«نوبل الطب» 2025 تكافئ مكتشفي «حراس» الجهاز المناعي

صور ماري إي. برانكاو وفريد رامسدل وشيمون ساكاغوتشي خلال مؤتمر صحافي لإعلان فوزهم بجائزة نوبل للطب 2025 (أ.ف.ب)
صور ماري إي. برانكاو وفريد رامسدل وشيمون ساكاغوتشي خلال مؤتمر صحافي لإعلان فوزهم بجائزة نوبل للطب 2025 (أ.ف.ب)
TT

«نوبل الطب» 2025 تكافئ مكتشفي «حراس» الجهاز المناعي

صور ماري إي. برانكاو وفريد رامسدل وشيمون ساكاغوتشي خلال مؤتمر صحافي لإعلان فوزهم بجائزة نوبل للطب 2025 (أ.ف.ب)
صور ماري إي. برانكاو وفريد رامسدل وشيمون ساكاغوتشي خلال مؤتمر صحافي لإعلان فوزهم بجائزة نوبل للطب 2025 (أ.ف.ب)

منحت لجنة نوبل في معهد كارولينسكا السويدي، جائزة نوبل في الطب لعام 2025 لكلٍّ من الباحثة الأميركية ماري إي. برانكاو، والعالم الأميركي فريد رامسدل، والعالم الياباني شيمون ساكاغوتشي، تقديراً لاكتشافاتهم المتعلقة بآلية «التحمّل المناعي في الأنسجة المحيطية»، وهي العملية التي تمنع جهاز المناعة من مهاجمة أنسجة الجسم نفسه.

وقال أولي كامبي رئيس لجنة نوبل: «اكتشافاتهم كانت حاسمة لفهم كيفية عمل الجهاز المناعي، ولماذا لا نصاب جميعاً بأمراض مناعة ذاتية خطيرة».

وأوضحت اللجنة أن الاكتشافات الحاصلة على الجائزة أوضحت كيفية إبقاء الجهاز المناعي تحت السيطرة؛ إذ يمكن لجهاز مناعة قوي أن يتحول إلى خطر داخلي إذا لم يُنظَّم بدقة. وتمكّن العلماء الثلاثة من تحديد نوع خاص من خلايا المناعة يُعرف باسم الخلايا التائية التنظيمية (Regulatory T Cells)، تعمل كـ«حراس أمن» يمنعون الخلايا المناعية الأخرى من مهاجمة أعضاء الجسم.

ويحمي جهاز المناعة جسم الإنسان يومياً من آلاف الفيروسات والبكتيريا والكائنات المُمرضة، غير أن هذا الجهاز القوي يحتاج إلى تنظيم دقيق؛ إذ يمكن أن يتحول إلى خطر داخلي إذا بدأ بمهاجمة أنسجة الجسم. وكان يُعتقد لعقود أن عملية التحمّل المناعي التي تحدث داخل الغدة الزعترية (Thymus) كافية لضبط نشاط المناعة، عبر التخلص من الخلايا المناعية التي تتعرف على بروتينات الجسم. لكن تبين أن الأمر أكثر تعقيداً.

الدكتور شيمون ساكاغوتشي خلال مؤتمر صحافي حول فوزه بجائزة نوبل للطب 2025 (أ ف ب)

ساكاغوتشي... و«حُرّاس» المناعة

في ثمانينات القرن الماضي، لاحظ ساكاغوتشي، الأستاذ بمركز أبحاث علم المناعة بجامعة أوساكا، ظاهرة مثيرة: عندما أُزيلت الغدة الزعترية من فئران حديثة الولادة، أصيبت الفئران بأمراض مناعة ذاتية شديدة. ومن خلال سلسلة من التجارب الدقيقة، اكتشف وجود نوع خاص من الخلايا التائية يمكنه تهدئة النشاط المناعي المفرط ومنع الجهاز المناعي من مهاجمة أنسجة الجسم.

وفي 1995، أعلن اكتشاف فئة جديدة من هذه الخلايا تحمل بروتينين مميزين هما «CD4» و«CD25»، وأطلق عليها اسم الخلايا التائية التنظيمية، التي أصبحت بمثابة «حُرّاس» الجهاز المناعي الذين يضبطون نشاطه ويحفظون توازنه. ورغم أن المجتمع العلمي كان متشككاً في البداية، فإن اكتشاف ساكاغوتشي شكّل الخطوة الأولى نحو فهم آلية التحمّل المناعي في الأنسجة المحيطية.

اكتشافات برانكاو ورامسدل

في التسعينات من القرن الماضي، كانت ماري برانكاو وفريد رامسديل يعملان في شركة للتقنيات الحيوية في واشنطن، ويدرسان أمراض المناعة الذاتية، ولاحظا نوعاً من الفئران يُعرف باسم «Scurfy»، وُلدت ذكورها مريضة تعاني من التهابات حادة في الأعضاء بسبب خلل مناعي موروث في الكروموسوم (X).

وبعد سنوات من البحث، تمكّنا من تحديد الجين المسؤول عن المرض، وأطلقا عليه اسم «FOXP3». وأثبتت أبحاثهما أن الطفرات في هذا الجين تسبب مرضاً نادراً لدى البشر يُعرف باسم «IPEX»، وهو اضطراب مناعي ذاتي شديد يصيب الأطفال الذكور.

وأظهرت الأبحاث لاحقاً أن هذا الجين هو المفتاح المسؤول عن تكوين الخلايا التائية التنظيمية التي اكتشفها ساكاغوتشي، وأن أي خلل فيه يؤدي إلى اختلال قدرة الجهاز المناعي على التمييز بين خلايا الجسم والعدوى، ويؤثر على نشاط ووظيفة هذه الخلايا داخل الجسم.

ثورة في فهم جهاز المناعة

أثبتت الاكتشافات الثلاثة أن جهاز المناعة لا يعتمد فقط على إزالة الخلايا الضارة في مرحلة النضوج، بل يمتلك آلية ضبط إضافية تعمل في أنحاء الجسم تُعرف بـ«التحمّل المناعي في الأنسجة المحيطية»، وتحرسها الخلايا التائية التنظيمية. وتعمل هذه الخلايا كـ«حراس أمن» تهدئ الجهاز المناعي بعد انتهاء المعركة ضد الميكروبات، وتمنعه من مهاجمة الجسم ذاته.

وأكدت لجنة نوبل أن هذا الفهم الجديد مهّد الطريق لتطوير علاجات مبتكرة تستفيد من هذه الخلايا. ففي أبحاث السرطان، يسعى العلماء لتعطيل الخلايا التائية التنظيمية داخل الأورام، ليتمكن جهاز المناعة من مهاجمتها بفاعلية أكبر.

أما في أمراض المناعة الذاتية مثل السكري من النوع الأول والتصلب المتعدد، فيجري العمل على تحفيز إنتاج هذه الخلايا أو حقنها في المرضى لوقف الالتهاب المزمن. كما تُجرى تجارب سريرية لاستخدام مادة «الإنترلوكين-2» لتعزيز نمو هذه الخلايا ومنع رفض الأعضاء بعد الزراعة. وتشير النتائج الأولية إلى أن إعطاء المرضى «الإنترلوكين-2» يساعد هذه الخلايا على الازدهار ويقلل الالتهابات المدمّرة.

الأمين العام للجنة نوبل توماس بيرلمان يتحدث للصحافيين خلال مؤتمر لإعلان أسماء الفائزين بجائزة نوبل للطب 2025 (أ.ف.ب)

ويجري العلماء اليوم تجارب سريرية لعزل الخلايا التائية التنظيمية من جسم المريض، وإكثارها في المختبر، ثم إعادة إدخالها إلى الجسم لتقوية الجهاز المناعي بطريقة أكثر توازناً.

ومن خلال هذه الاكتشافات، وضع برانكاو ورامسدل وساكاغوتشي أساس فهم جديد لكيفية تنظيم المناعة البشرية، وفتحوا آفاقاً لعلاجات دقيقة تستهدف ضبط الجهاز المناعي بدلاً من تثبيطه كلياً. واعتبرت لجنة نوبل أن هذه الأبحاث تمثل «فائدة عظيمة للبشرية» لما وفّرته من معرفة أساسية حول كيفية بقاء الجهاز المناعي متوازناً دون أن يتحول إلى عدو للجسم.

وقال ريكارد ساندبرغ، عضو لجنة الجائزة، في مقابلة بعد الإعلان: «قدّمت هذه الأبحاث منهجاً جديداً للتعامل مع أمراض المناعة الذاتية والعلاجات المرتبطة بزراعة الأعضاء. هناك أكثر من 200 تجربة سريرية جارية حالياً تستند إلى هذه الاكتشافات».

بدورها، اعتبرت الدكتورة أنيت دولفن، رئيسة جمعية العلوم الفسيولوجية البريطانية أن «أبحاث الفائزين الرائدة كشفت كيف يُبقي الجهاز المناعي نفسه تحت السيطرة بفضل الخلايا التائية التنظيمية، التي تمنعه من مهاجمة أنسجة الجسم بالخطأ».

وأضافت لشبكة «بي بي سي»: «هذا العمل يُعد مثالاً بارزاً على دور الأبحاث الأساسية في علم وظائف الأعضاء في فتح آفاق واسعة لتحسين صحة الإنسان».

وأشار الدكتور داني ألتمن، اختصاصي المناعة في جامعة إمبريال كوليدج لندن إلى أن «جزءاً كبيراً من التقدم خلال الثلاثين عاماً الماضية في فهم الجهاز المناعي جاء من وصف وتحديد خصائص الخلايا التائية التنظيمية في مختلف جوانب الصحة والمرض». فيما قالت الدكتورة ترايسي هوسيل، رئيسة الجمعية البريطانية للمناعة: «يسعدنا أن نرى مرة أخرى أن علماء المناعة يحظون بالتقدير من خلال جائزة نوبل للطب لهذا العام. كانت أبحاثهم أساسية في فهم كيفية تنظيم الجهاز المناعي لمنع الأضرار العرضية للأنسجة».

وأضافت في بيان: «من خلال توسيع معرفتنا بدور الخلايا التائية التنظيمية في منع الجهاز المناعي من مهاجمة خلايا الجسم السليمة، فتحت اكتشافاتهم طرقاً جديدة لتطوير علاجات وربما حتى علاجات شافية للأمراض المناعية الذاتية. كما أرست الأسس لتطوير علاجات أفضل للسرطان».


مقالات ذات صلة

لجنة «نوبل» تستنكر توقيف نرجس محمدي و«إساءة معاملتها» في إيران

شؤون إقليمية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

لجنة «نوبل» تستنكر توقيف نرجس محمدي و«إساءة معاملتها» في إيران

أعربت لجنة نوبل، اليوم (الأربعاء)، عن استيائها الشديد إزاء اعتقال نرجس محمدي الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2023 في ديسمبر.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
شؤون إقليمية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

الحكم على نرجس محمدي الحائزة جائزة نوبل للسلام بالسجن 6 أعوام في إيران

أصدرت محكمة إيرانية حكماً بسجن الناشطة الحقوقية نرجس محمدي، الحائزة جائزة نوبل للسلام 6 أعوام، حسب ما أفاد محاميها وكالة الصحافة الفرنسية اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (طهران)
يوميات الشرق البروفسور عمر ياغي يتحدث خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية به الخميس (واس)

ياغي: دعم القيادة السعودية للعلماء وفّر بيئة مُحفِّزة للإنجازات العالمية

أكد البروفسور عمر ياغي، الفائز بـ«نوبل» في الكيمياء، أن دعم القيادة السعودية وتمكينها للعلماء واهتمامها بهم وفرت بيئة محفزة مكنتهم من تحقيق إنجازات نوعية عالمية

جبير الأنصاري (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله البروفسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025 (واس)

ولي العهد السعودي يستقبل الفائز بـ«نوبل» عمر ياغي

استقبل الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في الرياض، البروفسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال مؤتمر صحافي في روما (إ.ب.أ) p-circle

ميلوني تعد بترشيح ترمب لجائزة نوبل للسلام إذا أنهى حرب أوكرانيا

أعربت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن أملها في أن ينهي الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحرب في أوكرانيا حتى ترشحه لجائزة نوبل للسلام.

«الشرق الأوسط» (روما)

«مالمو» يحتفي برائد السينما السعودية عبد الله المحيسن

عبد الله المحيسن  خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)
عبد الله المحيسن خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)
TT

«مالمو» يحتفي برائد السينما السعودية عبد الله المحيسن

عبد الله المحيسن  خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)
عبد الله المحيسن خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)

كرم مهرجان رمالمو للسينما العربية» بالسويد، رائد السينما السعودية عبد الله المحيسن في حفل افتتاح دورته السادسة عشر ليكون أول مكرم سعودي في تاريخ المهرجان السينمائي العربي الأبرز بالدول الإسكندنافية، وسط حضور عربي بارز واحتفاء بمسيرة المخرج الرائد.

واحتضنت قاعة «رويال» في مدينة مالمو حفل افتتاح المهرجان بحضور رئيسة بلدية مالمو كاترين شيرنفيلدت يامه التي أكدت أن المهرجان أصبح نقطة التقاء للسينما العربية في أوروبا ليس فقط بسبب الاستمرارية ولكن بجودة الأعمال التي يقدمها المهرجان.

وأضافت أن السينما قادرة علي العبور من دون جوازات سفر أو قيود لنقل العديد من التجارب والحقائق، لافتة إلي أننا بحاجة مهمة للحوار والاستماع وهو ما يقوم به المهرجان.

ووصف رئيس المهرجان، محمد قبلاوي، خلال الحفل رائد السينما السعودية بـ«الضيف المميز» الذي تعكس أفلامه واقع الإنسان وتمنح صوتاً لمن لا صوت لهم، مؤكداً أن السينما ليست مجرد ترفيه بل وسيلة لبناء الفهم وجسور التواصل بين الناس والثقافات.

وأضاف في كلمته أن المهرجان سيقدم أفلاماً مختلفة وأصواتاً جديدة وقصصاً فريدة من العالم العربي معرباً عن أمله بعدم الاكتفاء بالمشاهدة فقط ولكن أيضاً بالتعرف على بعضنا البعض من خلال السينما.

وعرض المهرجان فيلماً قصيراً عن مسيرة المحيسن الفنية واهتمامه بصناعة السينما منذ صغره مع عرض لقطات مختلفة من مسيرته في مواقع التصوير ومن لقاءاته الإعلامية المختلفة.

وخلال كلمته عقب استلام التكريم تحدث المحيسن عن بداياته السينمائية في المملكة بعد دراسته للفن في لندن، مستعيدا ذكريات تأسيس أول ستوديو في المملكة وتقديم فيلمه راغتيال مدينة».

ومن المقرر أن تشهد فعاليات المهرجان «ماستر كلاس» للمخرج السعودي يتحدث فيه عن مسيرته السينمائية الطويلة بالإضافة إلى عرض فيلمه اغتيال مدينة ضمن برنامج الاحتفاء بمشواره الفني الطويل.

رائد السينما السعودية عبد لله المحيسن مع محمد قبلاوي (إدارة المهرجان)

وأكد الناقد المصري محمد عاطف أن تكريم المحيسن في المهرجان «مهم ومستحق باعتباره واحداً من الرواد الذين أسسوا لحضور حقيقي للسينما الخليجية، ولم يكن مجرد صانع أفلام بل مؤسسة سينمائية قائمة بذاتها وعلى مدار سنوات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المحيسن لعب دوراً بارزاً من خلال شركته التي كانت من بين الجهات الأهم في تقديم كلاسيكيات سينمائية، كما أسهمت في إعادة اكتشاف مواهب منها مواهب مصرية عبر تقديم تجارب مغايرة ومختلفة عما كان سائداً»، مشيرًا إلى أن أولى التجارب في الموسيقى التصويرية للموسيقار عمار الشريعي كانت من خلال التعاون بينه وبين المحيسن الأمر الذي يعكس قدرة المخرج السعودي على اكتشاف الطاقات الجديدة.

وأشار إلى أن وصفه بالرائد لا يأتي فقط لكونه من الأوائل، بل لأنه قدم بالفعل تجارب سينمائية مهمة، على غرار فيلم «اغتيال مدينة» الذي يعد من التجارب السينمائية الوثائقية المبكرة التي مزجت بين السينما وفنون التحريك، في خطوة جريئة تعكس ميله الدائم إلى التجريب وتوسيع حدود الشكل السينمائي، على حد تعبيره.

وقبيل حفل الاستقبال الرسمي في مقر بلدية مالمو، شهد المهرجان عرض الفيلم العراقي «مملكة القصب» للمخرج حسن هادي وهو الفيلم الذي وصل للقائمة المختصرة لجوائز «الأوسكار» في نسخته الماضية.

تدور أحداث الفيلم حول فتاة قدَّمت شخصيتها بطلة الفيلم الممثلة العراقية بنين أحمد نايف، البالغة 11 عاماً، والتي حاولت بكلِّ الطرق الممكنة صنع كعكة لعيد ميلاد الرئيس الراحل صدام حسين، بعدما وقع الاختيار عليها لإتمام هذه المهمة، وسط تحدِّيات وظروف قاسية شهدتها تلك المرحلة، من عقوبات أثَّرت في الناس تحت ضغط واقع صعب في العراق.

ويشهد المهرجان هذا العام عرض 39 فيلماً سينمائياً من 14 دولة عربية منها 22 فيلماً طويلاً و17 فيلماً قصيراً، فيما تنطلق، السبت، فعاليات «أيام مالمو لصناعة السينما» التي تشكل منصة لدعم الإنتاجات الجديدة وتعزيز فرص التعاون بين صناع السينما العرب ونظرائهم في أوروبا.


كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
TT

كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)

أثار تطبيق مواعيد «الإغلاق المبكر» على التصوير الليلي موجة انتقادات من صُنّاع الأفلام، في حين رحّب سينمائيون بقرار رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مدّ مواعيد إغلاق المحال التجارية ودور السينما حتى الساعة 11 مساءً بدلاً من التاسعة. وفق قرار سابق بدأ تطبيقه في 28 مارس (آذار) الماضي.

وكان قرار «الإغلاق المبكر» قد تسبب في تعطّل تصوير كثير من الأعمال، في وقت تتسابق فيه شركات الإنتاج لحجز أماكن عرض ضمن موسمي عيد الأضحى والصيف، إضافة إلى مسلسلات «الأوف سيزون» للدراما التلفزيونية.

وأصدرت الحكومة المصرية، الخميس، قراراً جديداً بمدّ مواعيد عمل المحال التجارية والمطاعم ودور السينما حتى الساعة 11 مساءً، وذلك حتى يوم 27 أبريل (نيسان) الحالي، تزامناً مع الاحتفال بعيد القيامة المجيد، وفي إطار التيسير على المواطنين خلال فترة الأعياد. وأوضح رئيس الوزراء أن القرار يتماشى مع التطورات الأخيرة في «حرب إيران» والمفاوضات التي أسهمت في انخفاض نسبي في أسعار الوقود عالمياً.

ورأى سينمائيون أن قرار مدّ مواعيد فتح دور السينما حتى 11 مساءً يتيح إقامة عرض الساعة 9 مساءً، الذي يشهد إقبالاً جماهيرياً لافتاً، مؤكدين أن المنتجين تكبدوا خسائر بسبب قرارات الإغلاق خلال الأسبوعين الماضيين. وسارعت دور العرض إلى الإعلان عن تعديل مواعيد عروضها وإضافة عرض التاسعة مساءً.

دور العرض السينمائي ألغت حفلات بسبب قرارات الإغلاق المبكر (رويترز)

وأثار تطبيق مواعيد الإغلاق على التصوير الليلي جدلاً واسعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كتب المخرج أمير رمسيس عبر حسابه على «فيسبوك»، مندداً بمنع التصوير السينمائي بعد الساعة 9 مساءً، ومطالباً المؤلفين بعدم كتابة مشاهد ليلية. ولفت إلى أنه حتى مع تدخل الدولة لتنظيم عدد ساعات العمل، فإن استهلاك الكهرباء يظل واحداً، لاعتماده على مولدات كهربائية خاصة بالتصوير، متسائلاً: «بأي منطق يُلغى التصوير الليلي من الدراما والسينما؟».

وقال رمسيس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «قرار تأجيل موعد الإغلاق حتى 11 مساءً، ومنح ساعتين إضافيتين، لا يمثل حلاً فعلياً لمشكلة التصوير، لأن المشاهد الليلية تمتد لساعات حتى الفجر. فهل يُعقل أن أُصوّر مشهداً واحداً يومياً داخل الاستوديو؟ هذا يضاعف التكاليف والخسائر».

وطالب رمسيس باستثناء تصوير المسلسلات والأفلام من مواعيد الإغلاق، مؤكداً أن منع التصوير ليلاً ستكون له تداعيات سلبية على صناعة السينما، وقد يؤدي إلى توقف مشروعات عدة، وعدم خروج بعض الأفلام إلى النور خلال هذه الفترة.

وكان مسعد فودة، نقيب المهن السينمائية، قد أصدر بيانين، الخميس؛ أعلن في الأول أن منع التصوير بعد التاسعة مساءً، وغلق دور العرض، لهما آثار كارثية على اقتصاديات السينما والفن في مصر، مناشداً رئيس الوزراء استثناء القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الدراما والاستوديوهات ودور العرض. وفي البيان الثاني، وجّه رسالة شكر لرئيس مجلس الوزراء على قرارات مدّ العمل والتصوير وعروض الأفلام حتى 11 مساءً.

ويرى المخرج سعد هنداوي أن «تحديد موعد لإنهاء التصوير يمثل صعوبة كبيرة للسينما عموماً، نظراً لوجود برنامج عمل يومي يجب تنفيذه»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هناك ظروف عالمية مرتبطة بالحرب وتأثيراتها، لكن يجب التعامل معها بتوازن»، مطالباً بفتح نقاش مع رئاسة الوزراء لاستثناء التصوير السينمائي والأعمال التلفزيونية، إضافة إلى دور العرض والمسارح، من مواعيد الإغلاق، نظراً لارتباطها بصناعة كبيرة ومصدر دخل لآلاف العاملين.

تسبب الإغلاق المبكر في خفوت الحركة وإظلام شوارع القاهرة (رويترز)

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية ماجدة خير الله أن «صناعة السينما تضررت كثيراً خلال الأسبوعين الماضيين مع تطبيق قرار الإغلاق المبكر في دور العرض»، مشيرة إلى أن «إتاحة عرض التاسعة مساءً خطوة إيجابية، لكنها تحتاج إلى استكمال بعودة كافة العروض». وشددت على أن تطبيق مواعيد الإغلاق على التصوير السينمائي «أمر معطّل ومؤذٍ، يسبب خسائر يصعب تعويضها في صناعة تعاني بالفعل»، كما يؤثر على حجم الضرائب التي تتحصل عليها الدولة من صناعة الأفلام، ويخلّف آثاراً سلبية تفوق وفورات الطاقة المتوقعة.

ورحّب هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، بقرار مدّ العروض السينمائية حتى 11 مساءً، عاداً إياه انفراجة نسبية مع عودة عرض التاسعة مساءً، الذي يُعوَّل عليه كثيراً في إيرادات الأفلام. وقال لـ«الشرق الأوسط»: إن «الأفلام التي كانت تحقق نحو 8 ملايين جنيه يومياً قبل الإغلاق (الدولار يعادل نحو 53 جنيهاً مصرياً)، مثل فيلم (برشامة)، تراجعت إيراداتها إلى نحو مليونين يومياً، لكن مع عودة عرض التاسعة يمكن أن تصل إلى 5 ملايين يومياً، ما يزيد من حصيلة الضرائب». وأكد أن «الحكومة تبدي تفهماً عند توضيح أبعاد الأزمة وتقديم مطالب منطقية في ظل الظروف العالمية الراهنة».

دور العرض السينمائي ألغت حفلات بسبب قرارات الإغلاق المبكر (رويترز)

وكانت غرفة صناعة السينما قد وضعت تصوراً لحل مشكلة العروض السينمائية، يقوم على إلغاء الحفلات الصباحية ضعيفة الإقبال، التي تتحمل دور العرض تكلفتها دون عائد كافٍ، واقترحت أن يبدأ التشغيل من الساعة 4 عصراً حتى 12 ليلاً. وقال عبد الخالق: «أرسلنا خطاباً بذلك إلى رئيس الوزراء ووزيرة الثقافة مدعماً بالأرقام، وقد وعد الدكتور مصطفى مدبولي بدرس المقترح، وهو أمر مُرضٍ بالنسبة لنا. كما نعتزم لقاء وزيرة الثقافة لعرض رؤيتنا ومطالبنا، أملاً في استثناء التصوير الليلي من مواعيد الإغلاق، حتى لا تتعطل الأعمال وتتراجع الصناعة».


حمادة هلال يجدد الجدل حول حذف أغنيات المطربين بعد رحيلهم

الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
TT

حمادة هلال يجدد الجدل حول حذف أغنيات المطربين بعد رحيلهم

الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)

جدّدت تصريحات المطرب المصري حمادة هلال الجدل حول توجّه بعض مؤدي المهرجانات والمطربين الشعبيين إلى التوصية بحذف أغنياتهم من المنصات الغنائية بعد رحيلهم، انطلاقاً من اعتقادهم بأن «الغناء حرام»، وأن حذفها يُعد نوعاً من التوبة وتصحيح المسار.

وقال هلال، في حديث لبرنامج «ميرور» على «يوتيوب»، إنه فكّر في الاعتزال سابقاً بعد مروره بضغوط نفسية وظروف صعبة، إثر تكبّده خسائر مادية في مشروعات خارج الوسط الفني، ما دفعه إلى إعادة التفكير في استمراره، غير أنه انتهى إلى أن العمل في هذا المجال هو الأنسب له والأقرب إلى طبيعته.

وفي الوقت نفسه، تطرَّق هلال إلى ظاهرة توصية بعض المطربين بحذف أغنياتهم بعد وفاتهم، مؤكداً أنه لن يفكر في حذف أعماله، مشيراً إلى أن هذه الأغنيات أصبحت ملكاً للجمهور ومرتبطة بذكرياته، ولا يرغب في حذف أي منها، فضلاً عن أنه لا يملك حقوقها بالكامل ليصدر قراراً بمنعها من الأساس.

وكان عدد من المطربين قد أعلنوا توصيتهم بحذف أغنياتهم بعد وفاتهم، استناداً إلى وصف بعضهم «الغناء بالحرام». وتصاعد الجدل حول هذه القضية عقب وفاة المطرب الشعبي ومؤدي المهرجانات أحمد عامر عام 2025، وإعلان حمو بيكا وآخرين حذف أغنياته، مع مناشدة شركات الإنتاج بذلك. وردّ بعض الجمهور على تصريحات بيكا آنذاك متسائلين: إذا كان يرى أن «الغناء حرام»، فلماذا لا يعتزل؟

الفنان حمادة هلال (فيسبوك)

ويرى الناقد الموسيقي المصري أحمد السماحي أن «المطربين الذين يُحرِّمون الغناء بعد أن حققوا منه ثروات هائلة يفتقرون إلى الوعي والثقافة، ولا يدركون أهمية الفن»، مضيفاً في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الجدل المتكرر يعكس حالة من التذبذب وغياب الإيمان برسالة الفن، مقابل السعي إلى تحقيق المكاسب المادية».

وأشار السماحي إلى أن هذه الظاهرة أكثر انتشاراً بين مطربي «الراب» ومؤدي المهرجانات، ورأى أن هذا التفكير يعيدنا إلى عصور التراجع الحضاري، والثقافي، والفكري، داعياً من يرون الفن حراماً إلى التبرع بما كسبوه منه لأعمال الخير.

كما لفت إلى أن الفتاوى الدينية لم تُحرِّم الفن بشكل مطلق، مشيراً إلى كتاب صدر عام 1980 عن مفتي مصر آنذاك، تضمّن فتاوى تؤكد أن الموسيقى التي تُهذِّب النفس وترتقى بالوجدان ليست محرّمة، في حين يرى بعض العلماء أن المحرَّم هو الفن الذي يلهي عن العبادة. وأوضح أن «من لا يفهم رسالة الفن ودوره في تهذيب النفس وإمتاعها ويسعى إلى الربح فقط، عليه أن يبتعد عنه».

وكان المطرب المصري تامر حسني من بين من أثاروا هذا الجدل، ليس من خلال توصية بحذف أغنياته، وإنما عبر تصريحات سابقة أعرب فيها عن أمله في ألا يموت وهو مطرب. وقد لاقت هذه التصريحات تعاطفاً من بعض الجمهور، في حين رأى آخرون أنها تعكس «ازدواجية»، معتبرين أن من يرى الفن حراماً لا ينبغي أن يمارسه.

من جانبه، أيَّد الناقد الموسيقي محمود فوزي السيد موقف حمادة هلال الرافض لحذف أغنياته، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن العمل الفني، بمجرد طرحه، يصبح ملكاً للجمهور، وهو أمر طبيعي.

وأضاف: «إن مسألة حذف الأغنيات بعد الوفاة ظهرت بشكل خاص بين المطربين الشعبيين ومؤدي المهرجانات، وفي رأيي أن الأولى بمن يرى هذا الفن مسيئاً له أن يمتنع عن تقديمه من الأساس».

وقد قدّم حمادة هلال كثيراً من الألبومات والأغنيات التي تتميَّز بخفة الظل والطابع الشبابي القريب من الشعبي، من بينها «دموع»، و«دار الزمان»، و«بخاف»، و«بحبك آخر حاجة»، و«ما تقولهاش»، كما شارك في أعمال سينمائية ودرامية، منها فيلم «عيال حبِّيبة» ومسلسل «المداح».