أرام جوغيان في «بنات ومياه وغيوم»... ولادة الألوان في عالم تجريدي

بعد غياب عن ساحة المعارض التشكيلية

الألوان محور لوحات أرام جوغيان في معرضه «بنات ومياه وغيوم» (الشرق الأوسط)
الألوان محور لوحات أرام جوغيان في معرضه «بنات ومياه وغيوم» (الشرق الأوسط)
TT

أرام جوغيان في «بنات ومياه وغيوم»... ولادة الألوان في عالم تجريدي

الألوان محور لوحات أرام جوغيان في معرضه «بنات ومياه وغيوم» (الشرق الأوسط)
الألوان محور لوحات أرام جوغيان في معرضه «بنات ومياه وغيوم» (الشرق الأوسط)

مثل الزئبق، يتنقَّل الرسام اللبناني، الأرمني الأصل، أرام جوغيان في صالة «ريبيرث بيروت» بمنطقة الجميّزة البيروتية. فهو لا يهدأ ويتحرَّك بسرعة بين الباحتين الداخلية والخارجية. معرضه «بنات ومياه وغيوم» موعدٌ انتظره محبّوه بعد غياب. وفي لوحاته نلاحظ محاولة هروب إلى عالم جميل ونقي. أبطالها يُصارعون الأمواج ويُحلّقون بين الغيوم، بينما وجوه بناته توحي بحبّ المواجهة بعيداً عن الخضوع. أما الطبيعة، فتشكِّل المحور الأساسي لأعماله؛ إذ المعروف عن أرام حبّه لها بعيداً عن المدينة وضجيجها.

على عكس الفنانين من زملائه، لم يستقبل زوّاره كما المتوقَّع ليلة الافتتاح. فوقف الجميع ينتظر وصوله، هو المشهور بلقب «الفنان البوهيمي». وعند وصوله إلى مركز «ريبيرث بيروت»، علا التصفيق ترحيباً به، فحتى اللحظة الأخيرة بقي حضوره مجرّد فكرة يمكن أن تتحقّق أو لا. لكنه في النهاية رضخ لمشيئة زوّاره، ودخل عليهم يربط شعره الأبيض، مرتدياً قميصاً أحمر يُلائم بوهيميته.

يؤكّد جوغيان أنّ لوحاته تولد لحظة إمساكه بالريشة (الشرق الأوسط)

في لوحاته الموزَّعة على غرف مركز «ريبيرث بيروت» ريشةٌ حرّة تُحلّق في فضاء الألوان. وتحت عناوين ترتبط مباشراً بالطبيعة، تبدأ رحلتك في المعرض. وثمة لوحات أخرى تبدو مثل شاشات سينما وتلفزيون الواقع، فتستطلع موضوعات تتراوح بين الحبّ من النظرة الأولى، وتحية ملوّنة إلى إسبانيا.

وبنظرة شاملة على أعمال أرام، تدرك أهمية الألوان فيها، وغالبيتها زاهية وفرِحة تزرع الأمل والشعور بالسعادة، فيستمدّ منها ناظرها الطاقة الإيجابية. وكلّما اقتربتَ منها ودقّقتَ في خطوطها، لمستَ انسيابية ريشته في تلوين صفحات بيضاء. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أُخطّط للموضوع الذي سأرسمه، ولا أضع له طريقاً محدّداً أسير عليه. وبمجرّد أن أمسك الريشة تأخذني في الرحلة المشوّقة التي أنتظرها منها».

وماذا عن كمية الألوان التي يصبّها مثل جرعات حياة على أعماله؟ يوضح: «هل تعلمين بأنْ لا لوحة (باليت) ألوان عندي؟ خياراتي تحصل في اللحظة نفسها. أغطُّ فرشاتي بلون واحد وألحقها بثانٍ وثالث ورابع من دون أن أفكّر، فيأخذ كلّ لون طريقه مثل شجرة عملاقة. توليد الألوان نملكه بالوراثة في عائلتنا. أكون بمثابة رجلٍ أعمى وألوانه تشكّل بصيرته، فألتقط موجات اللون وذبذباته بالفطرة. تتراءى اللوحة فجأة في ذهني قبل أن أبدأ بتنفيذها، فأطبّقها ببساطة على القماش».

كما «المغيب»، و«شروق القمر»، و«هواء الربيع»، يحضر شهر الزهور مايو (أيار) في لوحات أرام. تستشفّ منها رائحة باقات الورود العطرة، وسَعة الحقول، ودفء الشمس، وبُعد الأفق، وزرقة البحر بأسلوبه التجريدي الغامض. فالألوان وخطوط فرشاته المجنونة توحي إليك بها من دون أن تراها، إذ إنّ هذا الفنان التشكيلي يرسم ما يشعر به لا ما هو مألوف.

تحية إلى إسبانيا بريشة جوغيان (الشرق الأوسط)

نسأل أرام: ماذا لو لم يستخدم الرسم للتعبير عن أحاسيسه؟ يردّ بسرعة: «لكنتُ مارست أيّ نوعٍ آخر من الفنون. فالرسم بمثابة رقص تعبيري، أو كنتُ مارست هوايتَي السباحة، وصيد السمك. فجميعها أدوات فنّية يمكننا أن نغوص فيها ونخلق منها صوراً».

ويشير إلى أنه يمارس كلّ هذه الفنون الرياضية، ويضيف: «لا أختار التعبير بالرسم دائماً. فرشاتي تسير وفق مزاجي، ولذلك أغيب لمدّة ومن ثَمَّ أعود إلى الساحة التشكيلية».

تولّد أعمال أرام جوغيان عند ناظرها فسحات أملٍ، وتعكس عليه راحةً وطمأنينة مثل مَن يمارس رياضة التأمُّل أو اليوغا. وكلّما دقَّق في تفاصيلها سافر معها إلى عوالم حالمة وسريالية.

الوحدة تُحفّزه على توليد أعماله، فهو بعيداً عن زحمة المدينة يقيم في منزلٍ ريفي صغير حوَّله إلى ورشة عمل. يروي: «يقول لي ابني إني أجمع شخصيات فنانين عدّة، فلديَّ قليل من جنون المُخرج الفرنسي غانسبورغ، وجرعات أخرى من فان غوخ وكوكسكي. فكلّ واحد منهم له ميزته في مجالٍ فنيّ يبدع به».

رأي أرام بالفن ومَعارض الرسم يُشبه شخصيته الحرّة، إذ يقول: «المال لا يعني لي شيئاً. أرسم لأفرح وأعبّر عن شغفٍ يتملكني. لا أحبّ إقامة المعارض بشكلٍ دائم. لا أدري، ربما أفكاري ستجدونها غريبة، ولكن أيّ منتجٍ يخرج من مكان ولادته يصبح بمثابة بضاعة معروضة للبيع. بالنسبة إليّ، الدهان والقماش اللذان أستخدمهما لصناعة اللوحة يبلغان نحو 5 في المائة من سعرها. لا أهتمّ برصيد الربح الذي أحقّقه، ولا أحبّ التفكير بمصير اللوحة التي أرسمها».

ولكن أليست لوحاتكَ عزيزة على قلبك؟ يُجيب: «أبداً، فمن لديه هذا الكمّ من الأبناء لا يستطيع أن يُحدّد طبيعة المودّة».

رحلةٌ حالمة تقوم بها في معرض أرام جوغيان، تُلامس فيها وجوه الفتيات ومياه البحار وغيوم السماء، فتُخبرك قصصاً مُتشابكة تستمتع بفكّ أحجيتها واكتشاف ألغازها. ويستمرّ المعرض في «ريبيرث بيروت» حتى الأسبوع المقبل، وهو من تنسيق الدكتور طوني كرم بالتعاون مع غاليري «ذا غاليرست» لصاحبتها عليا مطر.


مقالات ذات صلة

«العندليب ينتشي: تأملات في عمر الخيام»... قراءات بالريشة والنحت

يوميات الشرق أمام لوحة استوحاها من كتاب «النبي» لجبران خليل جبران (الشرق الأوسط)

«العندليب ينتشي: تأملات في عمر الخيام»... قراءات بالريشة والنحت

تولد أفكار الفنان التشكيلي الفرنسي جيرالد فولتيت عن سابق تصور وتصميم، وتنبع من نصوص أدبية لشعراء وفلاسفة عرب وأجانب.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «المعرض الدوري لآثار دول الخليج العربية» فتح أبوابه في مدينة الرياض (واس)

«آثار الخليج»... معرض متحفي يتتبع مسيرة الإنسان في المنطقة عبر حقب زمنية متعاقبة

‏رحلة أثرية متفردة يقدمها «المعرض الدوري لآثار دول الخليج العربية⁩»، الذي فتح أبوابه بمدينة الرياض، ويتيح استكشاف تطور حياة الإنسان في الخليج العربي عبر العصور.

عمر البدوي (الرياض)
سياح بـ«اللوفر» يلتقطون صوراً أمام المتحف في باريس (رويترز)

تسرب الماء بمتحف «اللوفر» يتسبب في تلف مئات الكتب

أدى تسرب للماء في متحف «اللوفر» إلى تلف مئات الكتب بعد بضعة أسابيع من سرقة جواهر قيمتها 76 مليون جنيه إسترليني من المتحف الشهير في باريس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أجساد مُعلّقة بين شهيق الماضي وصخب الشارع (الشرق الأوسط)

«الحرّية المُستذكرة»: معرض يفتح جروح بيروت المُغلَقة على أسئلة العدالة

المعرض قائم على هندسة فكرية وبصرية دقيقة نقلت «بيت بيروت» من كونه مبنى شاهداً إلى مساحة تُعاد فيها صياغة الأسئلة الوطنية الكبرى.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صورة تبرز حرص الأسرة المصرية قديماً على زيارة الحدائق العامة (الشرق الأوسط)

«أرشيف بدوي»... فوتوغرافيا تُسجل 70 عاماً من ذاكرة الإسكندرية

أعاد أرشيف بدوي إحياء ذاكرة الإسكندرية عبر معرض مفتوح في كوم الدكة لصور نادرة لاقت تفاعلاً كبيراً من السكان.

نادية عبد الحليم (الإسكندرية (مصر))

القفطان المغربي على قائمة «اليونيسكو»... اعتراف دولي بتراث عابر للحدود

صورة من حساب القنصلية المغربية بباريس على «إكس»
صورة من حساب القنصلية المغربية بباريس على «إكس»
TT

القفطان المغربي على قائمة «اليونيسكو»... اعتراف دولي بتراث عابر للحدود

صورة من حساب القنصلية المغربية بباريس على «إكس»
صورة من حساب القنصلية المغربية بباريس على «إكس»

أدرجت اللجنة الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، اليوم الأربعاء، القفطان المغربي ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، وذلك خلال اجتماعها المنعقد في نيودلهي بالهند.

ويأتي هذا القرار ليمنح أحد أعرق رموز الهوية المغربية حضوراً رسمياً في السجل العالمي للتراث، تقديراً لقيمته التاريخية والجمالية والاجتماعية.

وقد تقدّمت المملكة المغربية بملف متكامل ضمن المسار الرسمي للترشيح، شاركت في إعداده وزارة الثقافة والشباب والتواصل والمندوبية الدائمة للمغرب لدى «اليونيسكو» في باريس.

صورة من وزارة الثقافة والشباب والرياضة المغربية - قطاع الثقافة - مديرية التراث الثقافي

وتضمّن الملف وفق ما ورد في وثائق التسجيل المنشورة على موقع المنظمة (رقم الملف: 02077) معطيات دقيقة تسلط الضوء على تطور القفطان المغربي عبر القرون، وغناه الجمالي والتقني، ووظائفه الاجتماعية التي تجعله أكثر من مجرد لباس احتفالي، بل موروثاً حياً يعكس مسارات حياة وثقافة مجتمع بأكمله.

ويكشف الملف عن الدور المحوري للحرفيين والصناع التقليديين المغاربة، الذين حافظوا على استمرارية هذا الفن عبر توارث تقنيات النسيج، والتطريز، والزخرفة، وصياغة الأشكال التي جعلت من القفطان تحفة فنية متجددة.

ويمثل هذا الاعتراف العالمي تأكيداً على المكانة التي يحتلها القفطان المغربي باعتباره أكثر من مجرد لباس احتفالي؛ فهو موروث ثقافي حيّ ساهم في نقل قيم اجتماعية وتقاليد عريقة، ورافق مناسبات محلية ودينية وعائلية، وظل عنصراً حاضراً في لحظات الذاكرة الجماعية للمجتمع المغربي. كما أتاح هذا الزي مجالاً واسعاً للإبداع، سمح بمزج التأثيرات الأمازيغية والعربية والأندلسية والعثمانية، ما جعل القفطان نموذجاً فريداً لتعددية الهوية الثقافية للمغرب.

صورة من وزارة الثقافة والشباب والرياضة المغربية - قطاع الثقافة - مديرية التراث الثقافي

ولم يبقَ تأثير القفطان محصوراً داخل المغرب؛ إذ شهد خلال العقود الأخيرة انتشاراً عالمياً لافتاً، جعله خياراً أنيقاً تتوجه إليه نساء من مختلف دول العالم، من فنانات عالميات إلى أميرات وشخصيات بارزة، اللاتي وجدن فيه رمزاً للأناقة الشرقية، وقطعة تستحضر جماليات الماضي بروح معاصرة.

صورة من حساب القنصلية المغربية بباريس على «إكس»

وقد أسهم ظهوره المتكرر في المناسبات الدولية على غرار المهرجانات ووسائل الإعلام وفي عروض الموضة العالمية في تعزيز مكانته كأحد أبرز أزياء التراث العربي في العالم.

الاعتراف الأممي ينسجم مع توجّه عالمي متزايد نحو إبراز التراث غير المادي في المنطقة العربية وشمال أفريقيا، بوصفه رصيداً مشتركاً يعكس حيوية المجتمعات وقدرتها على الإبداع في سياقات متغيرة. فالقفطان، بما يحمله من تنوع في تقنياته وأساليبه، يشكّل جزءاً من منظومة إقليمية أوسع من فنون الخياطة والنسيج والتطريز التي ازدهرت عبر قرون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأسهمت في صياغة هوية جمالية مشتركة ذات امتداد حضاري طويل.

صورة من وزارة الثقافة والشباب والرياضة المغربية - قطاع الثقافة - مديرية التراث الثقافي

ويؤكد إدراج القفطان ضمن قائمة التراث العالمي غير المادي أهمية الحفاظ على ممارسات ثقافية تتجاوز بعدها المحلي لتصبح عناصر فاعلة في بناء جسور بين الشعوب. كما يعزز هذا الاعتراف مكانة الصناعات التقليدية في الاقتصادات الإبداعية، ويفتح المجال لبرامج تعاون إقليمي ودولي تُعنى بصون التراث وتنمية الحرف المرتبطة به.

القفطان المغربي خلال عرض أزياء أفريقي بمقر «اليونيسكو» بباريس

وبذلك يواصل القفطان مسيرته من فضاءات التاريخ إلى منصات العالمية، مستمراً في تجسيد تنوع المنطقة وثقافاتها وفرادة إبداعها، ومؤكداً أن التراث، حين يُصان ويُحتفى به، يمتلك القدرة على أن يتحول إلى لغة مشتركة تجمع بين الشرق والغرب، وتُقرب بين الأزمنة والأجيال.


القاهرة: مسجد أثري غارق في المياه الجوفية وإجراءات متأخرة لإنقاذه

المسجد الأثري يعاني من المياه الجوفية (صفحة الباحث الآثاري الدكتور حسن النجار على «فيسبوك»)
المسجد الأثري يعاني من المياه الجوفية (صفحة الباحث الآثاري الدكتور حسن النجار على «فيسبوك»)
TT

القاهرة: مسجد أثري غارق في المياه الجوفية وإجراءات متأخرة لإنقاذه

المسجد الأثري يعاني من المياه الجوفية (صفحة الباحث الآثاري الدكتور حسن النجار على «فيسبوك»)
المسجد الأثري يعاني من المياه الجوفية (صفحة الباحث الآثاري الدكتور حسن النجار على «فيسبوك»)

تسربت المياه الجوفية إلى مسجد «مدين الأشموني» الأثري الموجود بحارة سيدي مدين بمنطقة باب الشعرية التابعة لآثار شمال القاهرة منذ سنوات، ما يجعله في حاجة ماسة لإجراءات إنقاذ سريعة، وفق خبراء آثار، ونشرت وزارة السياحة والآثار، الأربعاء، بياناً أكدت فيه قيام لجنة مشتركة من وزارتي «السياحة والآثار» و«الأوقاف» بجولة تفقدية للمراجعة الشاملة لشارع باب البحر بحي باب الشعرية بالقاهرة ضمن خطة لصون المساجد الأثرية، والبدء في تنفيذ مشروع ترميم مسجد سيدي مدين الأشموني والعيون الأثرية الموجودة بمحيطه.

وكانت إدارة الأزمات والمخاطر بوزارة السياحة والآثار المصرية تحركت عام 2020، للعمل على ترميم المسجد، وفق تصريحات صحافية لرئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية آنذاك، موضحاً فيها أن «جامع سيدى مدين، يعانى من أزمة المياه الجوفية، وكان هناك مشروع لترميم المنطقة وتم البدء به بالفعل. لكن المشروع توقف لأسباب إدارية، وبدأت الدراسات مرة أخرى لتنشيط مشروع الترميم، ولكنها توقفت إثر تفشي جائحة كورونا».

ووفق خبير الآثار المصري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، فقد «عاينت اللجنة المسجد، وتم الاتفاق على سرعة البدء في ترميم المسجد، وتم تسليم الموقع لشركة متخصصة يوم 9 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، للبدء في أعمال درء الخطورة والترميم على نفقة وزارة الأوقاف وإشراف المجلس الأعلى للآثار».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «منذ عام 2022 وافقت اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية على مشروع لترميم المسجد ورفع الأرضية التي تنخفض عن مستوى الشارع 1.5متر للتخلص من المياه الجوفية، وتم إرسال أوراق المشروع إلى وزارة الأوقاف بصفتها الجهة المالكة للمسجد لتوفير الاعتمادات المالية وفقاً للمادة 30 من قانون حماية الآثار 117 لسنة 1983 وتعديلاته، التي تنص على تحمل كل من الوزارة المختصة بالأوقاف وهيئة الأوقاف المصرية وهيئة الأوقاف القبطية والكنائس المصرية والأفراد والجهات الأخرى المالكة أو الحائزة عقارات أثرية أو تاريخية مسجلة نفقات ترميمها وصيانتها إذا رأى المجلس ضرورة لذلك ويكون ذلك تحت إشرافه».

وبحسب قول ريحان: «منذ عام 2022 حتى 2025 لم يتم تدبير الاعتمادات لترميم المسجد مما تسبب في سوء حالته حتى تشكيل اللجنة المشار إليها وتدبير الاعتماد والبدء في أعمال درء الخطورة».

ويعود تاريخ المسجد إلى عام 870 هجرياً، وأمر بإنشائه الخوند مخلد بنت القاضي ناصر الدين محمد - كاتم سر بالديار المصرية في عهد المؤيد شيخ. وقد تزوجت الخوند من الملك الظاهر جقمق وتوفيت في عهد الملك الأشرف قايتباي. أما صاحب المسجد فهو الشيخ مدين بن أحمد بن يونس، الذي قدم من المغرب واستقر بأشمون في المنوفية، ثم وفد إلى القاهرة وتوفي عام 851 هجرياً ودفن في زاويته الحالية بالمسجد، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

ويتكون المسجد من صحن مستطيل تحيط به أربعة إيوانات، إيوان القبلة وتتقدمه بائكة من ثلاثة عقود على شكل حدوة الفرس المدببة، تستند إلى عمودين من الرخام، تيجانهما إسلامية الطراز على شكل ثمرة الرمان. يضاف إلى ذلك إيوان القبلة المقام على محراب كبير يوجد على كل من جانبيه محرابان صغيران سد كلاهما الآن، ويعلو حائط القبلة 4 نوافذ مملوءة بالجص والزجاج المعشق، كما تعلو المحراب الرئيسي في الوسط نافذة مستديرة مملوءة بالزجاج المتعدد الألوان.


الكشري المصري يُتوِّج مذاقه الفريد بالتسجيل في تراث اليونيسكو

الكشري من الأكلات الشهيرة بمصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
الكشري من الأكلات الشهيرة بمصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

الكشري المصري يُتوِّج مذاقه الفريد بالتسجيل في تراث اليونيسكو

الكشري من الأكلات الشهيرة بمصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
الكشري من الأكلات الشهيرة بمصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

بعد عامين من الجهود المتواصلة لإدراج «الكشري» ضمن القائمة التمثيلة للتراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة اليونيسكو، نجحت مصر أخيراً، في تسجيل الأكلة الشعبية الشهيرة بالقائمة لعام 2025، تحت عنوان «طبق الحياة اليومية» للمصريين، لتعد الأكلة الأولى التي تسجل بالقائمة، وفق بيان وزارة الثقافة المصرية.

وأعرب وزير الثقافة المصري، أحمد فؤاد هنو، عن سعادته بتسجيل الكشري المصري ليصبح العنصر الحادي عشر المسجَّل باسم مصر على قوائم التراث غير المادي، معتبراً ذلك «تأكيداً جديداً على مكانة التراث المصري وقدرته على الإلهام والتجدد، وعلى تقدير المجتمع الدولي لهذا التراث».

ويعدّ «الكشري» من الأكلات المصرية التي تنتشر محلات بيعها في غالبية شوارع مصر، وتتكون من المعكرونة والأرز والعدس والحمص مع الصلصة والدَّقّة (خليط الخل والليمون والكمون) والبصل والمقبلات، وتتراوح أسعارها بين 20 إلى 70جنيهاً للطبق (الدولار يساوي نحو 47.6 جنيه)، وتحظى بقبول كبير لدى فئات مختلفة من المصريين.

وأعلن الوفد المصري المشارك في اللجنة الحكومية للتراث الثقافي غير المادي، المنعقدة في نيودلهي بالهند من 8 إلى 13 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، عن النجاح في تسجيل الملف، الأربعاء.

طبق الكشري يضم العديد من المكونات (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ولم تتوقف جهود الوفد على تقديم الملف الخاص بتسجيل الطبق المصري الشهير على القائمة الدولية للتراث الثقافي غير المادي بوصفه أول أكلة محلية، بل قام بتقديم «الكشري» إلى وفود الدول المشاركة في اجتماع اللجنة الدولية لاتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي باليونيسكو وأعضاء اليونيسكو، عقب انتهاء إجراءات تسجيله.

و«يعكس الكشري الهوية المصرية وثقافة الحياة اليومية للمصريين»، وفق تصريحات مستشارة وزير الثقافة ورئيس الوفد المصري المشارك في اجتماعات لجنة التراث غير المادي، الدكتورة نهلة إمام، مضيفة في بيان للوزارة أن «هذا الإنجاز جاء نتيجة جهد كبير قامت به وزارة الثقافة على مدار عامين».

ووفق الخبير باليونيسكو والعميد الأسبق للمعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون المصرية، الدكتور مصطفى جاد، فإن «تسجيل الكشري في قوائم اليونيسكو بوصفه من الأكلات المهمة ذات الطابع الشعبي المصري الأصيل يعد إنجازاً مهماً للجهود المصرية في هذا الصدد»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «منظمة اليونيسكو تعرض تسجيل العناصر على قائمتين؛ الأولى القائمة التمثيلية التي تقول إن هذا العنصر منتشر وموجود بشكل حي بين كل أطياف المجتمع، لكن هناك قائمة أخرى مهمة يجب العمل عليها أكثر وهي البحث عن عناصر التراث الشعبي التي تتعرض للاندثار فيما يعرف بقائمة الصون العاجل، للعمل على إعادة ازدهارها وإحيائها، من بينها حكايات وسير شعبية وبعض الرقصات والأزياء التي بدأت تختفي».

وسجلت مصر 10 عناصر على قوائم اليونيسكو للتراث الثقافي غير المادي من بينها «السيرة الهلالية» و«التحطيب» و«النخلة» و«الخط العربي» و«المهرجانات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة إلى مصر»، و«النقش على المعادن» و«الحناء» و«الأراجوز» و«السمسمية» بالاشتراك مع السعودية.

ويصف الأكاديمي بمعهد الفنون الشعبية بأكاديمية الفنون المصرية، عبد الكريم الحجراوي، تسجيل الكشري بأنه «خطوة مهمة»، لافتاً إلى أنه حتى عام 2008 لم تسجل مصر أي عناصر بالقائمة الدولية، وكان أول عنصر تم تسجيله هو «السيرة الهلالية». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من المهم تسجيل مفردات المطبخ المصري ضمن التراث العالمي غير المادي، وأظن هناك خطة مستقبلية لتسجيل الفول والطعمية أيضاً بقائمة اليونيسكو، وهو أمر مهم لتوثيق الأكلات الشعبية بوصفها جزءاً من التراث الممتد في الحياة اليومية».

جانب من النشاط المصري لتقديم الكشري بعد تسجيله في اليونيسكو (وزارة الثقافة المصرية)

وأصبح الكشري من الأكلات المفضلة لدى دبلوماسيين ومسؤولين أجانب لدى زيارتهم لمصر، ومن بينهم وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الذي تناول «الكشري» لدى أولى زياراته إلى مصر عقب تحسّن العلاقات بين مصر وإيران، بعد فترة طويلة من جمود العلاقات بينهما. كما تناوله سفير الاتحاد الأوروبي السابق في القاهرة، كريستيان برجر، الذي أكد في تصريحات صحافية سابقة أن «الكشري من الوجبات المفضلة له»، وبالمثل تناوله عشرات الدبلوماسيين والمسؤولين الأجانب المقيمين أو الزائرين لمصر.

الكشري منتشر في العديد من شوارع مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وحسب الدكتورة هند طه، عضو مبادرة «طبلية مصر» بالمتحف القومي للحضارة المصرية «من المهم تسجيل وحماية الإرث الثقافي والغذائي للمصريين»، وأعربت عن سعادتها بتسجيل الكشري بقوائم اليونيسكو، مشيرة إلى أن «مبادرة (طبلية مصر) بالمتحف القومي للحضارة كان لها السبق في إطلاق الشرارة الأولى عام 2023 بالنداء لتسجيل الكشري أول أكلة مصرية على القوائم التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي باليونيسكو»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «نعمل على تسجيل هذا التراث الغذائي على عدة مستويات من بينها ضمن القوائم التمثيلية لليونيسكو، وعلى قوائم الحصر المحلية، ونتمنى أن تحصل على حقوق الملكية الفكرية، فهناك أنواع معينة من الأكلات لها طابع مصري مستقل».

وترجع بعض الأبحاث والدراسات بدايات ظهور الكشري في مصر إلى بدايات القرن العشرين مع اختلاط المصريين بالجنود الهنود وقت الاحتلال البريطاني لمصر، ولكنها تطورت بإضافات مصرية مثل الثوم المهروس والخل والشطة الحمراء، والبصل المحمر، والحمص ليصبح من علامات المطبخ المصري.