«مرحبا دولة» يكتسح وسائل التواصل الاجتماعي بعد الشاشة

يُعدّ أول تجربة كوميدية تحمل هوية لبنانية واضحة

أبطال «مرحبا دولة» تحوّلوا إلى نجوم الشاشة (إنستغرام)
أبطال «مرحبا دولة» تحوّلوا إلى نجوم الشاشة (إنستغرام)
TT

«مرحبا دولة» يكتسح وسائل التواصل الاجتماعي بعد الشاشة

أبطال «مرحبا دولة» تحوّلوا إلى نجوم الشاشة (إنستغرام)
أبطال «مرحبا دولة» تحوّلوا إلى نجوم الشاشة (إنستغرام)

رغم انتهاء موسم عرض البرنامج التلفزيوني (ست كوم) «مرحبا دولة»، فإنه يشكّل اليوم ظاهرة على مواقع التواصل. موسمه التلفزيوني الأخير عبر شاشة «إل بي سي آي» انتهى عرضه منذ أشهر، ومع ذلك يحقّق بأثر رجعي نجاحات واسعة وصلت إلى بلدان عربية عدّة. فأنْ يجذب البرنامج محتواه المُشاهد المصري المعتاد على أعمال لعمالقة الكوميديا العربية، وكذلك المتابع الجزائري الذي بالكاد يفهم اللهجة اللبنانية، هو أمر أثار فضول كثيرين. فما سرّ هذا البرنامج الذي حضَّ جوي بيار الضاهر، مدير المحطّة المذكورة، على المغامرة بإدخاله إلى شبكة برامجها؟

تؤكد إدارة «إل بي سي آي» أنّ «مرحبا دولة» ليست مغامرة خاضتها المحطة، بل تُعبّر عن إيمانها بقدرات شبابية واعدة. فالفريق سبق أن أثبت نجاحه في المسرح، ودخوله برمجة «إل بي سي آي» ساعد على توسيع فئة متابعيها. ويضيف مصدر في الإدارة لـ«الشرق الأوسط»: «الهدف بالنسبة إلينا ليس النجاح أو إثارة الجدل، بل الإضاءة على مشكلات المواطن اليومية بمقاربة تُشبه واقعنا، ولو من باب الكوميديا والنقد».

حسين قاووق أحد أعمدة البرنامج الأساسيين مع ترف التقي (إنستغرام)

يتألّف فريق «مرحبا دولة» من مخرجه محمد دايخ، صاحب شخصية «عاطف» في العمل، يشاركه التمثيل صديقه حسين قاووق بدور «بدري»، وكذلك شقيقه حسين دايخ (زهير)، وشيرين الحاج (عبير)، ومحمد عبدو (فاروق)، ومهدي دايخ (بيضون)، وذو الفقار ياسين (مرزوق). ومؤخراً شاركت فيه ترف التقي بدور «ليلى»، فجدَّدت بإطلالتها إيقاع البرنامج، وشكَّلت ثنائية رومانسية مع محمد دايخ طبعت ذاكرة المُشاهد.

وإذا ما جلنا اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي، من «فيسبوك» و«تيك توك» و«إنستغرام»، فسنلاحظ اكتساح لقطات من «مرحبا دولة» هذه المنصات الإلكترونية بقوة. واللافت تبادلها من جنسيات عربية مختلفة، في مقدمتها المصريون، فهم يُخصّصون تعليقات مُصوَّرة يتحدَّثون فيها عن إعجابهم بالفريق، ومرّات كثيرة يطرحون الأسئلة حول الإمكانات والقدرات الهائلة التي يملكها الفريق لإضحاك متابعيه.

المحتوى الذي يُقدّمه فريق «مرحبا دولة» يتمتّع بعفوية كبيرة، حتى إنّ الناس تتخيّل أن جميع مَشاهد حلقاته ترتكز على الارتجال. كما أنّ جرأة الموضوعات التي يتناولها استطاعت قَلْب صفحة في الكوميديا اللبنانية لتدخل حقبة جديدة؛ فمنذ نحو 20 عاماً لم يشهد برنامج كوميدي هذا النجاح ولا الانتشار الواسع الذي وصل إلى المنطقة العربية بأكملها. حتى إن «مرحبا دولة» كسر الصورة الكوميدية العالقة في أذهان اللبنانيين منذ «أسأل شي»، و«لا يملّ»، و«ما في متلو»، فضخَّ الحداثة في تركيبة محتوى جريء وحقيقي.

«مرحبا دولة» سرق انتباه المُشاهد العربي (إنستغرام)

لم يغضّ البرنامج النظر عن النعرات الطائفية، ولم يمتنع عن التحدّث عن الأديان وإشكالية تعاطي اللبنانيين بها، ولم توفّر انتقاداته الساخرة شخصيات سياسية وأمنية. فالفريق يُجسّد دور رجال شرطة عسكرية في فصيلة «رف الحمام» التابعة لقوى الأمن، تُواجه مشكلات أمنية واجتماعية، مثل ترويج المخدرات وغيرها، وتحاول إيجاد حلول لها بأسلوب بسيط ومضحك. أحياناً يتجاوز النصّ الخطوط الحمراء التي توهم المُشاهد بأنّ أحداً لن يتجاوزها، إذ يتجرّأ البرنامج، ويخوض موضوعات دقيقة كانت تُعدّ من المحرّمات، وهو ما طرح أسئلة كثيرة من مصريين وجزائريين ولبنانيين حول سبب تأخُّر عرض هذا النوع من الأعمال.

لكن منتج البرنامج في مواسمه الأولى، فراس حاطوم، يشرح لـ«الشرق الأوسط»: «برأيي، إنه التطور الطبيعي لهذا النوع من البرامج عبر محتوى واقعي بامتياز. فلماذا نتقبّل محتوى كوميدياً جريئاً مصرياً أو سورياً، ولا يُطبّق ذلك على اللبناني؟». ويستطرد: «لماذا حقّق هذا الـ(ست كوم) الانتشار الواسع عربياً؟ الجواب ببساطة هو أننا لم نُقدّم من قبل محتوى يُشبهنا. كان المحتوى شبه سطحي، ومن الصعب أن يعلق بأذهان الناس، وهو ما تخطّاه فريق (مرحبا دولة) وحقَّق المختلف».

بحنكة وذكاء، يَحْبك محمد دايخ نصوص حلقات «مرحبا دولة»، ويستخدم في معظم الأحيان الضحكة لإيصال رسائل مبطّنة وموجعة، فتلامس العمق الإنساني ببساطة، وتحضُّ المُشاهد على عدم تفويت أي من حلقات العمل، لشعوره بنهم شديد تجاه موضوعات تُخاطبه مباشرة. ويُعلّق حاطوم: «لطالما أُعجبتُ بمحمد دايخ وأسلوب تفكيره الفنّي، ولذلك فكّرت في برنامج تلفزيوني أُنتجه له. ولا شك أنّ الفضل الأكبر لترجمة فكرتي على الشاشة يعود إلى جوي الضاهر، مدير محطة (إل بي سي آي)؛ فبعدما شاهد الحلقة التجريبية للبرنامج، وافق بسرعة، ولم يترَّدد في عرضها كما هي لتفتتح الموسم الأول. فالبرنامج انطلق أولاً تحت عنوان (تعا قِلّو بيزعل)، ومن ثم جاءت مواسم (مرحبا دولة). واضطر دايخ إلى إنتاج الموسم الأخير بنفسه لعدم إيجادي الوقت الكافي لإكمال المشوار معه، وأطللتُ في إحدى الحلقات للتأكيد أن هذا الفراق جرى على وفاق».

مخرج العمل محمد دايخ مع الممثلة ترف التقي شكّلا ثنائية مُتناسقة (إنستغرام)

وإذا ما اطّلعنا على شخصيات «مرحبا دولة»، لوجدنا أنها نماذج تُمثّل فئات من المجتمع اللبناني بكلّ أطيافه. والأهم هو أنّ كلَّ ممثل في العمل يُشكّل بطولة بذاته، وجميعهم يتمتّعون بالعفوية والتلقائية في التمثيل. أما عبارة حسين قاووق التي يستهلّ بها كلّ إطلالة له في الحلقة «كيفك؟ كيف الصحة؟ كلّو تمام؟»، فتحوّلت إلى تحية يومية عند اللبنانيين، يحبّون افتتاح يومهم بها بكونها فأل خير وابتسامة.

ويُعلّق حاطوم على عفوية الفريق: «هناك نص يكتبه محمد والجميع يلتزم به، لكنه يترك مساحة من الارتجال لكلّ ممثل، فتتلوَّن الحلقات بعفوية يُحبّذها المُشاهد وتولّد هذا التماهي بين الممثّلين وبينه».

يتناول «مرحبا دولة» مواقف يومية من حياة اللبنانيين، وقد تكون الحلقات التي يتحدّث فيها فريق العمل بالمصرية شكّلت الشرارة الأولى لمتابعته من مشاهدي «أم الدنيا»؛ ففي إحدى الحلقات، يستيقظ الفريق وهو يتحدَّث المصرية، ويبدأ بالبحث عن سبب ذلك، فكانت بمثابة لفتة ذكية من محمد دايخ، أخذ من خلالها برنامجه إلى الانتشار العربي.

ومن المواقف التي تتضمّنها حلقات «مرحبا دولة»، تلك التي تجمع بين الثنائي «ليلى» (ترف التقي) و«عاطف» (محمد دايخ). فهناك لغة بسيطة تعكس التواصل الحقيقي بين عاشقَيْن من دون أي «رتوش»، وكذلك المواقف التي تتناول مشكلات المواطنين مع أصحاب مولّدات الكهرباء، وتلك التي تحكي عن ترويج المخدرات عبر أبواب عالية، والمرأة التي ماتت واحتار أهل قريتها أين يدفنونها. تُشكّل جميعها مَشاهد كوميدية لا يمكن أن تمرّ عابرة على الشاشة، من دون أن تثير نوبات ضحك تلقائية عند متابعيها.

ويختم فراس حاطوم: «هناك أسلوب كوميدي جديد ابتكره محمد دايخ له بصمته الخاصة فيه، كما أنه استطاع أن يصنع من فريق (مرحبا دولة) ممثّلين مشهورين، رغم أنهم لم يمارسوا هذه المهنة على الشاشة من قبل. وأشجّع كلّ تجربة من هذا النوع كي تشقَّ طريقها. وما كان يحاول البعض زرعه في أذهاننا بأننا لا نستطيع مقاربة موضوعات معيّنة لأنها ستخلق استفزازاً بين اللبنانيين، تبيَّن أنه غير صحيح. كما أنّ ميزانية خجولة لا تُشكّل حاجزاً أمام شهرة برنامج ما».


مقالات ذات صلة

يسرا اللوزي: المرأة تستحقّ حضوراً أكبر في أفلام الأكشن

يوميات الشرق يسرا اللوزي تحضر العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)

يسرا اللوزي: المرأة تستحقّ حضوراً أكبر في أفلام الأكشن

كشفت أنّ أصعب أيام التصوير كانت خلال تنفيذ مشهد داخل حظيرة للحيوانات...

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق ياسر جلال في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)

«للعدالة وجه آخر»... اختبار قاسٍ للمبادئ والأبوّة

بين مسار التحقيقات، والصراعات الأُسرية، والتحوّلات النفسية للشخصيات، يبني العمل حالة مستمرّة من التشويق...

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الشرطي الأميركي ارتدى الزي الشعبي في «ماسبيرو» (التلفزيون المصري)

احتفاء في مصر بشرطي أميركي ساند «الفراعنة» بكأس العالم

بـ«الجلباب البلدي» و«اللاسة»، وهما من الأزياء المصرية الأصيلة، ظهر الشرطي الأميركي إيريك هدسون في برنامج «من ماسبيرو» على القناة «الأولى» المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
رياضة عالمية جانب من نقل قناة «كازا كازي تي في» مباريات المونديال وسط حضور آلاف المشاهدين (أ.ف.ب)

مونديال 2026: قناة «يوتيوب» في البرازيل تحطم الأرقام القياسية... وتثير الجدل

تُحدث قناة «كازي تي في (CazeTV)» على «يوتيوب» هزة بالمشهد الإعلامي في البرازيل، لكنها تثير أيضاً جدلاً بسبب إعلاناتها لمواقع المراهنات الرياضية.

«الشرق الأوسط» (ساو باولو)
خاص الممثلان نادين نجيم وظافر العابدين بطلا مسلسل «ممكن» (شركة الصبّاح إخوان)

خاص صادق الصبّاح: مسلسل «ممكن» إثراءٌ لا إثارة و«المدّاح» عائد

«ممكن» تجربة دراميّة مثيرة للجدل شكلاً ومضموناً. المنتج صادق الصبّاح يحسم الجدال بشأنها ويتحدّث عمّا لها وما عليها.

كريستين حبيب (بيروت)

تداعيات استقالة وزيرة الثقافة المصرية تثير جدلاً «أدبياً»

د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
TT

تداعيات استقالة وزيرة الثقافة المصرية تثير جدلاً «أدبياً»

د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)

على الرغم من مضي نحو 5 أيام على قبول الحكومة المصرية استقالة الدكتورة جيهان زكي من منصبها كوزيرة للثقافة على خلفية حكم محكمة النقض بإدانتها بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة الصحافية سهير عبد الحميد؛ إذ صدر الحكم بدفع تعويض لصالح الكاتبة قدره مائة ألف جنيه (الدولار يوازي نحو 49 جنيهاً مصرياً)، كما قضت المحكمة بسحب كتاب الوزيرة من التداول؛ فإن الجدل تواصل حول هذه الأزمة، وتردد صداها في أوساط ثقافية وصحافية مصرية، وظهرت تداعياتها في ادعاءات بوجود ما يمكن تسميته «كاتب ظل» تدخل في متن الكتاب، وربما تسبب في هذه الأزمة، حسب ما أُشيع.

ونشر عدد من الشخصيات العامة، من بينهم المخرج خالد يوسف، ما يشير إلى وجود «شخص آخر كان يقوم بمراجعة كتاب الوزيرة، وأن هذا الشخص ربما قام بإضافة فقرات دون علمها أو بعلمها، ولم تقدر حجم المشكلة» وفق ما ذكر عبر حسابه بـ«فيسبوك»، مؤكداً أن «الوزيرة مسؤولة في الحالتين».

في حين نشر الصحافي والناقد بـ«الأهرام» سيد محمود مقالاً بصحيفة «الشروق» بعنوان «الآن أتكلم»، نفى فيه مسؤوليته عن محتوى الكتاب، وقال إنه كتب فقط مقدمته بطلب من الدكتورة جيهان زكي التي كان يعرفها منذ رئاستها الأكاديمية المصرية للفنون بروما، وذكر أنه ركز في مقدمته التي تصدرها اسمه على فكرة المقارنة بين شخصية تنتمي للثقافة الغربية وأخرى تنتمي للثقافة الشرقية، وأنه انتبه بطبيعة الحال إلى ذكر اسم الأستاذة سهير عبد الحميد في أكثر من موضع بكتاب الوزيرة، وكذلك في قائمة المراجع التي جاءت في خاتمة الكتاب، وبالتالي لم يكن لديه شكوك في نسبة الكتاب لمؤلفته، مشدداً على أن مهمته لم تكن تقتضي البحث في مدى مطابقة المحتوى، أو مقارنة نسب الاقتباس، أو كشف عدد الفقرات التي ضمّنتها الدكتورة جيهان في كتابها، ولا سيما أنه لم يطالع كتاب الأستاذة سهير، وهدد محمود بملاحقة كل من يزج باسمه بغير دليل يعزز اتهامه، وفق ما جاء في مقاله.

الصحافية والكاتبة سهير عبد الحميد (حسابها على «فيسبوك»)

ويرى الناقد الأدبي مصطفى عبد الله أن «هذا الجدل اتسعت دائرته لطبيعة القضية وارتباطها بوزيرة الثقافة، وبحقوق ملكية مؤلفة الكتاب سهير عبد الحميد»، وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه «كانت هناك وجهات نظر بين من قاموا بمضاهاة الكتابين وإبداء الرأي بالإدانة، وبين من قالوا إن الفاعل هو فلان بعينه، ومن وقفوا إلى جانب الوزيرة مدافعين عنها».

وتابع عبد الله: «لقد تعلمنا أن نحترم أحكام القضاء، وأرى أن تداول هذا الموضوع بهذا الشكل ستكون له آثار سيئة جداً»، مطالباً بـ«إغلاق هذا الملف؛ لأن حكم القضاء أدان الوزيرة، وقدمت استقالتها احتراماً لهذا الحكم».

وكانت وزيرة الثقافة قد أكدت في تصريحات لها بعد يومين من استقالتها أنها من الآن فصاعداً ستتصدى للدفاع عن حقها كمواطنة وعالمة مصريات ومحاضِرة دولية، وكذلك كأم، مشيرة إلى أنها سترد على ما وصفتها بـ«الافتراءات والمغالطات والأكاذيب» التي تعرضت لها، وأنها ستواصل «جميع السبل التي يكفلها القانون، بما في ذلك التماس إعادة النظر في الأحكام التي صدرت».

وقالت الكاتبة فاطمة المعدول: «لا بد من وقف هذا الجدل والصراع وحالة الانقسام التي نشهدها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصاً أن هناك حكماً قضائياً حسم المسألة»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «الوزيرة استقالت، والأستاذة سهير عاد لها حقها الأدبي والتعويض المادي، والأستاذ سيد محمود كتب مقالة مؤثرة نفى فيها أنه (كاتب ظل)، وأكد أنه كتب المقدمة فقط، وبذلك يكون كل شيء قد حُسم واتضح للجميع».


مصر: الكشف عن مقبرة أثرية بالبر الغربي في الأقصر

المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: الكشف عن مقبرة أثرية بالبر الغربي في الأقصر

المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت البعثة الأثرية الهولندية العاملة في جبانة طيبة عن اكتشاف مقبرة بمنطقة الشيخ عبد القرنة السفلى بالبر الغربي بمدينة الأقصر، يرجح أنها تعود لعصر الرعامسة، وتتكون المقبرة الموجودة ضمن مقابر طيبة من فناء خارجي، ومقصورة منحوتة في الصخر على شكل حرف (T) مقلوب، بالإضافة إلى حجرات للدفن تحت سطح الأرض، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الأحد.

وأكد رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، أن التخطيط المعماري للمقبرة يتوافق مع الطراز المعتاد لمقابر الأفراد في طيبة خلال عصر الدولة الحديثة، موضحاً في البيان أن «فناء المقبرة يضم عدداً من العناصر المعمارية المحفوظة بحالة جيدة، من بينها مصطبة من الطوب اللبن تتوسطها فجوة مخصصة لتثبيت لوحة جنائزية إلى جانب سلم تحيط به منحدرات من الجانبين يؤدي إلى مدخل المقبرة».

وأشار إلى أن المقبرة تضم عدداً من المناظر التي تحمل اسم صاحبها ويدعى «باسر»، بينما تغطي طبقة رقيقة من الأتربة أجزاءً من الرسوم الجدارية الملونة، والتي تُظهره وهو يتعبد أمام عدد من المعبودات داخل مقاصير، كما تصوره مع زوجته أمام مائدة للقرابين.

نقوش جنائزية على حائط المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

من جانبه، ثمّن وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، جهود البعثات الأثرية العاملة في مصر، مؤكداً في البيان أنها «تسهم في الكشف عن مزيد من أسرار الحضارة المصرية القديمة، بما يعزز من مكانة مصر كوجهة عالمية».

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن المقبرة المكتشفة تقع إلى الشرق من المقبرة الطيبية رقم (45) حيث ينفذ الفريق مشروعاً بحثياً وميدانياً منذ عام 2018، بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار، بهدف تنفيذ برامج للحفاظ الوقائي وإدارة المخاطر بالمنطقة، إلى جانب إعداد أول دراسة أثرية متكاملة لها، ولفت إلى أنه من الأسلوب الفني لنقوش المقبرة فمن المرجح أنها تعود لعصر الرعامسة.

مؤكداً أن فريق العمل سيواصل أعمال الدراسة والتوثيق داخل المقبرة، بهدف تحديد هوية الأشخاص الذين دُفنوا بها وإعادة بناء سيرهم الشخصية، إلى جانب دراسة المقبرة في سياقها التاريخي والأثري، بما يسهم في تقديم فهم أعمق للعلاقة بين مقابر المنطقة والبيئة المحيطة بها، وإلقاء الضوء على التطور التاريخي والثقافي لمنطقة الشيخ عبد القرنة السفلى.

وأكدت الدكتورة كارينا فان دن هوفن، رئيسة البعثة من جامعة لايدن، أن البعثة ستبدأ خلال المواسم المقبلة تنفيذ أعمال التدعيم الإنشائي والصيانة والترميم للزخارف الملونة بالمقبرة، معربة عن تطلعها إلى مواصلة أعمالها بالموقع وتحقيق المزيد من الاكتشافات الأثرية خلال المواسم المقبلة.

لوحات تصور مشاهد تقديم القرابين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ويرى عالم المصريات، الدكتور حسين عبد البصير، هذا الكشف «يمثل إضافة مهمة إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية في البر الغربي بالأقصر، الذي لا يزال يثبت أنه من أغنى المواقع الأثرية في العالم»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «العثور على مقبرة تضم مشاهد جنائزية يرجح أنها من عصر الرعامسة يمنح الباحثين فرصة جديدة لدراسة الفن والعقيدة الجنائزية والحياة اليومية في الدولة الحديثة».

وتكمن أهمية مثل هذه المقابر، بحسب عبد البصير، في أن «مناظرها ليست مجرد زخارف، بل هي وثائق تاريخية تسجل أسماء أصحاب المقابر ووظائفهم، وتصور الطقوس الجنائزية والمعتقدات الدينية، وتكشف كثيراً من التفاصيل المتعلقة بالمجتمع المصري القديم».

وفي النهاية، يؤكد هذا الاكتشاف أن البر الغربي في الأقصر لا يزال يخفي الكثير من أسراره، وأن العمل الأثري المنهجي يواصل إثراء فهمنا لحضارة مصر القديمة وإبراز مكانتها العالمية.

وتضم الأقصر العديد من الآثار المصرية الشهيرة من بينها معابد الأقصر والكرنك وحتشبسوت ووادي الملوك وجبانة طيبة، وتعمل بالأقصر في مواسم مختلفة، العديد من البعثات الأثرية المصرية والأجنبية والمشتركة وفق بروتوكولات تعاون علمي وبحثي بين مصر وجامعات ومؤسسات علمية متخصصة في علم الآثار.

وترى المتخصصة في في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، أن هذا الكشف الأثري وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، هذا الكشف الأثري «إضافة علمية مهمة إلى سجل مقابر الأفراد في جبانة طيبة»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «قيمته لا تكمن في العثور على مقبرة جديدة فحسب، وإنما فيما تحمله من شواهد قادرة على إعادة قراءة جانب من المجتمع الطيبي خلال عصر الرعامسة»، وأوضحت أن «المقابر الخاصة كانت بمثابة سجل بصري يجمع بين العقيدة، والوظيفة، والمكانة الاجتماعية، وهو ما يجعل كل عنصر معماري أو نقش أو منظر جداري مصدراً تاريخياً قائماً بذاته».

وتكتسب المقبرة أهمية خاصة؛ لأن أسلوبها المعماري ينسجم مع تقاليد مقابر النخبة في الدولة الحديثة، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى، «بينما تعكس مناظرها الجنائزية استمرار المفاهيم الدينية المرتبطة بالبعث والخلود، حيث لم تكن مشاهد التعبد والقرابين مجرد زخارف فنية، بل كانت تؤدي وظيفة عقائدية تضمن لصاحب المقبرة استمرار الحياة في العالم الآخر، وفق التصور المصري القديم».


مصر لإعادة إنشاء مقابر تراثية بشواهدها القديمة

إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)
إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)
TT

مصر لإعادة إنشاء مقابر تراثية بشواهدها القديمة

إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)
إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)

بدأت مصر إنشاء مقابر تراثية بشواهدها الأصلية وطرزها المعمارية المميزة، تعويضاً عما تمت إزالته ضمن خطط توسعة المحاور المرورية في مناطق الإمام الشافعي والسيدة عائشة والسيدة نفيسة، وكانت تضم رفات شخصيات ورموز مهمة في تاريخ مصر. ومن بين هذه المقابر مدافن محمد فاضل باشا الدرملي، والسردار راتب باشا، والأمير يوسف كمال. ورآها الباحث في الشؤون التاريخية إبراهيم طايع خطوة مهمة ومُقدَّرة، تُعيد الأمور، بصورة من الصور، إلى نصابها.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن المدافن الجديدة التي بُنيت في منطقة الإباجية حافظت على الطراز المعماري نفسه الذي كانت عليه المدافن الأصلية من حيث البناء، والأجمل من ذلك حرص القائمين على إنشائها على الحفاظ على الشواهد والتراكيب الأصلية والنصوص التأسيسية، باستثناء باب مدفن السردار راتب الذي لم يعد موجوداً، وكان يضم كثيراً من النقوش والتركيبات والمشغولات النحاسية ذات القيمة الفنية الكبيرة. وأشار إلى أن هذا المدفن هو الوحيد الذي قارب على اكتمال إنشائه، أما مدافن الدرملي والأمير يوسف كمال فما زالت تحت الإنشاء.

مدفن الدرملي تحت الإنشاء (الباحث إبراهيم طايع)

وقال الباحث التاريخي، صاحب الكتابات المتخصصة عن القرافات التاريخية، إن التركيبات أُعيد تجميعها بطريقة جيدة تليق بقيمتها التاريخية والأثرية في مدفن راتب باشا. وأضاف أن بناء المدافن الجديدة بجوار مدفن عميد الأدب العربي طه حسين بمنطقة الإباجية، الذي لم تطله معاول الهدم، يجعل من المنطقة مركزاً لإعادة بناء باقي المدافن التي تم هدمها، بالقدر نفسه من الاهتمام والتقدير الذي جرى في حالتي الدرملي وراتب باشا، اللذين كانا موجودين من قبل في شارع عين الحياة بمنطقة الإمام الشافعي، أما الأمير يوسف كمال فكان مدفنه بالقرب من شارع الطحاوية.

وكان محمد راتب باشا القائد العام للجيش المصري في عهد الخديو إسماعيل، وقاد الحملة العسكرية المصرية في حرب الحبشة عام 1875، كما تولّى رئاسة مجلس شورى النواب (البرلمان المصري) لفترتين. أما الأمير يوسف كمال فكان واحداً من أهم رواد الثقافة والفنون في مصر، وقد أسس مدرسة الفنون الجميلة (كلية الفنون الجميلة حالياً) عام 1908، وأسهم كذلك في تأسيس «جمعية محبي الفنون الجميلة». وكان محمد فاضل الدرملي (المتوفى عام 1870) من كبار رجال الدولة، إذ تولّى منصب مفتش عام الصعيد وحاكم (مأمور) قنا لمدة تصل إلى 20 عاماً، ونُسب إليه الإشراف على بناء وتطوير عدد من الموانئ البحرية، وتدشين المنشآت الحيوية في صعيد مصر وساحل الجيزة. وكانت مقبرته ذات طراز معماري مميز وقيمة تاريخية في منطقة الإمام الشافعي (قرافة القاهرة).

مدفن السردار راتب باشا بعد الانتهاء من بنائه (الباحث إبراهيم طايع)

ولم يتوقف دور الحكومة المصرية عند هذا الحد، بل قامت ببناء مقابر أخرى أُعيد إنشاؤها، وفق ما قاله طايع، في متحف الخالدين، وتضم عدداً قليلاً من مقابر رموز وشخصيات مصرية، أمثال أمير الشعراء أحمد شوقي. وهناك مدافن بُنيت خلف قبة الإمام الشافعي للإمام ورش، أحد أعلام القرّاء السبعة، وصاحب الرواية الشهيرة «ورش عن نافع» المنتشرة في دول المغرب العربي وشمال أفريقيا. والأمر نفسه حدث مع الإمام وكيع، أحد كبار المحدّثين وشيوخ الإمام الشافعي؛ حيث أُنشئت المقبرتان بقبتين حديثتين تختلفان، وفق طايع، عن قبتيهما الأصليتين.