» بأنه عائلة قبل أن يكون مختبراً؛ فالفريق ليس مجرّد مكان للعمل، بل مساحة تجمع أشخاصاً يحملون الحلم والشغف نفسه بالعلم. ومع الوقت والعمل الحقلي، والتحدّيات، والنقاشات العلمية، تتكوَّن روابط أقوى بكثير من الزمالة، ويصبح كلّ فرد سنداً للآخر، ويشعر الجميع بأنهم جزء من حلم أكبر.

وعن قدرته في إدارة فريق علمي متعدّد الأجيال، يشير إلى أن السرّ يكمن في إرساء فكرة واضحة لكلّ عضو. فلكلّ شخص دور مهم، وكل إسهام، مهما بدا بسيطاً، يمكن أن تصنع فرقاً. فكلّ جيل يتحمّل مسؤولية تمهيد الطريق للجيل التالي وتخفيف الصعوبات عنه، وعندما يدرك الفريق أنهم شركاء في النجاح، يصبح نجاح أيّ فرد نجاحاً للجميع، ويظل الفريق قوياً ومستداماً.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبثيكس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ الباحث المصري يمتلك الذكاء والاجتهاد والطموح للوصول إلى العالمية، وما يحتاج إليه غالباً هو البيئة الداعمة من إمكانات أفضل، ومعامل متخصّصة، ودعم مؤسّسي مستمر. ويشير إلى أنّ جامعة المنصورة أحرزت خطوات مُشجِّعة في هذا الاتجاه، من خلال دعم المشروعات البحثية وتوسيع هذا الدعم بما يبعث على التفاؤل.

الدكتور هشام سلام وأحد أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

ويؤكد للشباب الباحثين أنّ الإحباط لا ينبغي أن يطفئ الشغف؛ فطريق الإنجاز ليس سهلاً، وكلّ تجربة ناجحة تمرّ بلحظات من التعب أو التعثُّر أو فقدان الأمل، لكنها ليست فشلاً، بل جزء من الطريق الصحيح نحو تحقيق الحلم، وتجربة «سلام لاب» تثبت أنّ الإصرار والصبر والإيمان قادرة على تحويل المستحيل إلى واقع، بشرط الاستمرار في التعلُّم وعدم الخوف من المحاولة من جديد.

ويختتم سلام حديثه بالتأكيد على أنّ حلمه العلمي مستمر ويتّسع مع كلّ إنجاز جديد، وكلّ خطوة نحو الأمام، مؤمناً بأنّ طموحات «سلام لاب» لا سقف لها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended