ليلة استثنائية مع ألحان محمد عبد الوهاب على المسرح في لندن

مسرح «رويال دروري لين» يستضيف حفلاً لأغاني موسيقار الأجيال نوفمبر القادم

من حفل برلين (يوتيوب)
من حفل برلين (يوتيوب)
TT

ليلة استثنائية مع ألحان محمد عبد الوهاب على المسرح في لندن

من حفل برلين (يوتيوب)
من حفل برلين (يوتيوب)

تحل ألحان وأغاني الموسيقار المصري الراحل محمد عبد الوهاب على خشبة أحد أشهر مسارح العاصمة البريطانية لندن في 23 من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) القادم عبر حفل موسيقيّ لليلة واحدة يحتفل بموسيقار الأجيال، ويقدم ألحانه لجمهور من محبي الغناء العربي في ليلة لندنية استثنائية. حفل «محمد عبد الوهاب... والد الموسيقى العربية الحديثة» تقيمه أسرة الفنان الراحل بالتعاون مع المنتجة السعودية منى خاشقجي المهتمة بإعادة إحياء التراث الفني العربي، وسبق أن أنتجت مسرحية غنائية عن أم كلثوم عُرضت في عدد من دول العالم. ستغرد السوبرانو المصرية فاطمة سعيد في الحفل بأعذب ألحان عبد الوهاب على موسيقى أوركسترا مستمدة من الفرقة الفلهارمونية الإنجليزية وأوركسترا لندن العربية بقيادة المايسترو نادر عباسي.

المايسترو نادر عباسي والسوبرانو فاطمة سعيد والمنتجة المشاركة منى خاشقجي

يتحدث عمر خليل، حفيد الموسيقار الراحل، مع «الشرق الأوسط» حول جده وموسيقاه، وعن الحفل، ويتطرق إلى مسلسل تلفزيوني تعمل أسرة محمد عبد الوهاب على إنتاجه عن حياة موسيقار الأجيال.

محمد عبد الوهاب (العائلة)

جمهور الحفل

عبر مشوار فني امتد لأكثر من 80 عاماً جدَّد محمد عبد الوهاب الموسيقى الشرقية، وعُرف عنه الذكاء في معرفة جمهوره، وفي تطوير أسلوبه الموسيقي وتأثره بالموسيقى الغربية الكلاسيكية على وجه التحديد، وامتد تأثيره عبر الأجيال المختلفة، بسبب قدرته على التطور والذكاء في مخاطبة الجمهور.

السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن هو عن الجمهور الذي يهدف إليه منظِّمو الحفل؛ لمحمد عبد الوهاب شريحة واسعة من الجمهور من أصول عربية، وحتى بعض المستمعين الغربيين المطّلعين على الموسيقى الشرقية، ولكن يبقى التحدي أمام منظِّمي الحفل أن يحددوا الجمهور الذي يتوجهون إليه، وماذا سيختارون من أرشيف هائل من الأغاني والقطع الموسيقية التي تركها الراحل.

يحدد عمر خليل الهدف بسرعة: «الفئة الأساسية تضم الشباب ممن يعرف عن عبد الوهاب عبر الأهل، ولكنّ هناك أيضاً جمهوراً غربياً قد يعرف محمد عبد الوهاب، فالراحل استخدم إيقاعات وآلات غربية، وهو ما قد يجعله معروفاً لدى فئات مختلفة من الجمهور».

عبد الوهاب والموسيقى الغربية

يرى خليل أن للموسيقى الكلاسيكية تأثيراً في موسيقى جده قد يكون بدأ منذ سفره إلى أوروبا مع أمير الشعراء أحمد شوقي في عشرينات القرن الماضي حيث تفتحت ذائقته للموسيقى الكلاسيكية الغربية: «كان من أحلامه أن يقدم موسيقاه بأسلوب كلاسيكي، ولهذا قلنا: لماذا لا نأخذ هذه الخطوة، ونقدم أعماله بطريقة سيمفونية كلاسيكية؟»، وبالفعل قدمت العائلة أكثر من حفل لأعمال الجد المبدع في القاهرة والرياض وبرلين، وكان التوزيع الكلاسيكي حاضراً في بعض المقطوعات، ولكن الجديد في حفل لندن -حسبما يذكر محدثنا- هو أن الحفل كله سيقدَّم على أساس كلاسيكي سيمفوني.

محمد عبد الوهاب في أثناء تصوير أغنية «عاشق الروح»... (خاص)

قدم الموسيقار المصري عمر خيرت بعض ألحان محمد عبد الوهاب بتوزيع أوركسترالي في ألبوم «وهابيّات» فما الجديد الذي ينتظره الجمهور هنا؟ يقول خليل إن ما سيقدمه الحفل سيكون مختلفاً؛ «عمر خيرت قدم ألبومه في الثمانينات، وكان متميزاً بأسلوبه الخاص في التلحين، ولكن ما سنقدمه سيكون مختلفاً». ويلفت إلى أن العائلة قدمت أكثر من حفل لأغاني محمد عبد الوهاب؛ منها حفل أُقيم في برلين بأداء السوبرانو فاطمة سعيد، و«قدمنا أيضاً حفلات في السعودية، وفي مصر مع المايسترو نادر عباسي».

أسأله عن ردود فعل الجمهور في الحفلات السابقة، ويقول إنها كانت إيجابية: «رد الفعل كان دائماً من الناس التي تعرفه أو لا تعرفه سواء في السعودية أو في مصر أو في برلين مع جمهور غربي، كان هناك ترحيب كبير جداً لأن موسيقاه قريبة للجمهور، أرى أن محمد عبد الوهاب قرَّب الموسيقى الغربية للعرب، وهذا الاستقبال هو ما دفعنا لإقامة حفل كامل بالصيغة الكلاسيكية».

المايسترو نادر عباسي (إنستغرام)

كيف اُخْتِيرت الأغنيات التي يقدمها الحفل؟ يقول إن الأمر يختلف حسب المكان الذي ستقدَّم فيه؛ «بلا شك يختلف الاختيار من مكان لمكان، وحسب نوع الحفل الذي نقدمه، فعلى سبيل المثال الحفل الذي قُدِّم ضمن موسم الرياض كانت موسيقاه مزيجاً (هايبرد) بين توزيعات موسيقية كلاسيكية سيمفونية، لكنَّ المغنِّين كانون مطربين شرقيين، نحن هنا نقدم لجمهور يريد سماع أغاني عبد الوهاب بالطريقة التي يعرفها، هو جمهور يريد أن يغني معها، وأن يندمج مع العرض بطريقة مختلفة. في برلين كانت معنا السوبرانو فاطمة سعيد التي أدت ثلاث أغنيات منها «لأ مش أنا اللي أبكي» المعتمدة على إيقاع لاتيني، وقارنها البعض في وقتها بأغنية «غرباء في الليل» لفرنك سيناترا مع أنها صدرت عام 1959، فيما صدرت أغنية سيناترا في عام 1966».

الأغنيتان، حسب عمر خليل، «تلائمان الذائقة الغربية؛ (لأ مش أنا اللي أبكي) كانت لها نواحٍ غربية نستطيع تقديمها لجمهور ألماني وجمهور إنجليزي، والأغنية الأخرى هي (كان أجمل يوم)، وهي معتمدة على تراث فلكلوري إيطالي، وتعد قريبة وسهلة لجمهور لا يعرف عبد الوهاب وموسيقاه».

الحفيد والجد

مع أن خليل لم يدرك جده الموسيقار الكبير في سنوات عطائه؛ إذ وُلد في 1986 قبل أربعة أعوام من وفاة الموسيقار الكبير، وما بقي في ذاكرة الطفل هي صور من الجد وكبير العائلة: «في العموم ذكرياتي عنه عائلية بحتة»، لكنه اكتشف موسيقى جده بعد ذلك: «تجربتي مع موسيقاه جاءت لاحقاً، وأيضاً من ناحية مختلفة؛ فوالدي، وهو زوج ابنته، (حبَّبني) في عبد الوهاب، أعتقد أنني أحببته كمعجب أكثر من كونه جدي، طبعاً عندما وقعت في غرام موسيقاه كنت مدركاً جداً أنه جدي وأني فخور بكوني حفيده، وبدأت أفهم حجم المسؤولية الملقاة على أكتافنا كعائلته من أجل المحافظة وإحياء تراثه الموسيقي».

لا يرى الحفيد صعوبة في جذب الشباب إلى موسيقى جده؛ «المهم جداً هنا ألا نكون عنيدين وأن نقدم لكل جمهور المحتوى الذي يمكن أن يتقبله من دون بذل مجهود، وأعتقد أن هذا ما تميز به محمد عبد الوهاب؛ فقد كان (أستاذاً) في التعامل مع الجمهور، ولهذا أُطلق عليه لقب (موسيقار الأجيال)».

تدرك العائلة أن هذا هو الطريق الذي سيوصلهم إلى جميع الأجيال: «أنا مدرك أنني عندما أقدم لشخص في العشرينات قطعة من الموسيقى الكلاسيكية العربية التي أُعيدت صياغتها بأسلوب كلاسيكي غربي، قد لا يتفاعل معها، بل ممكن أن يشعر بأنها موسيقى لها علاقة بأجيال أكبر منه، لذلك أنا عندما أخاطب الشباب لا بد أن أقدم لهم الموسيقى بشكل يستطيعون فهمه من دون أن يؤثر ذلك على الأصل، والطريقة هي أن نقدم لهم أغاني عبد الوهاب عبر فنانين محبوبين يمكنهم تقديم صياغة أو ترجمة معاصرة تصل إليهم، عبر أساليب موسيقية وإيقاعات محببة إليهم».

السوبرانو فاطمة سعيد تؤدي لعبد الوهاب في حفل برلين (يوتيوب)

مسلسل درامي

ليست الحفلات الموسيقية فقط هي ما يشغل أسرة موسيقار الأجيال، بل يتردد أن هناك جهوداً قائمة لإنتاج مسلسل درامي عن حياته بالتعاون مع المنتجة السعودية منى خاشقجي والمنتج المصري محمد حفظي، ويؤكد عمر خليل هذا: «فعلاً نعمل منذ سنوات على الموضوع، ونتحدث عن الإنتاج حالياً».

بالنسبة إلى المسلسلات التي تتخذ من أشهر الفنانين موضوعاً هناك نماذج كثيرة لم تنجح، فهل يمثّل هذا الأمر قلقاً لعمر خليل والعائلة؟ يجيب: «طبعاً أيّ مشروع ندخله لإحياء تراث عبد الوهاب مسؤولية كبيرة جداً، لكن لا ينبغي أن نترك للقلق دوراً في وقف مثل هذه المشروعات، لأن شخصية مثل محمد عبد الوهاب تعد أسطورة، يجب أن يكون هناك عمل درامي يتناول حياته ومشواره، قد نقلق أن أغلبية المشاريع المشابهة لم تلقَ النجاح المنشود، وقد يكون ذلك لأسباب متعددة، مثل أنها لم تقدَّم بشكل يتقبله الجمهور، لكن من المهم بالنسبة إلينا أن نتعلم من أخطاء الغير».


مقالات ذات صلة

بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب

يوميات الشرق الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)

بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب

كل الإشارات تدل على عودة قريبة للفنانة العالمية سيلين ديون بعد ابتعاد طويل بسبب إصابتها بـ«متلازمة الشخص المتيبس». ويبدو أن باريس ستستضيف العودة الغنائية.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الفنان الراحل عبد الحليم حافظ (صفحة منزل عبد الحليم حافظ على «فيسبوك»)

ورقة بخط يد «العندليب» تكشف كواليس جديدة من فترة مرضه

كشفت أسرة الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، الملقب بـ«العندليب»، عن «ورقة بخط يده» لأول مرة، بالتزامن مع قرب ذكرى رحيله الـ49، التي توافق 30 مارس.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق أعضاء فريق «BTS» يجتمعون من جديد والانطلاقة حفلٌ ضخم في سيول (رويترز)

انتهت الخدمة العسكرية... عودة مدويَّة لـ«BTS» مع حفل ضخم وألبوم جديد

الفريق الكوريّ الجنوبي يضيء ليل سيول في حفلٍ حضره الآلاف وشاهده الملايين على «نتفليكس»، احتفاءً بعودة «BTS» بعد 4 أعوام من الغياب بداعي الخدمة العسكرية.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق شيرين عبد الوهاب وابنتها في إعلان شركة الاتصالات (يوتيوب)

ظهور شيرين المفاجئ يبدد شائعات تدهور صحتها

لفت الظهور «السوشيالي» المفاجئ للفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب رفقة ابنتها «هنا»، عبر فيديو بأول أيام عيد الفطر الأنظار أخيراً.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)

«فرقة رضا» تسدل الستار على احتفالات ليالي رمضان بمصر

بعروضها الشهيرة مثل «الأقصر بلدنا» و«الحجالة» و«الكرنبة» و«النوبة» ورقصة التنورة، اختتمت فرقة رضا للفنون الشعبية ليالي «هل هلالك».

محمد الكفراوي (القاهرة )

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر، التي شُخِّصت بمرض «ألزهايمر» عام 2011، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لما يقرب من 4 عقود على خشبة المسرح في «جزر فارو».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن والدته كانت خلال تلك السنوات واحدة من أبرز الوجوه المسرحية في بلدها، وكانت تقدم عروضاً مسرحية بشكل مستمر، إذ اعتادت المشاركة في 4 أو 5 مسرحيات شهرياً، وكانت حياتها كلها مرتبطة بالمسرح والأداء.

وأوضح أن بداية المرض شكّلت صدمة للعائلة؛ خصوصاً بعدما بدأت والدته تفقد قدرتها على تذكر النصوص والتعليمات المسرحية، وهو ما أجبرها على التوقف عن العمل الذي أحبته طوال حياتها، مشيراً إلى أن شغفها بالمسرح لم يتراجع مع مرور الوقت، بل على العكس من ذلك، ازداد حنينها إلى الوقوف مجدداً على خشبة المسرح كلما تدهورت ذاكرتها.

وأكد أن هذه الرغبة دفعت العائلة إلى التفكير في إيجاد طريقة تعيدها إلى المسرح، حتى لو بشكل مختلف عن المعتاد، لتبدأ فكرة الفيلم عندما جلس مع والده لمناقشة إمكانية تصميم عرض مسرحي خاص يتناسب مع ظروفها الصحية، بحيث يمنحها مساحة للوجود على المسرح دون الحاجة إلى حفظ النصوص أو الالتزام بتفاصيل الإخراج التقليدية.

عرض الفيلم للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان «كوبنهاغن» (الشركة المنتجة)

وأشار بوي دام إلى أنهما قررا في النهاية تنفيذ هذا المشروع عندما أدركا أن الوقت يمر سريعاً، وأن حالتها الصحية قد تتدهور أكثر، فاختارا المُضي قدماً في التجربة، لافتاً إلى أنه قرر تقديم فيلم وثائقي، لشعوره بأن التجربة تحمل أبعاداً إنسانية واجتماعية مهمة تستحق التوثيق.

وأضاف أن الفيلم بالنسبة له لم يكن فقط عن والدته أو عن مرض «ألزهايمر»، بل عن الطريقة التي يمكن أن يتعامل بها المجتمع مع الأشخاص الذين يفقدون بعض قدراتهم الإدراكية، وكيف يمكن إيجاد مساحة لهم داخل المجتمع بدلاً من عزلهم.

وأوضح أن المسرح في الفيلم يتحول إلى رمز للمجتمع نفسه، إذ إن منح شخص يعاني فقدان الذاكرة مكاناً على خشبة المسرح يُشبه منح مساحة مماثلة له داخل المجتمع، فوالدته كانت طوال حياتها مدافعة عن الأقليات والفئات المهمشة، ولذلك شعر بأن هذا المشروع يُمثل استمراراً لرسالتها الإنسانية، حتى في الوقت الذي فقدت فيه القدرة على التعبير بالكلمات.

وأشار المخرج إلى أن تصوير فيلم عن والدته في هذه المرحلة الحساسة من حياتها لم يكن أمراً سهلاً على الصعيد العاطفي، لكنه بالنسبة لعائلته يُعد امتداداً طبيعياً لأسلوب حياتهم الفني؛ فوالداه ممثلان ومخرجان، وقد نشأ في بيئة اعتادت تحويل التجارب الإنسانية الخاصة إلى مادة فنية تُقدَّم على المسرح، سواء أكانت مؤلمة أم سعيدة.

ويروي الفيلم الوثائقي «بيريتا» الذي عرض ضمن النسخة الحالية من مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» قصة عائلة من صناع المسرح في «جزر فارو» الدنماركية، تُحاول تنفيذ تجربة فنية غير تقليدية تتمثل في تقديم مسرحية «الملك لير» مع إسناد الدور الرئيسي إلى الممثلة المخضرمة بيريتا موهر رغم إصابتها بمرض «ألزهايمر».

وثق المخرج جانباً من دعم والده لوالدته خلال مرضها (الشركة المنتجة)

ويقود المشروع ابنها المخرج بوي دام، الذي يؤمن بأن شغف والدته بالمسرح لا يزال حياً رغم فقدانها القدرة على الكلام، في حين يحاول والدهما الموازنة بين رعاية زوجته ودعم هذا المشروع الفني، وخلال التحضيرات للعرض تُثير التجربة أسئلة أخلاقية حول حدود المشاركة الفنية للأشخاص الذين يعانون فقدان الذاكرة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن قوة حضور بيريتا الإنساني والفني، وتأثيرها العميق في كل من يشارك في هذه الرحلة.

وأوضح أن اختيار مسرحية «الملك لير» لويليام شكسبير لم يكن اختياراً عشوائياً، بل جاء لعدة أسباب، منها أنه يعدّها واحدة من أعظم المسرحيات التي كُتبت في تاريخ المسرح، وكان حلماً قديماً بالنسبة له أن يقدمها على المسرح، بالإضافة إلى موضوعها الذي يرتبط بشكل عميق بما عاشته عائلته.

وأضاف أن هذا التشابه بين موضوع المسرحية وتجربة عائلته جعل العمل يبدو كأنه مرآة لما كانوا يعيشونه في الواقع، خصوصاً أن والدته كانت قبل المرض شخصية قيادية داخل العائلة وفي الوسط المسرحي، وكانت بالنسبة لهم أشبه بملكة تقود الجميع، مشيراً إلى أن فقدان هذا الدور القيادي بسبب المرض أحدث تغيراً كبيراً في توازن العائلة، وهو ما يُشبه إلى حد كبير ما يحدث في مسرحية «الملك لير».

وأكد المخرج الدنماركي رغبته في تقديم عمل درامي قوي ومليء بالصراعات لوالدته، بدلاً من تقديم عمل بسيط أو عاطفي، فلم يشأ أن يعاملها بطريقة مفرطة في الحماية، بل أراد أن يمنحها فرصة للوجود داخل عالم مسرحي غني بالتوتر والدراما كما اعتادت طوال حياتها.

المخرج الدنماركي بوي دام (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن الفيلم يسعى إلى تقديم صورة متوازنة للحياة مع المرض تجمع بين الحزن والفرح، وبين فقدان الذاكرة والقدرة على الاستمتاع بالحياة، لقناعته بأن كثيراً من الأفلام التي تتناول مرض «ألزهايمر» تميل إلى التركيز على الجانب المأساوي فقط، في حين أراد هو أن يظهر أيضاً الجانب الإنساني المليء بالحب والضحك واللحظات الجميلة.

ولفت دام إلى أن أكثر ما فاجأه خلال البروفات المسرحية هو التأثير القوي الذي تركه حضور والدته على الممثلين الآخرين، مؤكداً أن وجودها في غرفة البروفات جعل أداء الممثلين أكثر صدقاً وبساطة، لأنهم كانوا يشعرون بصدق اللحظة الإنسانية التي يعيشونها معها، فالممثلون كانوا يؤدون النصوص بطريقة أكثر طبيعية عندما تكون حاضرة، في حين يعودون إلى أسلوبهم المسرحي التقليدي عندما تغادر.

في الختام، أشار المخرج إلى أن هذه اللحظات كانت من الأكثر تأثيراً بالنسبة له؛ إذ أظهرت أن الفن يمكن أن يظل حاضراً حتى مع بدء تلاشي الذاكرة. وأكد أن الفن يعتمد بدرجة كبيرة على العاطفة والإحساس، لا على الذاكرة أو القدرات العقلية وحدها.


عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)

كشفت خريطة حديثة لقارة الأرض الواقعة في أقصى الجنوب عن تفاصيل غير مسبوقة للعالم الكامن تحت الجليد في القارة القطبية الجنوبية، مقدّمةً بيانات جديدة قد تساعد العلماء على فهم التغير المناخي بشكل أعمق والتعامل معه بفاعلية أكبر.

وعلى الرغم من أن مساحة القارة تعادل ضعف مساحة أستراليا، فإن ما يوجد تحت الطبقة الجليدية السميكة التي تغطيها لا يزال مجهولاً إلى حد كبير. بل إن العلماء يعرفون عن سطح كوكب المريخ الذي يبعد نحو 140 مليون ميل أكثر مما يعرفونه عن تضاريس القارة القطبية الجنوبية. وفقاً لمجلة «نيوزويك».

وتحتوي الصفيحة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية على نحو 70 في المائة من المياه العذبة على كوكب الأرض، ما يجعلها أكبر كتلة جليدية في العالم. ويختلف سُمك هذه الطبقة الجليدية، إذ يبلغ متوسطه نحو كيلومترين، وقد يتجاوز خمسة كيلومترات في أعمق مناطقها.

الموقع «ليتل دوم سي» في القارة القطبية الجنوبية (أ.ب)

لكن ماذا يكمن تحت هذا الغطاء الجليدي الهائل؟

نظراً لصعوبة الرصد بسبب الامتداد الواسع للجليد، تمكن فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة إدنبرة من إعداد أدق خريطة حتى الآن للمناظر الطبيعية المخفية تحت الجليد في القارة.

واعتمد الفريق على تقنية تُعرف باسم «تحليل اضطراب تدفق الجليد» (IFPA)، التي تستخدم فيزياء حركة الجليد لاستنتاج شكل التضاريس أسفله، من خلال تتبّع الأنماط السطحية التي تتكوّن عندما يتحرك الجليد فوق التلال والوديان. ثم دمجوا هذه البيانات مع أحدث صور الأقمار الاصطناعية للكشف عن ملامح القارة بأكملها.

وقال أستاذ علوم الأرض وأحد مؤلفي الدراسة، البروفسور أندرو كيرتس: «تتيح هذه الطريقة، التي تسقط معلومات سطح الجليد الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية إلى قاعدته، أسلوباً جديداً تماماً لرؤية ما تحت الصفائح الجليدية. وعلى مدار عدة سنوات أثبتنا فاعليتها من خلال اختبارات دقيقة، ويؤكد تطبيقها على مستوى القارة بأكملها قوتها الكبيرة».

وكشفت الدراسة عن تفاصيل جغرافية في مناطق لم تُستكشف سابقاً، بما في ذلك سلاسل جبلية ضخمة، وأودية عميقة، وسهول واسعة، إضافة إلى عشرات الآلاف من التلال والوديان التي لم تكن معروفة من قبل.

وقالت الباحثة هيلين أوكيندن، المشاركة في إعداد الدراسة: «بسبب صعوبة إجراء القياسات العلمية عبر الجليد، فإن معرفتنا بالمناظر الطبيعية المخفية تحت القارة القطبية الجنوبية أقل من معرفتنا بأسطح كوكبي المريخ أو الزهرة. لذلك، من المثير للغاية أن تتيح لنا هذه الطريقة الجديدة استخدام قياسات الأقمار الاصطناعية لسطح الجليد لسد الفجوات في خرائطنا، والكشف عن تفاصيل جديدة للسلاسل الجبلية والأودية والحدود الجيولوجية».

وقد أظهرت دراسات سابقة أن المناطق الوعرة تحت الجليد مثل المنحدرات الصخرية الحادة وسلاسل الجبال يمكن أن تُبطئ تراجع الصفائح الجليدية في القارة، إذ توفّر مقاومة احتكاكية تحدّ من اندفاع الجليد نحو البحر.

وتُعد هذه الخريطة الجديدة دليلاً مهماً للعلماء، إذ تساعد في تحديد المناطق التي ينبغي التركيز عليها في الدراسات المستقبلية، كما تدعم تطوير توقعات أكثر دقة بشأن ارتفاع مستويات سطح البحر ومقدار هذا الارتفاع في المستقبل.


دراسة تكشف: الحديث عن السياسة في العمل قد يعزز رفاهيتك النفسية

النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
TT

دراسة تكشف: الحديث عن السياسة في العمل قد يعزز رفاهيتك النفسية

النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)

في وقتٍ تزداد فيه التحذيرات من تجنّب النقاشات السياسية في بيئة العمل، خشية إثارة الخلافات أو التوتر، تكشف دراسة جديدة عن جانب غير متوقَّع لهذا النوع من الأحاديث. فبدلاً من أن تكون مصدراً للانقسام فقط، قد تسهم المناقشات السياسية - في ظروف معينة - في تحسين الحالة النفسية للموظفين، وتعزيز شعورهم بالارتياح.

ووفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت»، يشير هذا البحث إلى نتائج لافتة، رغم أن كثيراً من الأميركيين يرون أن بلادهم تعيش حالة انقسام غير مسبوقة منذ الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1861 و1865، وذلك حسب بيانات مركز «بيو» للأبحاث (Pew Research Center).

ولا تخلو النقاشات السياسية من آثار سلبية محتملة؛ إذ قد تثير مشاعر غير مريحة. وتشير جامعة ميشيغان إلى أن هذه النقاشات قد تؤدي أحياناً إلى ارتفاع ضغط الدم، وتقلبات في الوزن، والشعور بالقلق وتذبذب المزاج، فضلاً عن اضطرابات النوم وحتى إساءة استخدام المواد المخدرة.

غير أن تحليلاً جديداً لاستطلاعات رأي واستبانات سابقة أجرته جامعة ولاية واشنطن، يقدّم صورة أكثر توازناً؛ إذ يشير إلى أن الحديث عن السياسة في مكان العمل قد يساعد الموظفين فعلياً على إدارة ضغوطهم النفسية بشكل أفضل، شريطة أن يتم في بيئة يشعر فيها الأفراد بالدعم والتفهّم.

وفي هذا السياق، أوضحت كريستين كوهن، أستاذة الإدارة في كلية كارسون للأعمال التابعة للجامعة، في بيان لها: «تشير نتائجنا إلى أن غالبية الموظفين لا يسعون إلى افتعال الخلافات في مكان العمل. ففي العينات التي شملتها دراستنا، كان الأفراد يتسمون بالانتقائية؛ إذ يميلون إلى مناقشة الأخبار السياسية ذات الطابع العاطفي مع زملاء يتوقعون منهم التعاطف، أو يشاركونهم وجهات نظر متقاربة».

وقد شمل التقييم إجابات استطلاعات ورسائل أدلى بها نحو 500 موظف، شاركوا في ثلاث دراسات منفصلة.

وتضمنت هذه الردود معلومات حول الأوقات التي ناقش فيها الموظفون الأخبار السياسية داخل مكان العمل، وكيف ارتبطت تلك المحادثات بمستوى رفاههم الوظيفي، ودرجة الإرهاق لديهم، وطبيعة تفاعلاتهم مع زملائهم.

كما أخذ الباحثون في الحسبان الهوية السياسية للمشاركين، ومدى توافقها مع هويات زملائهم في بيئة العمل، مع الإشارة إلى أن الدراسة لم تكشف عن التوجهات السياسية التفصيلية للأفراد.

وقد أتاحت هذه المعطيات فهماً أعمق للكيفية التي تؤثر بها هذه الديناميكيات في طبيعة هذه النقاشات واحتمالات حدوثها.

وأظهرت النتائج أن النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متوافقين ومتعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم - مثل الإحباط - وتمنحهم إحساساً بأن مشاعرهم محل تقدير وتفهّم.

وفي هذا الصدد، قالت كوهن: «تُظهر الأبحاث أنه عندما يمر الأشخاص بمشاعر قوية في العمل - كما يحدث بعد التعامل مع عميل صعب - فإنهم غالباً ما يسعون إلى التحدث مع شخص ما حول ذلك».

وأضافت: «ما يختلف هنا هو السياق؛ فالأحداث الإخبارية التي تثير هذه المشاعر تقع خارج نطاق المؤسسة، لكنها تظل تؤثر في كيفية شعور الأفراد وتفاعلهم داخل بيئة العمل».

كما يشير الباحثون إلى أن تحليلهم لاستجابات العاملين يُظهر أن الأحداث الاجتماعية والسياسية قد تسهم في توليد ضغط عاطفي وإرهاق مهني داخل مكان العمل، وهو ما يجعل طريقة التعامل معها عاملاً حاسماً في الحد من آثارها السلبية.