رحلة في ذاكرة الحجيج… من دروب الرمال إلى «قطار الحرمين»

«دارة الملك عبد العزيز» ترسم رحلة الحج بـ«مائة عام من العناية بالحرمين»

الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)
الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)
TT

رحلة في ذاكرة الحجيج… من دروب الرمال إلى «قطار الحرمين»

الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)
الملك سلمان بن عبد العزيز يتابع سير أعمال الحج في مشعر منى (دارة الملك عبد العزيز)

في صالة تفيض برائحة التاريخ وصور الملوك والرحالة، تفتح «دارة الملك عبد العزيز» بوابة على قرن من الزمان، لتُعيد رسم ملامح رحلة الحج كما لم تُروَ من قبل.

المعرض الذي يحمل عنوان: «100 عام من العناية بالحرمين الشريفين» ليس مجرد توثيق، بل سردٌ بصري يحكي قصة العطاء والخدمة منذ عام 1925 وحتى يومنا هذا، مروراً بمائة عام من رعاية ضيوف الرحمن والعناية بهم.

صورة خلال مرور الحجاج بقصر المعابدة عام 1931 تُظهر تنوع وسائل السفر حينها (دارة الملك عبد العزيز)

تتوزع أركان المعرض في مسار زمني حيّ، يروي كيف تحوّل الحج في ظل الدولة السعودية من رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر، إلى تجربة روحانية آمنة تُدار بأحدث التقنيات... إنها حكاية وطن جعل من خدمة الحرمين مشروعاً حضارياً، ومن راحة الحاج رسالةً مستمرة عبر الأجيال.

من دروب القوافل إلى أجنحة الطائرات

في المحور الأول من «مؤتمر ومعرض الحج والعمرة»، في نسخته الخامسة بجدة، يستقبل الزائر مشهد سينمائي بالأبيض والأسود يعود إلى عام 1928، يظهر فيه الحجاج على ظهور الرواحل تتهادى فوق رمال صبورة، والشقادف تُظلِّلهم في طريق طويلة نحو الحجاز.

تسود القاعة أجواءُ رهبة ممزوجة بالإعجاب؛ فكل صورة هنا ليست مجرد لقطة، بل شهادة على زمن كانت فيه رحلة الحج امتحاناً للصبر والإيمان.

إحدى الوثائق النادرة المعروضة تعود إلى عام 1926، تكشف عن متابعة الملك المؤسس، عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، الدقيقة لشؤون الحجاج، وحرصه على أمنهم وسلامتهم خلال أداء المناسك.

إلى جوارها، صور التقطها الرحالة عبد الله فيلبي عام 1930 تُظهر قوافل الحجاج عند مِنى، تليها لقطات دخول السيارات إلى مكة المكرمة أول مرة، ومن ثَمَّ صور الحافلات المخصصة لنقل الحجاج في خمسينات القرن الماضي، وصولاً إلى «قطار الحرمين الشريفين» في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي اختصر المسافات وجسَّد حداثة خدمة الحج.

هنا يتحوَّل الزمن من مشهد القوافل البطيئة إلى صرير الحديد المُسرع، في قصة نقل بدأت على ظهور الإبل وانتهت على سكك التكنولوجيا.

قصر منى... مقر إقامة الملك عبد العزيز (دارة الملك عبد العزيز)

في حضرة الملوك... إشرافٌ وتفانٍ

يُفضي «الممر التالي» إلى شاشة تُعرض عليها مشاهد من موكب الملك عبد العزيز وهو يشرف بنفسه على موسم الحج عام 1928... يحيي الوفود ويشرف على التنظيم. كما توجد صورة لقصر الملك في مِنى عام 1931، وبجانبها وثيقة نادرة تشير إلى وصوله إلى مشعر مزدلفة عام 1945 بعد أن أتم الحجاج مناسكهم في طمأنينة وسلام.

وثيقة تشير إلى وصول الملك عبد العزيز إلى مزدلفة (دارة الملك عبد العزيز)

تتوالى السلسلة الزمنية لتوثِّق إشراف الملوك على مواسم الحج؛ من الملك المؤسس إلى الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، الذي يُشرف، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين، على استقبال كبار الشخصيات في قصر منى.

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد في قصر منى (دارة الملك عبد العزيز)

تُظهر الصور كيف تحوّل الإشراف من مشهد رمزي إلى منظومة مؤسسية تُدار بتخطيط دقيق؛ إذ صارت لكل موسم خطة متكاملة تتجاوز التنظيم إلى التخطيط الحضري والذكاء المكاني والإدارة الرقمية.

إنه تسلسل ملكي لا ينقطع، جعل من خدمة الحجاج مسؤولية سيادية تتوارثها القيادة جيلاً بعد جيل.

وثيقة مرسلة في عهد الملك عبد العزيز من أحد الحجاج إلى أسرته (دارة الملك عبد العزيز)

الأمن الشامل... من البرقية إلى الذكاء الاصطناعي

في زاوية خافتة، تتدلّى وثيقة صغيرة بخط اليد... هي برقية أرسلها أحد الحجاج عام 1927 إلى أسرته، يخبرهم فيها أنه «أدَّى النسك في يسر وأمان»... جملة قصيرة، لكنها تختصر فلسفة المملكة في بناء منظومة أمن شاملة للحج منذ أيامها الأولى.

تتجاور الصور على الجدار: رجال الأمن ينظّمون رمي الجمرات في الثلاثينات، وجنود الحرس الوطني يحيطون بالمشاعر في الثمانينات، ومن ثم مشهد حديث لشاشات القيادة والتحكم في المشاعر المقدسة، حيث تُدار حركة ملايين الحجاج عبر كاميرات وخرائط حرارية وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي ترصد كل خطوة في لحظتها.

تبدو المقارنة مذهلة: من البرقية التي حملها ساعي بريد على جمل، إلى شبكة مراقبة رقمية تربط المشاعر بالأقمار الاصطناعية. إنه تطوّر أمني من الثقة إلى الذكاء، ومن الحراسة إلى التنبؤ؛ يجسّد رؤية المملكة في جعل الحج تجربة آمنة دون ازدحام أو مخاطرة.

قبو زمزم يظهر بصحن المطاف عام 1970 (دارة الملك عبد العزيز)

زمزم... من سبيل الحرم إلى منظومة الاستدامة

في زاوية مضاءة بلون أزرق مائل إلى صورة النور، تتدلّى خريطة قديمة لـ«عين زبيدة»، وتحتها وثيقة ممهورة بأمر ملكي من الملك عبد العزيز بإنشاء سبيل داخل المسجد الحرام لسقيا الحجاج والمعتمرين.

أسبلة زمزم التي أمر الملك عبد العزيز بإنشائها عام 1927 (دارة الملك عبد العزيز)

تتوالى المشاهد لتروي كيف تحوّلت «سقيا زمزم» من عمل وقفي بسيط إلى مشروع وطني ضخم. تُظهر وثيقة عام 1952 تأمين مكعَّبات الثلج للمشاعر، وصورة أخرى عام 1930 تظهر أحد الأسبلة في منى.

مشروع تأهيل بئر زمزم بتوجيه الملك سلمان وإطلاقه عام 2017 (دارة الملك عبد العزيز)

ثم يعرض الجناح فيلماً عن «مشروع الملك عبد الله بن عبد العزيز لسقيا زمزم»، أعقبه «مشروع تأهيل بئر زمزم» الذي وجّه به الملك سلمان عام 2017.

تحت الزجاج، يظهر مجسّم حديث يبرز خزانات التبريد والضخ الذكية التي تغذي المسجد الحرام بأكثر من 350 صنبوراً، بطاقة استيعابية تتجاوز نصف مليون حاج يومياً.

إنها رحلة الماء في خدمة الحجيج؛ من دَلو يُغرف منه يدوياً، إلى منظومة ذكية تُدار بمعايير استدامة دقيقة، لتبقى «زمزم» نبعاً يتجدد كما تتجدد رسالة المملكة في خدمة ضيوف الرحمن.

حجاج قبالة المحجر الصحي بجدة عام 1928 (دارة الملك عبد العزيز)

الصحة والرعاية... من المحجر إلى العيادة الذكية

في ممر آخر، تتوالى الوثائق لتروي كيف بدأ اهتمام المملكة بصحة الحجاج قبل قرن من الزمان. تُعرض وثيقة صادرة عن الملك عبد العزيز عام 1925 تأمر بإجراء الفحص الطبي الفوري للحجاج الآتين عبر الموانئ، وصورة أخرى تُظهر المحجر الصحي في جدة عام 1928.

توجيه الملك عبد العزيز بإجراء الفحص الطبي الفوري للحجاج الوافدين عبر المنافذ (دارة الملك عبد العزيز)

كانت تلك البدايات نواة لتأسيس «مصلحة الصحة العامة» ثم «جمعية الإسعاف الخيري» التي تحوّلت لاحقاً إلى منظومة طبية متكاملة داخل المشاعر.

يتقدّم الزائر فيرى صورة «مستشفى الملك عبد العزيز» بعد افتتاحه عام 1372هـ، وأخرى لمستشفى ميداني حديث في موسم حج 2020م خلال «جائحة كورونا»، حين تحوّلت إدارة الصحة إلى نموذج عالمي في التوازن بين الشعيرة والحماية.

«مستشفى الملك عبد العزيز» بعد افتتاحه عام 1952 (دارة الملك عبد العزيز)

وعلى الشاشة المقابلة، يظهر تطبيق «صحتي» الذي أُطلق عام 1442هـ، ليجسّد التحول الرقمي في الرعاية الطبية المقدمة لضيوف الرحمن، حيث أصبح التشخيص والاستشارة والخدمة في متناول اليد.

حجاج قبالة المحجر الصحي بجدة عام 1928 (دارة الملك عبد العزيز)

هكذا تمتد منظومة الصحة في الحج من «دار الجرافين» إلى «الطب الذكي»، ومن «التطعيمات الورقية» إلى «التطبيقات الرقمية»، في تجسيد واضح لمسيرة قرن من الرعاية والعطاء.

يقف الزائر طويلاً أمام باب الكعبة المشرفة، الذي أمر بصناعته الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود عام 1363هـ، مكسوّاً بالذهب والفضة، ومن إنجاز أيادٍ سعودية صاغت تفاصيله بإتقان وإيمان.

باب الكعبة المشرفة صُنع بأمر الملك عبد العزيز على يد شيخ الصاغة محمود يوسف بدر (دارة الملك عبد العزيز)

ومن هذا الباب المهيب تمتد الحكاية إلى مشروعات التوسعة السعودية للحرم الشريف عبر 3 عهود: الأولى في عهد الملك سعود، موثقة بصور تُظهر اكتمال أعمالها، والثانية شكّلت نقلة عمرانية في تطوير ساحات الحرم، وصولاً إلى التوسعة السعودية الثالثة عام 1436هـ، التي شملت مبنى التوسعة الرئيسي، والساحات والأنفاق ومحطة الخدمات المركزية.

مشهد جوي يظهر تقدم أعمال التوسعة الثانية للمسجد الحرام (دارة الملك عبد العزيز)

مشاهد متتابعة تختصر قرناً من إعمار جمع بين الإيمان والهندسة، ليبقى الحرم الشريف شاهداً على مسيرة بناء لا تنتهي.

الكسوة المشرّفة... خيوطٌ من ذهب وسيرة وطن

في القاعة الأخيرة، يهبط الضوء على حرير أسود تتلألأ عليه خيوط الفضة والذهب. هنا تُعرض ستارة باب الكعبة المشرفة التي أمر الملك عبد العزيز بصناعتها عام 1356هـ على أيدي الصناع السعوديين، إيذاناً ببدء عهدٍ جديد في صناعة الكسوة داخل المملكة.

فنيون سعوديون مختصون في صناعة الكسوة المشرفة خلال تطريزها يدوياً (دارة الملك عبد العزيز)

وإلى جوارها الكسوة الداخلية التي صُنعت في عهد الملك خالد، ثم أحزمة الكعبة المطرزة بأسماء الملوك؛ من الملك سعود إلى الملك فيصل، وصولاً إلى الكسوة التي نُسجت عام 1441هـ في مصنع «أم الجود» بمكة المكرمة.

كل خيط من حريرها يروي فصلاً من تاريخ دولة جعلت قداسة البيت العتيق جزءاً من هويتها الوطنية، وكل نقش ذهبي هو عهد متجدد بين القيادة والقبلة المشرفة.

أحزمة الكسوة المشرفة في عهود الملك سعود والملك فيصل والملك سلمان بن عبد العزيز (دارة الملك عبد العزيز)

مائة عام من الخدمة... مئوية جديدة من الريادة

وفي المشهد الختامي، يعود الصمت ليسود القاعة، في حين تتوالى على الشاشة صور تختصر قرناً من العطاء؛ من قوافل الإبل إلى قطار الحرمين، ومن سبيل زمزم إلى شبكات المياه الذكية، ومن رعاية الملك المؤسس إلى رؤية وطن يواصل الرسالة.

هنا، يدرك الزائر أن معرض «100 عام من العناية بالحرمين الشريفين» ليس مجرد أرشيفٍ للذاكرة، بل وثيقة حيّة تروي رحلة الحج كما صاغتها المملكة عبر مائة عام من البناء والخدمة، وتفتح باب المستقبل على وعد لا يزال مستمراً: «يبقى الحرم الشريف وقاصدوه في قلب الاهتمام، ما دام في هذه الأرض وطن اسمه المملكة العربية السعودية».


مقالات ذات صلة

السعودية: بدء حجز الباقات لحجاج الداخل

الخليج إتاحة استعراض الباقات واختيار الأنسب منها لحجاج الداخل (تصوير: بشير صالح)

السعودية: بدء حجز الباقات لحجاج الداخل

أعلنت السعودية، الأربعاء، بدء مرحلة حجز باقات الحج للراغبين في أداء الفريضة من المواطنين والمقيمين ممن لديهم إقامة سارية، لموسم هذا العام، إلكترونياً.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج وزارة الحج والعمرة السعودية أكدت أن حقوق ضيوف الرحمن أولوية قصوى وأن جودة الخدمات المقدمة تمثل خطاً أحمر لا يُسمح بتجاوزه (واس)

السعودية: إيقاف «شركتَي عمرة» لمخالفة التزامات السكن للمعتمرين

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية، السبت، إيقاف شركتَي عمرة، بعد رصد مخالفة تمثلت في عدم الالتزام بتوفير خدمات السكن للمعتمرين وفق البرامج التعاقدية المعتمدة.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج مكة المكرمة (الشرق الأوسط)

السعودية: «الحج والعمرة» توقف التعاقد مع 1800 وكالة سفر خارجية لقصور الأداء

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية إيقاف التعاقدات القائمة مع 1800 وكالة سفر خارجية تعمل في مجال العمرة، من أصل نحو 5800 وكالة، لقصور الأداء.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
رياضة سعودية يتضمن برنامج رحلة المشاعر المقدسة زيارات ميدانية إلى المشاعر المقدسة (الشرق الأوسط)

«رحلة المشاعر المقدسة»... مبادرة سعودية لتعريف الشباب بمنظومة خدمة ضيوف الرحمن

انطلق الثلاثاء برنامج «رحلة المشاعر المقدسة» في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة الذي تنظمه وزارة الرياضة ويستمر حتى 29 يناير الجاري

عبد الله الزهراني (جدة)
شمال افريقيا معتمرون مصريون يتأهبون لرحلة جوية لأداء المناسك (وزارة السياحة المصرية)

ملاحقة مصرية مستمرة لـ«شركات الحج الوهمية»

تلاحق الداخلية المصرية «شركات الحج والعمرة الوهمية» في حين أكدت وزارة السياحة على أهمية الالتزام الكامل بحصول حجاج السياحة على «شهادة الاستطاعة الصحية»

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

فتحي عبد الوهاب: دوري «الشيطاني» في «المداح» كان تحدياً كبيراً

فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)
فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)
TT

فتحي عبد الوهاب: دوري «الشيطاني» في «المداح» كان تحدياً كبيراً

فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)
فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)

قال الفنان المصري فتحي عبد الوهاب إن ردود الفعل التي تلقاها حول شخصية «سميح» في مسلسل «المداح 6» كانت لافتة بالنسبة له، خصوصاً أن بعض المشاهدين بدأوا يتعاملون مع الشخصية بدرجة من التعاطف أو الإعجاب، رغم أنها في الأساس تجسِّد جانباً شيطانياً داخل الأحداث.

وأكد أنه طرح على نفسه هذا السؤال أثناء العمل، الذي شكّل بالنسبة له تحدياً كبيراً، محاولاً فهم السبب الذي قد يجعل الجمهور ينجذب إلى شخصية تحمل هذا القدر من الشر.

وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن أحد التفسيرات التي خطرت له يتعلق بطبيعة الإنسان نفسه؛ فالأشياء الممنوعة أو الخطرة غالباً ما تثير الفضول وتجذب الانتباه، تماماً مثل الأطعمة التي يُنصح بالابتعاد عنها في الحمية الغذائية، لكنها تظل مغرية لكثيرين.

وأشار إلى أن الشخصية تحمل أيضاً قدراً من اللطف والقدرة على التواصل، ما يجعل من يتعامل معها يشعر بأنها قريبة منه أو تفهمه، وهو ما قد يفسِّر جزءاً من تفاعل الجمهور معها.

فتحي عبد الوهاب قدم دوراً لافتاً في مسلسل «المداح» (صفحته على فيسبوك)

وأوضح عبد الوهاب أن «شكل الشخصية تغيّر عبر أجزاء العمل المختلفة؛ ففي بعض المراحل كانت أكثر قسوة وإثارة للخوف، في حين جاء الجزء السادس ليمنحها مساحة مختلفة، تظهر فيها جوانب أكثر هدوءاً وقرباً من البشر».

وأضاف أن هذا التوجّه ناقشه مبكراً مع مخرج العمل أحمد سمير فرج، مع التأكيد على ضرورة تطوير الشخصية درامياً، وعدم الاكتفاء بإعادتها بالشكل نفسه.

وأشار إلى أن التطوير لم يقتصر على الخط الدرامي فقط، بل شمل أيضاً طريقة تقديم الشخصية والأدوات التي يعتمد عليها في أدائها؛ لأن الهدف كان إظهارها بأبعاد متعددة؛ ولهذا ظهرت داخل الأحداث في صور مختلفة، تجعلها تبدو قادرة على التواصل مع الآخرين بسهولة.

ورأى أن تقديم الشخصية بهذا الشكل كان مهماً بالنسبة له بوصفه ممثلاً؛ لأن الإغواء أو التأثير لا يمكن أن يقوم على القسوة الدائمة أو الشكل المنفّر؛ فالشخص الذي يدفع الآخرين إلى السير خلفه لا بد أن يبدو ودوداً أو مقنعاً بدرجة ما، وإلا فلن ينجح في جذبهم. لذلك، كان من الضروري أن تحمل الشخصية قدراً من الهدوء والدبلوماسية، حتى وهي تمارس دورها الشرير داخل القصة.

حماده هلال وفتحي عبد الوهاب على الملصق الترويجي للمسلسل (الشركة المنتجة)

وعن أحداث المسلسل، قال: «في الأساس تنتمي إلى إطار خيالي يتعامل مع الأساطير والماورائيات، ومع ذلك فإن هذه العوالم الخيالية يمكن أن تتقاطع مع الواقع وأدواته الحديثة؛ لأن كل عصر يمتلك وسائله الخاصة التي يمكن أن يستخدمها حتى في القصص الأسطورية».

وأشار، في هذا السياق، إلى أحد المشاهد التي ظهرت فيها شخصية «سميح» وهي تتفاعل مع «تشات جي بي تي»، موضحاً أن الفكرة جاءت من المخرج أحمد سمير فرج قبل تصوير المشهد بوقت قصير، وبدت له مناسبة لفكرة أن الشخصية تستخدم أدوات العصر الذي تعيش فيه، تماماً كما كان يمكن أن تلجأ إلى وسائل مختلفة لو كانت الأحداث تدور في زمن آخر.

وتطرق عبد الوهاب إلى مسألة الشكل البصري للشخصية، خصوصاً ظهورها المتكرر بملابس داكنة، مؤكداً أن «اختيار الأزياء في الأعمال الدرامية لا يعتمد على قرار فردي من الممثل، بل يأتي نتيجة تنسيق بين أكثر من عنصر في فريق العمل، مثل مدير التصوير ومصمم الديكور والمخرج. واختيار اللون الأسود لم يكن عابراً، بل جزءاً من رؤية بصرية متكاملة تخدم الجو العام للشخصية والأحداث».

فتحي عبد الوهاب بمكياج الشخصية (حسابه على فيسبوك)

وتحدث عبد الوهاب كذلك عن بعض الأفكار التي ظهرت خلال مرحلة التحضير للعمل، ومنها الخط المرتبط بالأطفال داخل الأحداث، مؤكداً أن الفكرة كانت مطروحة منذ البداية ضمن تصور عام للحكاية؛ إذ كان الحديث يدور حول أطفال يمتلكون قدرات خاصة ويشكلون جزءاً مهماً من تطور القصة.

وأضاف أنه، خلال النقاشات، اقترح أن تكون هناك حضانة تجمع هؤلاء الأطفال، وهو ما فتح الباب لتطوير هذا الخط داخل المسلسل.

وأشار إلى أنه لا يفضّل التوقف طويلاً عند أي تجربة ناجحة، بل يحرص على التفكير في العمل التالي مباشرة؛ لأن البقاء أسيراً لدور واحد قد يحد من قدرة الممثل على التطور، لافتاً إلى أنه يشعر بأن تنوع الشخصيات التي يقدمها يمنحه مساحة أوسع للتجريب واكتشاف جوانب جديدة في أدائه.

وأكد فتحي عبد الوهاب أنه يقرأ حالياً أكثر من مشروع جديد، من بينها عملان لم يحسم قراره بشأن أيهما سيبدأ به أولاً، إضافة إلى تجربة سينمائية يجري التحضير لها.


رواية القصص طريقة فعالة لتعزيز الذاكرة

السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)
السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)
TT

رواية القصص طريقة فعالة لتعزيز الذاكرة

السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)
السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)

كشفت دراسة أميركية أن دمج المعلومات في قالب قصصي قد يكون وسيلة فعّالة لتعزيز الذاكرة، بل قد يضاهي أو يتفوق على أشهر تقنيات الحفظ المعروفة.

وأوضح باحثون في جامعة ميسيسيبي أن سرد القصص قد يرتبط بتطور الذاكرة لدى الإنسان عبر التاريخ، من العصور القديمة حتى العصر الرقمي الحديث. ونُشرت نتائج الدراسة، الاثنين، في دورية «Evolutionary Psychology».

ويُعد تعزيز الذاكرة والتعلّم هدفاً أساسياً في حياة الأفراد، إذ يعتمد على أساليب تساعد الدماغ على تنظيم المعلومات وفهمها بعمق، بدلاً من حفظها بشكل سطحي، مثل ربط الأفكار بسياق واضح، واستخدام الصور الذهنية، والتكرار المدروس، والتعلّم النشط الذي يشمل الشرح والتطبيق. ويسهم ذلك في تثبيت المعلومات لفترات أطول وتحسين القدرة على استرجاعها عند الحاجة. كما أن تنويع أساليب التعلّم والاعتماد على الفهم بدلاً من التلقين يعززان كفاءة الدماغ، ويجعلان عملية التعلّم أكثر سهولة وفاعلية في الحياة اليومية.

وهدفت الدراسة إلى مقارنة تأثير رواية القصص بأساليب الحفظ التقليدية في تعزيز الذاكرة. وخلالها، طُلب من المشاركين تحويل مجموعة من الكلمات غير المرتبطة إلى قصة مترابطة، بينما استخدم آخرون تقنيات مختلفة، مثل تقييم الكلمات من حيث إيجابيتها أو تخيّل ارتباطها بمواقف معينة.

وأظهرت النتائج أن المشاركين الذين استخدموا أسلوب السرد القصصي تمكنوا من تذكّر عدد أكبر من الكلمات، مقارنة بمن استخدموا طرقاً أخرى، مثل تقييم الكلمات من حيث مدى لطافتها أو إيجابيتها.

كما حققوا نتائج مماثلة، أو أفضل، من تقنية تُعرف بـ«المعالجة المرتبطة بالبقاء»، التي تُعد من أقوى أساليب تحسين الذاكرة، وتعتمد على ربط المعلومات بمواقف افتراضية تتعلق بالبقاء في ظروف صعبة.

وأشارت الدراسة إلى أن كتابة القصص تحديداً تعزز الذاكرة بشكل أكبر، إذ تساعد على ترسيخ المعلومات بعمق، مقارنة بالاكتفاء بتخيّلها، ما يعكس أهمية التفاعل النشط مع المعلومات.

ورغم أنه كان يُتوقع أن يحقق الجمع بين السرد القصصي وتقنية «المعالجة المرتبطة بالبقاء» نتائج أفضل، فإن الدراسة لم ترصد تحسناً ملحوظاً، وهو ما يفسّره الباحثون بأن الطريقتين تعتمدان على الآليات المعرفية نفسها داخل الدماغ.

ويرى الباحثون أن كلتا الطريقتين تعتمد على ما يُعرف بـ«المعالجة الترابطية»، حيث يربط العقل بين المعلومات المختلفة، و«المعالجة الخاصة بالعناصر»، التي تركز على تمييز كل معلومة على حدة.

وأشار الفريق إلى أن هذه النتائج تدعم ما يلاحظه المعلمون داخل الفصول الدراسية، إذ يسهم استخدام القصص في جعل المعلومات أكثر جذباً وأسهل في التذكّر.

وأضافوا أن الإنسان اعتمد على القصص لنقل المعرفة قبل ظهور الكتابة، ما يشير إلى أن الدماغ البشري قد يكون تطوّر ليحتفظ بالمعلومات بشكل أفضل عندما تُعرض في قالب قصصي منظّم.

وأكد الباحثون أن فهم آليات الذاكرة يمكن أن يسهم في تطوير أساليب التعليم، وتحسين قدرة الأفراد على تذكّر المعلومات في حياتهم اليومية.


سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
TT

سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الفلسطينية سوسن قاعود إن فيلمها الوثائقي «غزة غراد» جاء من رغبة في الاقتراب من التجربة الإنسانية للناجين من الحرب، موضحةً أن السؤال الذي شغلها منذ البداية لم يكن فقط كيف يهرب الناس من القصف، بل ماذا يحدث لهم بعد ذلك، حين يجدون أنفسهم فجأة في مكان آخر بعيد تماماً عن حياتهم السابقة.

وأضافت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «كثيراً من القصص التي تُروى عن الحروب تُركِّز على لحظات الدمار، أو الهروب، في حين أن ما يحدث بعد النجاة يظل أقل حضوراً في السرد، رغم أنه يحمل في داخله طبقات عميقة من المشاعر، والتجارب المعقدة التي تستحق أن تُروى».

المخرجة الفلسطينية سوسن قاعود (مهرجان سالونيك)

وأوضحت سوسن أن «الفيلم يحاول الاقتراب من تلك المساحة الصامتة التي يعيشها الإنسان بعد أن يبتعد جسدياً عن الحرب، لكنه يظل يحملها داخله»، لافتة إلى أن فكرة العمل بدأت من تأملها في مصير العائلات التي تضطر إلى مغادرة غزة تحت ضغط القصف، ثم تجد نفسها فجأة في بيئة جديدة لا تشبه شيئاً من عالمها الأول.

وأكدت أن هذا التحول المفاجئ يخلق حالة مركبة من المشاعر، حيث يمتزج الإحساس بالنجاة مع شعور عميق بالخسارة، لأن الإنسان يكتشف أنه لم يفقد بيتاً فقط، بل فقد أيضاً شبكة كاملة من العلاقات، والذكريات، والتفاصيل اليومية التي صنعت معنى حياته. وعدّت العائلة التي تطرقت إليها في الفيلم نموذجاً لتجربة يعيشها كثير من الفلسطينيين في السنوات الأخيرة.

ويرصد الفيلم الوثائقي «غزة غراد»، الذي عُرض للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، رحلة الفلسطيني غسان، الذي يضطر إلى الفرار من القصف الإسرائيلي على غزة برفقة زوجته الروسية آنا وابنتيهما، ليبدأوا حياة جديدة في روسيا. وهناك يجد غسان نفسه أمام تحدي إعادة بناء حياته من الصفر في بلد يختلف تماماً عن المكان الذي نشأ فيه، بينما تحاول الأسرة كلها التأقلم مع واقع جديد.

ومع مرور الوقت يتحول المنفى، الذي بدا في البداية ملاذاً آمناً، إلى مساحة معقدة من المشاعر المتناقضة، حيث تتصارع الرغبة في الاستقرار مع الحنين المستمر إلى البيت الذي تركوه خلفهم. فالحياة التي تركوها في غزة لم تكن مجرد مكان للسكن، بل كانت منظومة كاملة من العلاقات، والذكريات، والعادات اليومية التي صنعت معنى وجودهم لسنوات طويلة.

وثقت المخرجة جوانب مختلفة من حياة العائلة بعد الرحيل من غزة (الشركة المنتجة)

وأكدت المخرجة الفلسطينية أن «الفيلم لا يحاول تقديم قصة بطولية أو استثنائية، بقدر ما يسعى إلى إظهار الحياة اليومية كما هي، بكل ما تحمله من لحظات هدوء، وارتباك، وحنين. وأكثر ما كان يهمني أثناء التصوير هو التقاط اللحظات الصغيرة التي تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تكشف في الحقيقة عن عمق التحولات التي يعيشها الإنسان عندما يجد نفسه في مكان جديد تماماً». كما أشارت إلى أن التصوير بين غزة وروسيا ومصر جرى بترتيب وتنسيق مع العائلة، وإن كانت الصعوبة الأكبر في تصوير الجزء داخل غزة، خصوصاً بعد «طوفان الأقصى» مباشرة.

وتحدثت عن أهمية التفاصيل في بناء الفيلم، مشيرةً إلى أن تلك التفاصيل البسيطة، مثل صمت العائلة داخل البيت الجديد، أو محاولة الأطفال التأقلم مع بيئة مختلفة، تحمل في داخلها كثيراً من المعاني التي لا يمكن التعبير عنها بالكلمات المباشرة. ولفتت إلى أنها حاولت أن تكون الكاميرا قريبة من الشخصيات دون أن تتدخل في حياتها، حتى تظهر المشاعر بشكل طبيعي وصادق، بعيداً عن أي مبالغة، أو افتعال.

الفيلم تناول قصص ما بعد الحرب على غزة (الشركة المنتجة)

وقالت إن «تجربة المنفى التي يعرضها الفيلم ليست مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل هي تجربة نفسية وإنسانية عميقة، لأن الإنسان عندما يترك بلده تحت ضغط الحرب يترك خلفه أيضاً جزءاً من هويته، وذاكرته». موضحةً أن هذا الشعور يصبح أكثر تعقيداً عندما يبدأ الشخص في بناء حياة جديدة في مكان مختلف، إذ يجد نفسه دائماً معلقاً بين عالمين: العالم الذي جاء منه، والعالم الذي يحاول أن يعيش فيه الآن.

وتحدثت كذلك عن الأمل بوصفه عنصراً أساسياً في الفيلم، موضحةً أن «هذا الأمل لا يظهر في صورة كبيرة، أو خطاب مباشر، بقدر ما يتجلى في قدرة الشخصيات على الاستمرار في حياتها رغم كل شيء. فالإنسان يمتلك قدرة مدهشة على التكيف، حتى في أصعب الظروف، وهذه القدرة هي ما تمنح الحياة معناها في النهاية».

وأوضحت أن تصوير الفيلم تطلّب قدراً كبيراً من الصبر، والاقتراب الإنساني من الشخصيات، لأن الهدف لم يكن مجرد تسجيل أحداث، بل فهم التجربة التي يعيشونها من الداخل. ولفتت إلى أن العلاقة التي نشأت بينها وبين العائلة خلال التصوير ساعدت على خلق مساحة من الثقة، وهو ما انعكس في صدق اللحظات التي تظهر على الشاشة.