«روزاليوسف»... 100 عام من المجازفة والضوء

احتفاء مصري بجرأة مُؤسِّسة المجلة ومعاركها الشهيرة

مبنى «روزاليوسف» في شارع قصر العيني (إدارة المؤسسة)
مبنى «روزاليوسف» في شارع قصر العيني (إدارة المؤسسة)
TT

«روزاليوسف»... 100 عام من المجازفة والضوء

مبنى «روزاليوسف» في شارع قصر العيني (إدارة المؤسسة)
مبنى «روزاليوسف» في شارع قصر العيني (إدارة المؤسسة)

يتيح الاحتفال بمئوية مجلة «روزاليوسف» فرصة للتجول في ممرات الذاكرة، التي ارتبطت باسم فاطمة اليوسف أو روزاليوسف (1897-1958) وقد تحوّل اسمها إلى مؤسسة، وصوتها إلى مدرسة صحافية كاملة.

داخل المبنى التاريخي الذي يحمل اسمها في قلب العاصمة المصرية، تتجاور ملامح الزمن بين طابع معماري يعود لأربعينات وخمسينات القرن الماضي، وصور فوتوغرافية تجمعها بكبار رموز الفكر والفن والسياسة، لتبدو الجدران كأنها مرآة للذاكرة الثقافية.

وداخل مبنى المؤسسة الحالي، ببنائه المعاصر، تكمن مفارقة رمزية لافتة، فالمبنى الذي يحمل اسم روزاليوسف لم تطأه قدما صاحبته يوماً. إذ رحلت فاطمة اليوسف قبل أن ترى هذا الصرح الجديد الذي انتقلت إليه المؤسسة عام 1960 بعد تأميمها، لكنها كانت قد أرست قواعده المعنوية من قبل، حين أدارت مجلتها الأولى من شقة صغيرة مكوّنة من 5 غرف تبعد أمتاراً قليلة عن المقر الحالي.

أول أعداد مجلة «روزاليوسف» (العدد التذكاري لمجلة «روزاليوسف»)

معارك ومصادرات

«لم تكن روزاليوسف تدير مشروعاً صحافياً فحسب، بل كانت تبني مؤسسة كاملة، تُفاوض وتناور وتُدير الأزمات بعقلٍ يسبق زمنه، امتلكت شجاعة الاشتباك مع السلطة دون أن تفقد قدرتها على المناورة، فكانت تفاوض الوزراء كما تناقش المحررين، وتدير معاركها بعقلية مؤسسية قلّ أن نجدها في بدايات القرن العشرين»، وفق وصف المؤرخ الصحافي المصري رشاد كامل، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «(روزاليوسف) كانت تعرف أن استمرار الكلمة يحتاج إلى قدر من الحكمة لا يقل عن الجرأة، فعندما صودرت مجلتها، أطلقت أخرى، وعندما أُغلقت (روزاليوسف) وُلدت (الصرخة) و(الرقيب) و(صدى الحق)».

مضيفاً أنها «لم تكن تملك رأس مال ضخماً ولا حزباً خلفها، بل كانت تستمد قوتها من إيمانها بالحرية ومن قدرتها الفطرية على تحويل المنع إلى مساحة جديدة للقول».

أما أهم لحظة في مسيرة مجلة «روزاليوسف»، كما يصفها كامل، فكانت «خلافها مع الكاتب الصحافي البارز محمد التابعي عام 1934، حين قرر الأخير الانفصال عنها وتأسيس مجلة (آخر ساعة)، مصطحباً نخبة من ألمع الصحافيين الشباب مثل مصطفى وعلي أمين وصاروخان»، ويوضح كامل: «بعد أن ظن الجميع أن مجلة (روزاليوسف) انتهت، لكنها ردّت بخطوة جريئة وتوجهت في اليوم التالي إلى وزارة الداخلية وقدّمت طلباً لإصدار جريدة يومية، وفي فبراير (شباط) 1935 صدر العدد الأول من جريدة روزاليوسف اليومية برئاسة الدكتور محمود عزمي، الذي أصبح لاحقاً ممثل مصر في الأمم المتحدة».

المجلة ضمت عدداً من أهم الكتاب في مصر (روزاليوسف)

ومن الطريف أن الأديب عباس محمود العقاد رفض في البداية الكتابة في جريدة «تملكها امرأة»، لكن السيدة «روزاليوسف» أقنعته بأنها «ليست جريدة سيدة بل منبر حر، فوافق، وتحول رفضه إلى إعجاب، وسرعان ما بدأت الصحيفة تهاجم الحكومة دفاعاً عن الدستور حتى اضطر رئيس الوزراء توفيق نسيم باشا إلى الاستقالة، قائلاً لمصطفى النحاس، لن أستطيع الاستمرار في الحكم ما دامت (روزاليوسف) تهاجمني»، وفق كامل.

صمود مهني

ويمكن في هذا الصدد الإشارة إلى كلمة الراحل إحسان عبد القدوس، في أغسطس (آب) سنة 1947، بعد مرور عامين على رئاسته للتحرير، بمناسبة صدور العدد ألف (1000) من مجلة «روزاليوسف»، فكتب مقالاً بعنوان «ألف عدد»، جاء فيه: «هذا هو العدد الألف من مجلة (روزاليوسف) وكان يجب أن يكون العدد رقم (1122) والذنب ذنب صدقي باشا ومحمد محمود باشا، والنحاس باشا والنقراشي باشا، رؤساء الحكومة، لأنهم عطلوا مجلة روزاليوسف مدداً تتراوح بين 6 أشهر و3 وشهرين وشهر وأسبوع، وقد بلغ مجموع الفترات التي عطلت فيها مجلة (روزاليوسف) سنتين كانتا كافيتين لتحطيم رأس أي عنيد وإزهاق روح أي جريدة أو مجلة، خصوصاً إذا أضفت إليهما أوامر المصادرة والغرامات القضائية وأحكام الحبس التي صدرت ضد كل من تولى رئاسة التحرير».

الاحتفال بمئوية مجلة «روزاليوسف» (الشرق الأوسط)

«تاريخ (روزاليوسف) هو في جوهره تاريخ الحرية»، كما يقول الكاتب والناقد المصري طارق الشناوي، ويتابع: «فقد خاضت المجلة معاركها مع الملك، ومع حزب الوفد، ومع عهد عبد الناصر، ودفعت الثمن حين دخل رئيس تحريرها إحسان عبد القدوس السجن دفاعاً عنها».

ويضيف الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «في زمن أنور السادات، وقفت المجلة ضد الانفتاح العشوائي، وأيّدت المظاهرات، فتم إبعاد رؤساء تحريرها فتحي غانم وصلاح حافظ بسبب انحياز السياسة التحريرية للغضب الشعبي، كانت (روزاليوسف) دائماً جريدة الحرية، لا تتردد في دفع ثمن موقفها. ورغم تقييد الإعلانات على الجريدة والمجلة، لم تتراجع، بل استمرت في الدفاع عن الكلمة الحرة». وفق تعبيره.

وفي المجال الفني، تبنّت المجلة الموقف ذاته، كما يتابع الناقد طارق الشناوي أحد كُتاب «روزاليوسف»: «وقفت إلى جانب الأفلام التي منعتها الدولة مثل (ناجي العلي) و(القاهرة منوّرة بأهلها)، وكتبت عنها ودافعت عن حرية الإبداع، في وقت كانت فيه أصوات رسمية تطالب بالمصادرة. هكذا ظلّ توجه (روزاليوسف) ثابتاً عبر العقود، الانحياز الدائم للحرية في كل أشكالها». حسب وصفه.

ولعل «طاقة الصمود المهنية الهائلة لدى (روزاليوسف)» هي ما تعتبره الدكتورة ليلى عبد المجيد، أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، يستحق الاحتفاء بها بوصفها «أعرق التجارب في الصحافة العربية، لمجلة سياسية وُلدت عام 1925 واستطاعت أن تحافظ على تواصل حي مع قرائها على اختلاف أجيالهم»، وفق قولها، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «منذ تأسيسها، وضعت (روزاليوسف) نصب عينيها مبدأ أساسياً، وهو أن تكون دائماً على يسار أي نظام، في موقع النقد والمساءلة، ومؤدية دورها في تنوير الرأي العام».

احتفالية كبرى بمئوية «روزاليوسف» (المجلة)

عمالقة الكاريكاتير

وعلى مدار 100 عام، تناوب عمالقة رسامي الكاريكاتير في مصر التوقيع على رسومهم التي أفردت لها «روزاليوسف» مساحات لافتة في أعدادها، ليكون الكاريكاتير أحد أبرز الفنون التي لازمت المجلة، فيعتبر فنان الكاريكاتير المصري سمير عبد الغني أن «(روزاليوسف) هي المدرسة الأم في الكاريكاتير التي خرج من عباءتها كل الكبار، منهم صاروخان الأرميني، والفنان عبد السميع، وجميع مبدعي مجلة (صباح الخير) من صلاح جاهين، وجورج بهجوري، وحجازي، ورجائي ونيس، وبهجت عثمان، وناجي كامل، وإيهاب شاكر، واللباد، ومحسن جابر، ومحمد حاكم، وغيرهم كثير من العباقرة الذين صنعوا مجد الكاريكاتير وكانوا لسان حال الشعب وأحد أهم أسباب البهجة للقراء».

ويضيف عبد الغني لـ«الشرق الأوسط»: «عندما ذهب جاهين إلى جريدة (الأهرام) في مرحلة لاحقة كانت أيادي (روزاليوسف) البيضاء تحط على (الأهرام)، ثم جاءت جريدة (الأهالي) فذهبت إليها كتيبة (روزاليوسف) من الرسامين بقيادة الفنان حجازي».

عدد تذكاري من «روزاليوسف» (المجلة)

طاقة استثنائية

ونظّمت مؤسسة «روزاليوسف» احتفالية بمناسبة مئوية المجلة التي صدر العدد الأول لها 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1925، مساء الأربعاء، في أحد فنادق القاهرة، بحضور عدد من الصحافيين والإعلاميين والشخصيات العامة، وفي الحفل تحدث حفيدها الكاتب الصحافي محمد عبد القدوس عن جدته قائلاً إنها كانت «سيدة استثنائية بكل المقاييس، جمعت بين الموهبة والإصرار وحققت نجاحاً فريداً في الفن والصحافة، إذ كانت الوحيدة في مصر التي تألقت في المجالين معاً».

وتابع: «بدأت حياتها ممثلة بارعة في فرق عزيز عيد وأمين الريحاني وجورج أبيض ويوسف وهبي وطلعت حرب، وشاركت في بطولة أوبريت من ألحان سيد درويش. وحين كانت في الرابعة عشرة جسدت على المسرح دور سيدة في السبعين، لتكشف مبكراً عن طاقتها التمثيلية الفريدة».

صحافيو «روزاليوسف» في لقطة تذكارية أمام المؤسسة (إدارة المؤسسة)

وتتأمل الكاتبة الصحافية زينب عفيفي خلال حضورها حفل المئوية، حالة التفرد التي تحيط باسم الكاتبة روزاليوسف إلى اليوم، قائلة: «بعد قرنٍ من رحيلها تظل (روزاليوسف) شخصية محورية في تاريخ الصحافة العربية، تميزت بروح المبادرة والجرأة وإصرارها على الحضور والمشاركة الفاعلة في عالم السياسة والثقافة والفن، في زمنٍ لم يكن يمنح النساء تلك المساحة»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «فهي صاحبة دور ريادي في الصحافة والكتابة، إذ كانت أول امرأة عربية تتولى رئاسة تحرير مجلة سياسية وثقافية عام 1925، في وقت كانت فيه المرأة المصرية مكبّلة بالقيود وأقصى طموحها أن تُكمل تعليمها». و«لعله الإلهام الذي استطاع تحريك الراكِد»، بحسب كلمة الدكتورة ليلى عبد المجيد: «ظلت (روزاليوسف) على مدى قرن من الزمان قادرة على أن تحتفظ بقدرتها على التجدد ومخاطبة القارئ بلغة معاصرة تراعي تغير الزمن، رغم التحولات السياسية والاقتصادية التي مرّت بها، فأن تبقى الصحافة فعل وعيٍ وفضاء حرّاً للفكر، هو جوهر مدرسة (روزاليوسف) التي ما زالت تُلهمنا حتى اليوم».


مقالات ذات صلة

وزير الإعلام السعودي: نقف صفاً واحداً في مواجهة العدوان

الخليج سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الإعلام السعودي: نقف صفاً واحداً في مواجهة العدوان

دعا سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي، الإعلاميين والإعلاميات في دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة كل من يستهدف أمنها واستقرارها عبر خطابٍ واحدٍ وإعلامٍ مسؤول.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق جانب من توقيع العقد المشترك برعاية المستشار تركي آل الشيخ في القاهرة الخميس (هيئة الترفيه)

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

أبرمت هيئة الترفيه السعودية عقد إنتاج مشترك مع قناة «إم بي سي مصر»، في خطوة تعزز مسارات التعاون الهادف إلى تقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور المصري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مصر تودع الإذاعي الكبير فهمي عمر (الهيئة الوطنية للإعلام بمصر)

مصر تودع «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر

فقد الإعلام المصري قامة إذاعية كبيرة برحيل «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر الذي وافته المنية الأربعاء عن  98 عاماً والذي يُعد أحد الأصوات الذهبية.

انتصار دردير (القاهرة)
العالم سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

تسعى السعودية ومصر لتعزيز التعاون بينهما في مجالات الإعلام والثقافة والفنون وفق ما تناوله لقاء جمع ضياء رشوان والمستشار تركي آل الشيخ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
TT

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

يطلق «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» الذي أقرّ تأسيسه مجلس الوزراء السعودي، يوم الثلاثاء، مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته، عبر أدوات علمية رصينة.

وثمَّن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، للقيادة السعودية، إطلاقها هذا المسار، مؤكداً أن المعهد سيمثل «راوياً موثوقاً لثقافتنا، ومنارة إلهام في دراسات فهم الإنسان». وأوضح الأمير بدر أن تأسيس المعهد يمثل منصة علمية لتوثيق التراث السعودي وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية، ما يسهم في تقديم رؤى ثقافية فاعلة تشجع التبادل الثقافي العالمي.

وتكتسب السعودية أهمية خاصة في حقل الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية؛ نظراً لما تختزنه من عمق تاريخي وحضاري ممتد منذ قرون حتى اليوم، كما تتميز بتنوع ثقافي واجتماعي ومناطقي واسع، يتجلى في أنماط الحياة، والعادات والتقاليد، واللغة والتعبير الشفهي، فضلاً عن تجلياته في الآداب، والفنون الأدائية، والعمارة، والفنون البصرية، وفنون الطهي، والأزياء، وغيرها من الممارسات والتمثلات الثقافية التي تشكل مادة غنية للدراسة والتحليل والتوثيق.

وسيعمل المعهد على تطوير بحوث أكاديمية وتطبيقية متخصصة في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، بما يشمل دراسة المجتمعات المحلية، وأنماط العيش، والنظم الرمزية، والتحولات الاجتماعية، وأشكال التعبير الثقافي في المملكة العربية السعودية. كما سيعنى المعهد بتوثيق التراث الثقافي المادي وغير المادي في سياقاته الاجتماعية والتاريخية، ورصد ما يتصل به من معارف وممارسات وتمثلات وقيم، بما يضمن تقديم فهم علمي متكامل للعناصر الثقافية بوصفها جزءاً من الخبرة الإنسانية الحيّة.

كسر «العداء القديم» تجاه علم الأناسة

يرى مراقبون وأكاديميون أن هذا القرار ينهي عقوداً من التوجس تجاه علم الأنثروبولوجيا (علم الأناسة)، واعتبر الدكتور حمزة بن قبلان المزيني أن تأسيس المعهد «برهان على ما بلغناه من وعي بأهمية هذا التخصص الذي كان البعض يعاديه عداءً مفرطاً». واستحضر المزيني في حديث مع «الشرق الأوسط» نضال الأكاديميين السعوديين الأوائل، وفي مقدمتهم الدكتور سعد الصويان، الذي واجه معارضة شديدة لمحاولة تدريس هذا التخصص في الجامعات، مما اضطره للعمل «خارج الأسوار» لتقديم أبحاث أناسية مذهلة حول المجتمع السعودي.

وقال المزيني: «هنا يجب علينا أن نتذكر ما عاناه بعض الأكاديميين السعوديين من معارضة شديدة حين حاولوا إنشاء قسم في الجامعة لهذا التخصص، ويأتي الزميل الأستاذ الدكتور سعد الصويان في مقدمة هؤلاء، واضطرت المعارضة الشديدة لتدريس هذا التخصص في الجامعة الدكتور الصويان إلى أن يقوم بجهد فائق خارج أسوار الجامعة في البحث والتنقيب في جوانب مجتمعنا عن بعض المظاهر الأناسية التي تعمل تحت مستوى وعينا، وأنجز في ذلك أعمالاً رائعة».

وأكد المزيني أن المجتمع السعودي لا يزال بكراً لم يُدرس بما يكفي، وبناء عليه سيكون ميداناً غنياً للدارسين الأناسيين السعوديين. وأضاف: «الهدف من هذا التخصص المعرفة العلمية الموثوقة التي تؤدي إلى اكتشاف سمات مجتمعنا لنزداد معرفة بأنفسنا، ولا بأس باكتشاف مظاهر مجتمعنا ونفسيتنا السلبية؛ فهذا هو الطريق الصحيح لمعالجتها، بدلاً من تجاهلها أو التكتم عليها. يُضاف إلى ذلك أن تأسيس هذا المعهد يأتي برهاناً آخر على التغيرات الإيجابية الكثيرة التي تحققت في بلادنا».


أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الألمانية، أولريكه أوتينغر، إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم»، الذي عرض في الدورة الأحدث من مهرجان برلين السينمائي، لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية قامت بها في أواخر التسعينات، حين دُعيت إلى فيينا وقررت أن تسلك طريقاً طويلاً بالسيارة مروراً ببرلين وشرق ألمانيا وعدد من دول أوروبا الشرقية في طريقها إلى النمسا، وهي الرحلة التي جعلتها تشعر بأن تلك المدن القديمة تبدو وكأنها مدن منسية، تقبع خارج الزمن، بما تحمله من عمارة وتاريخ وطبقات من الذاكرة، فكانت الشرارة الأولى التي أوحت لها بفيلم عن مصاصي الدماء.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم لم يكن مشروعاً بسيطاً يمكن إنجازه بشكل اعتيادي كما يحدث مع الأفلام الأخرى نظراً لطبيعته الخاصة وما يحتاجه من تفاصيل وتجهيزات عدة، وهو أمر جعل العمل عليه مستمراً لأكثر من 27 عاماً حتى يرى النور، وهي فترة كانت كفيلة بإعادة كتابة السيناريو عدة مرات وإحداث تغيرات كبيرة، لكن مع ثبات فكرة العمل وطبيعته.

وأوضحت أن تعاونها في كتابة الحوار مع الكاتبة النمساوية الحاصلة على نوبل إلفريدي يلينيك أضاف للنصّ بعداً ثقافياً وساخراً، مشيرة إلى أنها تواصلت معها في أوائل الألفية الجديدة، وكتبت مقاطع تحمل إشارات دقيقة إلى التاريخ النمساوي والبنية الاجتماعية، لكن بعض تلك المقاطع حُذف لاحقاً بسبب ضرورة تقليص زمن الفيلم، وما بقي من مساهمتها يمنح العمل نبرة نقدية خفية، تتسلل عبر الحوار دون مباشرة.

المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر (الشركة المنتجة)

وفي ما يتعلق ببناء السيناريو، قالت إنها تعتمد دائماً على دفتر ضخم من الصور والرسوم والمواد البصرية التي تجمعها على مدار سنوات، وصنعت من هذه المواد لوحات قصصية استعانت بها في مناقشة مدير التصوير، فالصور كانت نقطة البداية، قبل أن تبني حكاية تقوم على تنويعات المطاردة، وفق قولها «فمصاصو الدماء يبحثون عن دم جديد، والكونتيسة تنقب في تاريخ عائلتها، والخيط الرئيسي يتمثل في البحث عن كتاب غامض يهدد وجود مجتمع مصاصي الدماء نفسه».

وأكدت أن شخصية «مصاص الدماء» جذبتها لأنها نموذج حي لكيفية تحديث الأساطير القديمة باستمرار، مع بقاء الصور ذاتها تتكرر عبر العصور، وكانت مهتمة بإعادة قراءة هذا الكائن من زاوية مختلفة، لذلك أدخلت شخصية «مصاص الدماء النباتي»، الشاب المتمرد الذي يذهب إلى العلاج النفسي في محاولة لاستعادة طبيعته، في مفارقة ساخرة مع الصورة النمطية للكائن المتعطش للدماء.

وأشارت إلى أن الكونتيسة وخادمتها تمثلان في المقابل ذروة الإغواء والقوة، بينما تحاول «قوى النظام» من أطباء نفسيين وشرطة وباحثين في مصاصي الدماء القبض عليهم، غير أن خوفهم نفسه هو ما يسمح بوجودهم، مؤكدة أن طبيعة الفيلم الباروكية، واعتماده على مواقع تاريخية وديكورات معقدة وأزياء استثنائية، جعلته عملاً مكلفاً بطبيعته، وهو ما أبطأ خروجه للنور.

وأوضحت أولريكه أوتينغر أنها خلال وجودها في فيينا بدأت تبحث عن مواقع تحمل طابعاً غرائبياً وتاريخياً في آن واحد، مثل برج الحمقى الذي كان من أقدم المصحات النفسية في أوروبا وتحول إلى متحف، إضافة إلى الأنفاق السرية والمناجم والمواقع المرتبطة بتاريخ مضطرب، وهو ما عزّز لديها فكرة العبور بين الماضي والحاضر داخل حكاية واحدة، مؤكدة أن السفر والمكان يشكلان دائماً مصدر إلهامها الأساسي، وأعمالها تتحرك غالباً على خطوط التماس بين التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى وما تخلقه من مخاوف وأوهام بالخلاص.

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأكدت أن اللون الأحمر يسيطر على الفيلم بوصفه محوراً بصرياً، مشيرة إلى أنه «يظهر في المخمل والحرير والشموع والسلالم الرخامية حتى تفاصيل الطعام، فالأحمر ظهر ليس رمزاً مباشراً للدم فقط، بل طاقة جمالية تخلق توتراً دائماً بين الغواية والخطر».

وأكدت أوتينغر أنها منذ البداية كانت ترى في النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير تجسيداً مثالياً لشخصية «الكونتيسة»، وأنها ناقشت المشروع معها على مدى ما يقرب من 20 عاماً، وأبدت حماسة واضحة، لكن تعثر التمويل كان يؤجل التنفيذ في كل مرة، إلى أن توفرت الميزانية أخيراً فانضمت فوراً إلى فريق العمل، مؤكدة أن الدور مختلف جذرياً عن الأدوار النفسية المعقدة التي اشتهرت بها أوبير، فـ«الكونتيسة» في الأحداث ليست شخصية تحليلية تُشرح دوافعها، بل تمثل حضوراً أيقونياً طاغياً، متسلطاً، يفرض نفسه بالصمت والهيبة.

وأوضحت أن «الفيلم يتنقل لغوياً بين الألمانية والفرنسية، في انعكاس لحياة تعبر الحدود الثقافية»، مؤكدة أن «أوبير عملت على تحسين لغتها الألمانية، فيما تعلمت الممثلة بيرجيت مينيشماير الفرنسية، ليصبح الحوار انتقالاً طبيعياً بين لغتين لا تفصل بينهما حدود صارمة»، معتبرة أن تمسك فريق العمل وحماسهم للتجربة جعلاها تتجاوز صعوبات عدة، أهمها إكمال التصوير في 30 يوماً فقط.


جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».