المسرح الرقمي... عروض تتجاوز حدود الخشبة لتخلق عوالم افتراضية تنبض بالحياة

أولياء لـ«الشرق الأوسط»: مسارح المستقبل ستكون أشبه بمركبة فضاء

إبهار تقنية الواقع الافتراضي يظهر في منتدى الأفلام السعودي 2023 (الشرق الأوسط)
إبهار تقنية الواقع الافتراضي يظهر في منتدى الأفلام السعودي 2023 (الشرق الأوسط)
TT

المسرح الرقمي... عروض تتجاوز حدود الخشبة لتخلق عوالم افتراضية تنبض بالحياة

إبهار تقنية الواقع الافتراضي يظهر في منتدى الأفلام السعودي 2023 (الشرق الأوسط)
إبهار تقنية الواقع الافتراضي يظهر في منتدى الأفلام السعودي 2023 (الشرق الأوسط)

هل ستكون مسارح المستقبل أشبه بالمركبات الفضائية؟ سؤال يفتح الباب أمام تحوّلٍ عميق في مفهوم الفن الحيّ، مع صعود المسرح الرقمي الذي يعيد رسم العلاقة بين الإنسان والتقنية، فبينما تتقدّم أدوات الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز وتقنيات الهولوغرام، تتجاوز العروض حدود الخشبة لتخلق عوالم افتراضية تنبض بالحياة، تُستعاد فيها الشخصيات والمشاهد التاريخية بروحٍ جديدة، تمزج بين الخيال والإبداع والتكنولوجيا.

يرى الدكتور عبد العزيز أولياء، عضو هيئة التدريس في قسم الإعلام بجامعة الملك سعود، أن الرقمنة أعادت تعريف مفهوم العرض المسرحي، حيث انتقل من «الخشبة التقليدية» إلى فضاءات رقمية تفاعلية تتيح اندماج الفن بالتقنية، وتوسع من نطاق المشاركة الجماهيرية.

ويعتقد الدكتور عبد العزيز، وهو مؤلف ومخرج مسرحي، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط» بأن الذكاء الاصطناعي التفاعلي سيصبح شريكاً في الحوار على المسرح، مدعوماً بأنظمة التوأم الرقمي لإدارة العروض بذكاء، وتحليلات البيانات لفهم تفاعل الجمهور لحظياً وتحسين التجربة.

وأَضاف: «مسارح المستقبل ستكون أشبه بمركبة فضاء، حيث ستعتمد على منظومة متكاملة من التقنيات، ستدمج تقنيات الواقع الممتد التي تخلط بين الافتراضي والمعزز، إلى جانب تقنيات الهولوغرام لإحياء الشخصيات أو المشاهد التاريخية أمامنا».

وفي دراسة حديثه أعدها الدكتور أولياء بعنوان «استخدام الرقمنة في إنتاج الأعمال المسرحية – دراسة استكشافية لرؤية خبراء المسرح والرقمنة بالمملكة العربية السعودية»، حث على تأسيس مختبر للمسرح الرقمي في جامعة الملك سعود؛ وذلك للإسهام بتعزيز التكامل بين المؤسسات الأكاديمية والهيئات الثقافية في المملكة.

د. عبد العزيز أولياء عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود (الشرق الأوسط)

وكشفت الدراسة التي ارتكزت على مقابلات معمقة مع 19 خبيراً من الأكاديميين والممارسين في مجالات المسرح والتقنية، عن وجود فجوات في البنية التحتية التعليمية والتقنية، تستدعي تطوير برامج أكاديمية متخصصة ودعم التدريب المستمر للعاملين في الحقل المسرحي.

ووفقاً للدكتور أولياء، أصبح الجمهور السعودي أكثر تقبلاً للتجارب المسرحية الرقمية؛ ما يعكس وعياً ثقافياً متنامياً بضرورة دمج التكنولوجيا في الفنون.

وتابع: «الرقمنة تمثل تحولاً فلسفياً وجمالياً في بنية المسرح السعودي، يتجاوز المفهوم التقليدي للأداء نحو رؤية جديدة تستند إلى ما بعد الدراما، حيث يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً إبداعياً يُعيد صياغة العلاقة بين الفنان والتقنية والجمهور».

المسرح الرقمي في السعودية

وصف الدكتور عبد العزيز المسرح الرقمي في السعودية بأنه وُلد حديثاً، وما زال يخطو خطواته الأولى ويستكشف طريقه. وقال: «شهدنا بعض التجارب المتناثرة، خاصة أثناء جائحة كورونا، حيث اضطررنا جميعاً إلى التفكير خارج الصندوق، لكنني أرى أننا الآن على أعتاب مرحلة أكثر نضجاً، حيث بدأت الجامعات ووزارة الثقافة تلتفت بجدية إلى هذا المجال؛ انسجاماً مع التحول الرقمي الشامل الذي تشهده بلادنا ضمن (رؤية السعودية 2030)».

تحديات عدة

تواجه المسرح الرقمي في السعودية تحديات عدة مترابطة – حسب الدكتور أولياء - فمن الناحية التقنية، نلاحظ أن بعض مسارحنا تحتاج إلى تطوير بنيتها التحتية، كما أننا في حاجة ماسة إلى تطوير كفاءاتنا في تقنيات مثل الواقع المعزز والبرمجة المسرحية.

وأضاف: «نواجه ندرة في المقررات الأكاديمية المتخصصة في المسرح الرقمي داخل جامعاتنا إذا أردنا تأسيس جيل جديد، وهناك أيضاً تحدٍ تنظيمي وتمويلي، حيث يحتاج هذا المجال إلى دعم مؤسسي واضح وطويل الأمد ليدخل ضمن البرامج المسرحية الوطنية».

خفض التكاليف

أوضح الدكتور أولياء أن المسرح الرقمي يركز على الاستثمار في عالم البرمجيات، وإنتاج الفيديو ثلاثي الأبعاد، والتقنيات التفاعلية، وذلك على حساب الديكور المادي أو تركيب الإضاءة التقليدية، مبيناً أن «هذا النوع من المسرح يمكنه خفض التكاليف الإجمالية بنسبة ما بين 30 و50 في المائة شرط أن نحسن استخدام التكنولوجيا ونستثمرها بشكل ذكي.».

جائحة كورونا محفّزاً

يقول عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود إن جائحة كورونا كانت محفزاً غير متوقع. وأردف: «لاحظنا تحول كثير من الفرق المسرحية، خاصة الجامعية والمستقلة، لتقديم عروضها عبر الإنترنت، دراستنا أظهرت أن هذه الفترة، رغم قسوتها، أعادت تعريف مفهوم (الحضور) في المسرح، حيث أصبح الجمهور يتفاعل من بيته، ويمكنني القول إن الجائحة كانت الدافع الذي دفعنا جميعاً للتفكير بجدية في هذا الشكل الجديد».

الطائرة الكبرى في الشرق الأوسط لحمل الكاميرات بصناعة سعودية (الشرق الأوسط)

تكامل لا صراع

يرى الدكتور عبد العزيز أهمية الانتقال من فكرة الصراع إلى فكرة الاندماج والتكامل، ليس في المسرح فحسب بل في الفنون المتعددة قاطبة، مشيراً إلى أن «الأساليب الرقمية ليست عدوة للفن، بل هي أداة جديدة في يد الفنان».

وتابع: «المسرح الذي تطور عبر التاريخ، يدخل حالياً عصراً جديداً من الفن التشاركي، حيث يكمل الإنسان والآلة بعضهما بعضاً لخلق تجربة فنية أعمق، هذا هو جوهر ما نؤمن به ونسعى إليه».

وفي الختام، شدد على أن «المسرح الرقمي لا يخلق عروضاً فقط، بل يخلق وظائف لم نكن نحلم بها من قبل، فهو يفتح الباب أمام مستقبل مهني جديد، لا يقتصر على الممثل والمخرج التقليديين، بل يمتد ليشمل مصممي المؤثرات البصرية الرقمية، ومبرمجي العروض التفاعلية، ومحللي بيانات لقياس تفاعل الجمهور، بالإضافة إلى المخرج الرقمي ومختصي الذكاء الاصطناعي الإبداعي، هذه الوظائف هي مستقبل الصناعة الإبداعية في المملكة، وهي تتماشى مع توجهات (رؤية السعودية 2030) في بناء اقتصاد قائم على الإبداع والمعرفة».


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية السعودي يجدد دعم المملكة لاستقرار لبنان

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (الرئاسة اللبنانية)

وزير الخارجية السعودي يجدد دعم المملكة لاستقرار لبنان

جدد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، موقف المملكة العربية السعودية الداعم لاستقرار الجمهورية اللبنانية

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

خاص الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله نظيره الهولندي توم بيريندسن في الرياض الأربعاء (واس)

السعودية وهولندا تبحثان جهود الحفاظ على أمن الممرات المائية

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي ونظيره الهولندي توم بيريندسن، الأربعاء، جهود البلدين ومساعيهما المتواصلة في الحفاظ على أمن وسلامة الممرات المائية

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق الطلاب علي باوزير ومجتبى التاروتي وعبد العزيز الجعيد يحتفلون بتحقيق الميداليات في الأولمبياد (موهبة)

السعودية تحصد 3 جوائز دولية في «أولمبياد مندليف للكيمياء 2026»

حقق المنتخب السعودي للكيمياء 3 ميداليات برونزية دولية في أولمبياد مندليف الدولي للكيمياء 2026، الذي استضافته العاصمة الروسية موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
عالم الاعمال مجموعة «stc» تسهم في تسهيل رحلة ضيوف الرحمن لموسم الحج

مجموعة «stc» تسهم في تسهيل رحلة ضيوف الرحمن لموسم الحج

دعمت مجموعة «stc»، ممكن التحول الرقمي، مشاركتها شريكاً رقمياً في مبادرة «طريق مكة»، إحدى مبادرات وزارة الداخلية ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.