أرام جوغيان في «بنات ومياه وغيوم»... ولادة الألوان في عالم تجريدي

بعد غياب عن ساحة المعارض التشكيلية

الألوان محور لوحات أرام جوغيان في معرضه «بنات ومياه وغيوم» (الشرق الأوسط)
الألوان محور لوحات أرام جوغيان في معرضه «بنات ومياه وغيوم» (الشرق الأوسط)
TT

أرام جوغيان في «بنات ومياه وغيوم»... ولادة الألوان في عالم تجريدي

الألوان محور لوحات أرام جوغيان في معرضه «بنات ومياه وغيوم» (الشرق الأوسط)
الألوان محور لوحات أرام جوغيان في معرضه «بنات ومياه وغيوم» (الشرق الأوسط)

مثل الزئبق، يتنقَّل الرسام اللبناني، الأرمني الأصل، أرام جوغيان في صالة «ريبيرث بيروت» بمنطقة الجميّزة البيروتية. فهو لا يهدأ ويتحرَّك بسرعة بين الباحتين الداخلية والخارجية. معرضه «بنات ومياه وغيوم» موعدٌ انتظره محبّوه بعد غياب. وفي لوحاته نلاحظ محاولة هروب إلى عالم جميل ونقي. أبطالها يُصارعون الأمواج ويُحلّقون بين الغيوم، بينما وجوه بناته توحي بحبّ المواجهة بعيداً عن الخضوع. أما الطبيعة، فتشكِّل المحور الأساسي لأعماله؛ إذ المعروف عن أرام حبّه لها بعيداً عن المدينة وضجيجها.

على عكس الفنانين من زملائه، لم يستقبل زوّاره كما المتوقَّع ليلة الافتتاح. فوقف الجميع ينتظر وصوله، هو المشهور بلقب «الفنان البوهيمي». وعند وصوله إلى مركز «ريبيرث بيروت»، علا التصفيق ترحيباً به، فحتى اللحظة الأخيرة بقي حضوره مجرّد فكرة يمكن أن تتحقّق أو لا. لكنه في النهاية رضخ لمشيئة زوّاره، ودخل عليهم يربط شعره الأبيض، مرتدياً قميصاً أحمر يُلائم بوهيميته.

يؤكّد جوغيان أنّ لوحاته تولد لحظة إمساكه بالريشة (الشرق الأوسط)

في لوحاته الموزَّعة على غرف مركز «ريبيرث بيروت» ريشةٌ حرّة تُحلّق في فضاء الألوان. وتحت عناوين ترتبط مباشراً بالطبيعة، تبدأ رحلتك في المعرض. وثمة لوحات أخرى تبدو مثل شاشات سينما وتلفزيون الواقع، فتستطلع موضوعات تتراوح بين الحبّ من النظرة الأولى، وتحية ملوّنة إلى إسبانيا.

وبنظرة شاملة على أعمال أرام، تدرك أهمية الألوان فيها، وغالبيتها زاهية وفرِحة تزرع الأمل والشعور بالسعادة، فيستمدّ منها ناظرها الطاقة الإيجابية. وكلّما اقتربتَ منها ودقّقتَ في خطوطها، لمستَ انسيابية ريشته في تلوين صفحات بيضاء. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أُخطّط للموضوع الذي سأرسمه، ولا أضع له طريقاً محدّداً أسير عليه. وبمجرّد أن أمسك الريشة تأخذني في الرحلة المشوّقة التي أنتظرها منها».

وماذا عن كمية الألوان التي يصبّها مثل جرعات حياة على أعماله؟ يوضح: «هل تعلمين بأنْ لا لوحة (باليت) ألوان عندي؟ خياراتي تحصل في اللحظة نفسها. أغطُّ فرشاتي بلون واحد وألحقها بثانٍ وثالث ورابع من دون أن أفكّر، فيأخذ كلّ لون طريقه مثل شجرة عملاقة. توليد الألوان نملكه بالوراثة في عائلتنا. أكون بمثابة رجلٍ أعمى وألوانه تشكّل بصيرته، فألتقط موجات اللون وذبذباته بالفطرة. تتراءى اللوحة فجأة في ذهني قبل أن أبدأ بتنفيذها، فأطبّقها ببساطة على القماش».

كما «المغيب»، و«شروق القمر»، و«هواء الربيع»، يحضر شهر الزهور مايو (أيار) في لوحات أرام. تستشفّ منها رائحة باقات الورود العطرة، وسَعة الحقول، ودفء الشمس، وبُعد الأفق، وزرقة البحر بأسلوبه التجريدي الغامض. فالألوان وخطوط فرشاته المجنونة توحي إليك بها من دون أن تراها، إذ إنّ هذا الفنان التشكيلي يرسم ما يشعر به لا ما هو مألوف.

تحية إلى إسبانيا بريشة جوغيان (الشرق الأوسط)

نسأل أرام: ماذا لو لم يستخدم الرسم للتعبير عن أحاسيسه؟ يردّ بسرعة: «لكنتُ مارست أيّ نوعٍ آخر من الفنون. فالرسم بمثابة رقص تعبيري، أو كنتُ مارست هوايتَي السباحة، وصيد السمك. فجميعها أدوات فنّية يمكننا أن نغوص فيها ونخلق منها صوراً».

ويشير إلى أنه يمارس كلّ هذه الفنون الرياضية، ويضيف: «لا أختار التعبير بالرسم دائماً. فرشاتي تسير وفق مزاجي، ولذلك أغيب لمدّة ومن ثَمَّ أعود إلى الساحة التشكيلية».

تولّد أعمال أرام جوغيان عند ناظرها فسحات أملٍ، وتعكس عليه راحةً وطمأنينة مثل مَن يمارس رياضة التأمُّل أو اليوغا. وكلّما دقَّق في تفاصيلها سافر معها إلى عوالم حالمة وسريالية.

الوحدة تُحفّزه على توليد أعماله، فهو بعيداً عن زحمة المدينة يقيم في منزلٍ ريفي صغير حوَّله إلى ورشة عمل. يروي: «يقول لي ابني إني أجمع شخصيات فنانين عدّة، فلديَّ قليل من جنون المُخرج الفرنسي غانسبورغ، وجرعات أخرى من فان غوخ وكوكسكي. فكلّ واحد منهم له ميزته في مجالٍ فنيّ يبدع به».

رأي أرام بالفن ومَعارض الرسم يُشبه شخصيته الحرّة، إذ يقول: «المال لا يعني لي شيئاً. أرسم لأفرح وأعبّر عن شغفٍ يتملكني. لا أحبّ إقامة المعارض بشكلٍ دائم. لا أدري، ربما أفكاري ستجدونها غريبة، ولكن أيّ منتجٍ يخرج من مكان ولادته يصبح بمثابة بضاعة معروضة للبيع. بالنسبة إليّ، الدهان والقماش اللذان أستخدمهما لصناعة اللوحة يبلغان نحو 5 في المائة من سعرها. لا أهتمّ برصيد الربح الذي أحقّقه، ولا أحبّ التفكير بمصير اللوحة التي أرسمها».

ولكن أليست لوحاتكَ عزيزة على قلبك؟ يُجيب: «أبداً، فمن لديه هذا الكمّ من الأبناء لا يستطيع أن يُحدّد طبيعة المودّة».

رحلةٌ حالمة تقوم بها في معرض أرام جوغيان، تُلامس فيها وجوه الفتيات ومياه البحار وغيوم السماء، فتُخبرك قصصاً مُتشابكة تستمتع بفكّ أحجيتها واكتشاف ألغازها. ويستمرّ المعرض في «ريبيرث بيروت» حتى الأسبوع المقبل، وهو من تنسيق الدكتور طوني كرم بالتعاون مع غاليري «ذا غاليرست» لصاحبتها عليا مطر.


مقالات ذات صلة

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

يوميات الشرق مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)

«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

بألوان تشع بهجة ولوحات تحمل أبعاداً أسطورية عن النيل والروح المصرية الأصيلة، تحتفي الفنانة رندا إسماعيل بسحر النوبة والهوية المصرية عبر معرضها الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)

«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

التجربة «الغرافيكية» في معرض «الهارب من بني حسن» للفنان التشكيلي المصري حسن غانم، لا تسعى إلى تمثيل العالم، وإنما إلى تفكيك حضوره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
TT

تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)

يُمثّل أخدود «غراند كانيون»، أو الخانق العظيم، في شمال ولاية أريزونا أحد أبرز العجائب الطبيعية في الولايات المتحدة، إذ يمتدّ لمسافة 277 ميلاً بمحاذاة نهر كولورادو الذي يبلغ طوله 1450 ميلاً.

ورغم اتفاق العلماء على أنّ الأخدود تشكّل بفعل تأثير النهر قبل ما بين 5 و6 ملايين سنة، لم يتمكن الباحثون من التوافق بشأن العمليات التي أدت إلى ذلك وتوقيتها.

وتشير دراسة حديثة نقلتها «الإندبندنت» إلى أنّ النهر ربما بدأ في نحت مساره عقب فيضان بحيرة قديمة قبل نحو 6.6 مليون سنة، وهو ما يقدّم دعماً جديداً لفرضية طُرحت منذ ثلاثينات القرن الماضي.

ماءٌ صبور نَحَتَ الصخر وترك حكايته (رويترز)

ووفق العلماء، فإنّ تدفق المياه نحو حوض «بيداهوتشي» أدَّى إلى امتلائه ثم فيضانه، متجاوزاً الحاجز الطبيعي وعابراً قوس «كايباب» شديد الانحدار، وهي منطقة مرتفعة بين ولايتي أريزونا ويوتا، ليتشكّل لاحقاً ما نعرفه اليوم باسم «غراند كانيون».

وأوضح عالم الجيولوجيا بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، جون هي، أن هذه اللحظة يمكن عدّها «ولادة نهر كولورادو بشكله الحالي»، مشيراً إلى أن وصوله إلى هذا الحوض ربما غيّر النظام البيئي بأكمله في المنطقة.

وجاء هذا الاستنتاج بعد دراسة تركيب الحجر الرملي المأخوذ من «غراند كانيون» ومن حوض «بيداهوتشي»، إذ تبيَّن أنّ كليهما يحتوي على حُبيبات مجهرية متشابهة تُعرف ببلورات «الزركون». وتتميَّز هذه البلورات بقدرتها على مقاومة التحلُّل عبر الزمن، ممّا يجعلها أداة دقيقة لتتبّع تاريخ الصخور ومصادرها.

وباستخدام تقنيات تعتمد على أشعة الليزر، تمكّن الباحثون من تحديد البصمة الكيميائية لهذه البلورات، ليتبيَّن تطابقها مع رواسب نهر كولورادو، ممّا يعزّز فرضية تدفّقه نحو الحوض قبل فيضانه.

كما كشفت طبقات الصخور العائدة إلى الفترة عينها عن آثار تموّج، تشير إلى تدفُّق نهر قوي في مياه ساكنة، وهو ما يدعم سيناريو الفيضان.

في صمت الماء تشكّلت الحكاية (رويترز)

ورغم ذلك، لا تزال تساؤلات قائمة بشأن طبيعة هذا الحدث، سواء كان فيضاناً مفاجئاً أو عملية تعرية تدريجية، كما لم تحظَ النتائج بإجماع علمي كامل.

وفي هذا السياق، أبدى بعض الباحثين تحفّظهم، مشيرين إلى أنّ تفاصيل فرضية فيضان البحيرة تحتاج إلى مزيد من الاختبار، فيما تحدَّث آخرون عن احتمال وجود مسارات بديلة لتدفُّق النهر.

ومع ذلك، يجد فريق الدراسة أنّ سيناريو الفيضان يظلُّ التفسير الأقرب لفهم تشكّل هذا المَعْلم الطبيعي، في وقت لا تزال فيه أسرار «غراند كانيون» تتكشَّف تدريجياً أمام العلماء.


دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
TT

دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)

صدر حكم قضائي بالسجن بحق 3 رجال من ولاية كاليفورنيا بعد إدانتهم في قضية احتيال تأميني، لجأوا خلالها إلى حيلة تمثَّلت في الاستعانة بشخص يرتدي زيّ دبّ لافتعال أضرار مُصطنعة في سيارات فارهة.

وكان مقطع فيديو قد انتشر على نطاق واسع قد قُدِّم لشركات التأمين على أنه دليل يُظهر ما بدا أنه دبّ داخل سيارة «رولز رويس غوست» موديل 2010 في منطقة ليك أروهيد يوم 28 يناير (كانون الثاني) 2024. كما قُدِّمت مطالبات مشابهة في اليوم نفسه والموقع ذاته تتعلَّق بسيارتين فاخرتين من طراز «مرسيدس».

وذكرت «بي بي سي» أنّ علماء أحياء في إدارة الأسماك والحياة البرّية في كاليفورنيا راجعوا الصور واللقطات، وخلصوا إلى أنها تُظهر إنساناً يرتدي زيّ دبّ، وليس حيواناً حقيقياً.

وعلى إثر ذلك، أطلقت إدارة التأمين في الولاية تحقيقاً حمل اسم «عملية مخلب الدبّ»، نُفذت خلاله مذكرة تفتيش أسفرت عن العثور على زيّ دبّ داخل منزل المتّهمين. وبلغت قيمة المبالغ التي حاولوا الحصول عليها 141,839 دولاراً.

ولم يطعن كلّ من ألفيا زوكرمان (39 عاماً)، وروبن تمرزيان (26 عاماً)، وفاهيه مرادخانيان (32 عاماً)، على تهمة الاحتيال التأميني، وصدر بحقهم حكم بالسجن لمدة 180 يوماً، إضافة إلى عامين من المراقبة ضمن الإفراج المشروط.

وقال مفوض التأمين في الولاية ريكاردو لارا: «ما بدا في ظاهره غير قابل للتصديق، تبيَّن أنه حدث بالفعل، وها هم المسؤولون عنه يواجهون المساءلة».


«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
TT

«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)

في زمن الإرهاق الرقمي، والاعتماد المفرط على الشاشات، تتجه الأنظار مجدداً نحو «الهوايات الهادئة»، أو ما يُعرف بـ«هوايات الجدّات»، مثل الحياكة، والخَبز، والتطريز، وحلّ الألغاز. هذه الأنشطة اليدوية لا تُعد مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل أصبحت ملاذاً نفسياً يساعد على تخفيف التوتر، وتعزيز التركيز، واستعادة التوازن الذهني في حياة سريعة الإيقاع.

ويسلط تقرير لموقع «فيريويل مايند» الضوء على أسباب عودة هذه الهوايات إلى الواجهة، وكيف تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر، وتعزيز الشعور بالاتزان في الحياة اليومية.

ما المقصود بـ«هوايات الجدّات»؟

مصطلح «هوايات الجدّات» ليس تقليلاً من شأنها، بل وصفٌ لطيف لهوايات ارتبطت تقليدياً بالأجيال الأكبر سناً، وتتميز بأنها بسيطة، ويدوية، وبعيدة عن التكنولوجيا.

ومن أبرز هذه الهوايات:

- الحياكة، والكروشيه.

- التطريز (الكروس ستيتش).

- صناعة الفخار.

- الرسم، والتلوين.

- الزراعة المنزلية، أو زراعة الأعشاب.

- الخَبز المنزلي من الصفر.

- كتابة الرسائل.

- حلّ الألغاز، والألعاب اللوحية.

- مراقبة الطيور.

- الخياطة، والرقع (اللحف).

وتقول إميلي شارب، وهي معالجة فنية في نيويورك لـ«فيريويل مايند»: «هذه الهوايات البطيئة والحسية تمنحنا مساحة من الهدوء، والانغماس الإبداعي من دون ضغط، وهي أمور نفتقدها بشدة في الحياة الحديثة. كثيراً ما أدمجها في جلسات العلاج، لأنها تساعد على تنظيم المشاعر، وتقليل القلق، وإيجاد لحظات صغيرة من الفرح».

لماذا تعود هذه الهوايات إلى الواجهة؟

في السنوات الأخيرة بدأ كثيرون يبحثون عن بدائل واقعية بعيداً عن الشاشات، والإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

تقول أندي ريفز، كاتبة وفنانة في مجال الألياف ومؤسسة «Cape Town Craft Club»: «الجيل الجديد يبحث عن تجارب ملموسة بعيداً عن العالم الرقمي. هناك رفض لثقافة الضغط، والإنتاج المستمر، واتجاه أكبر نحو العناية بالذات، والاستدامة. الحِرف اليدوية تتماشى تماماً مع هذا التوجه».

وتضيف أن هذه الهوايات أصبحت أيضاً وسيلة للتعبير عن التفرد: «في عالم متشابه جداً، يصبح ما تصنعه بيدك جزءاً من هويتك».

الفوائد النفسية لهوايات الجدات

وتشير دراسات حديثة إلى أن الأنشطة الإبداعية يمكن أن تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر.

اليقظة الذهنية وحالة «التدفق»

هذه الهوايات لا يمكن ممارستها أثناء التشتت، أو التمرير على الهاتف، بل تتطلب حضوراً ذهنياً كاملاً.

توضح المستشارة كيم ريبي: «الحِرف اليدوية تُبطئ نشاط الدماغ، وتدخله في حالة من التركيز الهادئ. إنها تُبعدنا عن القلق، وتعيدنا إلى اللحظة الحالية».

هذه الحالة تُعرف نفسياً باسم «حالة التدفق»، حيث ينغمس الشخص بالكامل في النشاط ويشعر بالهدوء، والتركيز.

تخفيف التوتر

حتى الحركات البسيطة والمتكررة -مثل الحياكة، أو الرسم- يمكن أن تساعد في تهدئة الجهاز العصبي.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تنشّط الجهاز العصبي المسؤول عن الراحة، والهضم، ما يساعد على تقليل التوتر، واستعادة التوازن».

المتعة ليست بالكمالية

من خلال هذه الهوايات يتعلم الكثيرون أن الهدف ليس الكمال، بل المتعة في العملية نفسها.

تقول ريبي: «يتعلم الأشخاص السماح لأنفسهم بأن يكون الناتج غير مثالي، وهذا يخفف من ضغط الكمالية في حياتهم اليومية».

الابتعاد عن العالم الرقمي

من الصعب المرور على الهاتف أثناء التطريز، أو الخياطة، وهذا بحد ذاته ميزة.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تعيدنا إلى متعة حسية بسيطة، وتبعدنا عن العالم الرقمي المرهق».

تعزيز التواصل الاجتماعي

هذه الهوايات قد تكون أيضاً جسراً للتواصل مع الآخرين من خلال النوادي، وورش العمل.

وتقول ريفز: «جزء كبير من هذه اللقاءات هو العمل اليدوي، والجزء الآخر هو الشعور بالانتماء، والتواصل الإنساني».

كيف تبدأ من دون ضغط؟

لا تحتاج إلى خبرة مسبقة أو مهارات عالية للبدء:

- ابدأ بهواية بسيطة، مثل التلوين، أو التطريز السهل.

- اسمح لنفسك بأن تكون مبتدئاً.

- شارك في ورش عمل، أو مجموعات محلية إن رغبت.

- تذكّر أن الهدف ليس الإتقان، بل الاستمتاع.

وتختتم شارب: «الأمر لا يتعلق بإنتاج شيء مثالي، بل بخلق مساحة للمتعة، والتجربة، والإبداع من دون حكم مسبق».