فراس الحلاق يحمل حلم «مسرح القبة» اللبناني إلى المهرجانات

تحفة داخل معرض رشيد كرامي تنتظر الإنقاذ

جانب من منشآت المعرض (الشرق الأوسط)
جانب من منشآت المعرض (الشرق الأوسط)
TT

فراس الحلاق يحمل حلم «مسرح القبة» اللبناني إلى المهرجانات

جانب من منشآت المعرض (الشرق الأوسط)
جانب من منشآت المعرض (الشرق الأوسط)

تمكن فراس الحلاق من أن يروي ما عجز عنه عشاق «مسرح القبة» في طرابلس (شمال لبنان)، الذي يسحر من يدخله، ويُعجز من يحاول التقاط صورة تعكس غرابته، ويُدهش من يجرّب أن يسمع صدى صوته، أو يعزف في داخله.

مكان استثنائي بحق. هو إحدى المنشآت المتعددة لمعرض رشيد كرامي الدولي الذي يمتد على مساحة 70 هكتاراً. ضمن هذه المساحة المكسوة بالأشجار والزهور تتوزع مباني المعرض، بدءاً من صالة العرض الهائلة مروراً بمهبط طائرات، ومسرح عائم جميل، في الهواء الطلق، وفندق، ومبان أخرى، بينها مسرح القبة الذي ينظر إليه البعض على أنه دُرّة التاج.

معرض رشيد كرامي الدولي ويبدو مسرح القبة من الخارج (الشرق الأوسط)

هذه المباني الموزعة في حدائق ممتدة، صممها المهندس البرازيلي الشهير أوسكار نيماير في ستينات القرن الماضي لتكون مركزاً للمعارض. لكن المنشأة كلها أهملت خلال الحرب الأهلية، ثم احتلتها الميليشيات، وقوات الردع السورية، وحررت بعد الحرب، لكن بقيت محاولة إحيائها، أو الاستفادة منها نوعاً من التحدي للدولة اللبنانية، وإهمالها غصة في حلق الطرابلسيين.

في فيلمه الوثائقي التجريبي «جلسات القبة» الذي تقارب مدته الساعة، تمكن فراس الحلاق، وهو يرينا ويسمعنا، عزفاً لموسيقيين، وغناء لفنانين، داخل مسرح القبة التجريبي، أن يكشف الإمكانات الصوتية للمكان. وحين يدير كاميرته في الأرجاء، مختاراً زوايا تكشف روعة الهندسة وجمالية المكان، يصبح بمقدور المتفرج أن يدرك حقاً أن تحفة منسية في طرابلس تحتاج إلى من ينقذها.

قبة المسرح الأسمنتية التي تسمح لزائرها أن يلج إليها من فتحات عدة، بداخلها أدراج، ومدرجات دائرية تشبه المسارح الرومانية، وفي الوسط فتحة عميقة كان يفترض أن يركب فيها المسرح الذي يسمح برؤية العرض بقطر 360 درجة. ومما يزيد جاذبية المكان القضبان الحديدية المتدلية من الأسقف، التي تجعل أي صوت هامس يصدره شخص داخل القبة يتردد صداه طويلاً. وهو ما شجع الفنان البصري المتعدد المواهب والعاشق للموسيقى فراس الحلاق، على تسجيل 11 مقطوعة موسيقية ومغناة داخل القبة، ويصدرها في أسطوانة خاصة. أما فيلم «جلسات القبة»، ففيه مشاهد من هذه التجربة مقرونة بشهادة المهندس وسيم ناغي، الذي له مع المعرض تاريخ طويل منذ كان طفلاً يسكن في المنطقة نفسها، ويزور المنشآت باستمرار، ويراقب تحولاتها، إلى أن كبر وعني بها باعتباره مهندساً يتابع شؤونها.

مشهد من الفيلم حيث العزف في مسرح القبة تجربة فريدة (الشرق الأوسط)

وسيم ناغي وهو يتحدث يكاد يكون لسان حال صاحب الفيلم، الذي عاش مثله في طرابلس، وتردد صغيراً على المسرح، وشعر بالخوف والرهبة من غرابة المكان وظلمته. فالأماكن المهجورة تحوم حولها الخرافات والحكايا، ويتلبسها الغموض.

يتحدث فراس الحلاق لـ«الشرق الأوسط»، ليس فقط عن حنين، وذكريات، وإنما أيضاً عن المستقبل. عن عمل جاد لإحياء المسرح، لجعله صالحاً للعرض والحياة والفن.

«أعمالي عموماً، مرتبطة بالذاكرة الجماعية. وهذا المكان يوم يرمم سيفقد بعضاً من ملامحه الحالية. الفيلم يسجل اللحظة الراهنة، والأجواء التي عرفناها وعشناها، قبل أن يطرأ أي تغيير. إذ إن أي تأهيل للمسرح سيفقد الصوت تردداته بمقدار 60 في المائة».

عبر قصص الطفولة في القبة، وتجاريب زيارتها، والتقاط الصور، وإطلاق الحنجرة على مداها لسماع صوتك مكرراً عشرات المرات، يتحدث الحلاق عن «شعوره بالانبهار، وأحياناً الفزع. لأن الصوت غير مرئي يمكنه أن يكون أكثر تأثيراً في الروح من الصورة، لهذا هناك إحساس بالرهبة في الكنائس التي يعتنى فيها بتوزيع الصوت بشكل خاص».

مسرح القبة من الداخل ويبدو أحد المداخل والحديد المتدلي من السقف ويتسبب في ترددات الصدى (الشرق الأوسط)

لا ييأس محبو المعرض، ويأملون بأن تنتعش الحياة فيه. يخبرنا الحلاق بأن البعض لشدة ما أهمل هذا المشروع، يقولون لنا نحن الساعين لإحيائه: «لا تتعبوا أنفسكم هذا المكان منحوس».

لكن الإصرار بدأ باكراً. كان فراس الحلاق يزور المعرض ويجرب العزف وصوت الموسيقى، ويصور ولا يعرف ما سيفعله بتسجيلاته. سنوات وهو يفعل ذلك. «كنت أفكر في توليف (يوتيوب) مثلاً، إلى أن تبلورت الفكرة، وجاء التمويل، وخرج الفيلم إلى النور. الزيارة إلى المعرض، كانت نوعاً من تعميق الوعي بالمكان، وإعادة تفكير بما يمكن أن نفعله في هذا الصرح بدل تركه منسياً».

ثمة خلاف حقيقي على طريقة ترميم مسرح القبة، وخوف من أن يساء إلى جماليته. صمم المهندس نيماير في حياته 16 قبة، كل منها لمبنى بوظيفة مختلفة، منها مبنى الحزب الاشتراكي في باريس، والمتحف المعروف ببرازيليا. لهذا يعتقد الحلاق أن هذه القبة بما لها من قيمة هندسية وفنية، تستحق عناية خاصة.

فيلم «جلسات القبة» يحاول أن يفي هذا الإبداع المعماري المنسي حقه. يخلط العمل بين الوثائقي والواقعي والشهادات الحية والتاريخي والإنساني. نرى رئيس الجمهورية شارل حلو في المعرض يطّلع على الخرائط، نسمع شهادات حول علاقة السكان بالمبنى، ثم تطل علينا فرقة كورال الفيحاء داخل المسرح وهي تغني زهرة المدائن، لقطات ليلية وأخرى نهارية، من زوايا مختلفة، كي تتمكن من التقاط روح المكان التي يصعب القبض عليها. ها هي دبابات الجيش السوري متمركزة في المعرض. 22 سنة تحولت هذه التحفة المعمارية إلى مركز عسكري. عاد السلام لكن هذا المسرح الذي يتسع لأكثر من ألف متفرج بقي متوارياً، غائباً، أو مغيباً. «قد يكون الأمر مقصوداً» يستدرك فراس الحلاق: «إذ كيف يمكن تفسير ستة عقود من التعثر والفشل في استثمار هذا الكنز، الذي لا مثيل له في المنطقة كلها».

تعاضد بين الفنون، وتشابك في الأهداف. فالمكان الجميل الذي أخصب أحلام الطفولة ومخاوفها يتحول إلى موضوع فيلم يرينا العلاقة الوثيقة بين الهندسة والموسيقى والسينما، وانعكاس كل ذلك على الذات الإنسانية.

بعد عرضه في عدة مناسبات، يتهيأ الفيلم لجولة في مهرجانات، حاملاً رسالة مسرح يستغيث، وحلم هندسي يخشى أن يتحول إلى خراب.

يستدعي الشريط ربطاً ضمنياً، بين ما آل إليه حال هذا المسرح الجميل الذي لم يكتمل يوماً، وأزمات الدولة اللبنانية وارتباكها المستمر. وكأنما من الصعب بناء دولة إذا كنت غير قادر على إكمال بناء مجرد مسرح.



«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.