المتاحف المصرية... تاريخ عريق من حفظ التراث الفريد

يزيد عددها على 80 في مجال الآثار والفنون

مقتنيات تعود للحضارة المصرية القديمة (الشرق الأوسط)
مقتنيات تعود للحضارة المصرية القديمة (الشرق الأوسط)
TT

المتاحف المصرية... تاريخ عريق من حفظ التراث الفريد

مقتنيات تعود للحضارة المصرية القديمة (الشرق الأوسط)
مقتنيات تعود للحضارة المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

بداية من «المتاحف المفتوحة» التي أتاحتها الحضارة المصرية القديمة قبل آلاف السنين عبر المعابد والمقابر، حتى عصر المتاحف الحديثة، التي يأتي في مقدمتها راهناً «المتحف المصري الكبير» المقرر افتتاحه بعد أيام قليلة، عرفت مصر المتاحف بمختلف صورها، إذ تطورت من شكلها التقليدي كحراس للتاريخ والتراث إلى مفهومها الحديث، الذي أصبحت في ظلّه تمثل مساحات نابضة بالحياة، تدعو إلى استكشاف أفكار جديدة، ما يساعد على فهم العالم بشكل أفضل.

متحف الفن المصري الحديث... روائع تروي تاريخاً فنياً طويلاً (إدارة المتحف)

وتمثل متاحف مصر تجربة معرفية شاملة للزوار من مختلف الاهتمامات، فهي تضم أكثر من 80 متحفاً في مجالات الفنون والآثار، وفق إحصاءات رسمية، من بينها «المتحف القومي للحضارة المصرية» الذي يتيح لزائريه فرصة للإبحار في رحلة عبر التاريخ للتعرف على الحضارات المصرية المتعاقبة.

كما يستطيع زائر «متحف الفن المعاصر» التعرف على إرث فني عظيم ومتفرد، يمتد إلى ما يزيد على قرن من الزمان، حيث يعكس إبداع الفنان المصري بالخط واللون والكتلة والنحت من مختلف المدارس والأجيال والمذاهب الفنية والفكرية المتباينة.

كما يعد «متحف الفن الإسلامي» في القاهرة أكبر المتاحف المتخصصة في الفن الإسلامي في العالم، ويحتوي على أكثر من 100 ألف تحفة، تشمل جميع فروع الفن الإسلامي بمختلف العصور.

متاحف مصر القديمة

«ولدت فكرة المتحف في مصر القديمة، قبل أن تعرف الكلمة نفسها بآلاف السنين؛ فيمكن اعتبار المعابد والمقابر في مصر القديمة أول شكل للمتحف في التاريخ الإنساني»، وفق عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير.

متحف الخزف الإسلامي (الشرق الأوسط)

ويتابع في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «كان المصريون القدماء أول من سعوا لتوثيق تاريخهم وتخليد إنجازاتهم عبر العمارة والنحت والنقوش، فكانوا يضعون المسلات والتماثيل أمام المعابد والقصور، ليس للزينة أو العبادة فقط، بل كوسيلة للتذكير بالبطولات وإظهار عظمة الملوك والآلهة».

موضحاً أن «تلك التماثيل كانت تحمل نقوشاً توثق الأحداث والانتصارات، أي أنها كانت أشبه بـ(معارض مفتوحة) للهوية والتاريخ».

متحف بولاق

ويضيف: «كما كانت مصر من أوائل الدول التي أدركت قيمة المتاحف في حفظ الذاكرة الإنسانية، إذ كان أول متحف مصري في العصر الحديث هو متحف (بولاق) الذي أُنشئ عام 1858 في عهد الخديو سعيد باشا على يد العالم الفرنسي أوغست مارييت، مؤسس مصلحة الآثار المصرية».

المتحف المصري في التحرير (إدارة المتحف)

مؤكداً أن هذا المتحف ضم وقتها أهم الكنوز الأثرية المكتشفة في تلك الفترة، قبل أن تنتقل مجموعاته لاحقاً إلى «متحف الجيزة»، ثم إلى «المتحف المصري» بالتحرير، الذي افتُتح عام 1902م، والذي يُعد حتى اليوم «أحد أقدم المتاحف في العالم المخصصة لحضارة واحدة»، وفق عبد البصير.

واستفادت متاحف مصرية من التطور التكنولوجي، حيث تجمع بين التراث وأحدث تقنيات العرض المتحفي، فإذا قررت خوض تجربة السياحة الثقافية في مصر، وجعلت المتاحف إحدى مراحلها فعليك بزيارة بعض المتاحف التي تجعلك جزءاً من التجربة المتحفية عبر تقنيات «الهولوغرام»، إلى جانب التطبيقات الذكية التي تتيح للزائر التجول عبر هاتفه ومعرفة معلومات دقيقة عن القطع الأثرية باللغات المختلفة.

تنوع لافت

ويؤكد الدكتور أشرف أبو اليزيد، رئيس الإدارة المركزية للمتاحف النوعية بقطاع المتاحف في وزارة السياحة والآثار المصرية، أن «التنوع سمة أساسية في خريطة المتاحف المصرية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه المتاحف لا تقتصر على الآثار فقط؛ حيث لدينا كذلك ثروة من متاحف الفنون الجميلة، والزراعة، والسكك الحديدية، والري، والجيولوجيا، والعملات، والموسيقى، والتراث، وهي موزعة على جميع المحافظات من الإسكندرية إلى أسوان، مروراً بالدلتا وسيناء والصعيد، وهذا التنوع يجعل المتاحف المصرية تجربة معرفية شاملة تربط الماضي بالحاضر».

مخبوزات نادرة عثر عليها بمقابر مصرية (الشرق الأوسط)

ويؤكد أبو اليزيد أن «هذا التنوع يساهم في تقديم تجربة متكاملة للزوار، ويؤكد على ثراء المحتوى الثقافي والعلمي في المؤسسات المتحفية المصرية».

ويلفت أبو اليزيد إلى «تنامى اهتمام مصر بالمتاحف كماً وكيفاً، خصوصاً خلال العشرين سنة الأخيرة، فأنشأت العديد من المتاحف، ما بين متاحف وزارة الثقافة والآثار أو وزارة الزراعة أو الري، أو التربية والتعليم والتعليم العالي والاتصالات والثروة المعدنية والحرف اليدوية»، وفق قوله.

روائع خزفية نادرة لمختلف العصور الإسلامية تضمّها متاحف مصر (الشرق الأوسط)

ويرى أن «مصر تعتبر هي الدولة الأهم والأعظم في مجال التراث ومقتنيات المتاحف، فلدينا مجموعات متميزة ومتفردة على المستوى العالمي، سواء مجموعات مثل (مجموعة توت عنخ آمون) في (المتحف الكبير)، أو مجموعة المومياوات الملكية في (متحف الحضارة)».

المتحف المصري بالتحرير (إدارة المتحف)

ويضيف: «ذلك فضلاً عن مجموعات التماثيل الرائعة والفنون المصرية بكافة أشكالها في المتحف المصري بالتحرير، كما يُعد المتحف القبطي أكبر متحف للآثار القبطية في العالم، وأيضاً هناك مقتنيات (المتحف الجيولوجي) الذي يضم عينة من صخور القمر، بالإضافة إلى أنواع الصخور المختلفة، والعناصر التي تظهر كيفية تكون الأرض المصرية، وجريان ونشأة النيل».

مشروع القرن

«تتطلع مصر لإدهاش العالم بحدثٍ يُضاهي موكب نقل المومياوات الملكية وإعادة افتتاح طريق الكباش بالأقصر»، وفق الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، الذي يضيف في مقال له نشر بالوكالة الرسمية المصرية (أ.ش.أ): «القول بأن المتحف المصري الكبير هو هدية مصر للعالم، ليس من قبيل المُبالغة، إذ إن إرث الحضارة المصرية القديمة يُمثل تراثاً عالمياً، وفق محددات منظمة اليونسكو لتوصيف التراث العالمي الثقافي والطبيعي».

المتحف المصري الكبير (صفحة المتحف على «فيسبوك»)

ويؤكد عبد البصير أن «مصر والعالم كله في انتظار افتتاح المتحف المصري الكبير، فهو مشروع القرن الثقافي؛ ويؤسس لمرحلة جديدة من التفاعل بين الإنسان والموروث الإنساني باستخدام أحدث تقنيات العرض المتحفي في العالم».

وتعول مصر على متحفها الكبير في زيادة معدلات اجتذاب السائحين خلال الفترة المقبلة، وتعمل على زيادة مدة بقاء السائحين في العاصمة المصرية القاهرة لأكثر من ليلة من خلال التوسع في إنشاء المتاحف خلال العقدين الماضيين على غرار متحف العاصمة ومتحف المطار ومتحف الحضارة والمتحف الكبير.

وتجري مصر راهناً استعدادات مكثفة لافتتاح المتحف الكبير عبر حفل ضخم، من المقرر أن يحضره زعماء العالم في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وتبلغ مساحة المتحف الذي يجاور أهرامات الجيزة الشهيرة نحو 500 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 50 ألف قطعة أثرية، أبرزها المجموعة الكاملة لآثار الملك توت عنخ آمون.

ووفقاً لبيان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، الذي أصدره في مايو (أيار) الماضي، بمناسبة «اليوم العالمي للمتاحف»، فإن إجمالي عدد المتاحف التي زاولت النشاط بمصر خلال عام 2023 بلغ 83 متحفاً، من بينها 73 متحفاً للفن والتاريخ، و10 متاحف للعلوم الطبيعية والبحوث التطبيقية.


مقالات ذات صلة

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

يوميات الشرق «توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

جددت واقعة تسلق سائحتين لأحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية (غرب القاهرة) الجدل حول تأمين المواقع الأثرية المصرية والحفاظ عليها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق  اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان.

عصام فضل (القاهرة )
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
يوميات الشرق لوحات تعبر عن الأبراج السماوية في المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)

معرض أثري في برلين يكشف «افتتان الفراعنة» بالأبراج السماوية

تحت عنوان «القدر في النجوم: بدايات الأبراج» افتتح المعرض الأثري بالمتحف المصري في العاصمة الألمانية برلين.

محمد الكفراوي (القاهرة )
المشرق العربي صورة تُظهِر الموقع الأثري لهيبودروم (ميدان سباق الخيل) الروماني في مدينة صور جنوب لبنان

مواقع أثرية بمدينة صور اللبنانية تحت رحمة الغارات الإسرائيلية

في موقع البصّ في مدينة صور في جنوب لبنان، تتصدّر علامة «الدرع الأزرق» مدخل المَعلم المُدرج على قائمة التراث العالمي، في محاولة لحمايته من الغارات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
TT

«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد «يخنات» الكاريبي، وكذلك طبق «الفوفو» في غرب أفريقيا، وتنتشر بشكل متزايد في متاجر البقالة الأميركية. المثير أنها بدأت تظهر في الأبحاث العلمية لسبب بسيط: يكتشف الباحثون باستمرار مركبات في «اليام» ربما تؤثر على كيفية تعامل الجسم مع السكر، وكيفية حماية الدماغ وإعادة بنائها، حسب موقع «إي سي أو نيوز».

يُذكر أن الادعاء الرئيسي، هنا، ليس أن «اليام غذاء خارق»، بل في أن الأبحاث الأولية، بما في ذلك تجربة سريرية صغيرة على البشر، تشير إلى أن بعض مستخلصات «اليام» قد تُحسّن، بشكل طفيف، بعض جوانب التفكير والذاكرة، بينما تشير دراسات أخرى إلى تحسين التحكم في مستوى السكر في الدم في ظروف محددة.

والآن: ما الصحيح؟ وما هو مجرد احتمال؟ وما الذي يجب تجاهله؟ في الولايات المتحدة، يُستخدم مصطلح «يام» غالباً للإشارة إلى البطاطا الحلوة ذات اللب البرتقالي ـ نبات مختلف تماماً. في المقابل، ينتمي «اليام» الحقيقي إلى مجموعة الديوسكوريا، ويتميز بقشرة أكثر خشونة، ولب أكثر نشوية من معظم أنواع البطاطا الحلوة.

لنبدأ إذن بالمعلومات الأساسية: بحسب مركز بيانات الغذاء التابع لوزارة الزراعة الأميركية، تحتوي حصة 3.5 أونصة من «اليام» النيئ على 118 سعرة حرارية، ونحو 28 غراماً من الكربوهيدرات، و4.1 غرام من الألياف، و1.5 غرام من البروتين.

وأوضح المصدر نفسه أن «اليام» غني، على نحو خاص، بالبوتاسيوم. ويحتوي على 816 ملليغراماً لكل 3.5 أونصة، بالإضافة إلى فيتامين «سي» وفيتامين «ب6». ويرتبط البوتاسيوم بتنظيم ضغط الدم، ويدعم فيتامين «سي» وظائف المناعة. وعليه، يمكن اعتبار «اليام» أكثر من مجرد مصدر «كربوهيدرات رخيصة» في النظام الغذائي.


دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
TT

دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)

أظهرت دراسة سريرية أميركية أن إضافة دواء يخفض الكوليسترول بشكل مكثف إلى العلاج القياسي يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر.

وأوضح الباحثون في مستشفى ماس جنرال بريغهام بالولايات المتحدة، أن النتائج تظهر فائدة خفض الكوليسترول بشكل مبكر في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية، ونُشرت النتائج، السبت، بدورية «JAMA».

ويمكن لمرض السكري أن يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والنوبات القلبية، إذ يؤدي ارتفاع مستويات السكر في الدم لفترات طويلة إلى تلف الأوعية الدموية والقلب، ويسهم في تراكم الدهون والكوليسترول داخل الشرايين. كما أن مرضى السكري غالباً ما يعانون من ارتفاع ضغط الدم أو اختلال الدهون في الدم، ما يزيد من احتمالية انسداد الشرايين وحدوث أزمات قلبية. ومن أهم خطوات الحد من هذه المخاطر، التحكم بمستويات السكر، واتباع نظام غذائي صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام.

وشملت التجربة السريرية 3655 مريضاً يعانون من سكري عالي الخطورة، مثل المرضى الذين يعانون من السكري لأكثر من 10 سنوات، أو يحتاجون إلى الأنسولين يومياً، أو لديهم أمراض الأوعية الدقيقة. وتلقى المشاركون إما حقن «إيفولوكوما» الخافضة للكوليسترول كل أسبوعين وإما دواء وهمي، مع استمرار جميع المشاركين على العلاج القياسي للكوليسترول، بما في ذلك «الستاتينات» و«إزيتيميب».

دواء «إيفولوكوما»

وبعد 48 أسبوعاً، تبين أن دواء «إيفولوكوما» خفّض مستويات الكوليسترول الضار بنسبة تقارب 60 في المائة، ما أسهم في تقليل خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية أو الوفاة بسبب أمراض القلب بنسبة 31 في المائة مقارنة بالعلاج القياسي وحده.

وعلى مدى متابعة استمرت نحو خمس سنوات، سجلت مجموعة «إيفولوكوما» معدل حدوث أحداث قلبية وعائية أولى بنسبة 5 في المائة مقابل 7.1 في المائة في مجموعة الدواء الوهمي.

وأظهرت الدراسة أن معدلات الآثار الجانبية كانت متقاربة بين المجموعتين، ما يشير إلى أن العلاج كان جيد التحمل لدى هذه الفئة من المرضى.

وأشار الباحثون إلى أنه على مدار أكثر من عقد، كان استخدام العلاجات المكثفة لخفض الكوليسترول يقتصر على المرضى الذين لديهم أمراض قلبية معروفة.

وأضافوا أن هذه النتائج تظهر أن خفض الكوليسترول المبكر يمكن أن يمنع أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر، حتى قبل ظهور تصلب الشرايين الكبير. وقد يؤدي استخدام «إيفولوكوما» أو علاجات مكثفة مشابهة إلى تعديل التوصيات الطبية للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية في الفئات عالية المخاطر.

ونوه الفريق بأن تطبيق هذا العلاج على نطاق أوسع يمكن أن يقلل معدلات الوفاة والأمراض القلبية الخطيرة لدى ملايين مرضى السكري حول العالم.


لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
TT

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)

من الأخطاء الشائعة، قصداً أو عن جهل، أن أول فيلم ضمن السينما الإيطالية الواقعية في الأربعينات كان «سارقو الدراجات» لڤيتوريو دي سيكا سنة 1948. والحال أن هذا الفيلم هو من الأعمال التي أسست فعلاً لما يُعرف بالسينما الواقعية الجديدة، لا بدايتها؛ إذ إن السينما الإيطالية، على وجه الخصوص، وكذلك سينمات أخرى عديدة، لم تعرف الواقعية بوصفها منهجاً مستقراً، بل تجلت في أفلام متباعدة وقليلة؛ ما يدفع الناقد إلى إعادة طرح السؤال عن سبب تسميتها «جديدة» إذا لم يكن هناك «قديمة».

البداية الفعلية للواقعية الجديدة

من «هاجس» أول أفلام المخرج (أجاي فيلم)

لكن، بعيداً عن هذه النقطة التي قد تُثير جدلاً يستحضر أعمال السينما الإيطالية الاجتماعية في الفترة الصامتة وما بعدها، هناك فيلم يسبق «سارقو الدرّاجات»، أنجزه لوكينو ڤيسكونتي عام 1943 بعنوان «هاجس» (Obsession). وهو فيلم درامي اجتماعي تدور أحداثه في أتون الحياة في القاع، حول رجل وزوجته ودخيلٍ يقتحم حياتهما، بما يترتب على ذلك من عواطف متشابكة، وما يعقبه من شعور بالذنب والضعف.

بعد انتهاء لوكينو ڤيسكونتي (توفي قبل نحو 50 عاماً) من تصوير بعض مشاهد «هاجس» (بالأبيض والأسود)، أرسل ما صوّره إلى المونتير ماريو سيراندراي، الذي كتب له بعد مشاهدتها: «أحببت هذه المشاهد. لا أعرف كيف أعرّف هذا النوع الجديد من السينما، إلا بأنه واقعية جديدة».

ورد ذلك في كتاب لغايا سرڤاديو الصادر سنة 1983 بعنوان «لوكينو ڤيسكونتي: سيرة»، وعزّزه المؤلف هنري باكون في كتابه الصادر سنة 1998 «ڤيسكونتي: استكشاف الجمال والانحلال» (Visconti: Explorations of Beauty and Decay).

المخرج لوكينو ڤيسكونتي (IMDB)

وسرد ڤيسكونتي هذه الواقعة بنفسه في بعض مقابلاته، مؤكداً أن هذا النعت («واقعية جديدة») لم يكن قد استُخدم من قبل.

والفيلم نفسه ينطق بذلك من خلال واقعية الشخصيات ومشاعرها، وإبقاء الدراما كامنةً غير مُعلنة أو مباشرة. كما يتجلى ذلك في مواقع التصوير ضمن البيئات الفقيرة في المدينة.

أثار الفيلم استياء بعض مشاهديه من أوساط الحكومة الفاشية في عهد بنيتو موسوليني، فغادر بعضهم القاعة قبل انتهاء العرض، واصفين الفيلم بأنه معادٍ لإيطاليا. وأعقب ذلك صدور قرار بمنع عرضه، والحجز على ما أمكن من نسخه.

ثلاثي مختلف

كان لوكينو ڤيسكونتي يساريَّ التوجّه ومعادياً للفاشية، علماً بأنه وُلد عام 1906 في كنف عائلة أرستقراطية مرفّهة وذات تأثير سياسي. خدم في الجيش الإيطالي لمدة عامين (1926-1928)، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية ودخول إيطاليا فيها، اختار أن يتخذ موقفاً معادياً للفاشية.

لكن قبل اندلاع تلك الحرب، قصد ڤيسكونتي فرنسا، حيث تعرّف إلى المخرج جان رينوار، الذي استعان به مساعداً في بعض أفلامه، أولها «يوم في الريف» (A Day in the Country) سنة 1935. واستمر التعاون بينهما حتى مطلع الحرب العالمية الثانية، وهي فترة كانت كافية ليتشرّب خلالها المخرج الإيطالي تأثير أحد أبرز صناع السينما الفرنسية آنذاك.

قد يلاحظ بعض من يشاهد النسخة المتوفرة من «هاجس» تأثيراً آخر؛ فمن قرأ رواية جيمس م. كاين «ساعي البريد يرن مرتين دائماً» (The Postman Always Rings Twice) فسيجد تشابهاً بين العملين. وكان رينوار هو من أعطى الرواية لڤيسكونتي لقراءتها. وتدور أحداثها حول شاب يصل، في خضم أزمة اقتصادية في الولايات المتحدة، إلى محطة بنزين ريفية يملكها رجل متقدّم في السن وزوجته الشابة. يعمل الشاب في المحطة، وسرعان ما تنشأ علاقة بينه وبين الزوجة وتنتهي بقتل الزوج.

غير أن ڤيسكونتي لم ينقل أحداث الرواية كما هي في فيلمه «هاجس»، بل اكتفى بثلاثية الشخصيات مع اختلاف في الوقائع وتوجهاتها العاطفية. ويكفي هنا التأكيد على أن رواية كاين كانت ذات طابع عاطفي - جنائي، في حين جاء فيلم ڤيسكونتي عاطفياً - اجتماعياً.

من الأرض إلى القصر

«موت في ڤينيسيا» مع ديرك بوغارد (ألفا سينماتوغرافيكا)

بعد هذا الفيلم، واصل المخرج مسيرته السينمائية محققاً نجاحاً فنياً كبيراً. وقد برع منذ البداية في معالجة شخصياته وفي إحكام سيطرته على كل تفاصيل العمل، كما يتضح في «الأرض تهتز» (La Terra Trema) سنة 1948. ومع ذلك، فإن هذه الصرامة الإخراجية تبلورت لاحقاً، حين ابتعد عن إنجاز الأفلام ذات التوجهات اليسارية المباشرة، من دون أن يتخلى عن خلفيته الفكرية.

يتناول «الأرض تهتز» حياة صيادين في قرية يواجهون هيمنة التجّار على أرزاقهم، وكيف يستجيب بعضهم بالخضوع، فيما يختار آخرون المقاومة. ورغم أن ڤيسكونتي لم يتخلَّ عن الواقعية التي أرساها منذ أفلامه الأولى، فقد بدأ ينسج أسلوباً فنياً أكثر تركيباً لطرح موضوعاته. ويُعدّ روبرتو روسيلليني الأقرب إليه في هذا المجال؛ إذ انطلق بدوره ضمن تيار الواقعية الجديدة، في حين بدأ ڤيتوريو دي سيكا في هذا المنهج ثم ابتعد عنه لاحقاً، من دون أن يقدّم عملاً يتجاوز أهمية «سارقو الدراجات».

في الستينات، اتجهت أفلام ڤيسكونتي نحو عناية جمالية أعلى، مع نقل الأحداث إلى عوالم القصور والبُنى الطبقية، كما في «الفهد» (The Leopard) عام 1963، و«ساندرا» (1965)، و«الغريب» (عن رواية ألبير كامو، 1967)، ثم «الملعونون» (The Damned) 1969.

وليس من الدقة القول إن هذه الأفلام (وسواها) على مستوى واحد من الجودة، غير أن السمة الأبرز في هذا التحول من حكايات الشوارع والبلدات الصغيرة إلى العالم الأرستقراطي تتجلى بوضوح في «الفهد» و«الملعونون»، ولاحقاً في «موت في ڤينيسيا» (Death in Venice) سنة 1971، المأخوذ عن رواية توماس مان، ثم «لودڤيغ» (1973)، الذي يتناول سيرة ملك باڤاريا في أحداث تمتد بين عامي 1864 و1886.