«روزاليوسف»... 100 عام من المجازفة والضوء

احتفاء مصري بجرأة مُؤسِّسة المجلة ومعاركها الشهيرة

مبنى «روزاليوسف» في شارع قصر العيني (إدارة المؤسسة)
مبنى «روزاليوسف» في شارع قصر العيني (إدارة المؤسسة)
TT

«روزاليوسف»... 100 عام من المجازفة والضوء

مبنى «روزاليوسف» في شارع قصر العيني (إدارة المؤسسة)
مبنى «روزاليوسف» في شارع قصر العيني (إدارة المؤسسة)

يتيح الاحتفال بمئوية مجلة «روزاليوسف» فرصة للتجول في ممرات الذاكرة، التي ارتبطت باسم فاطمة اليوسف أو روزاليوسف (1897-1958) وقد تحوّل اسمها إلى مؤسسة، وصوتها إلى مدرسة صحافية كاملة.

داخل المبنى التاريخي الذي يحمل اسمها في قلب العاصمة المصرية، تتجاور ملامح الزمن بين طابع معماري يعود لأربعينات وخمسينات القرن الماضي، وصور فوتوغرافية تجمعها بكبار رموز الفكر والفن والسياسة، لتبدو الجدران كأنها مرآة للذاكرة الثقافية.

وداخل مبنى المؤسسة الحالي، ببنائه المعاصر، تكمن مفارقة رمزية لافتة، فالمبنى الذي يحمل اسم روزاليوسف لم تطأه قدما صاحبته يوماً. إذ رحلت فاطمة اليوسف قبل أن ترى هذا الصرح الجديد الذي انتقلت إليه المؤسسة عام 1960 بعد تأميمها، لكنها كانت قد أرست قواعده المعنوية من قبل، حين أدارت مجلتها الأولى من شقة صغيرة مكوّنة من 5 غرف تبعد أمتاراً قليلة عن المقر الحالي.

أول أعداد مجلة «روزاليوسف» (العدد التذكاري لمجلة «روزاليوسف»)

معارك ومصادرات

«لم تكن روزاليوسف تدير مشروعاً صحافياً فحسب، بل كانت تبني مؤسسة كاملة، تُفاوض وتناور وتُدير الأزمات بعقلٍ يسبق زمنه، امتلكت شجاعة الاشتباك مع السلطة دون أن تفقد قدرتها على المناورة، فكانت تفاوض الوزراء كما تناقش المحررين، وتدير معاركها بعقلية مؤسسية قلّ أن نجدها في بدايات القرن العشرين»، وفق وصف المؤرخ الصحافي المصري رشاد كامل، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «(روزاليوسف) كانت تعرف أن استمرار الكلمة يحتاج إلى قدر من الحكمة لا يقل عن الجرأة، فعندما صودرت مجلتها، أطلقت أخرى، وعندما أُغلقت (روزاليوسف) وُلدت (الصرخة) و(الرقيب) و(صدى الحق)».

مضيفاً أنها «لم تكن تملك رأس مال ضخماً ولا حزباً خلفها، بل كانت تستمد قوتها من إيمانها بالحرية ومن قدرتها الفطرية على تحويل المنع إلى مساحة جديدة للقول».

أما أهم لحظة في مسيرة مجلة «روزاليوسف»، كما يصفها كامل، فكانت «خلافها مع الكاتب الصحافي البارز محمد التابعي عام 1934، حين قرر الأخير الانفصال عنها وتأسيس مجلة (آخر ساعة)، مصطحباً نخبة من ألمع الصحافيين الشباب مثل مصطفى وعلي أمين وصاروخان»، ويوضح كامل: «بعد أن ظن الجميع أن مجلة (روزاليوسف) انتهت، لكنها ردّت بخطوة جريئة وتوجهت في اليوم التالي إلى وزارة الداخلية وقدّمت طلباً لإصدار جريدة يومية، وفي فبراير (شباط) 1935 صدر العدد الأول من جريدة روزاليوسف اليومية برئاسة الدكتور محمود عزمي، الذي أصبح لاحقاً ممثل مصر في الأمم المتحدة».

المجلة ضمت عدداً من أهم الكتاب في مصر (روزاليوسف)

ومن الطريف أن الأديب عباس محمود العقاد رفض في البداية الكتابة في جريدة «تملكها امرأة»، لكن السيدة «روزاليوسف» أقنعته بأنها «ليست جريدة سيدة بل منبر حر، فوافق، وتحول رفضه إلى إعجاب، وسرعان ما بدأت الصحيفة تهاجم الحكومة دفاعاً عن الدستور حتى اضطر رئيس الوزراء توفيق نسيم باشا إلى الاستقالة، قائلاً لمصطفى النحاس، لن أستطيع الاستمرار في الحكم ما دامت (روزاليوسف) تهاجمني»، وفق كامل.

صمود مهني

ويمكن في هذا الصدد الإشارة إلى كلمة الراحل إحسان عبد القدوس، في أغسطس (آب) سنة 1947، بعد مرور عامين على رئاسته للتحرير، بمناسبة صدور العدد ألف (1000) من مجلة «روزاليوسف»، فكتب مقالاً بعنوان «ألف عدد»، جاء فيه: «هذا هو العدد الألف من مجلة (روزاليوسف) وكان يجب أن يكون العدد رقم (1122) والذنب ذنب صدقي باشا ومحمد محمود باشا، والنحاس باشا والنقراشي باشا، رؤساء الحكومة، لأنهم عطلوا مجلة روزاليوسف مدداً تتراوح بين 6 أشهر و3 وشهرين وشهر وأسبوع، وقد بلغ مجموع الفترات التي عطلت فيها مجلة (روزاليوسف) سنتين كانتا كافيتين لتحطيم رأس أي عنيد وإزهاق روح أي جريدة أو مجلة، خصوصاً إذا أضفت إليهما أوامر المصادرة والغرامات القضائية وأحكام الحبس التي صدرت ضد كل من تولى رئاسة التحرير».

الاحتفال بمئوية مجلة «روزاليوسف» (الشرق الأوسط)

«تاريخ (روزاليوسف) هو في جوهره تاريخ الحرية»، كما يقول الكاتب والناقد المصري طارق الشناوي، ويتابع: «فقد خاضت المجلة معاركها مع الملك، ومع حزب الوفد، ومع عهد عبد الناصر، ودفعت الثمن حين دخل رئيس تحريرها إحسان عبد القدوس السجن دفاعاً عنها».

ويضيف الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «في زمن أنور السادات، وقفت المجلة ضد الانفتاح العشوائي، وأيّدت المظاهرات، فتم إبعاد رؤساء تحريرها فتحي غانم وصلاح حافظ بسبب انحياز السياسة التحريرية للغضب الشعبي، كانت (روزاليوسف) دائماً جريدة الحرية، لا تتردد في دفع ثمن موقفها. ورغم تقييد الإعلانات على الجريدة والمجلة، لم تتراجع، بل استمرت في الدفاع عن الكلمة الحرة». وفق تعبيره.

وفي المجال الفني، تبنّت المجلة الموقف ذاته، كما يتابع الناقد طارق الشناوي أحد كُتاب «روزاليوسف»: «وقفت إلى جانب الأفلام التي منعتها الدولة مثل (ناجي العلي) و(القاهرة منوّرة بأهلها)، وكتبت عنها ودافعت عن حرية الإبداع، في وقت كانت فيه أصوات رسمية تطالب بالمصادرة. هكذا ظلّ توجه (روزاليوسف) ثابتاً عبر العقود، الانحياز الدائم للحرية في كل أشكالها». حسب وصفه.

ولعل «طاقة الصمود المهنية الهائلة لدى (روزاليوسف)» هي ما تعتبره الدكتورة ليلى عبد المجيد، أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، يستحق الاحتفاء بها بوصفها «أعرق التجارب في الصحافة العربية، لمجلة سياسية وُلدت عام 1925 واستطاعت أن تحافظ على تواصل حي مع قرائها على اختلاف أجيالهم»، وفق قولها، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «منذ تأسيسها، وضعت (روزاليوسف) نصب عينيها مبدأ أساسياً، وهو أن تكون دائماً على يسار أي نظام، في موقع النقد والمساءلة، ومؤدية دورها في تنوير الرأي العام».

احتفالية كبرى بمئوية «روزاليوسف» (المجلة)

عمالقة الكاريكاتير

وعلى مدار 100 عام، تناوب عمالقة رسامي الكاريكاتير في مصر التوقيع على رسومهم التي أفردت لها «روزاليوسف» مساحات لافتة في أعدادها، ليكون الكاريكاتير أحد أبرز الفنون التي لازمت المجلة، فيعتبر فنان الكاريكاتير المصري سمير عبد الغني أن «(روزاليوسف) هي المدرسة الأم في الكاريكاتير التي خرج من عباءتها كل الكبار، منهم صاروخان الأرميني، والفنان عبد السميع، وجميع مبدعي مجلة (صباح الخير) من صلاح جاهين، وجورج بهجوري، وحجازي، ورجائي ونيس، وبهجت عثمان، وناجي كامل، وإيهاب شاكر، واللباد، ومحسن جابر، ومحمد حاكم، وغيرهم كثير من العباقرة الذين صنعوا مجد الكاريكاتير وكانوا لسان حال الشعب وأحد أهم أسباب البهجة للقراء».

ويضيف عبد الغني لـ«الشرق الأوسط»: «عندما ذهب جاهين إلى جريدة (الأهرام) في مرحلة لاحقة كانت أيادي (روزاليوسف) البيضاء تحط على (الأهرام)، ثم جاءت جريدة (الأهالي) فذهبت إليها كتيبة (روزاليوسف) من الرسامين بقيادة الفنان حجازي».

عدد تذكاري من «روزاليوسف» (المجلة)

طاقة استثنائية

ونظّمت مؤسسة «روزاليوسف» احتفالية بمناسبة مئوية المجلة التي صدر العدد الأول لها 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1925، مساء الأربعاء، في أحد فنادق القاهرة، بحضور عدد من الصحافيين والإعلاميين والشخصيات العامة، وفي الحفل تحدث حفيدها الكاتب الصحافي محمد عبد القدوس عن جدته قائلاً إنها كانت «سيدة استثنائية بكل المقاييس، جمعت بين الموهبة والإصرار وحققت نجاحاً فريداً في الفن والصحافة، إذ كانت الوحيدة في مصر التي تألقت في المجالين معاً».

وتابع: «بدأت حياتها ممثلة بارعة في فرق عزيز عيد وأمين الريحاني وجورج أبيض ويوسف وهبي وطلعت حرب، وشاركت في بطولة أوبريت من ألحان سيد درويش. وحين كانت في الرابعة عشرة جسدت على المسرح دور سيدة في السبعين، لتكشف مبكراً عن طاقتها التمثيلية الفريدة».

صحافيو «روزاليوسف» في لقطة تذكارية أمام المؤسسة (إدارة المؤسسة)

وتتأمل الكاتبة الصحافية زينب عفيفي خلال حضورها حفل المئوية، حالة التفرد التي تحيط باسم الكاتبة روزاليوسف إلى اليوم، قائلة: «بعد قرنٍ من رحيلها تظل (روزاليوسف) شخصية محورية في تاريخ الصحافة العربية، تميزت بروح المبادرة والجرأة وإصرارها على الحضور والمشاركة الفاعلة في عالم السياسة والثقافة والفن، في زمنٍ لم يكن يمنح النساء تلك المساحة»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «فهي صاحبة دور ريادي في الصحافة والكتابة، إذ كانت أول امرأة عربية تتولى رئاسة تحرير مجلة سياسية وثقافية عام 1925، في وقت كانت فيه المرأة المصرية مكبّلة بالقيود وأقصى طموحها أن تُكمل تعليمها». و«لعله الإلهام الذي استطاع تحريك الراكِد»، بحسب كلمة الدكتورة ليلى عبد المجيد: «ظلت (روزاليوسف) على مدى قرن من الزمان قادرة على أن تحتفظ بقدرتها على التجدد ومخاطبة القارئ بلغة معاصرة تراعي تغير الزمن، رغم التحولات السياسية والاقتصادية التي مرّت بها، فأن تبقى الصحافة فعل وعيٍ وفضاء حرّاً للفكر، هو جوهر مدرسة (روزاليوسف) التي ما زالت تُلهمنا حتى اليوم».


مقالات ذات صلة

الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون يعلن أنه سيشتري عقاراً في قطر

العالم العربي الإعلامي الأميركي المحافظ تاكر كارلسون (أ.ب)

الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون يعلن أنه سيشتري عقاراً في قطر

أعلن الإعلامي الأميركي المحافظ تاكر كارلسون، الأحد، أنه سيشتري عقاراً في قطر، نافياً الاتهامات بأنه تلقى أموالاً من الدولة الخليجية.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
الاقتصاد شعار شركة «وارنر براذرز ديسكفري» في أحد مكاتبها في كولفر سيتي كاليفورنيا (أ.ف.ب)

حرب الاستوديوهات... «نتفليكس» تُسقط «وارنر براذرز» في أكبر صفقة إعلامية

شهدت هوليوود واحدة من أهم لحظات التحول الاستراتيجي في تاريخها، بعد إعلان شركة «نتفليكس» إبرام صفقة ضخمة للاستحواذ على «وارنر براذرز».

«الشرق الأوسط» (لوس أنجلس، نيويورك )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

البيت الأبيض يخصص قِسماً على موقعه الرسمي لانتقاد وسائل الإعلام

أطلق البيت الأبيض قسماً جديداً على موقعه الرسمي يوم الجمعة، ينتقد علناً المنظمات الإعلامية والصحافيين الذين يدَّعي أنهم «يشوهون التغطية الإعلامية».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة سعودية وزير الرياضة الفيصل يتحدث بحضور وزير الإعلام سلمان الدوسري (وزارة الرياضة)

«جزيرة شورى» تحتضن لقاء الإعلام الرياضي السعودي

احتضنت جزيرة شورى، المركز الرئيس لمشروع البحر الأحمر في السعودية، أمس فعاليات «لقاء الإعلام الرياضي» الذي أطلقته وزارة الرياضة.

أوروبا شعار هيئة الإذاعة والتلفزيون الهولندية (متداولة)

هيئة الإذاعة والتلفزيون الهولندية توقف النشر على منصة «إكس» جرّاء «معلومات مضللة»

قالت هيئة الإذاعة والتلفزيون الهولندية (إن أو إس)، الثلاثاء، إنها توقفت عن النشر على منصة «إكس» بسبب نشر المنصة معلومات مضللة.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)

غناء اليودلية والطبخ الإيطالي مرشحان للانضمام إلى تراث «اليونيسكو» الثقافي

أعضاء نادي اليودلينغ السويسري يؤدّون عرضاً في كنيسة بلومّيس بالتزامن مع بحث إدراج هذا الفن على قائمة التراث غير المادي لـ«اليونيسكو» (إ.ب.أ)
أعضاء نادي اليودلينغ السويسري يؤدّون عرضاً في كنيسة بلومّيس بالتزامن مع بحث إدراج هذا الفن على قائمة التراث غير المادي لـ«اليونيسكو» (إ.ب.أ)
TT

غناء اليودلية والطبخ الإيطالي مرشحان للانضمام إلى تراث «اليونيسكو» الثقافي

أعضاء نادي اليودلينغ السويسري يؤدّون عرضاً في كنيسة بلومّيس بالتزامن مع بحث إدراج هذا الفن على قائمة التراث غير المادي لـ«اليونيسكو» (إ.ب.أ)
أعضاء نادي اليودلينغ السويسري يؤدّون عرضاً في كنيسة بلومّيس بالتزامن مع بحث إدراج هذا الفن على قائمة التراث غير المادي لـ«اليونيسكو» (إ.ب.أ)

من المقرر أن يبدأ خبراء في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) مداولاتهم في الهند، اليوم (الاثنين)، بشأن الممارسات والتقاليد التي يجب إعلانها كتراث ثقافي غير مادي، مع ترشح فن الغناء السويسري اليودلية والطبخ الإيطالي ضمن الترشيحات هذا العام.

وتم ترشيح ما مجموعه 66 عادة وحرفة من جميع أنحاء العالم لإدراجها في إحدى قوائم التراث الثقافي الثلاث للهيئة الثقافية والتعليمية التابعة للأمم المتحدة.

وتشمل الترشيحات أيضاً ثقافة حمامات السباحة في آيسلندا، و«ديبافالي» وهو مهرجان الأضواء الهندوسي المعروف باسم «ديوالي».

كما تم ترشيح تقليد العرائس الخشبية «رود ماريونيت» في بروكسل، وكذلك مهرجان جيفاتا، وهو مهرجان رأس السنة الجديدة الذي يحتفل به شعب ولايتا في إثيوبيا.

ولكي يجري الإعلان رسمياً عن ممارسة أو حرفة كتراث ثقافي غير مادي، يجب تناقلها من جيل إلى جيل والحفاظ عليها حية من مجتمع ما، من بين معايير أخرى.

وقال كريستوف وولف، نائب رئيس اللجنة الألمانية للمنظمة: «يمثل التراث الثقافي غير المادي المشاركة الثقافية والتنوع والحيوية».

وتُعقد الدورة العشرون للجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي في نيودلهي في الفترة من الاثنين إلى السبت.

وفي هذا العام، سيفحص الخبراء 11 ترشيحاً لقائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، و54 ترشيحاً للإدراج في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، بالإضافة إلى اقتراح واحد لسجل ممارسات الصون الجيدة.


مصر لتطوير حديقتي «الحيوان» و«الأورمان» وفق مواصفات عالمية

جانب من حديقة الحيوان بالجيزة (فيسبوك)
جانب من حديقة الحيوان بالجيزة (فيسبوك)
TT

مصر لتطوير حديقتي «الحيوان» و«الأورمان» وفق مواصفات عالمية

جانب من حديقة الحيوان بالجيزة (فيسبوك)
جانب من حديقة الحيوان بالجيزة (فيسبوك)

تواصل مصر خطتها لإحياء وتطوير حديقتي «الحيوان» و«الأورمان» بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة)، وفق أحدث المعايير العالمية والدولية، مع العمل على وصلهما ببعضهما البعض وافتتاحهما قريباً بإدارة من القطاع الخاص.

وأكد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، أن الحكومة تتابع باهتمام تنفيذ مشروع تطوير الحديقتين، انطلاقاً من أهميته في ظل الطابع التاريخي المميز لهما، وتتطلع لإعادة إحيائهما، والانتهاء من عملية التطوير وفق الخطة الزمنية المقررة، وإدارتهما وتشغيلهما على النحو الأمثل.

وقال مدبولي في بيان عقب اجتماع، الأحد، مع عدد من الوزراء والمسؤولين المعنيين بالمشروع: «هذا المشروع بمثابة حلم للحكومة نعمل جميعاً على تحقيقه، وهدفنا أن يرى النور قريباً، بإدارة محترفة من القطاع الخاص، تحافظ على ما يتم ضخه من استثمارات».

وشهد الاجتماع استعراض مراحل مشروع إحياء وتطوير حديقتي الحيوان والأورمان، حيث تمت الإشارة إلى اعتماد التصميمات وأعمال الترميم والتطوير من جانب المنظمات العالمية المُتخصصة، ونيل شهادات ثقة عالمية من جانبها، مع التعامل مع البيئة النباتية بأسلوب معالجة علمي، إلى جانب تدريب الكوادر العاملة بالحديقتين وفق أعلى المعايير العالمية، بما يواكب رؤية التطوير، ويضمن توافق التشغيل مع المعايير الدولية»، وفق تصريحات المتحدث باسم رئاسة مجلس الوزراء، المستشار محمد الحمصاني.

ويتضمن مشروع تطوير «حديقة الحيوان بالجيزة» مساحة إجمالية تبلغ 86.43 فدان، ويبلغ إجمالي مساحة مشروع «حديقة الأورمان» 26.7 فدان، بمساحة إجمالية للحديقتين تصل إلى 112 فداناً، واستعرض الاجتماع عناصر ربط المشروعين معاً عبر إنشاء نفق يربط الحديقتين ضمن المنطقة الثالثة، بما يعزز سهولة الحركة، ويوفر تجربة زيارة متكاملة، وفق البيان.

وتضمنت مراحل التطوير فتح المجال لبدء أعمال تطوير السافانا الأفريقية والمنطقة الآسيوية، إلى جانب الانتهاء من أعمال ترميم الأماكن الأثرية والقيام بتجربة تشغيلية ليلية للمناطق الأثرية بعد تطويرها بواقع 8 أماكن أثرية.

التشغيل التجريبي للمناطق الأثرية ليلاً بعد تطويرها (حديقة الحيوان بالجيزة)

وأشار البيان إلى أن مستشاري مشروع الإحياء والتطوير؛ وممثلي الشركة المُشغلة للحديقتين، عرضوا خلال الاجتماع مقترحاً للعودة للتسمية الأصلية لتكونا «جنينة الحيوان»، و«جنينة الأورمان»؛ حرصاً على التمسك بهويتهما لدى جموع المواطنين من روادهما منذ عقود، كما أكدوا أن إدارة الحديقتين وتشغيلهما سيكون وفق خطة تضمن اتباع أحدث النظم والأساليب المُطبقة في ضوء المعايير العالمية.

وتم تأكيد ارتفاع نسب الإنجاز في الجوانب التراثية والهندسية والفنية بمشروع تطوير الحديقتين، حيث شملت أعمال الترميم عدداً من المنشآت التاريخية، أبرزها القصر الملكي والبوابة القديمة والكشك الياباني.

وحقق المشروع تقدماً في الاعتمادات الدولية من جهات مثل الاتحاد الأوروبي لحدائق الحيوان (EAZA) والاتحاد العالمي (WAZA) والاتحاد الأفريقي (PAAZA)، وفق بيان مجلس الوزراء المصري.

وترى الدكتور فاتن صلاح سليمان المتخصصة في التراث والعمارة أن «حديقة الحيوان بالجيزة من أكبر حدائق الحيوان في الشرق الأوسط وأعرق حدائق الحيوان على مستوى العالم، حيث تأسست في عهد الخديو إسماعيل، وافتُتحت في عصر الخديو محمد توفيق، وكان بها في بداية افتتاحها أكثر من 175 نوعاً من الحيوانات النادرة من بيئات مختلفة حول العالم، كما كان تصميمها من أجمل التصميمات في العالم وقتها، وكانت متصلة بحديقة الأورمان وقت إنشائها».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «حديقة الأورمان من أهم الحدائق النباتية في العالم، وكانت جزءاً من القصر الخاص بالخديو إسماعيل، وكانت مخصصة لمد القصر بالفواكه والخضراوات، وصممها مهندسون فرنسيون»، وأشارت إلى أن كلمة أورمان بالأساس هي كلمة تركية تعني الغابة أو الأحراش، وعدت مشروع تطوير الحديقتين «من أهم المشروعات القائمة حالياً والتي من شأنها أن تعيد لهما طابعهما التراثي القديم، وهو من المشروعات الواعدة التي من شأنها أن تغير كثيراً في شكل الحدائق المصرية» وأشادت بفكرة العودة إلى الاسمين القديمين للحديقتين وهما «جنينة الحيوان» و«جنينة الأورمان»، لافتة إلى تغيير الصورة الاستثمارية للحديقتين بعد التطوير لوجود مناطق ترفيهية وكافيهات ومناطق لأنشطة متنوعة.


نادين لبكي: السينما هاجس داخلي… وأفلامي تولد من أسئلة لا تهدأ

نادين لبكي تتحدث عن مشوارها الفني في «البحر الأحمر» (إدارة المهرجان)
نادين لبكي تتحدث عن مشوارها الفني في «البحر الأحمر» (إدارة المهرجان)
TT

نادين لبكي: السينما هاجس داخلي… وأفلامي تولد من أسئلة لا تهدأ

نادين لبكي تتحدث عن مشوارها الفني في «البحر الأحمر» (إدارة المهرجان)
نادين لبكي تتحدث عن مشوارها الفني في «البحر الأحمر» (إدارة المهرجان)

قالت المخرجة والممثلة اللبنانية نادين لبكي إن العمل الفني لا يولد مصادفة، بل يأتي من تلك الرجفة الداخلية التي يخلّفها هاجس ما، أو من أسئلة لا تتوقف عن الإلحاح حتى تتحوّل إلى قصة.

وبدت نادين في جلستها الحوارية بمهرجان البحر الأحمر السينمائي، الأحد، التي أدارها أنطوان خليفة، مدير البرنامج العربي والكلاسيكي بالمهرجان، كأنها تفتح كتاباً شخصياً، تقلب صفحاته بهدوء وثقة، وتعيد ترتيب ذكرياتها وتجاربها لتشرح كيف تُصنع الأفلام. فمنذ اللحظة الأولى لحديثها، شددت على أن الصدق هو ما يميّز الفيلم؛ ليس صدق رؤيتها وحدها، بل صدق كل مَن يقف خلف الكاميرا وأمامها.

وأكدت أن الشغف والهوس هما ما يسبقان الولادة الفعلية لأي فكرة؛ فقبل أن تصوغ أولى كلمات السيناريو، تكون قد أمضت زمناً في مواجهة فكرة لا تريد مغادرة ذهنها. شيئاً فشيئاً يبدأ هذا الهاجس بالتشكّل والتحول إلى موضوع محدد يصبح البوصلة التي تضبط كل التفاصيل الأخرى. قد تتغير القصة، وقد يتبدّل مسار الفيلم، لكن الفكرة الجوهرية، ذلك السؤال الملحّ، تبقى العنصر الثابت الذي يجب بلوغه في النهاية.

وتسترجع نادين لحظة ولادة فيلم «هلّأ لوين؟»، فتعود إلى حرب 2008، حين كانت مع طفلها في شوارع بدت كأنها على وشك الانزلاق إلى حرب أهلية جديدة. وتروي كيف تسلّل إليها الخوف عندما تخيّلت ابنها شاباً يحمل السلاح، وكيف تحوّلت تلك اللحظة إلى بذرة فيلم كامل.

نادين لبكي خلال «مهرجان البحر الأحمر» (إدارة المهرجان)

وفي «كفرناحوم» حدث شيء مشابه، إذ تقول إنها كانت ترى الأطفال في الشوارع، وتنصت إلى قصصهم، وتراقب نظرتهم إلى العالم وإلى الناس الذين يمرّون أمامهم كأنهم عابرون بلا أثر. من هنا بدأت الفكرة، ثم امتدّ المشروع إلى 5 سنوات من البحث الميداني، أمضت خلالها ساعات طويلة في محاولة فهم القوانين، والحياة اليومية، والدوافع الإنسانية التي تحكم هذه البقع المهمَّشة.

وتؤكد نادين أن مرحلة الكتابة ليست مجرد صياغة نص، بل لحظة مشاركة وتجربة مشتركة، فالعلاقة بين فريق الكتابة بالنسبة إليها أساسية. وتشير إلى أنها تحب العمل مع أشخاص يتقاسمون معها الرؤية والمبادئ نفسها. أحياناً يكتبون أسبوعين متواصلين، ثم يتوقفون شهوراً قبل أن يعودوا للعمل من جديد، بلا مواعيد نهائية صارمة، لأن القصة، كما تقول، هي التي تحدد إيقاعها وزمنها، لا العكس.

وعندما تنتقل إلى الحديث عن اختيار الممثلين، تكشف أن العملية تستغرق وقتاً طويلاً، لأن أغلب أبطال أفلامها ليسوا محترفين. ففي «كفرناحوم» مثلاً، كان من المستحيل بالنسبة إليها أن تطلب من ممثل محترف أن ينقل ذلك القدر من الألم الحقيقي، لذلك اتجهت إلى أشخاص عاشوا التجارب نفسها أو عايشوا مَن مرّ بها. وتؤكد أنها مفتونة بالطبيعة الإنسانية، وأن فهم الناس ودوافعهم هو بوابة الإبداع لديها؛ فهي لا تفكر في النتيجة في أثناء التصوير، بل في التجربة نفسها، وفي اللحظة التي يُصنع فيها المشهد.

نادين لبكي عقب الجلسة الحوارية (مهرجان البحر الأحمر)

وتتوقف نادين أيضاً عند تجربتها التمثيلية في فيلم «وحشتيني»، كاشفة أنه من أكثر الأعمال التي أثّرت فيها على مستوى شخصي، وأنها سعدت بالعمل مع النجمة الفرنسية فاني أردان. وترى أن التمثيل هذه المرة جعلها تعيش السينما من زاوية مختلفة، فهي تؤمن ـ كما تقول ـ بنُبل السينما وقدرتها على تغيير الإنسان وطريقة تفكيره ونظرته إلى الأشياء، وهو ما يشجعها على الاستمرار في خوض تجارب سينمائية تركّز على السلوك الإنساني، مع سعي دائم لفهم الدوافع غير المتوقعة للأفراد أحياناً.

وتشير إلى أن المدرسة الإيرانية في إدارة الممثلين كانت ذات تأثير كبير في تكوينها الفني. ورغم غياب صناعة سينمائية حقيقية في لبنان عندما بدأت مسيرتها الإخراجية، فإنها تعلّمت عبر الإعلانات والفيديو كليبات، وصنعت طريقها بنفسها من عمل إلى آخر، لعدم وجود فرصة الوقوف إلى جانب مخرجين كبار. وقد عدت ذلك واحداً من أصعب التحديات التي واجهتها.

وأكدت أن فيلمها الجديد، الذي تعمل عليه حالياً، مرتبط بفكرة مركزية، وسيُصوَّر في أكثر من بلد، ويأتي ضمن هاجسها الأكبر، قصة المرأة وتجاربها. ولأن أفكارها تولد غالباً من معايشة ممتدة لقضايا تحيط بها يومياً، تقول: «نعيش زمناً تختلط فيه المفاهيم بين الصواب والخطأ، ولا نجد مرجعاً سوى مبادئنا الشخصية»، مؤكدة أنها تستند في اختياراتها الفنية إلى ما تؤمن به فقط.

وفي ختام حديثها، تتوقف عند شراكتها مع زوجها الموسيقي خالد مزنَّر، وتصفها بأنها واحدة من أهم ركائز تجربتها، موضحة أن رحلتهما في العمل على الموسيقى تبدأ منذ لحظة ولادة الفكرة. وأحياناً يختلفان بشدة، ويتجادلان حول الموسيقى أو الإيقاع أو الإحساس المطلوب، لكنهما يصلان في النهاية إلى صيغة فنية تجمع رؤيتهما، وترى نفسها محظوظة بأنها ترافق شخصاً موهوباً فنياً وإنسانياً.