رحلة في ذاكرة الحجيج… من دروب الرمال إلى «قطار الحرمين»

«دارة الملك عبد العزيز» ترسم رحلة الحج بـ«مائة عام من العناية بالحرمين»

الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)
الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)
TT

رحلة في ذاكرة الحجيج… من دروب الرمال إلى «قطار الحرمين»

الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)
الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)

في صالة تفيض برائحة التاريخ وصور الملوك والرحالة، تفتح «دارة الملك عبد العزيز» بوابة على قرن من الزمان، لتُعيد رسم ملامح رحلة الحج كما لم تُروَ من قبل.

المعرض الذي يحمل عنوان: «100 عام من العناية بالحرمين الشريفين» ليس مجرد توثيق، بل سردٌ بصري يحكي قصة العطاء والخدمة منذ عام 1925 وحتى يومنا هذا، مروراً بمائة عام من رعاية ضيوف الرحمن والعناية بهم.

صورة خلال مرور الحجاج بقصر المعابدة عام 1931 تُظهر تنوع وسائل السفر حينها (دارة الملك عبد العزيز)

تتوزع أركان المعرض في مسار زمني حيّ، يروي كيف تحوّل الحج في ظل الدولة السعودية من رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر، إلى تجربة روحانية آمنة تُدار بأحدث التقنيات... إنها حكاية وطن جعل من خدمة الحرمين مشروعاً حضارياً، ومن راحة الحاج رسالةً مستمرة عبر الأجيال.

من دروب القوافل إلى أجنحة الطائرات

في المحور الأول من «مؤتمر ومعرض الحج والعمرة»، في نسخته الخامسة بجدة، يستقبل الزائر مشهد سينمائي بالأبيض والأسود يعود إلى عام 1928، يظهر فيه الحجاج على ظهور الرواحل تتهادى فوق رمال صبورة، والشقادف تُظلِّلهم في طريق طويلة نحو الحجاز.

تسود القاعة أجواءُ رهبة ممزوجة بالإعجاب؛ فكل صورة هنا ليست مجرد لقطة، بل شهادة على زمن كانت فيه رحلة الحج امتحاناً للصبر والإيمان.

إحدى الوثائق النادرة المعروضة تعود إلى عام 1926، تكشف عن متابعة الملك المؤسس، عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، الدقيقة لشؤون الحجاج، وحرصه على أمنهم وسلامتهم خلال أداء المناسك.

إلى جوارها، صور التقطها الرحالة عبد الله فيلبي عام 1930 تُظهر قوافل الحجاج عند مِنى، تليها لقطات دخول السيارات إلى مكة المكرمة أول مرة، ومن ثَمَّ صور الحافلات المخصصة لنقل الحجاج في خمسينات القرن الماضي، وصولاً إلى «قطار الحرمين الشريفين» في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي اختصر المسافات وجسَّد حداثة خدمة الحج.

هنا يتحوَّل الزمن من مشهد القوافل البطيئة إلى صرير الحديد المُسرع، في قصة نقل بدأت على ظهور الإبل وانتهت على سكك التكنولوجيا.

قصر منى... مقر إقامة الملك عبد العزيز (دارة الملك عبد العزيز)

في حضرة الملوك... إشرافٌ وتفانٍ

يُفضي «الممر التالي» إلى شاشة تُعرض عليها مشاهد من موكب الملك عبد العزيز وهو يشرف بنفسه على موسم الحج عام 1928... يحيي الوفود ويشرف على التنظيم. كما توجد صورة لقصر الملك في مِنى عام 1931، وبجانبها وثيقة نادرة تشير إلى وصوله إلى مشعر مزدلفة عام 1945 بعد أن أتم الحجاج مناسكهم في طمأنينة وسلام.

وثيقة تشير إلى وصول الملك عبد العزيز إلى مزدلفة (دارة الملك عبد العزيز)

تتوالى السلسلة الزمنية لتوثِّق إشراف الملوك على مواسم الحج؛ من الملك المؤسس إلى الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، الذي يُشرف، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين، على استقبال كبار الشخصيات في قصر منى.

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد في قصر منى (دارة الملك عبد العزيز)

تُظهر الصور كيف تحوّل الإشراف من مشهد رمزي إلى منظومة مؤسسية تُدار بتخطيط دقيق؛ إذ صارت لكل موسم خطة متكاملة تتجاوز التنظيم إلى التخطيط الحضري والذكاء المكاني والإدارة الرقمية.

إنه تسلسل ملكي لا ينقطع، جعل من خدمة الحجاج مسؤولية سيادية تتوارثها القيادة جيلاً بعد جيل.

وثيقة مرسلة في عهد الملك عبد العزيز من أحد الحجاج إلى أسرته (دارة الملك عبد العزيز)

الأمن الشامل... من البرقية إلى الذكاء الاصطناعي

في زاوية خافتة، تتدلّى وثيقة صغيرة بخط اليد... هي برقية أرسلها أحد الحجاج عام 1927 إلى أسرته، يخبرهم فيها أنه «أدَّى النسك في يسر وأمان»... جملة قصيرة، لكنها تختصر فلسفة المملكة في بناء منظومة أمن شاملة للحج منذ أيامها الأولى.

تتجاور الصور على الجدار: رجال الأمن ينظّمون رمي الجمرات في الثلاثينات، وجنود الحرس الوطني يحيطون بالمشاعر في الثمانينات، ومن ثم مشهد حديث لشاشات القيادة والتحكم في المشاعر المقدسة، حيث تُدار حركة ملايين الحجاج عبر كاميرات وخرائط حرارية وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي ترصد كل خطوة في لحظتها.

تبدو المقارنة مذهلة: من البرقية التي حملها ساعي بريد على جمل، إلى شبكة مراقبة رقمية تربط المشاعر بالأقمار الاصطناعية. إنه تطوّر أمني من الثقة إلى الذكاء، ومن الحراسة إلى التنبؤ؛ يجسّد رؤية المملكة في جعل الحج تجربة آمنة دون ازدحام أو مخاطرة.

قبو زمزم يظهر بصحن المطاف عام 1970 (دارة الملك عبد العزيز)

زمزم... من سبيل الحرم إلى منظومة الاستدامة

في زاوية مضاءة بلون أزرق مائل إلى صورة النور، تتدلّى خريطة قديمة لـ«عين زبيدة»، وتحتها وثيقة ممهورة بأمر ملكي من الملك عبد العزيز بإنشاء سبيل داخل المسجد الحرام لسقيا الحجاج والمعتمرين.

أسبلة زمزم التي أمر الملك عبد العزيز بإنشائها عام 1927 (دارة الملك عبد العزيز)

تتوالى المشاهد لتروي كيف تحوّلت «سقيا زمزم» من عمل وقفي بسيط إلى مشروع وطني ضخم. تُظهر وثيقة عام 1952 تأمين مكعَّبات الثلج للمشاعر، وصورة أخرى عام 1930 تظهر أحد الأسبلة في منى.

مشروع تأهيل بئر زمزم بتوجيه الملك سلمان وإطلاقه عام 2017 (دارة الملك عبد العزيز)

ثم يعرض الجناح فيلماً عن «مشروع الملك عبد الله بن عبد العزيز لسقيا زمزم»، أعقبه «مشروع تأهيل بئر زمزم» الذي وجّه به الملك سلمان عام 2017.

تحت الزجاج، يظهر مجسّم حديث يبرز خزانات التبريد والضخ الذكية التي تغذي المسجد الحرام بأكثر من 350 صنبوراً، بطاقة استيعابية تتجاوز نصف مليون حاج يومياً.

إنها رحلة الماء في خدمة الحجيج؛ من دَلو يُغرف منه يدوياً، إلى منظومة ذكية تُدار بمعايير استدامة دقيقة، لتبقى «زمزم» نبعاً يتجدد كما تتجدد رسالة المملكة في خدمة ضيوف الرحمن.

حجاج قبالة المحجر الصحي بجدة عام 1928 (دارة الملك عبد العزيز)

الصحة والرعاية... من المحجر إلى العيادة الذكية

في ممر آخر، تتوالى الوثائق لتروي كيف بدأ اهتمام المملكة بصحة الحجاج قبل قرن من الزمان. تُعرض وثيقة صادرة عن الملك عبد العزيز عام 1925 تأمر بإجراء الفحص الطبي الفوري للحجاج الآتين عبر الموانئ، وصورة أخرى تُظهر المحجر الصحي في جدة عام 1928.

توجيه الملك عبد العزيز بإجراء الفحص الطبي الفوري للحجاج الوافدين عبر المنافذ (دارة الملك عبد العزيز)

كانت تلك البدايات نواة لتأسيس «مصلحة الصحة العامة» ثم «جمعية الإسعاف الخيري» التي تحوّلت لاحقاً إلى منظومة طبية متكاملة داخل المشاعر.

يتقدّم الزائر فيرى صورة «مستشفى الملك عبد العزيز» بعد افتتاحه عام 1372هـ، وأخرى لمستشفى ميداني حديث في موسم حج 2020م خلال «جائحة كورونا»، حين تحوّلت إدارة الصحة إلى نموذج عالمي في التوازن بين الشعيرة والحماية.

«مستشفى الملك عبد العزيز» بعد افتتاحه عام 1952 (دارة الملك عبد العزيز)

وعلى الشاشة المقابلة، يظهر تطبيق «صحتي» الذي أُطلق عام 1442هـ، ليجسّد التحول الرقمي في الرعاية الطبية المقدمة لضيوف الرحمن، حيث أصبح التشخيص والاستشارة والخدمة في متناول اليد.

حجاج قبالة المحجر الصحي بجدة عام 1928 (دارة الملك عبد العزيز)

هكذا تمتد منظومة الصحة في الحج من «دار الجرافين» إلى «الطب الذكي»، ومن «التطعيمات الورقية» إلى «التطبيقات الرقمية»، في تجسيد واضح لمسيرة قرن من الرعاية والعطاء.

يقف الزائر طويلاً أمام باب الكعبة المشرفة، الذي أمر بصناعته الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود عام 1363هـ، مكسوّاً بالذهب والفضة، ومن إنجاز أيادٍ سعودية صاغت تفاصيله بإتقان وإيمان.

باب الكعبة المشرفة صُنع بأمر الملك عبد العزيز على يد شيخ الصاغة محمود يوسف بدر (دارة الملك عبد العزيز)

ومن هذا الباب المهيب تمتد الحكاية إلى مشروعات التوسعة السعودية للحرم الشريف عبر 3 عهود: الأولى في عهد الملك سعود، موثقة بصور تُظهر اكتمال أعمالها، والثانية شكّلت نقلة عمرانية في تطوير ساحات الحرم، وصولاً إلى التوسعة السعودية الثالثة عام 1436هـ، التي شملت مبنى التوسعة الرئيسي، والساحات والأنفاق ومحطة الخدمات المركزية.

مشهد جوي يظهر تقدم أعمال التوسعة الثانية للمسجد الحرام (دارة الملك عبد العزيز)

مشاهد متتابعة تختصر قرناً من إعمار جمع بين الإيمان والهندسة، ليبقى الحرم الشريف شاهداً على مسيرة بناء لا تنتهي.

الكسوة المشرّفة... خيوطٌ من ذهب وسيرة وطن

في القاعة الأخيرة، يهبط الضوء على حرير أسود تتلألأ عليه خيوط الفضة والذهب. هنا تُعرض ستارة باب الكعبة المشرفة التي أمر الملك عبد العزيز بصناعتها عام 1356هـ على أيدي الصناع السعوديين، إيذاناً ببدء عهدٍ جديد في صناعة الكسوة داخل المملكة.

فنيون سعوديون مختصون في صناعة الكسوة المشرفة خلال تطريزها يدوياً (دارة الملك عبد العزيز)

وإلى جوارها الكسوة الداخلية التي صُنعت في عهد الملك خالد، ثم أحزمة الكعبة المطرزة بأسماء الملوك؛ من الملك سعود إلى الملك فيصل، وصولاً إلى الكسوة التي نُسجت عام 1441هـ في مصنع «أم الجود» بمكة المكرمة.

كل خيط من حريرها يروي فصلاً من تاريخ دولة جعلت قداسة البيت العتيق جزءاً من هويتها الوطنية، وكل نقش ذهبي هو عهد متجدد بين القيادة والقبلة المشرفة.

أحزمة الكسوة المشرفة في عهود الملك سعود والملك فيصل والملك سلمان بن عبد العزيز (دارة الملك عبد العزيز)

مائة عام من الخدمة... مئوية جديدة من الريادة

وفي المشهد الختامي، يعود الصمت ليسود القاعة، في حين تتوالى على الشاشة صور تختصر قرناً من العطاء؛ من قوافل الإبل إلى قطار الحرمين، ومن سبيل زمزم إلى شبكات المياه الذكية، ومن رعاية الملك المؤسس إلى رؤية وطن يواصل الرسالة.

هنا، يدرك الزائر أن معرض «100 عام من العناية بالحرمين الشريفين» ليس مجرد أرشيفٍ للذاكرة، بل وثيقة حيّة تروي رحلة الحج كما صاغتها المملكة عبر مائة عام من البناء والخدمة، وتفتح باب المستقبل على وعد لا يزال مستمراً: «يبقى الحرم الشريف وقاصدوه في قلب الاهتمام، ما دام في هذه الأرض وطن اسمه المملكة العربية السعودية».


مقالات ذات صلة

السعودية تطلق «الباقة الشاملة» الإلكترونية لخدمة حجاج الخارج

الخليج إطلاق «الباقة الشاملة» يأتي ضمن الاستعدادات المبكرة لموسم الحج المقبل (واس)

السعودية تطلق «الباقة الشاملة» الإلكترونية لخدمة حجاج الخارج

أعلنت وزارة الحج والعمرة في السعودية، الاثنين، إطلاق «الباقة الشاملة» لحجاج الخارج لموسم (1448هـ).

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج يجمع المؤتمر القيادات وصناع القرار والمختصين لاستعراض الحلول والممارسات وتبادل الخبرات (واس)

خادم الحرمين يرعى «مؤتمر ومعرض الحج 6» نوفمبر المقبل في جدة

يرعى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، النسخة السادسة من «مؤتمر ومعرض الحج» الذي تستضيفه جدة خلال الفترة بين 8 و11 نوفمبر المقبل.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج الأمير سعود بن مشعل مترئساً اجتماع اللجنة الدائمة للحج والعمرة (واس)

«لجنة الحج» السعودية تناقش المشروعات المستهدفة لخدمة ضيوف الرحمن

ناقشت «اللجنة الدائمة للحج والعمرة» السعودية، في اجتماع موسع، الثلاثاء، خطط وترتيبات الجهات لموسم حج هذا العام، والمشروعات والخدمات الجديدة المستهدف تنفيذها.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج تعزيز التكامل والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة بما يمكّن الحجاج من أداء مناسكهم بيسر وطمأنينة (واس)

السعودية تبدأ التحضير المبكر مع 75 دولة لموسم الحج المقبل

بدأت وزارة الحج والعمرة في السعودية عقد سلسلة من الاجتماعات التحضيرية مع مكاتب شؤون الحجاج في أكثر من 75 دولة حول العالم؛ استعداداً لموسم الحج المقبل (1448هـ).

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
يوميات الشرق تهدف «البوابة» إلى تنظيم عمليات التكامل وتوحيد إجراءاتها ضمن إطار موحد (واس)

«الحج» السعودية تطلق «بوابة رقمية» للتكامل بين الجهات المحلية والدولية

أطلقت وزارة الحج والعمرة السعودية، الأربعاء، «بوابة التكاملات» لتكون حلاً رقمياً موحداً لإدارة وتنسيق التكامل مع الجهات الحكومية والخاصة محلياً ودولياً.

«الشرق الأوسط» (جدة)

المخرج التركي تشاتاك: السينما السياسية توقظ وعي العالم

عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
TT

المخرج التركي تشاتاك: السينما السياسية توقظ وعي العالم

عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)

قال المخرج التركي إيلكر تشاتاك إن علاقته الفنية بالممثلة التركية أوزغو نامال بطلة فيلمه «رسائل صفراء» بدأت بذكرى تعود إلى سنوات مراهقته، حين شاهدها على خشبة المسرح في إسطنبول، برفقة والدته، وهو في الخامسة عشرة. واستعاد انبهاره بحضورها آنذاك، موضحاً أنها كانت ممثلة شابة، لكنها بدت له صاحبة الحضور الأكبر على الخشبة، حتى إنه ظل يتحدث مع والدته عن موهبتها بعد العرض، قبل أن يتابع صعودها لاحقاً إلى النجومية.

وأضاف تشاتاك، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن اسم نامال عاد إليه أثناء التحضير لفيلمه «رسائل صفراء»، بعدما اقترحتها مديرة اختيار الممثلين، لكنه اعتقد أنها ابتعدت عن التمثيل، مشيراً إلى أنها كانت تعيش في الريف، على مسافة بعيدة من إسطنبول، ومع ذلك جاءت للقائه ومناقشة المشروع، الذي تزامن مع رغبتها في العودة إلى العمل، ليجد نفسه أمام فرصة للتعاون مع ممثلة احتفظ بأثر أدائها طوال تلك السنوات.

ويتناول فيلم «رسائل صفراء»، المعروض ضمن فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي»، حكاية «دريا» و«عزيز»، وهما زوجان يعملان بالفن في تركيا، تنقلب حياتهما عقب واقعة خلال افتتاح عرضهما المسرحي، ليصبحا مستهدفَين من الدولة. وبين التمسك بقناعاتهما وتدبير احتياجات الحياة، تتعرض علاقتهما الزوجية لضغوط متزايدة، في حين تجد ابنتهما المراهقة نفسها عالقة بين موقف الأب الرافض للتنازل ومحاولات الأم تأمين مستقبل الأسرة. وأوضح المخرج التركي أن «الخلفية المسرحية لنامال والممثل التركي تانسو بيتشر كانت عنصراً مهماً في اختيارهما»، وأوضح أن «بيتشر يدير مسرحاً صغيراً في إسطنبول، ويمتلك خبرة كبيرة على الخشبة».

يختار المخرج أفلاماً ذات طابع سياسي (الشركة المنتجة)

وأضاف أن اختبارات الأداء المشتركة أظهرت سريعاً التفاهم بينهما؛ إذ رأى في حضورهما معاً ما يحتاج إليه لتصديق العلاقة، وشعر بأن كلاً منهما يستطيع الاستجابة للآخر، بما يمنح المَشاهد الزوجية حياة تتجاوز الكلمات المكتوبة في السيناريو.

وتابع أنه منح بطلَيه حرية واسعة في صياغة الحوار، وسمح لهما باستبدال الكلمات واستخدام تعبيراتهما الخاصة؛ لأن خبرتهما جعلته مطمئناً إلى قدرتهما على الاحتفاظ بمعنى المشهد. وشبّه التعاون معهما بالتعاقد مع لاعب مثل ليونيل ميسي، موضحاً أن «امتلاك موهبة بهذا المستوى يفرض على المخرج توفير الظروف التي تسمح لها بالعمل والحرص على أجواء يستطيع فيها الجميع الكلام والاقتراح، من دون خوف من مخالفة تصور سابق».

وأشار إلى أن هذه الثقة أثرت في طريقته هو أيضاً، وجعلته أكثر استعداداً للاستماع والانفتاح على ما يأتي به الممثلان أثناء العمل، موضحاً أنه لا يحتاج إلى تفكيك الطريقة التي يصل بها الممثل إلى إحساسه، أو مطالبته بشرح أدواته، ما دام يرى نتيجة مقنعة أمام الكاميرا.

وأكد المخرج التركي أن بطلَيه أمضيا حياتهما في التمثيل، واكتسبا معرفة بالمهنة تستحق أن يمنحهما على أساسها مساحة حقيقية لاتخاذ قرارات تخص الأداء، لافتاً إلى أن حرية الممثل تبدأ، بالنسبة إليه، من وضوح الكتابة؛ فحين يعرف ما تدافع عنه الشخصية وما تسعى إليه، يصبح قادراً على التعبير بكلماته من دون الإخلال بالمشهد.

وعن الاستعانة بالنجوم، قال إنه لا يشترط وجود أسماء شهيرة في أفلامه، وإن كان يدرك أن حضورها يمنح العمل فرصة أكبر للانتشار والوصول إلى الجمهور، لافتاً إلى أن الجمهور في المجتمعات الغربية قد يعرف أسماء بعينها، في حين تغيب عنه مواهب كبيرة في بلدان أخرى، رغم ما قدّمته من أعمال وما كرّسته للمهنة من سنوات.

وعن ظروف تصوير الفيلم الحائز جائزة «الدبّ الذهبي» في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، أوضح المخرج التركي أنه بدأ التصوير بعد انتهاء حملة المنافسة على «الأوسكار» بفيلمه السابق «غرفة المعلمين»، وكان يشعر بأنه استنفد طاقته، في وقت يستعد فيه لخوض أكبر إنتاج في مسيرته.

المخرج التركي إيلكر تشاتاك (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «وجود نحو ستين ممثلاً يؤدون أدواراً حوارية فرض مسؤوليات تنظيمية واسعة، وجعلني مطالباً بمتابعة عدد كبير من التفاصيل»، في حين يحتاج في الوقت نفسه إلى «التركيز على المشاهد والشخصيات وما يجري أمام الكاميرا».

ولفت إلى أن العمل بين فريق ألماني وممثلين أتراك أضاف صعوبة أخرى؛ إذ كان واحداً من عدد محدود يتحدث اللغتين، فتحمّل جانباً كبيراً من الترجمة ونقل التعليمات.

واستعاد تشاتاك مرحلة سبقت إنجاز «غرفة المعلمين»، بدأ خلالها التفكير في الأفلام التي يريد أن تتشكل منها مسيرته، وما يرغب في رؤيته حين يعود إليها بعد سنوات، مشيراً إلى أن بعض الاختيارات قد تبدو موفقة لمُشاهد ومستفزة لآخر، ولا يستطيع صانع الفيلم معرفة النتيجة مسبقاً، لكنه يفضّل اختيار تقديم أفلام ذات موقف سياسي؛ لأنه يرى حاجة إلى الوعي في العالم الذي يعيش فيه، مع احترامه حق كل فنان في تحديد طبيعة أعماله.

وأوضح أنه يبحث عن هذه المساحة أثناء العمل، ويقبل أن يختلف الناس حول ما يقدمه؛ لأن تجربة فكرة جديدة تستلزم الاستعداد لاحتمال رفضها، مشيراً إلى أن رغبته في المجازفة كانت جزءاً من الدافع وراء قراراته الفنية في «رسائل صفراء».


أنجلينا جولي تبيع قصرها... والعيش خارج أميركا يعود إلى الواجهة

ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)
ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)
TT

أنجلينا جولي تبيع قصرها... والعيش خارج أميركا يعود إلى الواجهة

ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)
ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)

باعت الممثلة الأميركية أنجلينا جولي قصرها في لوس أنجليس مقابل 24.75 مليون دولار، في صفقة أعادت تسليط الضوء على خططها للعيش خارج الولايات المتحدة، وهي رغبة سبق أن عبّرت عنها، من دون أن تعلن حتى الآن موعداً محدداً للانتقال أو وجهتها النهائية.

ووفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، اشترت جولي العقار عام 2017 مقابل 24.5 مليون دولار، قبل أن تعرضه للبيع في ربيع عام 2026 بسعر 29.85 مليون دولار. وانتهت الصفقة بسعر يقل بأكثر من 5 ملايين دولار عن السعر المطلوب، لكنه يزيد بنحو 250 ألف دولار على قيمة الشراء الأصلية.

ويمتد العقار على مساحة 2.1 فدان، وكان في السابق ملكاً للمخرج السينمائي سيسيل بي. ديميل، أحد الأسماء البارزة في تاريخ هوليوود. ويتميز بمساحته الواسعة وموقعه في لوس أنجليس، المدينة التي شكّلت محطة أساسية في حياة جولي الشخصية والمهنية.

الممثلة أنجلينا جولي تظهر برفقة أطفالها في أثناء حضورها العرض الأول لفيلم «ماليفيسنت: سيدة الشر» في لندن عام 2019 (رويترز)

رغبة في العيش خارج الولايات المتحدة

ويأتي البيع وسط تقارير إعلامية، من بينها ما نشره موقع «رادار أونلاين»، عن رغبة جولي في الانتقال إلى الخارج، في ظل عدم رضاها عن المناخ السياسي الأميركي.

وكانت الممثلة قد تحدثت في وقت سابق عن تطلعها إلى العيش خارج الولايات المتحدة، لكنها أوضحت أن التزاماتها العائلية تفرض عليها البقاء في كاليفورنيا إلى حين بلوغ أصغر أبنائها سن الرشد.

وبلغ التوأمان نوكس وفيفيان الثامنة عشرة في يوليو (تموز) 2026؛ ما يزيل أحد القيود الزمنية التي سبق أن أشارت إليها جولي عند حديثها عن خططها. ومع ذلك، لم تعلن الممثلة تفاصيل نهائية بشأن موعد انتقالها أو البلد الذي قد تختاره للإقامة.

وبينما تمثل صفقة البيع تغييراً ملموساً في ممتلكاتها العقارية، لا تكفي وحدها للجزم بأنها تستعد لمغادرة الولايات المتحدة نهائياً. أما خطوتها المقبلة، فستتضح مع أي تصريحات أو قرارات تعلنها بنفسها في شأن مكان إقامتها.


«الجونة» يفتتح دورته التاسعة بتكريم منى زكي وسط تباين الآراء حول الحفل

تكريم منى زكي (إدارة المهرجان)
تكريم منى زكي (إدارة المهرجان)
TT

«الجونة» يفتتح دورته التاسعة بتكريم منى زكي وسط تباين الآراء حول الحفل

تكريم منى زكي (إدارة المهرجان)
تكريم منى زكي (إدارة المهرجان)

يحتفي «مهرجان الجونة السينمائي»، في دورته التاسعة من 15 إلى 23 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بمشوار الفنانة المصرية منى زكي السينمائي، إذ منحها «جائزة الإنجاز الإبداعي» خلال حفل افتتاحه، الخميس، ولم تتمالك منى دموعها على المسرح تأثراً بالحفاوة التي لقيتها.

وشهد الحفل حضوراً لافتاً لنجوم الفن في مصر والعالم العربي وصنّاع أفلام دوليِّين، في حين استعرضت السجادة الحمراء أحدث إطلالات النجوم والنجمات. وجاء الحفل هادئاً وسريع الإيقاع، من دون كلمات الترحيب المعتادة من مسؤولي المهرجان.

وقدَّم المخرج محمد شاكر خضير، منى زكي على المسرح، وقال في كلمته إنها «جسَّدت على مدى مشوارها المرأة بكل بساطتها وعمقها، وإن أدوارها لم تجرّد المرأة من إنسانيتها».

كما سجَّلت ابنتها لي لي كلمة قالت فيها: «لكل امرأة جعلتِنا نساندها ونصدّقها ونرى الحياة بعيونها، أنتِ أهم إنسانة لي».

وبكت زكي، وتحدَّثت عن الخوف الذي يلازمها، وعن مرات كثيرة سقطت فيها، وكان هناك أشخاص يساعدونها على النهوض. وتمنَّت ألا يسمح الفنانون الشباب للخوف بالتحكّم بهم، لأنه يقيّد الفنان. ووجّهت الشكر إلى كلّ مَن عملت معهم وساندوها، ووصفتهم بعائلتها الكبيرة.

وسبق تكريم منى زكي تكريم مدير الإضاءة حسن السيد، الذي قدَّم له التكريم مدير التصوير سامح سليم، مشيداً باحتفاء المهرجان بمَن أبدعوا خلف الكاميرا.

وقالت رئيسة لجنة تحكيم «مسابقة الأفلام الروائية الطويلة»، المخرجة البريطانية جوانا هوغ: «إن مهرجان الجونة» يواصل البناء على إرث سينمائي، مشيرةً في كلمتها خلال الافتتاح إلى أن عروض الأفلام المصرية تزامنت مع عروض أفلام الأخوين لوميير في فرنسا عام 1896.

ولفتت إلى أنّ شعار المهرجان «سينما من أجل الإنسانية» يؤكد قدرة الفنّ على تجاوز الانقسامات، وتقديم التجارب الإنسانية المشتركة، خصوصاً في ظلِّ الحروب والصراعات.

إلهام شاهين وليلى علوي وشيرين رضا في حفل الافتتاح (إدارة المهرجان)

واختُتم الحفل بفقرة غنائية للفنانة المصرية شيرين أحمد، مزجت فيها بين الأغنيات العربية والأجنبية.

وفي هذا السياق، يرى الناقد السينمائي المصري طارق الشناوي أن حفل الافتتاح افتقر إلى الإبهار والجاذبية والبهجة، وعدّه «أقل الافتتاحات صخباً منذ انطلاق المهرجان»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «حتى الفيلم القصير الذي عُرض عن حقيبة المهرجان لم يكن اختياراً موفّقاً، وبدا مصنوعاً على عجالة، وفيه تلقين للأداء».

وتساءل الشناوي عن سبب عدم عرض فيلم الافتتاح وتأجيله إلى اليوم التالي، رغم قِصر مدة الحفل، عادّاً أن ذلك يشير إلى «افتقاد المرونة في اتخاذ القرار داخل المهرجان».

غير أنه أعرب عن سعادته باهتمام المهرجان بالعاملين خلف الكاميرا، من خلال تكريم مدير الإضاءة حسن السيد. وأبدى سعادته أيضاً بتكريم منى زكي، مؤكداً أنها من أكثر الفنانات تعرّضاً للهجوم من دون سبب، لكنها تحوّل تلك الهجمات إلى نجاحات، وتترك أعمالها تدافع عنها، كما حدث مع مسلسل «تحت الوصاية» وفيلم «الست».

وختم بقوله: «إن فريق العمل بقيادة المدير الفني للمهرجان، أندرو محسن، نجح في استقطاب أفضل الأفلام».

من جانبه، قال أندرو محسن لـ«الشرق الأوسط»: «إن الحفل شهد تنوّعاً كبيراً، وشمل فقرة موسيقية غنائية، وفقرة تكريم مهمّة حملت مشاعر مختلفة، إلى جانب عرض أفلام قصيرة عن أفلام المهرجان وفعالياته. وقد قرّرنا، بوصفنا فريق المهرجان، تأجيل كلماتنا إلى الختام حتى لا يشعر الحضور بالملل، ولا أعرف لماذا رأى البعض أنّ كلّ ذلك غير مبهج».

كندة علوش في حفل الافتتاح (إدارة المهرجان)

ولفت إلى حرص إدارة المهرجان على تنويع الإنتاج السينمائي المعروض، مع المحافظة على حضور الأفلام التي ينتظرها جمهوره، وفي مقدّمها الأعمال التي حقّقت نجاحاً في المهرجانات الدولية.

ويشارك في الدورة التاسعة من «مهرجان الجونة السينمائي» نحو 80 فيلماً من مختلف أنحاء العالم، بينها 13 فيلماً في «مسابقة الأفلام الروائية الطويلة»، و10 أفلام في «مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة»، التي يرأس لجنة تحكيمها المخرج العراقي السويسري سمير، في حين يتنافس 18 فيلماً في «مسابقة الأفلام القصيرة». ويرأس المخرج الهندي سيدهارث سرينيفاسان لجنة تحكيم «جائزة نتباك» المعنيّة بالسينما الآسيوية.

ويواصل «مهرجان الجونة» اهتمامه بالسينما الفلسطينية، الحاضرة في مسابقاته الثلاث. ويُعرض، الجمعة، فيلمان، هما الوثائقي «طبيب أميركي»، والروائي «البارح العين ما نامت»، الذي تشارك في إنتاجه المنتجة الفلسطينية مي عودة.

وقالت عودة لـ«الشرق الأوسط»: «متعطّشون لأن يرى الجمهور العربي أفلامنا، لنختبر ردّ فعله. ونحن، بوصفنا صنّاع أفلام عرباً، ننتج أفلاماً لجمهورنا، وهذا أكبر تحدٍّ. ورغم أننا نعرضها في مهرجانات عالمية، فإن الفرحة الأكبر هنا، مع الجمهور العربي. وأتمنّى أن تتوقّف المهرجانات عن احتكار عروض الأفلام، لأننا نتمنّى أن تُشاهد أفلامنا في العالم العربي كلّه. فالجوائز شيء هامشي أمام تلقّي الفيلم في موطنه العربي».

وإلى جانب منى زكي، يمنح المهرجان «جائزة الإنجاز الإبداعي» للمخرج والفنان المغربي فوزي بنسعيدي، خلال حفل الختام، تقديراً لمسيرته الفنية. ويُعدُّ بنسعيدي من أبرز المخرجين المغاربة الذين بنوا تجربةً تجمع بين السينما والمسرح والتمثيل وكتابة السيناريو، وأسهمت في وصول أفلامه إلى المهرجانات الدولية، ومنها «ألف شهر»، الذي فاز بجائزتين في قسم «نظرة ما» من «مهرجان كان السينمائي»، و«موت للبيع»، الذي عُرض في «مهرجان برلين السينمائي الدولي» عام 2011.

وتشهد هذه الدورة من «الجونة» إطلاق فعاليات جديدة، بينها منصة «سيني جونة مسلسلات»، المتخصّصة بتطوير مشروعات المسلسلات العربية ودعم الكتّاب العرب، من خلال برنامج تطوير يمتدّ 6 أسابيع، برئاسة كاتبة السيناريو مريم نعوم.

كما يخصّص المهرجان مساحة لدعم المواهب العربية الناشئة، ضمن منصة «سيني جونة للمواهب الناشئة»، التي توفّر فرص التواصل والتعلّم من المتخصّصين في صناعة الأفلام. ويستضيف المهرجان في دورته التاسعة 155 مشاركاً ومشاركة من 16 دولة و20 محافظة مصرية.